المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌التحذير من صحبته - بدائع السلك في طبائع الملك - جـ ٢

[ابن الأزرق]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌فِي التحذير من تِلْكَ الْمَحْظُورَات

- ‌الْمَحْظُور الأول

- ‌اتِّبَاع الْهوى

- ‌الْمَحْظُور الثَّانِي

- ‌الترفع عَن المداراة

- ‌الْمَحْظُور الثَّالِث

- ‌قبُول السّعَايَة والنميمة

- ‌الْمَحْظُور الرَّابِع

- ‌اتِّخَاذ الْكَافِر وليا

- ‌الْمَحْظُور الْخَامِس

- ‌الْغَفْلَة عَن مُبَاشرَة الْأُمُور

- ‌فِي جَوَامِع مَا بِهِ السياسة الْمَطْلُوبَة من السُّلْطَان وَمن يَلِيهِ

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌فِي سياسة السُّلْطَان

- ‌السياسة الأولى

- ‌الْجُمْلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِي

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة

- ‌شَهَادَة عيان

- ‌الْجُمْلَة الثَّانِيَة

- ‌الْحق الأول

- ‌الْفَائِدَة الأولى

- ‌الْفَائِدَة الثَّانِيَة

- ‌الْفَائِدَة الثَّالِثَة

- ‌الْحق الثَّانِي

- ‌تحذير

- ‌الْحق الثَّالِث

- ‌الْحق الرَّابِع

- ‌الْحق الْخَامِس

- ‌الْإِشَارَة الثَّانِيَة

- ‌الْإِشَارَة الثَّالِثَة

- ‌السياسة الثَّانِيَة

- ‌سياسة الْأُمُور الْعَارِضَة

- ‌ الْجِهَاد

- ‌الْعَارِض الأول

- ‌الْمَسْأَلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ

- ‌الْعَارِض الثَّانِي

- ‌السّفر

- ‌الْمَسْأَلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة

- ‌الْعَارِض الثَّالِث

- ‌الشدائد النَّازِلَة

- ‌التَّذْكِير الأول

- ‌التَّذْكِير الثَّانِي

- ‌التَّذْكِير الثَّالِث

- ‌التَّذْكِير الرَّابِع

- ‌التَّذْكِير الْخَامِس

- ‌الْحِكَايَة الأولى

- ‌الْحِكَايَة الثَّانِيَة

- ‌الشدَّة الأولى

- ‌الشدَّة الثَّانِيَة

- ‌الشدَّة الثَّالِثَة

- ‌فَائِدَة فِي تَنْبِيه

- ‌الْعَارِض الرَّابِع

- ‌الرسَالَة

- ‌الرِّعَايَة الأولى تحقق أَن موقع الرَّسُول من السُّلْطَان موقع الدَّلِيل من الْمَدْلُول وَالْبَعْض من الْكل فَفِي سياسة أرسطو اعْلَم أَن الرَّسُول يدل على عقل من أرْسلهُ إِذْ هُوَ عينه فِيمَا لَا يرى وَأذنه فِيمَا لَا يسمع وَلسَانه عِنْدَمَا غَابَ عَنهُ وَقَالُوا الرَّسُول قِطْعَة من الْمُرْسل

