الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِنِّي ضربت رجلا وَقد كنت معافى من هَذَا أَن أضْرب أحدا قَالَت عَائِشَة رضي الله عنها كَذَلِك الإِمَام قَالَ فَمَا الْمخْرج قَالَت أَن تَأتي الرجل فتسأله أَن يجعلك فِي حل فاستحل مِنْهُ
دلَالَة قَالَ الطرطوشي وَدلّ ذَلِك على أَن الْأَمِير والمأمور فِي الْقصاص سَوَاء إِذا جنى أَحدهمَا على الآخر وان الْأَمِير إِذا ظلم الْمَأْمُور زَالَ تَأمره عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَمِير فِي ذَلِك الْمَعْنى كبعض المؤمر عَلَيْهِم حَتَّى يتحاكموا إِلَى السُّلْطَان الْأَعْظَم
الْوَاجِب الرَّابِع
عُقُوبَة الْمُسْتَحق وتعزيزه
وَقبل تَلْخِيص الْكَلَام فَهُنَا مقدمتان التَّعْزِير قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهُوَ تاديب استصلاح وزجر على ذنُوب لم يشرع فِيهَا حد وَلَا كَفَّارَة
قلت تَأْدِيب الاستصلاح يعم الْمُكَلف وَغَيره كتأديب الصّبيان والبهائم والمجانين والزجر على الذُّنُوب الَّتِي لم يشرع فِيهَا حد وَلَا كَفَّارَة يخْتَص بالمكلف جَزَاء على الذُّنُوب الَّذِي لم يقدر فِيهِ حد وَمن ثمَّ قَالَ ابْن عَرَفَة وَمُوجب الْمعْصِيَة غير الْمُوجبَة حدا عُقُوبَة فاعلها إِن رفع للْإِمَام
الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِيمَا يدل على مشروعيته وَيَكْفِي من ذَلِك الْإِجْمَاع قَالَ ابْن قيم الجوزية فِيمَا نقل عَنهُ ابْن فَرِحُونَ اتّفق الْعلمَاء فِي أَن التَّعْزِير مَشْرُوع فِي كل مَعْصِيّة لَيْسَ فِيهَا حد بِحَسب الْجِنَايَة فِي الْعظم والصغر وَحسب الْجَانِي فِي الشَّرّ وَعَدَمه
قلت وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله من مواضيع التَّأْدِيب بِهِ عَن السّنة الْكَرِيمَة حَظّ صَالح إِذا عرفت هَذَا فلكمال التَّلْخِيص لَهُ نظران أَحدهمَا من حَيْثُ هُوَ مَشْرُوع فِي الْجُمْلَة وَالْآخر من جِهَة مَا يخص السُّلْطَان بِحَسب رِعَايَة السياسة فِيهِ
النّظر الأول وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى التَّعْزِير فِي حق الله تَعَالَى وَاجِب عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ بِوَاجِب وَللْإِمَام أَن يقيمه أَو يتْركهُ لِأَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لم يُعَزّر الْقَائِل لَهُ فِي قصَّته مَعَ الزبير رضي الله عنه إِن كَانَ ابْن عَمَّتك وَلِأَنَّهُ غير مُقَدّر فَلَا يجب كضرب الْأَب والمعلم وَالزَّوْج قَالَ الْقَرَافِيّ وَالْجَوَاب عَن الأول أَنه حق لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَجَاز لَهُ تَركه بِخِلَاف حق الله تَعَالَى وَعَن الثَّانِي أَن غير الْمُقدر يجب كنفقات الزَّوْجَات والإقارب وَنصِيب الْإِنْسَان من بَيت المَال قَالَ لِأَن تِلْكَ الْكَلِمَات كَانَت تصدر من الْأَعْرَاب لجفائهم لَا لقصد السب
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ الْقَرَافِيّ وَاتَّفَقُوا على عدم تَحْدِيد أَقَله وَاخْتلفُوا فِي أَكْثَره فعندنا هُوَ بِحَسب الْجِنَايَة والمجني عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يتَجَاوَز بِهِ أول الْحُدُود وَهُوَ أَرْبَعُونَ حدا لعبد بل ينقص مِنْهُ سَوط وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ قَالَ مَا حَاصله لنا وَجْهَان أَحدهمَا أَن عمر رضي الله عنه زور عَلَيْهِ معن بن زُرَارَة كتابا وَنقش عَلَيْهِ مثل خَاتمه فجلده مائَة فتشفع فِيهِ قوم فَقَالَ ذَكرتني الطعْن وَكنت نَاسِيا فجلده بعد ذَلِك مائَة أُخْرَى ثمَّ جلده بعد ذَلِك مائَة أُخْرَى وَلم يُخَالِفهُ أحد وَكَانَ إِجْمَاعًا
قلت حكى عَن ابْن فَرِحُونَ عَن ابْن قيم الجوزية أَنَّهَا ثَلَاثمِائَة فِي ثَلَاثَة أَيَّام الثَّانِي أَن الأَصْل مُسَاوَاة الْعقُوبَة للجناية
قلت سبق مثله لِابْنِ الْعَرَبِيّ فِي قَوَاعِد الْمقري الْعُقُوبَات تَتَفَاوَت بتفاوت أَنْوَاع الْجِنَايَات كَالْخمرِ وَالزِّنَا لَا بتفاوت أَفْرَاد النَّوْع الْوَاحِد كالقطرة من الْخمر والجرة وَربع دِينَار وقنطار فَيَنْبَغِي مُلَاحظَة هَذَا الْمَعْنى فِي التَّعْزِير عِنْدِي ردا لما وكل لاجتهادنا إِلَى مَا فَصله رَبنَا {وَمَا كَانَ رَبك نسيا} لَا يُقَال قَوْله صلى الله عليه وسلم لَا تجلدوا فَوق حد من حُدُود الله تَعَالَى حجَّة فِي منع الزِّيَادَة لأَنا نقُول لَا حجَّة فِيهِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه مَقْصُور على زَمَانه صلى الله عليه وسلم لِأَن الْجَانِي إِذْ ذَاك لَا يَكْفِيهِ هَذَا الْمِقْدَار وَحَكَاهُ الْمَازرِيّ عَن الْأَصْحَاب الثَّانِي أَن لفظ الْحُدُود فِي عرف الشَّرْع لَا يقصر على حد الزِّنَى وَشبهه بل يتَنَاوَل كل مَأْمُور بِهِ ومنهى عَنهُ فالتعزير على هَذَا من جملَة الْحُدُود
