الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمر بين الحياة والموت:
حج عمر رضي الله عنه بالناس عشر سنين متوالية، ثم صدر إلى المدينة، ليتلقى طعنة من يد آثمة ملعونة، لقد كان الحدث فاجعة كبرى، خاف المسلمون أن يسترد ملوك الفرس والروم قوتهم بفقد المؤمنين أميرهم، فاجتمعوا في خلوة عن عمر رضي الله عنه، وفكروا في الأمر، وحداهم الأمل أن يستخلف عليهم.
فعادوا وقالوا له: "أوصنا يا أمير المؤمنين، قال: أوصيكم بالقرآن فتمسكوا به، فبه هدى اللهُ نبيّكم وهداكم من بعده، وفيه نجاتكم.
قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالمهاجرين والانصار وذكر فضلهم.
قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالعرب فإنهم مادة الاسلام.
قالوا: أوصنا، قال: اوصيكم بذمتكم فإنهم ذمة نبيكم وقوت عيالكم (1).
قالوا: أوصنا، قال: قوموا عني وإلا قمت عنكم. فلما رآه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذكر أحدا للخلافة، ابتدأ ابن عباس رضي الله عنه يسأله الاستخلاف، وافتتح الكلام، فقال عمر رضي الله عنه:"قد توليتها حياتي، واجتهدت لكم رأيي، ونصحت لكم جهدي، ومنعت نفسي وأهلي، وأرجو أن أنجو منها كَفافا لا عليّ ولا لي"، فأَثْنَوا، وابتدأ علي رضي الله عنه يبشره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقال له: وأشار الى ابن عباس يشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما شهدتُ، وسأله غيرهما الاستخلاف، فقال:"ما أحب أن أتحملها حيا وميتا"، قالوا: بل تفعل، ولك في ذلك الأجر، انظر يا أمير المؤمنين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: دلوني على من أستخلف، فقال له المغيرة: أنا أدلك عليه: عبد الله بن عمر، فقال له عمر: والله ما أردت بذلك الله، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين، وما يمنعك من إخوانك، وأشار إلى عليّ، وعثمان، وعبد الرحمن، وتلك الجماعة رضي الله عنهم، فقال عمر: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبابكر رضي الله عنه - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم قال: هي في واحد من هؤلاء الستة: الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقبض وهو عنهم راض: علي، وعثمان ابنا عبد مناف، وسعد وعبد الرحمن خالا رسول
(1) يريد أهل الذمة من اليهود والنصارى، الذين آثروا دفع الجزية على الدخول في الإسلام، والمراد بقوت العيال ما يؤخذ من الجزية مقابل الرعاية والحماية.
الله صلى الله عليه وسلم، والزبير حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلحة وقاية رسول الله صلى الله عليه وسلم "، ثم حذر كل واحد منهم من خلق كرهه له.
وقال لعلي: "إن وُليتَ هذا فاعدل، ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، وقال لعثمان: إن وليتَ هذا فاعدل، ولا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ثم أقبل على عمار، ومقداد رضي الله عنهما: في أن يكونا في ثلاثين من المهاجرين، وقال لأبي طلحة الانصاري رضي الله عنه: إن الله لم يزل يعزّ هذا الاسلام بقومك، فكن في خمسين منهم، فإذا متُّ فليصلّ عليّ صهيب، وليصلّ بالناس إلى أن يقيموا خليفة، وكونوا عليهم رقباء، لئلا يستبدّ مستبد، وقال: لا يأتي اليوم الثالث إلا وقد أقمتم أحدا من هؤلاء الستة خليفة، وجدّوا في أمركم، وجاهدوا عدوكم"، فلما قبض أنفذوا وصيته كما رسم رضي الله عنهم (1)، رحل عمر بعد ما أدى الأمانة ونصح للأمة، وقد ورد في وصية عمر رضي الله عنه ما يبطل دعوى الرافضة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي، والعجب أن عمر رضي الله عنه قال هذا في جمع غفير من الصحابة رضي الله عنهم ومنهم علي رضي الله عنه، فلا علي رضي الله عنه أنكر وادعى الوصية، ولا الصحابة رضي الله عنهم أنكروا ذلك من عمر رضي الله عنه، ولم ينكروا على علي رضي الله عنه عدم اعتراضه على قول عمر في عدم استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاسيما وقد قال له:"إن وُليتَ هذا فاعدل، ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس" وفي رواية أنه بعد أن سمى الستة رضي الله عنهم، وهم من المبشرين بالجنة قال: "يشهدكم عبد الله ابن عمر، وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، أن يقبل من محسنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباية المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله،
(1) دلائل النبوة 1/ 276 - 279 ..
وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم" (1).
مات مقتولا يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة قتله أبو لؤلؤة فيروز المجوسي في صلاة الصّبح، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقد كتب الله له الشهادة على يد ذلك المجوسي الخاسر في الدنيا والآخرة، وصلّى عليه صهيب رضي الله عنه، وقبر في حجرة عائشة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر رضي الله عنه، القمر الثالث حسب رؤيا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (2)، وكان قاتله فيروز، أبو لؤلؤة، لعنه الله: غلام المغيرة بن شعبة، المُمجد عند الرافضة، أعداء الإسلام والمسلمين.
وكانت ولايته رضي الله عنه عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال. ولا ريب أنه حصل للأمة خير كثير باستخلاف أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، روى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "وُضِعت جنازة عمر، فقام الناس يدعون وأنا فيهم، فوضع رجل يده على منكبي. فالتفت، فإذا عليٌّ، فأوسعت له، فزاحم عليه وقال: ما خلفتَ بعدك أحدا أحب إليَّ من أن ألقى الله بمثل عمله منك، وإن كنت أظن أن الله سيجعلك مع صاحبيك، وأكثر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر» قد كنت أظن أن الله سيجعلك معهما (3)، نعم المقدر علي رضي الله عنه.
(1) البخاري حديث (3700).
(2)
موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري حديث (974).
(3)
السنة لابن أبي عاصم حديث (1210) وانظر (البخاري حديث 3685).