المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌في أمهات مما تحفظ به من جانب العدم وفيه اضاءات - بدائع السلك في طبائع الملك - جـ ٢

[ابن الأزرق]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌فِي التحذير من تِلْكَ الْمَحْظُورَات

- ‌الْمَحْظُور الأول

- ‌اتِّبَاع الْهوى

- ‌الْمَحْظُور الثَّانِي

- ‌الترفع عَن المداراة

- ‌الْمَحْظُور الثَّالِث

- ‌قبُول السّعَايَة والنميمة

- ‌الْمَحْظُور الرَّابِع

- ‌اتِّخَاذ الْكَافِر وليا

- ‌الْمَحْظُور الْخَامِس

- ‌الْغَفْلَة عَن مُبَاشرَة الْأُمُور

- ‌فِي جَوَامِع مَا بِهِ السياسة الْمَطْلُوبَة من السُّلْطَان وَمن يَلِيهِ

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌فِي سياسة السُّلْطَان

- ‌السياسة الأولى

- ‌الْجُمْلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِي

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة

- ‌شَهَادَة عيان

- ‌الْجُمْلَة الثَّانِيَة

- ‌الْحق الأول

- ‌الْفَائِدَة الأولى

- ‌الْفَائِدَة الثَّانِيَة

- ‌الْفَائِدَة الثَّالِثَة

- ‌الْحق الثَّانِي

- ‌تحذير

- ‌الْحق الثَّالِث

- ‌الْحق الرَّابِع

- ‌الْحق الْخَامِس

- ‌الْإِشَارَة الثَّانِيَة

- ‌الْإِشَارَة الثَّالِثَة

- ‌السياسة الثَّانِيَة

- ‌سياسة الْأُمُور الْعَارِضَة

- ‌ الْجِهَاد

- ‌الْعَارِض الأول

- ‌الْمَسْأَلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ

- ‌الْعَارِض الثَّانِي

- ‌السّفر

- ‌الْمَسْأَلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة

- ‌الْعَارِض الثَّالِث

- ‌الشدائد النَّازِلَة

- ‌التَّذْكِير الأول

- ‌التَّذْكِير الثَّانِي

- ‌التَّذْكِير الثَّالِث

- ‌التَّذْكِير الرَّابِع

- ‌التَّذْكِير الْخَامِس

- ‌الْحِكَايَة الأولى

- ‌الْحِكَايَة الثَّانِيَة

- ‌الشدَّة الأولى

- ‌الشدَّة الثَّانِيَة

- ‌الشدَّة الثَّالِثَة

- ‌فَائِدَة فِي تَنْبِيه

- ‌الْعَارِض الرَّابِع

- ‌الرسَالَة

- ‌الرِّعَايَة الأولى تحقق أَن موقع الرَّسُول من السُّلْطَان موقع الدَّلِيل من الْمَدْلُول وَالْبَعْض من الْكل فَفِي سياسة أرسطو اعْلَم أَن الرَّسُول يدل على عقل من أرْسلهُ إِذْ هُوَ عينه فِيمَا لَا يرى وَأذنه فِيمَا لَا يسمع وَلسَانه عِنْدَمَا غَابَ عَنهُ وَقَالُوا الرَّسُول قِطْعَة من الْمُرْسل