قَالَ ابْن الشَّاط وَهَذَا أصح وَأقوى قَالَ فَإِن قيل الحَدِيث يَقْتَضِي بمفهومه أَنه يجلد عشر جلدات فَمَا دونهَا غير الْحُدُود فَمَا المُرَاد بذلك فَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِهِ جلد غير الْمُكَلّفين كالصبيان والمجانين والبهائم وَالله تَعَالَى أعلم انْتهى
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ ابْن فَرِحُونَ مَا حَاصله إِذا زيد فِيهِ على الْحَد فَهَل يبلغ بِهِ الْقَتْل أَولا فِيهِ خلاف عندنَا يجوز قتل الجاسوس الْمُسلم إِذا تجسس لِلْعَدو وَقَالَ بِهِ بعض الْحَنَابِلَة وَقتل الداعية للبدعة والمفرق للْجَمَاعَة بعد استتابتهم وَقَالَ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة وَصرح
الْحَنَفِيَّة بقتل من لَا يَزُول فَسَاده إِلَّا بِالْقَتْلِ كاللوطي المكثر من ذَلِك انْتهى
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة يُلَاحظ فِيهِ وَإِن لم يتَقَدَّر كالحد اجْتِنَاب أَمريْن أَحدهمَا إِسْقَاطه بِالْجُمْلَةِ بِحَسب الْغَرَض والهوى قَالَ الْقَرَافِيّ وَهُوَ فسوق خلاف الْإِجْمَاع
الثَّانِي إفراط الزِّيَادَة فِيهِ على الْقدر الْكَافِي مِنْهُ قَالَ ابْن عبد السَّلَام يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على الْقدر الَّذِي يظنّ انزجار الْجَانِي بِهِ وَلَا يزِيد عَلَيْهِ وَفِي الحَدِيث وَلِأَن يُخطئ الإِمَام فِي الْعَفو خير من أَن يُخطئ فِي الْعقُوبَة قَالَ وَإِن كَانَ هَذَا الْكَلَام جَاءَ فِي الْحُدُود فَهُوَ متناول لغَيْرهَا من الزواجر
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة إِذا أَتَى على النَّفس فَلَا اكتراث بذلك وَإِن زَاد على الْحَد فقد أَمر مَالك رحمه الله بِضَرْب إِنْسَان وجد مَعَه صبي فَوق سطح مَسْجِد وَقد جرده وضمه إِلَى صَدره أَرْبَعمِائَة سَوط فانتفخ من ذَلِك وَمَات وَلم يستعظم ذَلِك مَالك وَقَالَ ابْن حبيب وَقَالَ لي مطرف وَلَقَد أَتَى هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَة بِرَجُل خَبِيث مَعْرُوف بِاتِّبَاع الصّبيان قد لصق بِغُلَام فِي ازدحام النَّاس حَتَّى أمنى فَبعث بِهِ هِشَام إِلَى مَالك وَقَالَ أَتَرَى أَن أَقتلهُ فَقَالَ مَالك أما الْقَتْل فَلَا وَلَكِن أرى أَن تعاقبه عُقُوبَة موجعة فَأمر بِهِ هِشَام فَضرب أَرْبَعمِائَة سَوط وألقاه فِي السجْن فَمَا لبث أَن مَاتَ فَذكر ذَلِك لمَالِك فَمَا استنكره
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة إِذا كَانَ التَّعْزِير مصروفا إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم بِقدر الْقَائِل مثلا وَالْمقول لَهُ وَالْقَوْل فَقَالَ ابْن الْحَاجِب فيخفف ويتجافى
عَن الرفيع وَذَوي الفلتة ويثقل على ذَوي الشَّرّ فَائِدَة فِي تَنْبِيه
قَالَ ابْن فَرِحُونَ المُرَاد بالرفيع من كَانَ من أهل الْقُرْآن وَالْعلم والآداب الإسلامية لَا المَال والجاه وَالْمُعْتَبر فِي الدني الْجَهْل والجفاء والحماقة فَمن كَانَ من أهل الشَّرّ ثقل عَلَيْهِ بالأدب ليزدجر ويزدجر بِهِ غَيره
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة من لَازم صرفه إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم عدم اخْتِصَاصه بزجر معِين وَمن ثمَّ تعدّدت أَنْوَاعه كالضرب واللوم وَالْحَبْس وَالْإِقَامَة فِي المحافل وَنزع الْعِمَامَة وَحل الْإِزَار والهجر وَالنَّفْي وَضرب الْقَفَا مُجَردا عَن ساتره بالأكف قَالَ ابْن عَرَفَة جرى بِهِ عمل الْقُضَاة قلت وَكَذَا بالأندلس حَتَّى فِي وُلَاة الْحِسْبَة
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة الْجِنَايَة الَّتِي عقوبتها التَّعْزِير أَنْوَاع ترك وَاجِب كمنع الزَّكَاة وَشبهه وَسنة كَتَرْكِ الْوتر وَفعل مَكْرُوه كحلق الشَّارِب ومحرم وَهُوَ ضروب مَا فِيهِ الْعقُوبَة وَالْكَفَّارَة وَالْغُرْم كَقَتل الْعمد إِذا عفى فِيهِ عَن الْقَتْل فَتجب الدِّيَة وتستحب الْكَفَّارَة وَيضْرب مائَة ويسجن سنة أَو الْقصاص وَالْأَدب كالجراح عمدا وَالْغُرْم كإتلاف المتمولات أَو التَّعْزِير فَقَط كالخلوة بالأجنبية وَشبه ذَلِك أَو الْكَفَّارَة وَالْغُرْم كَقَتل الْخَطَأ أَو الْكَفَّارَة وَالْأَدب مَعَ الْإِثْم كالجماع فِي رَمَضَان
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة يثبت التَّأْدِيب على الْجِنَايَة للسُّلْطَان وَمن يَلِيهِ من الْوُلَاة وَلَا خَفَاء بذلك وللأبوين فِي ولدهما وَمن ثمَّ يدْرَأ الْحَد عَنْهُمَا
عِنْد تولد الْقَتْل عَنهُ إِذا ادّعَيَا عدم الْقَصْد إِلَيْهِ ولمعلم الْكتاب أَو الصَّنْعَة
