الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالنجاة لا تكون إلا بالعمل بالكتاب والسنة، والتركيز على وحدة المعبود والمتبوع والمنهج.
إذًا من هي الفرقة الناجية؟ دعونا نحصر الأمر بين الفرقتين:
السنة والشيعة
، فيا ترى أهي السنة، أم هي الشيعة بفرقها، وبزعم أن الرافضة من فرق الشيعة، إن الحُكم الفصل لا يكون إلا بدراسة ما كان عليه الناس في عهد النبوة، وعهد الخلافة الراشدة، لكن يجب أن تكون الدراسة بصدق وأمانة وتجرد، فلا غش ولا كذب، ولا تأويل ولا تحريف، بل دراسة خالصة بغية الوصول إلى الحق، واعتماده بوضوح وجلاء، بغير هذا المنهج، ستكون محاولات التقريب المتناثرة هنا وهناك إضافة لآلاف الكتب المؤلفة في الخلاف بين السنة والشيعة، فلن تغير من الأمر شيئا لأنها لم تُرزق الإخلاص والتجرد، بل تزيد الطين بلة، فهلموا إلى كلمة سواء، نبحث عن الحق وحتما سنجده، ولنجعل الحَكَم بيننا عهد النبوة، والخلافة الراشدة، ونستوعب النصوص من الكتاب والسنة، بما تدل عليه بشفافية، وروح إسلامية، من غير غلو ولا تأويل ولا تحريف، فإذا لم يتم هذا فإن بقاء الصراع بين الفرقتين سيبقى حتى يحكم الله بين عباده، وهو أحكم الحاكمين.
السنة والشيعة
لم يعرف المسلمون هذه التسمية في عهد النبوة ولا عهد الخلافة الراشدة، وإن كان وجد شيء من الميل لعلي رضي الله عنه عند بعض المسلمين بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ميل فطري وله ما يبرره، فإن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي معلومة أسبابها فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لأبي طالب مناصرة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم (1)، وعلي رضي الله عنه هو
(1) يكفي دليلا عليها قول أبي طالب في لاميته:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم **
…
فهم في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله يبزى محمد **
…
ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله
…
**
…
ونذهل عن أبنائنا والحلائل
"الاستذكار 2/ 433".
ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من آمن به من الصبيان، وهو البائت في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمر بالهجرة، ولهذا العمل العظيم أثره في مقام علي رضي الله عنه ليس عند رسول الله وحده، بل عند الأمة بأسرها، فقد عرّض نفسه للهلاك فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو زوج ابنته فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة؛ أو نساء المؤمنين (1)، رضي الله عنها، وهو أبو الحسنين رضي الله عنهما سيدي شباب الجنة (2)، وهو المشهود له بمحبة الله ورسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لأعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (3)، وهو المشهود له بالجنة، فكان من الطبعي أن يتطلع لولاية أمر المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم للأسباب ذاتها، ولغيرها من الفضائل، ولم يدر بخلده سوى أن المسلمين لن يختلفوا عليه لما يُرى من مكانته من رسول الله، ولمحبة المسلمين له رضي الله عنه، مع اعترافه بفضل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم؛ وكان أمر تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم أهم من ذلك فبدأ به ولم يحضر إلى سقيفة بني ساعدة، هذا كل ما عُرف من أمر علي رضي الله عنه في شأن الخلافة، لكن لفراغ موقع القيادة النبوية للمسلمين ولأهمية ملء ذلك الفراغ، بادر بعض الصحابة رضي الله عنهم وهم عدد قليل من خيار الصحابة وفضلائهم، وعلي نفسه رضي الله عنه لا يشك في ذلك، بل أكده فيما بعد، وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه ممن بادر في جمع من الأنصار إلى السقيفة دون علم المهاجرين متطلعا إلى ولاية أمر المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر طبعي أيضا وله مبرراته، فإنه شيخ الخزرج، وهو أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية، وأحد النقباء الاثني عشر (4)، وكان سيداً في الأنصار، مقدماً وجيهاً له رياسة وسيادة، يعترف قومه له بها (5)، وكان من مستشاري رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وسعد بن معاذ، دون سائر الأنصار رضي الله عنهم، لأنهما سيدي قومهما، أشار عليه في غزوة بدر، ويوم الخندق، وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بيد سعد بن عبادة رضي الله عنه (6)، فرأى أن من حقه وحق قومه أن يلي أمر
(1) البخاري حديث (3624) وفي مواضع عدة، ومسلم حديث (2450).
(2)
ابن حبان حديث (6960).