- ‌الرِّعَايَة الثَّانِيَة

- ‌الرِّعَايَة الثَّالِثَة

- ‌الرِّعَايَة الرَّابِعَة

- ‌الرِّعَايَة الْخَامِسَة

- ‌الرِّعَايَة السَّادِسَة

- ‌الرِّعَايَة السَّابِعَة

- ‌الرِّعَايَة الثَّامِنَة

- ‌الرِّعَايَة التَّاسِعَة

- ‌الرِّعَايَة الْعَاشِرَة

- ‌الْعَارِض الْخَامِس

- ‌الْوُفُود

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌فِي سياسة الْوَزير

- ‌السياسة الأولى

- ‌سياسة لنَفسِهِ

- ‌الضَّرْب الأول

- ‌المعتقدات العلمية

- ‌المعتقد الأول

- ‌المعتقد الثَّانِي

- ‌المعتقد الثَّالِث

- ‌المعتقد الرَّابِع

- ‌المعتقد الْخَامِس

- ‌الضَّرْب الثَّانِي

- ‌العزائم العلمية

- ‌الْعَزِيمَة الأولى

- ‌الْعَزِيمَة الثَّانِيَة

- ‌الْعَزِيمَة الثَّالِثَة

- ‌الْعَزِيمَة الرَّابِعَة

- ‌الْعَزِيمَة الْخَامِسَة

- ‌السياسة الثَّانِيَة

- ‌سياسة السُّلْطَان

- ‌الْأَدَب الرَّابِع

- ‌الْأَدَب السَّادِس

- ‌الْأَدَب السَّابِع

- ‌الْأَدَب الثَّامِن

- ‌الْأَدَب التَّاسِع

- ‌الْأَدَب الْعَاشِر

- ‌النَّوْع الثَّانِي

- ‌المتقي

- ‌السياسة الثَّالِثَة لخواص السُّلْطَان

- ‌وَسَائِر أَرْبَاب الدولة

- ‌الطَّبَقَة الأولى المسالمون

- ‌المدارة الأولى

- ‌المدارة الثَّانِيَة

- ‌المدارة الثَّالِثَة

- ‌المدارة الرَّابِعَة

- ‌المدارة الخانسة

- ‌الطَّبَقَة الثَّانِيَة

- ‌المتطلعون إِلَى مَنْزِلَته

- ‌الْمُقَابلَة الأولى

- ‌الْمُقَابلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمُقَابلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمُقَابلَة الْخَامِسَة

- ‌فِي سياسة سَائِر الْخَواص والبطانة

- ‌فِي صُحْبَة السُّلْطَان وخدمته

- ‌الْمُقدمَة الأولى

- ‌فِي التَّرْهِيب من مخالطته

- ‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة

- ‌التحذير من صحبته

- ‌خَاتِمَة إِفَادَة

- ‌فِي وَاجِبَات مَا يلْزم السُّلْطَان سياسة الْقيام بهَا وَفَاء بعهدة مَا تحمله وطولب مِنْهُ وَالْمَذْكُور مِنْهَا جملَة

- ‌الْوَاجِب الثَّالِث

- ‌إِقَامَة الْحُدُود

- ‌الْوَاجِب الرَّابِع

- ‌عُقُوبَة الْمُسْتَحق وتعزيزه

- ‌الْوَاجِب الْخَامِس

- ‌رِعَايَة أهل الذِّمَّة

- ‌الْكتاب الرَّابِع

- ‌فِي عوائد الْملك وعوارضه

- ‌فِي عوائق الْملك الْمَانِعَة من دَوَامه

- ‌النّظر الأول

- ‌فِي التَّعْرِيف بالعوائق المنذرة بِمَنْع دوَام الْملك

- ‌النّظر الثَّانِي

- ‌فِي التَّعْرِيف بكيفية طروق الْخلَل إِلَى الدول

- ‌بَيَان طروق الْخلَل فِي المَال

- ‌فِي عوارض الْملك اللاحقة لطبيعة وجوده

- ‌ فِي عوارض الْملك من حَيْثُ هُوَ

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌فِي اخْتِيَار الْمنَازل الحضرية الِاجْتِمَاع

- ‌الْفَصْل الثَّالِث

- ‌فِي اكْتِسَاب المعاش بِالْكَسْبِ والصنائع وَفِيه مسَائِل

- ‌الْفَصْل الرَّابِع فِي اكْتِسَاب الْعُلُوم

- ‌الخاتمة فِي سياستي الْمَعيشَة وَالنَّاس

- ‌الْمُقدمَة الأولى فِي التَّقْوَى

- ‌وفيهَا مسَائِل

- ‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِي حسن الْخلق

- ‌السياسة الأولى

- ‌سياسة الْمَعيشَة

- ‌المطلع الأول

- ‌فِي كليات مِمَّا تدبر بِهِ الْمَعيشَة من جَانب الْوُجُود وَفِيه انارات

- ‌المطلع الثَّانِي

- ‌فِي أُمَّهَات مِمَّا تحفظ بِهِ من جَانب الْعَدَم وَفِيه اضاءات

- ‌السياسة الثَّانِيَة

- ‌سياسة النَّاس

- ‌وَقبل التَّلْخِيص لَهَا فَهُنَا مُقَدمَات

- ‌مسكة الختام

الفصل: ‌التحذير من صحبته

قلت وَمثله قَول ابْن الْعَرَبِيّ صُحْبَة الظَّالِم على التقية مُسْتَثْنَاة من النَّهْي حَال الِاضْطِرَار

‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة

‌التحذير من صحبته

قَالَ الطرطوشي اتّفقت حكماء العربوالعجم ووصاياهم على النَّهْي من صُحْبَة السُّلْطَان

قلت وَالْمَذْكُور هُنَا من الْغرَر قرروه بَيَانا لعِلَّة ذَلِك النَّهْي جملَة

الْغرَر الأول ندور الْإِخْلَاص والسلامة فِيهَا فَفِي دمنة وكليلة ثَلَاثَة لَا يسلم مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل صُحْبَة السُّلْطَان وائتمان النِّسَاء على الْأَسْرَار وَشرب السم على التجربة

وَكَانَ يُقَال قد خاطر بِنَفسِهِ من ركب الْبَحْر وَأعظم مِنْهُ خطرا صُحْبَة السُّلْطَان فَإِن من صحب السُّلْطَان فقد لبس شعار الْغرُور

الْغرَر الثَّانِي فَوَات قيام خَيرهَا بشرها قَالَ الطرطوشي لَا يتكافأ خير السُّلْطَان وشره لِأَن خَيره لَا يعدو مزيدا لمَال وَشر السُّلْطَان قد

ص: 113

يزِيل المَال ويتلف النَّفس الَّتِي بهَا طلب الْمَزِيد وَلَا خير فِي الشَّيْء الَّذِي سَلَامَته مَال وجاه وَفِي نكبته الْجَائِحَة والتلف

قَالَ وَلِهَذَا قيل للعتابي لم لَا تصْحَب السُّلْطَان على مَا فِيك من الْأَدَب

قَالَ لِأَنِّي رَأَيْته يُعْطي عشرَة آلَاف فِي غير شَيْء ويردي من السُّور فِي غير شَيْء وَلَا أَدْرِي من أَي الرجلَيْن أكون

الْغرَر الثَّالِث تعرض قَاصد الصّلاح بهَا لعودها عَلَيْهِ بِالْفَسَادِ قَالَ مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ لي عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه يَا مَيْمُون احفظ عني أَرْبعا لَا تصحبن سُلْطَانا وَإِن أَمرته بِالْمَعْرُوفِ ونهيته عَن الْمُنكر وَلَا تخلون بِامْرَأَة وَإِن أقرأتها الْقُرْآن وَلَا تصلن من قطع رَحمَه فَإِنَّهُ لَك قَاطع وَلَا تتكلمن بِكَلَام الْيَوْم تعتذر مِنْهُ غَدا

قَالَ الطرطوشي وَكم قد رَأينَا وبلغنا عَمَّن صحب السُّلْطَان من أهل الْفضل وَالْعلم وَالْعقل وَالدّين لمصْلحَة ففسد هُوَ بِهِ

الْغرَر الرَّابِع حرمَان سَعَادَة من ابتلى بهَا فِي دمنة وكليلة من ابتلى بِصُحْبَة السُّلْطَان فَلَا سَعَادَة لَهُ فَإِنَّهُم لَا عهد لَهُم وَلَا وَفَاء وَلَا حميم وَلَا قريب

ص: 114

وَلَا يكرم عَلَيْهِم أحدا إِلَّا أَن يطمعوا فِيهِ فيقربوه عِنْد ذَلِك فَإِذا قضوا حَاجتهم تَرَكُوهُ

الْغرَر الْخَامِس تردد صَاحبهَا بَين فَوت اللَّذَّة إِن قصد اللَّذَّة إِن نصح أَو تحمل الْوزر إِن خَان قَالَ ابْن المقفع لِابْنِهِ إِن وجدت من السُّلْطَان وصحبته غنى فاغن نَفسك عَنهُ واعتزله جهدك فَإِنَّهُ من يَأْخُذهُ السُّلْطَان بِحقِّهِ يحل بَينه وَبَين لذات الدُّنْيَا وَمن لَا يَأْخُذهُ بِحقِّهِ يكسبه الفضيحة فِي الدُّنْيَا والوزر فِي الْآخِرَة