وَلذَلِك قَالَ مَالك رضي الله عنه فِي الْمَجْمُوعَة إِن ضرب صَبيا مَا يعلم أَنه من الْأَدَب فَمَاتَ فَلَا يضمن وَإِن جَاوز بِهِ الْأَدَب ضمن مَا أَصَابَهُ
وَللسَّيِّد فِي رَفِيقه استصلاحا لَهُ قَالَ ابْن عبد السَّلَام وَلَكِن بِرِفْق وبقدر الْحَاجة وَللزَّوْج فِيمَا يتَعَلَّق بِمَنْع حَقه قَالَ ابْن عَرَفَة وَلذَا قيل تدميتها عَلَيْهِ لَغْو
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من الرِّفْق بَين التَّعْزِير وَالْحَد زَائِدا على مَا يفهم فِيمَا سلف أُمُور أَحدهَا أَن التَّعْزِير يسْقط بِالتَّوْبَةِ قَالَ الْقَرَافِيّ وَلَا أعلم فِيهِ خلافًا قَالَ وَالْحُدُود لَا تسْقط بهَا على الصَّحِيح إِلَّا الْحِرَابَة لقَوْله تَعَالَى {من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم}
الثَّانِي أَن التَّعْزِير يخْتَلف باخْتلَاف الإعصار والأمصار قَالَ الْقَرَافِيّ فَرب تَعْزِير فِي بلد يكون إِكْرَاما فِي بلد كقلع الطيلسان بِمصْر تَعْزِير وَفِي الشَّام إكرام وكشف الرَّأْس عِنْد الأندلسيين لَيْسَ هوانا وبالعراق ومصر هوان
قلت كشف الرَّأْس بالأندلس هوان فِي حق ذَوي الْمُرُوءَة
الثَّالِث أَن التَّعْزِير على وفْق الأَصْل لاختلافه بِحَسب الْجِنَايَة قَالَ الْقَرَافِيّ وَلَقَد خولفت الْقَاعِدَة فِي الْحُدُود فسرى الشَّرْع سَرقَة ربع دِينَار وسرقة ألف وشارب قَطْرَة من الْخمر وشارع جرة مَعَ اخْتِلَاف مفاسدهما جدا
قلت وَقد حكى عَن المعري أَنه قَالَ مستشكلا
(يَد بِخمْس مئين عسجد فديت
…
مَا بالها قطعت فِي ربع دِينَار)
وَأجِيب بِأَن قيل
(عز الْأَمَانَة أغلاها وأرخصها
…
ذل الْخِيَانَة فَافْهَم حِكْمَة الْبَارِي)
يشْهد لما قيل أَن حد السّرقَة شرع لحفظ الْأَعْرَاض لَيْلًا تلطخ برذيلة السّرقَة
النّظر الثَّانِي وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْعقُوبَة السياسية يجب أَن تقدر بِحَسب الْجِنَايَة والجاني كَمَا سبق فِي التَّعْزِير الشَّرْعِيّ وَمن ثمَّ قَالَ بَعضهم لَيست الْجِنَايَة سَوَاء فستوي عقوباتها وَلَا النَّاس سَوَاء فتتماثل عقوباتهم بل مِنْهُم من يُعَاقب بالأبعاد وَمن يُزَاد مَعَ ذَلِك منع قرَابَته وَأَصْحَابه من كَلَامه وَمن يُعَاقب بإلزام دَاره أَو بَلَده
تَعْرِيف من حسن مُنَاسبَة الْعقُوبَة للجناية حكايتان
الْحِكَايَة الأولى فِي المقتطف من كَلَام النَّاصِر وَقد أعْطى عَامل كَبِير لقب بمهذب الدولة مَالا جَلِيلًا على أَن يلقب بمهذب الدولة بِكَسْر
الذَّال فَوَقع على الْقِصَّة يُؤْخَذ مَاله ويصفع قذاله وَتبقى على الْفَتْح ذاله
الْحِكَايَة الثَّانِيَة روى أَن أَبَا المظفر الابيوردي الشَّاعِر وَكَانَ متكبرا وينسب إِلَى مُعَاوِيَة الْأَصْغَر كتب رقْعَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ المستظهر بِاللَّه وعَلى رَأسهَا الْخَادِم المعاوي فكره الْخَلِيفَة النِّسْبَة إِلَى مُعَاوِيَة فبشر الْمِيم ورد الرقعة إِلَيْهِ فَصَارَ الْخَادِم العاوي فحطه إِلَى أدون الرتب حِين رفع نَفسه إِلَى نسب لم يرضه الْملك وسلك مَعَه سَبِيل التنكيت الأدبي إِذْ كَانَ من أهل الْأَدَب بِأَن أبقى نسبه بِخَط نَفسه قَالَ ابْن رضوَان وَهِي من لطائف المستظهر بِاللَّه
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من السياسة فِي الْعقُوبَة السُّلْطَانِيَّة أَن تعجل تَارَة وتؤجل أُخْرَى لما فِي ذَلِك من الْفَائِدَة الْمَقْصُودَة الْحُصُول
قَالَ بَعضهم ليكن عقابك معجلا ومؤجلا حَتَّى يظنّ السَّالِم مِنْهُ أَنه سياسة فَلَا ينبسط إِلَى العودة إِلَى مثل فعله لخوفه من عُقُوبَته
قلت ووجوه الْفَائِدَة فِي ذَلِك مُتعَدِّدَة والناظر إِلَيْهَا بِعَين البصيرة يعْتَمد مِنْهَا مَا يَقْتَضِيهِ الْوَقْت وَالْحَال
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْوَصِيَّة بِهِ فِي هَذَا الْبَاب مُطَابقَة الْعقُوبَة للجناية سرا وَعَلَانِيَة قَالَ بَعضهم اجْعَل لذنب السِّرّ عُقُوبَة السِّرّ ولذنب
الْعَلَانِيَة عُقُوبَة الْعَلَانِيَة فَإنَّك إِذا عَاقَبت على ذَنْب السِّرّ عَلَانيَة رأى النَّاس الْعقُوبَة وغفلوا عَن الذَّنب فرموا رَأْيك بِالْفَسَادِ ونسبوك إِلَى الظُّلم وَإِذا عَاقَبت على ذَنْب الْعَلَانِيَة سرا انبسطت عَلَيْك الذُّنُوب واجترأ الظَّالِم وَالسَّفِيه
قَالَ وَقد تندر من ذَلِك ندرات فِيهَا السُّلْطَان على ذَنْب الْعَلَانِيَة سرا إِذا أَرَادَ أَن يَتَّصِف بالحلم
قلت وَقد تَقْتَضِي الْحَال شهرة الْعقُوبَة وَإِن خفيت جنايتها حَيْثُ يُؤمن ذَلِك الْمَحْذُور