(3)
البخاري حديث (3009) وفي مواضع عدة، مسلم حديث (2404) وفي مواضع ..
(4)
الإكمال 1/ 253.
(5)
الاستيعاب 1/ 178.
(6)
الاستيعاب 1/ 179 ..
المسلمين، وحضر من المهاجرين أبو بكر وعمر وأبو عبيدة رضي الله عنهم لما علموا باجتماع الأنصار على رأس سيدهم، فتكلم أبو بكر رضي الله عنه؛ حمد الله وأثنى عليه ثم قال:"يا معشر الأنصار، إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا، ولكنكم قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب، ليس بها غيرهم، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام، ولا تكونوا أول من أحدث في الإسلام، ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - قال عمر: لي، ولأبي عبيدة بن الجراح - فأيهما بايعتم فهو لكم ثقة"، قال: عمر رضي الله عنه "فو الله ما بقي شيء كنت أحب أن أقوله إلا وقد قاله يومئذ، غير هذه الكلمة - يعني ترشيحه - فو الله لأن أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا في غير معصية، أحب إلي من أن أكون أميرا على قوم فيهم أبو بكر، قال: ثم قلت: يا معشر الأنصار، يا معشر المسلمين، إن أولى الناس بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده ثاني اثنين إذ هما في الغار: أبو بكر السبّاق المبين، ثم أخذت بيده وبادرني رجل من الأنصار، فضرب على يده قبل أن أضرب على يده، ثم ضربت على يده وتتابع الناس"(1)، فصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها:«ادعي لي أباك وأخاك، حتى اكتب لأبي بكر كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (2)، ولم يكتب صلى الله عليه وسلم شيئا، وأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر رضي الله عنه، واجتمعت عليه الكلمة، ولم ينازع في ذلك بقول ولا فعل، لا من الأنصار وسيدهم سعد بن عبادة رضي الله عنهم، ولا من علي وبني هاشم رضي الله عنهم، وعلموا أن ذلك اختيار من الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وخرج من المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بحوران من أرض الشام (3) قد يكون في نفسه شيء، لكنه رضي الله عنه لم ينازع في الأمر، ولم يغمز أبا بكر ولا أحدا من المهاجرين؛ فهو يعلم مكانة أبي بكر في الإسلام وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكي يحمي نفسه من حب السيادة على الأمة خرج من
(1) أخرجه ابن أبي شيبة، المصنف (8/ 571).
(2)
أخرجه مسلم حديث (2387) ..
(3)
الاستيعاب 1/ 179.
المدينة إلى الشام، وطابت نفس علي رضي الله عنه وبايع أبا بكر، وسارت الأمور على خير ما يرام، حتى وفاة عثمان رضي الله عنه والوحدة الإسلامية في أوج كمالها بحماية الله ثم حماية أبي بكر والمسلمين لها، لم يسع الناس إلا بمسمى واحدا للمسلمين: فيرددون: فتح المسلمون، خرج المسلمون، انتصر المسلمون، عاد المسلمون، لا خوارج ولا شيعة ولا صوفية، ولا أي بلية أخرى.
فكانت البلوى بعد البلية الأولى قتل عثمان رضي الله عنه المشهود له بالجنة عليها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استأذن عثمان بعد استئذان أبي بكر وعمر رضي الله عنهم:«ائذن له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه» (1)، صدق رسول الله رضي الله عنه إنها بلوى ليست على عثمان المأجور عليها، بل على الأمة التي أصابها الصدع الأول في الوحدة الإسلامية، فكان قتل عثمان من قبل قوم تعدوا وظلموا ثلما مؤثرا في جسد الأمة، وهو الباب الذي كسر على قولٍ، وقيل الباب عمر، وهو ما أخبر به حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال عمر رضي الله عنه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيكم سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ "، فقال حذيفة: أنا سمعته يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، يكفر ذلك الصوم والصلاة والصدقة» فقال عمر: "ليس هذا أريد ولكن قوله في الفتنة التي تموج كموج البحر، يتبع بعضها بعضا" قال: "فلا تخفها يا أمير المؤمنين فإن بينك وبينها بابا مغلقا" فقال: "كيف بالباب أيفتح، أو يكسر؟ "، قال:"بل يكسر، ثم لا يغلق إلى يوم القيامة"(2)، والمراد بكسر الباب قتل عثمان رضي الله عنه، أو قتل عمر، وفعلا هو الباب الذي كسر بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبر بالكسر إشارة إلى عدم إمكان إصلاحه ليغلق مرة أخرى أمام الفتن، فلا غلق إلى قيام الساعة، وتتوالى الفتن من ذلك الحدث إلى أن تقوم الساعة، ولذلك كثر التحذير من الفتن؛ لأنها ابتلاء واختبار من الله عز وجل لهذه الأمة، وقل من يجوز ذلك بنجاح، قال تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (3)، وهي تمحيص للإيمان، ولكن المبعوث رحمة
(1) البخاري حديث (3674).