قلت وَبِذَلِك اعْتَرَفُوا بوضوح الْأَمر فِيهِ فيحكى عَن زِيَاد أَنه قَالَ لجلسائه من أغبط النَّاس عَيْشًا قَالُوا لأمير وجلساؤه قَالَ مَا صَنَعْتُم شَيْئا إِن لأعواد الْمِنْبَر لهيبة وَإِن لقرع لجام الْبَرِيد لروعة وَلَكِن أغبط النَّاس عِنْدِي رجل لَهُ دَار لَا يجْرِي عَلَيْهِ كراؤها وَزَوْجَة صَالِحَة قد رضيته ورضيها فهما راضيان بعيشهما لَا يعرفونا وَلَا نعرفهم فَإِنَّهُ إِن عرفنَا وعرفناه أتعبنا ليله ونهاره وأذهبنا دينه ودنياه

أَحدهمَا فِي حكم الْهِنْد إِنَّمَا مثل السُّلْطَان فِي قلَّة وفائه فِي أَصْحَابه وسخاء نَفسه عَمَّن فَقده مِنْهُم مثل الصَّبِي والمكتب كلما ذهب وَاحِد جَاءَ الآخر

قلت السُّلْطَان إِذا انْقَطع عَنْهُم فَهِيَ الأولى فأرحامهم مَقْطُوعَة وحبالهم مصرومة إِلَّا من رَضوا عَنهُ فِي ساعتهم ووقتهم

ص: 115

الثَّانِي فِيهَا أَيْضا صُحْبَة السُّلْطَان على مَا فِيهَا من الْعِزّ والثروة عَظِيمَة الْخطر إِنَّمَا تشبه بالحبل الوعر فِيهِ الثِّمَار الطّيبَة وَالسِّبَاع العادية والثعابين الْمهْلكَة والارتقاء إِلَيْهِ شَدِيد وَالْمقَام فِيهِ أَشد

خَاتِمَة من منظوم التحذير وغبطة التَّخَلُّف عَن صُحْبَة السُّلْطَان قيل

(إِن الْمُلُوك بلَاء حَيْثُمَا حلوا

فَلَا يكن لَك فِي أَكْنَافهم ظلّ)

(مَاذَا يؤمل من قوم إِذا غضبوا

جاروا عَلَيْك وَإِن أرضيتهم ملوا)

(وَإِن نصحت لَهُم ظنوك تخدعهم

واستثقلوك كَمَا يستثقل الْكل)

(فاستغن بِاللَّه عَن أَبْوَابهم كرما

إِن الْوُقُوف على أَبْوَابهم ذل)

وَقَول آخر

(أنست بوحدتي ولزمت بَيْتِي

فطاب الْعَيْش لي وَصفا السرُور)

(وأدبني الزَّمَان فَلَا أُبَالِي

هجرت فَلَا أزار وَلَا أَزور)

ص: 116

(وَلست بسائل مَا دمت حَيا

أسار الْجند أم ركب الْأَمِير)

انعطاف إِذا تقرر مَحْذُور هَذَا الْأَمر عَاجلا وموعوده مَا هُوَ أدهى مِنْهُ آجلا فلصحبة السُّلْطَان على كَثْرَة غررها وتقصير نَفعهَا عَن ضرها آدَاب كَثِيرَة وشروط وَحُقُوق يبعد الْمَطْلُوب مِنْهَا والمشروط لَكِنَّهَا نَوْعَانِ فِي التَّحْصِيل وضربان فِي التَّقْسِيم الْخَاص للتفصيل مَا يتأدب بِفِعْلِهِ ترفعا لَدَيْهِ وترقيا وَمَا يتأدب بِتَرْكِهِ حذرا مِنْهُ وتوقيا وَرُبمَا جمع الغرضين وَشَمل المطلوبين المفترضين