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك السعيد أَن لَا يُعَاقب وَهُوَ غَضْبَان لِأَن حَاله هَذِه لَا يسلم مَعهَا من التجاوز لحد الْعقُوبَة فَإِذا سكن غيظه وَرجع إِلَى طبعه أَمر بعقوبته على الْحَد الَّذِي سنته الشَّرِيعَة ونقلته الْملَّة فَإِن لم يكن فِي الشَّرِيعَة ذكر عُقُوبَة ذَنبه فَمن الْعدْل أَن يَجْعَل عُقُوبَة ذَلِك الذَّنب وَاسِطَة بَين غليظ الذُّنُوب ولينها وان يَجْعَل الحكم عَلَيْهِ فِيهِ وَنَفسه طيبَة وَذكر الْقصاص مِنْهُ على بَال
قلت ولتأكيد الاتصاف بِهَذَا الْخلق وَقعت الْعِنَايَة بالتنبيه عَلَيْهِ من غير وَاحِد فَفِي محَاسِن البلاغة على الْملك أم يعْمل بِثَلَاث خِصَال تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب وتعجيل مُكَافَأَة المحسن والتزام الأناة والتثبت
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة نقل ابْن رضوَان عَن صَاحب الطِّبّ الروحاني أَنه قَالَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون فِي وَقت المعاقبة بَرِيئًا من أَربع
خلال الْكبر وَالْقَسْوَة وضديهما لِأَن الْأَوَّلين يدعوان إِلَى أَن يكون الانتقام والمعاقبة مجاوزين لمقدار الْجِنَايَة والآخرين إِلَى أَن يَكُونَا مقصرين عَنهُ
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة التعفف عَن الدِّمَاء فِي الْعقُوبَة مَطْلُوب من وَجْهَيْن أَحدهمَا شَرْعِي وَهُوَ مَا يدل على تَحْرِيم الهجوم عَلَيْهَا إِلَّا بِحَقِّهَا كَقَوْلِه صلى الله عليه وسلم فِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن مَسْعُود رضي الله عنه أول مَا يقْضِي بَين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء الثَّانِي سياسي وَمن معتبره قَول أرسطو يَا اسكندر أكد مَا أوصيك بِهِ وطالما أوصيتك بِهِ بامتثاله يَصح أَمرك ويدوم ملكك التعفف عَن الدِّمَاء فَإِنَّهَا عُقُوبَة انْفَرد الْخَالِق الْعَالم بالسرائر وَأَنت فِي ذَلِك إِنَّمَا تقدم على سنة لست تعلم بَاطِنهَا فتحفظ من هَذَا جهدك
تَنْبِيه مُجَرّد حُصُول الْقَتْل بِغَيْر حق هُوَ مُوجب للتشريك فِي وَعِيد الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَهُوَ سخط الله ولعنته وَلقَوْله صلى الله عليه وسلم لَا يشْهد أحدكُم قَتِيلا لَعَلَّه أَن يكون مَظْلُوما فتصيبه السخطة مَعَهم رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَقَوله صلى الله عليه وسلم لَا يَقِفن أحدكُم موقفا فِيهِ رجل قتل مَظْلُوما فَإِن اللَّعْنَة تنزل على من حَضَره حِين لم يدفعوا عَنهُ وَلَا يَقِفن أحدكُم موقفا يضْرب فِيهِ رجل ظلما فَإِن اللَّعْنَة تنزل على من حَضَره حِين لم يدفعوا عَنهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة ذكرُوا لمَكَان هَذَا الْخطر فِي الْعقُوبَة بِالْقَتْلِ أَن من حق الْملك أَن يتربص بِهِ وَإِن وجد المسوغ لَهُ كَمَا حُكيَ عَن عبد الْملك بن مَرْوَان أَنه قَامَ تسع سِنِين يرى قتل عَمْرو بن سعيد الْأَشْدَق فَمرَّة يرجئه وَمرَّة يهم بِهِ وَمرَّة يحجم وَأُخْرَى يقدم حَتَّى قَتله
قَالَ الجاحظ على أَخبث حالاته عِنْده قَالَ عَن سُلَيْمَان الْخَادِم أشهد بِاللَّه لَكُنْت من الرشيد وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة بِحَيْثُ يمس ثوبي ثَوْبه وبدني بدنه وَهُوَ يَقُول فِي مناجاته لرَبه اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك فِي قتل جَعْفَر بن يحيى ثمَّ قَتله بعد ذَلِك بِخمْس سِنِين أَو سِتّ
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من مَحْمُود السِّيرَة فِي هَذَا الْبَاب طلب عذر من تعرض بِظَاهِر فعله لما يُوجب عُقُوبَته كَمَا رفع إِلَى عبد الله ابْن طَاهِر قصَّة مضمونها أَن جمَاعَة خَرجُوا إِلَى ظَاهر الْبَلَد للتفرج وَمَعَهُمْ صبي فَكتب على رَأسهَا مَا السَّبِيل إِلَى فتية خَرجُوا لمتنزههم يقضون
أوطارهم على قدر أخطارهم وَلَعَلَّ الْغُلَام ابْن أحدهم أَو قرَابَة بَعضهم
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة قَالَ النَّوَوِيّ تسْتَحب الشَّفَاعَة إِلَى وُلَاة الْأَمر وَغَيرهم من أَصْحَاب الْحُقُوق مَا لم يكن فِي حد وَأمر لَا يجوز تَركه قَالَ ودلائله ظَاهِرَة فِي الْكتاب وَالسّنة وأقوال عُلَمَاء الْأمة لقَوْله تَعَالَى من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا وَمن يشفع شَفَاعَة سَيِّئَة يكن لَهُ كفل مِنْهَا وَكَانَ الله على كل شَيْء مقيتا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أَتَاهُ طَالب حَاجَة أقبل على جُلَسَائِهِ فَقَالَ اشفعوا تؤجروا وَيَقْضِي الله عز وجل على لِسَان مَا شَاءَ انْتهى مُلَخصا
قلت وَقد سبق مَا يدل على وَعِيد الشَّفَاعَة سعيا وقبولا فِي الْحُدُود
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة الحكايات فِي قبُول الشَّفَاعَة المستحبة مُتعَدِّدَة وَيَكْفِي مِنْهَا اثْنَتَانِ