(2)
الفتن لنعيم بن حماد 1/ 23 ..
(3)
الآية (155) من سورة البقرة.
للعالمين صلى الله عليه وسلم، أشار لما هو واقع منها لا محالة، نصحا بلزوم منهج الكتاب والسنة للنجاة منها؛ لأن الفتنة محنة شديدة في الدين، ولذلك عمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصص، وكل ما جاء عن الصحابة في أمر الفتن فهو منقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك من علم الغيب الذي أطلع الله عليه نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ليعلم حال أمته من بعد، ويحذرها من أهوال الفتن لينجو منها من كتب الله له النجاة، ومن ذلك قول أنس بن أبي مرثد الأنصاري رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتنة بكماء صماء عمياء، المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن أبى فليمدد عنقه» (1)، ولا أظنها والله إلا فتنة قتل عثمان رضي الله عنه، ومن بعد ذلك ما حدث بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
فالفتن كثيرة وردت فيها أحاديث كثيرة مذكورة في مظانها من كتب السنة، وفيها كتب خاصة، فليكن المؤمن العاقل محتاطا لدينه، فإن الفتن على وجوه كثيرة، قد مضى منها فتن عظيمة نجا منها أقوام، وهلك فيها أقوام، باتباعهم الهوى وإيثارهم للدنيا، فمن أراد الله تعالى به خيرا فتح له باب الدعاء والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحفظ لسانه وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة والسواد الأعظم، ولم يتلوَّن في دينه، وعبد ربه عز وجل فترك الخوض في الفتنة، فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحذر أمته الفتن؟ فقال عليه الصلاة والسلام:«يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا» (2)، ومن أعظم الفتن في هذا الزمان فتنة المال والنساء، وفتنة الأفكار الهدامة، لأنها تنشر بدعوى التحرير والتجديد والتطوير، بل هناك من تجرأ وقال: سبب تأخر المسلمين الإسلام، بل منهم من قال: القرآن كان وراء تخلف المسلمين، فصدق على المتمسكين بمنهج الكتاب والسنة قول النبي صلى الله عليه وسلم:«يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (3).
(1) الشريعة 1/ 50.
(2)
انظر: الشريعة 1/ 50.
(3)
الترمذي حديث (2260).
حدث أول خلاف في الإسلام لم يجبر، كان عثمان رضي الله عنه الباب الذي كسر لتندلع الفتن في الأمة، الفتنة تلو الفتنة لأسباب وأغراض شتى، فلعن الصحابة من قتل عثمان رضي الله عنه، ولعنت عائشة، وأمَّن الناس، فسمع ذلك على رضي الله عنه فقال:"اللهم العن قتله عثمان، اللهم العن قتله عثمان (1)، وقام خطيباً فحمد الله، وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة، وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم حدث هذا الحدث، الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، وحسدوا من أفاءها الله عليه وعلى الفضيلة، وأرادوا رد الإسلام والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره"(2)، وصدق علي رضي الله عنه فيما قال، ولكن الضلال أخذ من قتلة عثمان مأخذه، وطالب الناس عليا بقتل قتلة عثمان، حتى إن الزبير ابن عمة على رضي الله عنهم خرج لقتال علي ومعه طلحة وأم المؤمنين عائشة، فالتقى عليا رضي الله عنهما، وتحاورا حول ذلك الأمر إلى أن قال علي للزبير رضي الله عنهما:"تذكر يوم مررت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم في بني غنم فنظر إلي فضحك وضحكت إليه، فقلتَ له: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت ظالم له» قال الزبير: اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً"، فانصرف علي إلى أصحابه فقال:"أما الزبير فقد أعطى الله عهداً أن لا يقاتلكم"، ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها:"ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا"، قالت:"فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب"(3)، لكنها فتنة هاج الناس فيها وماجوا، وصاروا مختلفين في الرأي والغاية، منهم المنتصر لعثمان رضي الله عنه، ومنهم المنتصر لعلي رضي الله عنه، ومنهم الطامع فيما وراء ذلك من حظ الدنيا.
(1) الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء 4/ 390.
(2)
الكامل 2/ 41.
(3)
الكامل 2/ 44 ..