النَّوْع الأول وَهُوَ جملَة آدَاب

الْأَدَب الأول أَن يتلطف لَهُ عِنْد الْخطاب لأمرين

أَحدهمَا أَن الله تَعَالَى قد أَمر باللين فِي القَوْل فِي مُخَاطبَة العظماء وان كفرُوا وَذَلِكَ فِي حق الْمُؤمن أوجب قَالَ الله تَعَالَى {فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى}

الثَّانِي أَن حسن التلطف فِي الْخطاب يحظى بنجح السَّعْي وبلوغ الْقَصْد لَا سِيمَا فِي مقَامي السُّؤَال والاستعطاف

حِكَايَة دخل معن بن زَائِدَة على الرشيد وَقد كَانَ وجد عَلَيْهِ

ص: 117

فَمشى يُقَارب الخطو فَقَالَ لَهُ كَبرت يَا معن قَالَ فِي طَاعَتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ وَإنَّك لجلد قَالَ على أعدائك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَرضِي عَنهُ وولاه

الْأَدَب الثَّانِي أَن يصغي لكَلَامه إِذا تكلم لأمرين

أَحدهمَا أَن ذَلِك من الْحُقُوق الَّتِي لَا يتَقرَّب أَرْبَاب الخصوصية بِأَفْضَل مِنْهَا بِحَسب الظَّاهِر

قَالَ الجاحظ من حق الْملك إِذا حدث بِحَدِيث أَن يصرف كل من حَضَره فكره وذهنه وَنَحْوه

فَقَالَ وَكَانَ عبد عَوْف يَقُول لم يتَقرَّب الْعَامَّة إِلَى الْمُلُوك بِمثل الطَّاعَة وَلَا العبيد بِمثل الْخدمَة وَلَا البطانة بِمثل حسن الِاسْتِمَاع

الثَّانِي أَن التأدب بِهِ بعيد بنيل الحظوة وترفيع الدرجَة

ص: 118

كَانَ روح بن زنباع يَقُول إِن أردْت أَن يمكنك الْملك من أُذُنه فَأمكن أُذُنك من الإصغاء إِلَيْهِ إِذا حدث

وَكَانَ مُعَاوِيَة يَقُول يغلب على الْملك حَتَّى يركب بشيئين شرف الْحلم عِنْد سورته والإصغاء إِلَى حَدِيثه

حِكَايَة قَالَ الجاحظ حكى عَن أبي بكر البرقي أَنه بَيْنَمَا هُوَ فِي مجْلِس أبي الْعَبَّاس إِذْ حدث أَبُو الْعَبَّاس بِحَدِيث من أَحَادِيث الْفرس فعصفت ريح فأوقعت طستاطينا من سطح إِلَى الْمجْلس فارتاع أَبُو الْعَبَّاس وَمن حَضَره وَلم يَتَحَرَّك أَبُو بكر لذَلِك وَلم تزل عينه مطالعة لأبي الْعَبَّاس

فَقَالَ لَهُ مَا أعجب شَأْنك يَا هَذَا لم يرعك مَا رَاعنا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله عز وجل يَقُول {مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه} وَإِنَّمَا للرجل قلب وَاحِد فَلَمَّا عمره السرُور بأمير الْمُؤمنِينَ لم يكن فِيهِ لحادث بِحَال مجَال وَإِن الله تَعَالَى إِذا أفرد لكرامة أحدا وَأحب أَن يبْقى لَهُ ذكرهَا جعل تِلْكَ الْكَرَامَة على لِسَان نبيه وخليفته وَهَذِه كَرَامَة خصصت بهَا مَال إِلَيْهَا ذهني وشغل بهَا فكري فَلَو انقلبت الخضراء على الغبراء لما أحسست بهَا إِلَّا بِمَا يلْزَمنِي فِي نَفسِي لأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس لِأَن بقيت لَك لأرفعن مِنْك موضعا لَا تَطوف بِهِ السبَاع وَلَا تنحط عَلَيْهِ العقبان