الْحِكَايَة الأولى روى أَن قتيلة بنت النَّضر بن الْحَارِث تعرضت للنَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يطوف واستوقفته وحدثته حَتَّى انْكَشَفَ مَنْكِبه وَقد كَانَ قتل أَبَاهَا فَأَنْشَدته الأبيات الَّتِي تَقول فِي آخرهَا
(مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا
…
من الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق)
(وَالنضْر أقرب من قتلت وَسِيلَة
…
وأحقهم إِن كَانَ عتق يعْتق)
قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَو كنت سَمِعت شعرهَا مَا قتلته
الْحِكَايَة الثَّانِيَة لما قتل الْحَارِث بن أبي شمر الغساني الْمُنْذر بن السَّمَاء وَهُوَ الْمُنْذر الاكبر وَمَاء السَّمَاء اسر جمَاعَة من اصحابه وَكَانَ فهم شَاس بن عَبدة فِي تسعين رجلا من بني تَمِيم وَبلغ ذَلِك اخاه عَلْقَمَة بن عَبدة الشَّاعِر صَاحب امْرِئ الْقَيْس فقد الْحَارِث ممتدحا بقصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِي يَقُول فِيهَا
(طحابك قلب فِي الحسان طروف
…
بعيد الشَّبَاب عصر حَان مشيب)
فانشده إِيَّاهَا حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله
فَلَا تحرمني نائلا عَن جِنَايَة
…
فَانِي امْرُؤ وسط القباب غَرِيب)
وَفِي كل حَيّ قد حظيت بِنِعْمَة
…
فَحق لشاس من نداك ذنُوب)
فَقَالَ الْحَارِث نعم واذنبت واطلق شاسا اخاه وَجَمَاعَة اسرى بني تَمِيم وَمن سَالَ فِيهِ أَو عرفه من غَيرهم
قَالَ ابْن رضوَان وامثال هَذَا كثير والشفاعة وقبولها امران شرعيان وثوابهما عَظِيم وَلَا يرحم الله من عباده إِلَّا الرُّحَمَاء
توفيه وَاجِب من ضروب الْكَلَام فِي الْعقُوبَة الزاجرة عَن الْجِنَايَة أَو التَّوَصُّل بهَا إِلَى اسْتِخْرَاج الْحُقُوق تَقْرِير النّظر فِي السجْن بِحَسب الشَّرْع والسياسة وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى أَن للعقوبة بِهِ ملحظين أَحدهَا من حَيْثُ مَا خف مِنْهُ وَهُوَ بذلك الِاعْتِبَار اخفها واسلمها وَعَلِيهِ ينزل قَول مَرْوَان ابْن الحكم أول من اتخذ السجْن كَانَ حَلِيمًا
الثَّانِي من جِهَة مَا ثقل مِنْهُ وَهُوَ ذَا ذَاك اشدها وابلغها وَمن ثمَّ قرن بِالْعَذَابِ الاليم فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَّا أَن يسجن أَو عَذَاب أَلِيم} وعد يُوسُف عليه السلام الْخُرُوج مِنْهُ احسانا اليه فِي قَوْله تَعَالَى
وَقد احسن بِي إِذا اخرجني من السجْن وَكتب على بَابه فِيمَا يُقَال هَذِه منَازِل الْبلوى وقبور الاحياء وتجربة الاصدقاء وشماته الاعداء ونسأل الله تَعَالَى الْعَافِيَة
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة نقل ابْن فَرِحُونَ عَن ابْن قيم الجوزيه أَن الْحَبْس الشَّرْعِيّ لَيْسَ هُوَ السجْن فِي مَكَانَهُ ضيق وانما هُوَ تضييق الشَّخْص وَمنعه من التَّصَرُّف نَفسه سَوَاء كَانَ فِي بَيت أَو مَسْجِد أَو مُلَازمَة الْغَرِيم لَهُ وَلِهَذَا سَمَّاهُ النَّبِي ص صلى الله عليه وسلم اسيرا فَفِي سنَن أبي دَاوُود عَن الهرماس بن حبيب عَن جده قَالَ اتيت النَّبِي ص صلى الله عليه وسلم بغريم لي فَقَالَ لي الزمه ثمَّ قَالَ لي يَا اخا بني تَمِيم مَا تُرِيدُ أَن تفعل بأسيرك قَالَ وَهَذَا كَانَ السجْن فِي زَمَانه ص صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر رضي الله عنه فَلَمَّا انتشرت الرّعية فِي زمن عمر رضي الله عنه اتِّبَاع بِمَكَّة دَارا وَجعلهَا سجنا وَفِيه دَلِيل على جَوَاز اتِّخَاذه انْتهى مُلَخصا
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن وجود الْمُقْتَضِي لَا تخاذه لما انتهض بعد السّلف لتنوع ذَلِك الاتخاذ بِحَسب حَال المسجون فَلَا جرم لَا بُد من اعْتِبَار مَا اقْتَضَاهُ من ذَلِك وَمن ثمَّ قَالَ ابْن فَرِحُونَ لَا شكّ فِي قبُوله بعهده الْأَمَام إِلَى من قَلّدهُ ولَايَة أَن يكون لَهُم سجن ثَقِيف للدعار وَمن تخَاف غائلته وسجن اخر غير ذَلِك للمستورين المحبوسين فِي الدُّيُون والاداب واشباهها وسجن للنِّسَاء مُفْرد بواباته موثوق بِهن وَلَو جعل للمستورات المحبوسات فِي الدُّيُون والاداب سجن على حِدة عَن
سجن المحبوسات فِي التهم القبيحة لَكَانَ احسن انْتهى المُرَاد مِنْهُ مُلَخصا
المسالة الرَّابِعَة للْمُدَّعى عَلَيْهِ بِجِنَايَة ثَلَاث حالات
الْحَالة الأولى أَن لَا يهتم بهَا لبرائته وسلامة ناحيته وَهَذَا لَا يُعَاقب بسجن وَلَا بِغَيْرِهِ
قَالَ ابْن فَرِحُونَ اتِّفَاقًا وَفِي عُقُوبَة الْمُتَّهم لَهُ قَولَانِ قَالَ وَالصَّحِيح الأول صِيَانة لتسلط أهل الشَّرّ على اعراض الْبَراء ثمَّ أَن كَانَ الْمُدعى بِهِ حَقًا لله تَعَالَى لم يحلف وَفِي حق الادمي قَولَانِ مبنيان على سَماع هَذِه الدَّعْوَى وَالصَّحِيح إِنَّهَا لَا تسمع وَلَا يحلف بمجردها لِئَلَّا يتَطَرَّق الاراذلة إِلَى اذاية الأفاضل انْتهى مُلَخصا