ص: 119

الْأَدَب الثَّالِث أَن يستشعر الصَّبْر فِي خدمته على كل حَال فَفِي الأفلاطونيات اسْتعْمل الصَّبْر فِي خدمَة الْمُلُوك لَيْسَ عِنْد الْمَكْرُوه وَحده وَلَكِن فِي المحبوب مثل أَن تصبر على مَا وَعدك وَلَا تكره بإنجازه

قلت وَذَلِكَ لأمرين

أَحدهمَا أَنه لَا ملْجأ لَهُ إِلَى البدار بِالنّظرِ فِي خَاص أَو عَام إِلَّا بعد الْفَرَاغ إِلَيْهِ مِمَّا هُوَ أهم فِي نفس الْأَمر أَو عِنْده وَحِينَئِذٍ فالصبر هُوَ المرجوع إِلَيْهِ وَمن ثمَّ قَالَ أفلاطون أَيْضا اصبر على سلطانك فلست بأكبر شغله وَلَا بك قوام أمره

الثَّانِي أَنه مَتى وَطن راجيه على مُلَازمَة الصَّبْر مَعَ إِسْقَاط الترفع عَن الخضوع لَهُ كَانَ أقرب لحُصُول مَقْصُوده فقد قيل من لزم بَاب السُّلْطَان بصبر جميل وكظم الغيظ وإطراح الأنفة وصل إِلَى حَاجته

حِكَايَة قيل أَنه قَامَ رجل على بَاب كسْرَى سنة فَلم يُؤذن لَهُ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب أكتب كتابا وخففه أوصله لَك فَقَالَ لَا أَزِيد على أَرْبَعَة أسطر فَكتب فِي السطر الأول الأمل والضرورة أقدماني على الْملك وَفِي الثَّانِي لَيْسَ مَعَ الْعَدَم صَبر على الْمطلب وَفِي الثَّالِث الرُّجُوع بِلَا إِفَادَة شماتة الْأَعْدَاء وَفِي الرَّابِع إِمَّا نعم مثمرة وَألا آمال ميؤسة فَوضع كسْرَى تَحت كل سطر عَلامَة انْصَرف بهَا بِسِتَّة عشر ألف دِرْهَم

الْأَدَب الرَّابِع أَن يَصْحَبهُ بالهيبة وَالْوَقار قَالُوا لِأَنَّهُ إِنَّمَا احتجب لأجل ذَلِك فَلَا يتْرك الهيبة مَعَه

قلت وَإِلَّا وَقع فِي محذورين

ص: 120

أَحدهمَا حَمَاقَة الدَّالَّة العائدة بِهَلَاك المجترئ بهَا عَلَيْهِ قيل لعبد الله بن جَعْفَر مَا الْخرق قَالَ الدَّالَّة على السُّلْطَان والوثبة قبل لعبد الله بن جَعْفَر مَا الْخرق قَالَ الدَّالَّة على السُّلْطَان والوثبة قبل الْإِمْكَان وَقَالَ ابْن المقفع أولى النَّاس بالتهلكة الْفَاحِشَة الْمُقدم على السُّلْطَان

الثَّانِي تَقْصِير الْأَنْفس بارتفاعها عَن تَعْظِيم الْمَزِيد من الْحُرْمَة والجديد من النِّعْمَة وَقد قيل إِذا زادك السُّلْطَان تأنيسا فزده إجلالا وَإِذا جعلك السُّلْطَان أَخا فاجعله أَبَا وَإِن زادك فزده

حِكَايَة يُقَال أَن يزدجرد رأى بهْرَام ابْنه بِموضع لم يكن لَهُ أَن يقف بِهِ فَقَالَ لَهُ مَرَرْت بالحاجب فَقَالَ نعم قَالَ وَعلم بدخولك قَالَ نعم قَالَ أخرج إِلَيْهِ فَاضْرِبْهُ ثَلَاثِينَ سَوْطًا ونحه عَن السِّرّ ووكل بالحجابة أزدهرد فَفعل ذَلِك بهْرَام وَهُوَ إِذْ ذَاك ابْن ثَلَاث عشر سنة وَلم يعلم الْحَاجِب فِيمَا غضب عَلَيْهِ الْملك فَلَمَّا