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يهتم بهَا لفجوره وفسوقه وَهَذَا لَا بُد من الْكَشْف عَنهُ بِقدر لصوق التُّهْمَة بجانبه ضربا وحبسا
قَالَ ابْن قيم الجوزية فِيمَا نقل عَنهُ ابْن فَرِحُونَ مَا علمت أحدا من ائمة الْمُسلمين يَقُول أَن هَذَا الْمُدعى عَلَيْهِ يَعْنِي الْمُتَّهم يحلف وَيُرْسل بِلَا حسب وَلَا غَيره وَلَيْسَ ذَلِك مذهبا أحد من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَلَا غَيرهم وَلَو حلفناه واطلقناه مَعَ اشتهاره بِالْفَسَادِ وَقُلْنَا لَا نَأْخُذهُ إِلَّا بشاهدي عدل كَانَ ذَلِك مُخَالفا للسياسة الشَّرْعِيَّة وَمن ظن ذَلِك فقد غلط غَلطا فَاحِشا مُخَالفا لنصوص رَسُول الله ص صلى الله عليه وسلم ولاجماع الْأمة وَمن ثمَّ تجرأ الْوُلَاة على مُخَالفَة الشَّرْع وتوهموا أَن السياسة الشَّرْعِيَّة قَاصِرَة عَن مصلحَة الْخلق فتعدوا حُدُود الله تَعَالَى إِلَى أَنْوَاع من الْمَظَالِم والبدع فِي السياسة وَسَببه الْجَهْل بالشريعة انْتهى مُلَخصا
استظهار قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة وَمن ادّعى على رجل انه سَرقه لم يحلفهُ إِلَّا أَن يكون مُتَّهمًا فانه يحلف ويهدد ويسجن وَألا لم يتَعَرَّض لَهُ فان
كَانَ من أهل الْفضل وَمِمَّنْ لَا يشار اليه بِهَذَا ادب الَّذِي ادّعى ذَلِك عَلَيْهِ
فائدتي فِي تَنْبِيه قَالَ ابْن فَرِحُونَ مَا خلصه نَاقِلا عَن ابْن قيم الجوزية المتولى لضرب الْمُتَّهم قَالَ جمَاعَة من الْمَالِكِيَّة هُوَ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَبِه قَالَ احْمَد وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة هُوَ الْوَالِي دون القَاضِي وَكَذَا الْحَبْس يخْتَص بِهِ الْوَالِي فَقَط وَبِه قَالَ جمَاعَة من الْحَنَابِلَة اسْتِدْلَالا بَان الضَّرْب الْمَشْرُوع هُوَ الْحَد والتعزيز بعد ثُبُوت السَّبَب يخْتَص بِهِ القَاضِي وموضوع ولَايَة الْوَالِي منع الْفساد وقمع ذَوي الْعدوان وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بعقوبة الْمُتَّهم وموضوع ولَايَة الْحَاكِم ايصال الْحُقُوق واثباتها فَكل يفعل مَا فوض اليه فِيهِ
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَمَا نَقله عَن مَذْهَبنَا صَحِيح فان للْقَاضِي ضرب الْمُتَّهم وَفِي احكام ابْن سهل من ذَلِك مَا يُوضح صِحَة نَقله
قلت وَقد تقدم مَا هُوَ التَّحْقِيق فِي عُمُوم الولايات وخصوصها بِحَسب الْعرف وَالْعَادَة فاليه الْمُرَجح فِي هَذَا الْموضع
قَالَ ابْن فَرِحُونَ مفرعا عَلَيْهِ وَكَلَام ابْن سهل وَغَيره مبْنى على عرف الاندلس فِي ولَايَة الْقَضَاء فان كَانَت فِي قطر اخر يمْنَع من تعَاطِي هَذِه السياسات نصا أَو عرفا منع القَاضِي مِنْهُ وَألا فَلَا لانها دَعْوَى شَرْعِيَّة حكمهَا الِاخْتِيَار بِالْحَبْسِ لَهُ وَالضَّرْب فيسوغ لَهُ الحكم فِيهَا كَغَيْرِهَا من المحكومات
الْحَالة الثَّالِثَة أَن يجهل امْرَهْ فِي الْبَرَاءَة مِنْهَا أَو الاتصاف بِمِثْلِهَا فَهَذَا يحبس حَتَّى ينْكَشف حَاله قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهَذَا حكمه عِنْد عَامَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام قَالَ وَالْمَنْصُوص عِنْد اكثر الْأَئِمَّة انه يحْبسهُ القَاضِي والوالي وَهُوَ مَنْصُوص لمَالِك واصحابه قَالَ ابْن حبيب سَالَتْ مطرفا عَن رجل سرق مَتَاعه فاتهم رجلا من جِيرَانه أَو رجلا غَرِيبا لَا يعرف حَاله اترى الْأَمَام أَن يحسبه حَتَّى يسال عَنهُ وَيبين حَاله قَالَ نعم ارى ذَلِك على الْأَمَام وارى أَن لَا يُطِيل حَبسه لَان النَّبِي ص صلى الله عليه وسلم حبس رجلا اتهمه الْمَسْرُوق مِنْهُ بِسَرِقَة وَقد صَحبه فِي السّفر قَالَ ابْن حبيب وَقَالَهُ ابْن الْمَاجشون واصبغ وَابْن عبد الحكم
قَالَ فقد جعل ادعاؤه السّرقَة هَاهُنَا مثل لَو ادّعى انه جرحه أَو قتل لَهُ وليا فِي حَبسه ابْتِدَاء انْتهى
مزِيد بَيَان
قَالَ ابْن حبيب حبس مَجْهُول الْحَال دون حبس الْمُتَّهم لقَوْل مطرف وارى أَن لَا يُطِيل حَبسه قلت لَهُ يَعْنِي مطرفا فان كَانَ الْمُتَّهم منبورا بِالسَّرقَةِ مُتَّهمًا بهَا قَالَ فَذَلِك اطول لحبسه انْتهى
المسالة الْخَامِسَة الْمدَّة الَّتِي يحبس فِيهَا الْمَحْبُوس ثَلَاثَة
اجدها المصروفة إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم إِمَّا مُطلقًا كحبس التَّعْزِير أَو منبها فِيهِ على مِقْدَار يلحظ فِيهِ الْكِفَايَة فِي الِاسْتِبْرَاء كحبس الْمُتَّهم بِالْقَتْلِ وَالضَّرْب الْمخوف مِنْهُ الْمَوْت قروره بِشَهْر أَو نَحوه وَمَتى قويت التُّهْمَة زيد فِيهِ بِقَدرِهَا
الثَّانِيَة الْمقدرَة بِالسنةِ كَمَا فِي حبس الْقَاتِل عمدا إِذا عفى عَنهُ الدِّيَة سنة وَحبس من قتل عبدا مُسلما عدما أَو أدّى قِيمَته بعد ضربه مائَة وَحبس الْقَاتِل خطأ فِيهِ قَولَانِ
الثَّالِثَة المستغرقة لعمر الْمَحْبُوس إِلَى أَن تظهر تَوْبَته أَو يَأْتِي بِمَا يُرَاد مِنْهُ مِمَّا كَانَ فِي السجْن لاجله فقد قَالَ مَالك رحمه الله فِي رِوَايَة مطرف فِي المعروفين بِالْفَسَادِ والجرم أَن الضَّرْب قُلْنَا ينكلهم وَلَكِن ارى أَن يحبسهم السُّلْطَان فِي السجون ويثقل عَلَيْهِم بالحديد وَلَا يخرجهم مِنْهُ ابدا فَذَلِك خير لَهُم ولاهلهم وللمسلمين حَتَّى تظهر تَوْبَة أحدهم وَتثبت عِنْد السُّلْطَان فَإِذا صلح من ظَهرت تَوْبَته اطلقه ذكره فِي النَّوَادِر وَقَالَ سَحْنُون من اخذ أَمْوَال النَّاس وتعدى عَلَيْهَا وَادّعى الْعَدَم فَتبين كذبه فانه يحبس ابدا حَتَّى يُؤَدِّي أَو يَمُوت فِي الْحَبْس وَيكون عَلَيْهِ الضَّرْب بِالدرةِ الْمرة بعد الْمرة حَتَّى يُؤَدِّي
تَنْبِيه على فهم قَالَ ابْن رضوَان ليعلم الْملك أَن الله تَعَالَى انطق لِسَان نبيه يُوسُف الصّديق صلوَات الله تَعَالَى على نَبينَا وَعَلِيهِ بِالدُّعَاءِ أهل السجون فَقَالَ اللَّهُمَّ اعطف عَلَيْهِم قُلُوب الاخيار وَلَا تغم عَنْهُم الْأَخْبَار فَمن خلق الْملك الصَّالح أَن يحرص على أَن يكون من الاخيار الَّذين عطف الله قُلُوبهم عَلَيْهِم فيامر بتعهدهم بِالطَّعَامِ وتنظيف الْمَكَان واللباس وتسهيا سبل الْعِبَادَات والصون من شدَّة الْبرد وَالْحر بإصلاح المبنى حَيْثُ استقرارهم وتفقد الامناء الْمُكَلّفين بهم حذرا من أَن يليهم من يضيق عَلَيْهِم فِي الْعَذَاب ليستفيدوا مِنْهُ بِمَا يكون لَهُم من مسكة بَاقِيَة أَو نَفَقَته ضَرُورِيَّة فقد حدث من ذَلِك فِي بعض المدن
مَا يهول سَمَاعه ويعظم على الدّين وُقُوعه نسْأَل الله العفية من بيع اخرة الْمُلُوك بدنيا الْمُلُوك بدينا انْتهى
خَاتِمَة من لطيف مَا ذكر بِحَال السمجون وغريبه حكايتان
الْحِكَايَة الأولى يوري أَن أَبَا جَعْفَر كَانَ فِي مجسله الْمَبْنِيّ على بَاب خُرَاسَان من مدينته الَّتِي بناها واضافها إِلَى اسْمه فسماها بِمَدِينَة الْمَنْصُور مشرفا على دجلة وَكَانَ قد بنى على كل بَاب من ابواب الْمَدِينَة فِي الاعلى من طَاقَة الْمَعْقُود مَجْلِسا يشرف مِنْهُ على مَا يَلِيهِ من الْبِلَاد من ذَلِك الْوَجْه وَكَانَت اربعة ابواب فَبَيْنَمَا الْمَنْصُور فِي هَذَا الْمجْلس جَالِسا إِذْ جَاءَ سهم عَابِر حَتَّى سقط بَين يَدَيْهِ فذعر الْمَنْصُور ذعرا شَدِيدا ثمَّ اخذه فَإِذا مَكْتُوب عَلَيْهِ بَين الريشتين
(اتطمع فِي الْحَيَاة إِلَى التناد
…
وتحسب أم مَالك من معاد)
(ستسأل عَن ذنوبك والخطايا
…
وتسئل بعد ذَاك عَن الْعباد)
ثمَّ قَرَأَ على الريشة الْأُخْرَى
(هِيَ الْمَقَادِير تجْرِي فِي اعنتها
…
فاصبر فَلَيْسَ لَهَا صَبر على حَال)
(يَوْمًا تريك خسيس الْقَوْم ترفعه
…
إِلَى السَّمَاء وَيَوْما تخْفض العالي)
ثمَّ قَرَأَ على الريشة الْأُخْرَى
(أَحْسَنت ظَنك بِالْأَيَّامِ إِذْ حسنت
…
وَلم تخف سوء مَا يَأْتِي بِهِ الْقدر)
(وساعدتك اللَّيَالِي فاغتررت بهَا
…
وَعند صفو اللَّيَالِي يحدث الكدر)
قَالَ وَإِذا على جَانب السهْم مَكْتُوب هَمدَان مِنْهَا رجل مظلوم فِي حَبسك فَبعث من فوره من خاصته ففتشوا السجْن فوجدوا شَيخنَا فِي بَيت من السجْن فِيهِ سراج يسرج وعَلى بَابه جَارِيَة وَإِذا شيخ موثق بالحديد مُتَوَجّه نَحْو الْقبْلَة يردد هَذِه الاية {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون} فَسَأَلُوهُ عَن بِلَاده فَقَالَ هَمدَان فَحمل وَوضع بَين يَدي الْمَنْصُور فَسَأَلَهُ عَن حَاله فاخبره انه نم مَدِينَة هَمدَان من ارباب النعم بهَا وان واليك علينا دخل بِلَادنَا ولي ضيعته تَسَاوِي ألف ألف دِرْهَم أَرَادَ اخذها مني فامتنعت فكبلني بالحديد وحملني وَكتب أَنِّي عَاص فطرحت فِي هَذَا الْمَكَان فَقَالَ الْمَنْصُور مُنْذُ كم قَالَ مُنْذُ اربعة اعوام أَمر بفك الْحَدِيد عَنهُ والاحسان اليه وانزله احسن منزل وَقَالَ لَهُ يَا شيخ قد رددنا عَلَيْك ضيعتك بخراجها مَا عِشْت وَمَا عِشْنَا واما مَدِينَة هَمدَان فقد وليناك عَلَيْهَا واما الْوَالِي فقد حكمناك فِيهِ وَجَعَلنَا امْرَهْ اليك فجزاه الشَّيْخ خيرا ودعا لَهُ بِالْبَقَاءِ وَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ إِمَّا الضَّيْعَة فقد قبلتها واما الْولَايَة فَلَا اصلح لَهَا واما واليك فقد عَفَوْت عَنهُ أَمر لَهُ الْمَنْصُور بِمَال جزيل وَبرا وَاسع واستحله وَحمله إِلَى بَلَده مكرما بعد أَن صرف الْوَالِي وعاقبه على مَا جناه وسال الشَّيْخ مُكَاتبَته فِي مهماته واخبار بَلَده واعلامه بِمَا يكون من ولَايَته على الْحَرْب وَالْخَرَاج ثمَّ انشأ الْمَنْصُور يَقُول