فَلَمَّا جَاءَ بهْرَام بعد ذَلِك ليدْخل دَفعه أزدهرد فِي صَدره دفْعَة أرقده مِنْهَا وَقَالَ إِن رَأَيْتُك بِهَذَا الْموضع ثَانِيَة ضربتك سِتِّينَ سَوْطًا ثَلَاثِينَ مِنْهَا لجنايتك على الْحَاجِب بالْأَمْس وَثَلَاثِينَ لِئَلَّا تطمع فِي الْجِنَايَة

ص: 121

عَليّ فَبلغ ذَلِك يزدجرد فَدَعَا أزدهرد فَخلع عَلَيْهِ وَأحسن إِلَيْهِ

قَالَ الجاحظ وَذكر لنا أَن مُوسَى الْهَادِي دخل على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي فزجره وَقَالَ لَهُ إياك أَن تعود لمثلهَا إِلَّا أَن يفتح عَلَيْك بابك

قَالَ وَلَيْسَ لِابْنِ الْملك من الْملك إِلَّا مَا لغيره من الاستكانة والخضوع والتذلل والخشوع وَلَا لَهُ أَن يظْهر دَالَّة الْأُبُوَّة ومنزلة الْبُنُوَّة

الْأَدَب الْخَامِس أَن يرضى مِنْهُ بِمَا طَار لَهُ من السهْم من فرض الجراية ومتعود الإحسانفي أوقاته فَفِي الأفلاطونيات إِن اسْتَطَعْت أَن يرى الْملك غناك عَنهُ لَيْسَ بِأَن توهمه كَثْرَة الْجدّة وَلَكِن بِأَن تعلم أَن الْقَلِيل يُقيم أحوالك كَمَا يُقيم الْكثير أَحْوَاله فافعل فَإِنَّهُ أدوم لسلامتك عَلَيْهِ

قلت وَذَلِكَ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن البطانة لَا ترفع فِي حوائجها إِلَّا لموجب وَرُبمَا لَا يسلم لَهَا وجوده وَإِذ ذَاك فَالْأولى بهَا القناعة بالحاصل إِلَى أَن تحظى بالمزيد مَعَ السَّلامَة كَانَ شيرويه يَقُول إِنَّمَا تعذر البطانة بِرَفْع حوائجها إِلَى الْملك عِنْد ضيقَة تكون أَو جفوة تنالهم من مُلُوكهمْ وَعند تتَابع أزمة أَو ظرف مُحدث

الثَّانِي أَن الْكِفَايَة إِذا بلغت مِنْهَا أقْصَى الْحُدُود وَهِي ترَاهَا من الْقَلِيل الَّذِي لَا يُغني فِي الْحمل حَتَّى أفصحت بِطَلَب الزِّيَادَة فَالَّذِي جرأها على ذَلِك إِنَّمَا هُوَ الشره والمنافسة

قَالَ الجاحظ وَمن ظَهرت مِنْهُ هَاتَانِ الخلتان كَانَ جَدِيرًا أَن تنْزع كِفَايَته من يَده وينقل إِلَى الطَّبَقَة الخسيسة وَيلْزم أَذْنَاب الْبَقر وحراسة الأَرْض

ص: 122

حِكَايَة ذكر عَن بعض الْأُمَرَاء أَن رجلا من نَاحيَة رفع إِلَيْهِ رقْعَة يسْأَله فِيهَا إِجْرَاء أرزاقه

فَقَالَ لَهُ كم عِيَالك فَزَاد فِي الْعدَد فَقَالَ لَهُ كذبت فَأَقَامَ سنة لَا يجترئ على كَلَامه ثمَّ رفع إِلَيْهِ رقْعَة أُخْرَى فَقَالَ لَهُ كم عِيَالك فَقَالَ لَهُ أَرْبَعَة فَقَالَ صدقت وَوَقع فِي حَاشِيَة الرقعة يجْرِي على عِيَاله كَذَا وَكَذَا