(من يصحب الدَّهْر لَا يَأْمَن تصرفه
…
يَوْمًا وللدهر احلاء وامرار)
(وكل شَيْء وان دَامَت سَلَامَته
…
إِذا انْتهى فَلهُ لَا بُد اقْتِصَار)
الْحِكَايَة الثَّانِيَة ذكر أَن اسحقاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب وَالِي بَغْدَاد رَأْي فِي مَنَامه كَأَن النَّبِي ص صلى الله عليه وسلم يَقُول اطلق الْقَاتِل فارتاع لذَلِك روعا عَظِيما وَنظر فِي الْكتب الْوَارِدَة لاصحاب السجون فَلم يجد فِيهَا ذكر قَاتل فَأمر باحضار السندي وَعَيَّاش فَسَأَلَهُمَا هَل رفع اليهما أحد ادعِي عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فَقل لَهُ عَيَّاش نعم وَقد كتبنَا بِخَبَرِهِ فاعاد النّظر فَوجدَ الْكتاب فِي اضعاف الْقَرَاطِيس وَإِذا الرجل قد شهد عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فاقر بِهِ فَأمر اسحاق باحضاره فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَرَأى مَا بِهِ من جرتياع قَالَ لَهُ أَن صدقتني اطلقتك فابتدأ يحدثه بِخَبَرِهِ وَذكر انه كَانَ هُوَ وعدة من أَصْحَابه يرتكبون كل عَظِيمَة ويستحلون كل محرم وَأَنه كَانَ اجْتِمَاعهم فِي منزل بِمَدِينَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور يعتكفون فِيهِ على كل بلية فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الايام جَاءَتْهُم عَجُوز كَانَت تخْتَلف اليهم للْفَسَاد وَمَعَهَا جَارِيَة بارعة الْجمال فَلَمَّا توسطت الْجَارِيَة الدَّار صرخت صرخة فبادرت اليها من بَين اصحابي فأدخلتها بَيْتا وسكنت من روعتها وسألتها عَن قضيتها فَقَالَت لَهُ الله الله فِي فان هَذِه الْعَجُوز خدعتني
واعلمتني أَن فِي جِيرَانهَا حَقًا لم يكن مثله فشوقتني إِلَى النّظر لما فِيهِ فَخرجت مَعهَا واثقة بقولِهَا فهجمت بِي عَلَيْكُم وجدي رَسُول الله ص صلى الله عليه وسلم وامي فَاطِمَة وَأبي الْحُسَيْن بن عَليّ فاحفظوهم فِي قَالَ الرجل فضمنت لَهَا أَن اخلصها وَخرجت إِلَى اصحابي فعرفتهم بذلك فَكَأَنِّي اغريتهم بهَا وَقَالُوا لما قضيت حَاجَتك مِنْهَا اردت صرفنَا عَنْهَا وَبَادرُوا اليها فَقُمْت دونهَا امْنَعْ مِنْهَا فتفاقم الْأَمر بَيْننَا إِلَى أَن نالتني جراح وعمدت إِلَى اشدهم كَانَ فِي امرها واكلبهم على هتكها فَقتلته وَلم ازل امْنَعْ مِنْهَا إِلَى أَن تخلصت مِنْهُ سَالِمَة امنة مِمَّا خافته على نَفسهَا واخرجتها من الدَّار فسمعتها نقُول سترك الله كَمَا سترتني وَكَانَ لَك كَمَا كنت لي وَسمع الْجِيرَان الصَّيْحَة فَدَخَلُوا الينا والسكين فِي يَدي وَالرجل متشحط بدمه فَرفعت على هَذِه الْحَالة فَقَالَ اسحاق قد عرفت لَك مَا كَانَ من حفظك للْمَرْأَة ووهبتك لله وَرَسُوله قَالَ فوا حق من وهبتني لَهُ وَلَا عاودت مَعْصِيّة وَلَا دخلت فِي رِيبَة حَتَّى القى الله فاخبره اسحاق بالرؤيا الَّتِي راها وان الله لم يضيع لَهُ ذَلِك وَعرض عَلَيْهِ برا وَاسِعًا فابى قبُول شَيْء من ذَلِك
تَعْرِيف
اعْجَبْ من هَذَا الِاتِّفَاق الْغَرِيب فِي اطلارق المسجون مَعَ شدَّة الْحِرْص على هَلَاكه مَا حَكَاهُ الْحميدِي أَن الْوَزير أَبَا جَعْفَر احْمَد بن سعيد بن حزم
كَانَ جَالِسا بَين يَدي مخدومة الْمَنْصُور فِي بعض مجَالِس فَرفعت اليه رقْعَة استعطاف لَام رجل مسبحون كَانَ الْمَنْصُور اعتقله حنقا عَلَيْهِ لجرم استعظمه مِنْهُ فَلَمَّا قَرَأَهَا اشْتَدَّ غَضَبه وَقَالَ ذَكرتني بِهِ وَالله واخذ الْقَلَم أَرَادَ أَن يكْتب يصلب فَكتب يُطلق وَرمى الورقة الو وزيره الْمَذْكُور فاخذ الْوَزير الْقَلَم وَتَنَاول ورقة وَجعل يكْتب بِمُقْتَضى التوقيع إِلَى صَاحب الشرطة فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور وَمَا هَذَا الَّذِي تكْتب قَالَ باطلاق فلَان فحرد وَقَالَ من أَمر بِهَذَا فَنَاوَلَهُ التوقيع فَلَمَّا رَآهُ قَالَ وهمت وَالله ليصلبن ثمَّ خطّ على التوقيع أَرَادَ أَن يكْتب يصلب وَكتب يُطلق واخذ الْوَزير الورقة وَأَرَادَ أَن يكْتب إِلَى الْوَالِي بالاطلاق فَنظر اليه الْمَنْصُور وَغَضب اشد من الأول وَقَالَ من أَمر بِهَذَا فَنَاوَلَهُ التوقيع فراى خطه فَخط عَلَيْهِ أَرَادَ أَن يكْتب يصلب فَكتب يُطلق واخذ الْوَزير التوقيع وَشرع فِي الْكِتَابَة إِلَى الْوَالِي فران الْمَنْصُور فانكر اكثر من الْمَرَّتَيْنِ الاوليين فَأرَاهُ خطه بالاطلاق فَلَمَّا رَآهُ عجب من ذَلِك وَقَالَ نعم يُطلق على رغمي فَمن اراد الله سُبْحَانَهُ اطلاقه لَا اقدر انا على مَنعه قَالَ ابْن حَيَّان فَسُمي طليق الله واشتهر بذلك