تَلْخِيص من جملَة هَذَا النَّوْع من الْآدَاب الدُّعَاء للسُّلْطَان عِنْد الدُّخُول عَلَيْهِ والإسراع بِالْقيامِ عَنهُ وَإِذا فهم أَنه يُرِيد ذَلِك التلطف فِي الشُّكْر لَهُ إِظْهَار الخفة فِي طَاعَته وَالْكِنَايَة عَن الِاسْم وَالصّفة إِذا وَافق ذَلِك اسْمه أَو صفته مجانية من سخط عَلَيْهِ خدمته على شَرط الطَّاعَة لَهُ فِي الْمَكْرُوه وَمِمَّا يُخَالف الْغَرَض التلطف فِي إِلْقَاء النَّصِيحَة غليه مسايرته عِنْد ركُوبه بِالْمحل الَّذِي لَا يضْطَر إِلَى التفاته نَحوه أَو الدُّخُول عَلَيْهِ بعد المهازلة دُخُول من لم يجر بَينهمَا شَيْء شدَّة الحذر بعد تقريبه وتمكينه حَتَّى يكون مِنْهُ على حد السنان خدمَة الْجَاهِل من الرؤساء بِاتِّبَاع رِضَاهُ والعاقل بِمَا فِيهِ إِحْرَاز الْحجَّة لَهُ وَعَلِيهِ إِظْهَار الاستهانة لَهُ بِمَا فضلت بِهِ عَلَيْهِ والتعجب بِمَا فضل بِهِ عَلَيْك إِخْرَاج القَوْل وَالْفِعْل بِحَسب مَا غلب عَلَيْهِ من خدمَة الطبيعة أَو الْعقل ادِّعَاء النَّقْص عَنهُ فِي قُوَّة غير الْقُوَّة الَّتِي ظهر لَك فِيهَا الْفضل عَلَيْهِ لتخف على قلبه مداراته بِحَسب الْإِمْكَان تعلمه وكأنك تتعلم مِنْهُ وتشير عَلَيْهِ وكأنك تستشيره

النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ أَيْضا جملَة خِصَال يتأدب مَعَه بِتَرْكِهَا نذكرها ملخصة مَخَافَة التَّطْوِيل وَهِي إفراط الدُّعَاء لَهُ ومناداته باسمه وَرفع

ص: 123

الصَّوْت بِحَضْرَتِهِ ابْتِدَاء الحَدِيث بمجلسه إِذا كَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم والضحك من حَدِيثه وَإِظْهَار التَّعَجُّب مِنْهُ وإعادة الحَدِيث عَلَيْهِ وَإِن طَال الْعَهْد بإلقائه عَلَيْهِ رفع الرَّأْس إِلَى حرمه رفع الْعين إِلَيْهِ إِذا دخل عَلَيْهِ وَقد كَانَ مازحه وإعلامه أَن لَهُ عَلَيْهِ حَقًا إِظْهَار أَن صَوَاب قَول أَو فعل إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ حمله مَا يرى مِنْهُ جملَة على أَن يدْخل بَينه وَبَين أَهله وَولده أَن يرى لنَفسِهِ أَنه بِموضع سره ويعنه إِذا أصَاب مِنْهُ لطف منزلَة الانقباض عَنهُ التهالك عَلَيْهِ إِذا تغير لَهُ السُّؤَال عَن أَحْوَاله عِنْد السُّؤَال التهاون بِالْكَذِبِ بَين يَدَيْهِ على وَجه الْهزْل الْمُبَادرَة بِالْجَوَابِ إِذا سَأَلَ غَيره أَن يسَار بمجلسه أحدا أَو يُومِئ إِلَيْهِ بالغمز الإلحاح عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَة استبطاؤه إِذا سَأَلَهُ إِضْمَار العتب عَلَيْهِ مَخَافَة أَن يَبْدُو على وَجهه مكابرته فِي التَّحَوُّل عَمَّا يحب أَو يكره التملق لَهُ فِي كل سَاعَة إِذا نزل مِنْهُ منزلَة أمره استيحاشه من إكرامه للأشرار لأجل الْحَاجة إِلَيْهِم الْإِكْثَار من غشيانه أَو الصعُود عِنْده إِظْهَار شرف نَفسه إِذا فضل عَلَيْهِ غَيره معاداة أحد من حرمه كَمَا قيل

ص: 124