- ‌الرِّعَايَة الثَّانِيَة

- ‌الرِّعَايَة الثَّالِثَة

- ‌الرِّعَايَة الرَّابِعَة

- ‌الرِّعَايَة الْخَامِسَة

- ‌الرِّعَايَة السَّادِسَة

- ‌الرِّعَايَة السَّابِعَة

- ‌الرِّعَايَة الثَّامِنَة

- ‌الرِّعَايَة التَّاسِعَة

- ‌الرِّعَايَة الْعَاشِرَة

- ‌الْعَارِض الْخَامِس

- ‌الْوُفُود

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌فِي سياسة الْوَزير

- ‌السياسة الأولى

- ‌سياسة لنَفسِهِ

- ‌الضَّرْب الأول

- ‌المعتقدات العلمية

- ‌المعتقد الأول

- ‌المعتقد الثَّانِي

- ‌المعتقد الثَّالِث

- ‌المعتقد الرَّابِع

- ‌المعتقد الْخَامِس

- ‌الضَّرْب الثَّانِي

- ‌العزائم العلمية

- ‌الْعَزِيمَة الأولى

- ‌الْعَزِيمَة الثَّانِيَة

- ‌الْعَزِيمَة الثَّالِثَة

- ‌الْعَزِيمَة الرَّابِعَة

- ‌الْعَزِيمَة الْخَامِسَة

- ‌السياسة الثَّانِيَة

- ‌سياسة السُّلْطَان

- ‌الْأَدَب الرَّابِع

- ‌الْأَدَب السَّادِس

- ‌الْأَدَب السَّابِع

- ‌الْأَدَب الثَّامِن

- ‌الْأَدَب التَّاسِع

- ‌الْأَدَب الْعَاشِر

- ‌النَّوْع الثَّانِي

- ‌المتقي

- ‌السياسة الثَّالِثَة لخواص السُّلْطَان

- ‌وَسَائِر أَرْبَاب الدولة

- ‌الطَّبَقَة الأولى المسالمون

- ‌المدارة الأولى

- ‌المدارة الثَّانِيَة

- ‌المدارة الثَّالِثَة

- ‌المدارة الرَّابِعَة

- ‌المدارة الخانسة

- ‌الطَّبَقَة الثَّانِيَة

- ‌المتطلعون إِلَى مَنْزِلَته

- ‌الْمُقَابلَة الأولى

- ‌الْمُقَابلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمُقَابلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمُقَابلَة الْخَامِسَة

- ‌فِي سياسة سَائِر الْخَواص والبطانة

- ‌فِي صُحْبَة السُّلْطَان وخدمته

- ‌الْمُقدمَة الأولى

- ‌فِي التَّرْهِيب من مخالطته

- ‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة

- ‌التحذير من صحبته

- ‌خَاتِمَة إِفَادَة

- ‌فِي وَاجِبَات مَا يلْزم السُّلْطَان سياسة الْقيام بهَا وَفَاء بعهدة مَا تحمله وطولب مِنْهُ وَالْمَذْكُور مِنْهَا جملَة

- ‌الْوَاجِب الثَّالِث

- ‌إِقَامَة الْحُدُود

- ‌الْوَاجِب الرَّابِع

- ‌عُقُوبَة الْمُسْتَحق وتعزيزه

- ‌الْوَاجِب الْخَامِس

- ‌رِعَايَة أهل الذِّمَّة

- ‌الْكتاب الرَّابِع

- ‌فِي عوائد الْملك وعوارضه

- ‌فِي عوائق الْملك الْمَانِعَة من دَوَامه

- ‌النّظر الأول

- ‌فِي التَّعْرِيف بالعوائق المنذرة بِمَنْع دوَام الْملك

- ‌النّظر الثَّانِي

- ‌فِي التَّعْرِيف بكيفية طروق الْخلَل إِلَى الدول

- ‌بَيَان طروق الْخلَل فِي المَال

- ‌فِي عوارض الْملك اللاحقة لطبيعة وجوده

- ‌ فِي عوارض الْملك من حَيْثُ هُوَ

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌فِي اخْتِيَار الْمنَازل الحضرية الِاجْتِمَاع

- ‌الْفَصْل الثَّالِث

- ‌فِي اكْتِسَاب المعاش بِالْكَسْبِ والصنائع وَفِيه مسَائِل

- ‌الْفَصْل الرَّابِع فِي اكْتِسَاب الْعُلُوم

- ‌الخاتمة فِي سياستي الْمَعيشَة وَالنَّاس

- ‌الْمُقدمَة الأولى فِي التَّقْوَى

- ‌وفيهَا مسَائِل

- ‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِي حسن الْخلق

- ‌السياسة الأولى

- ‌سياسة الْمَعيشَة

- ‌المطلع الأول

- ‌فِي كليات مِمَّا تدبر بِهِ الْمَعيشَة من جَانب الْوُجُود وَفِيه انارات

- ‌المطلع الثَّانِي

- ‌فِي أُمَّهَات مِمَّا تحفظ بِهِ من جَانب الْعَدَم وَفِيه اضاءات

- ‌السياسة الثَّانِيَة

- ‌سياسة النَّاس

- ‌وَقبل التَّلْخِيص لَهَا فَهُنَا مُقَدمَات

- ‌مسكة الختام

الفصل: ‌في أمهات مما تحفظ به من جانب العدم وفيه اضاءات

‌المطلع الثَّانِي

‌فِي أُمَّهَات مِمَّا تحفظ بِهِ من جَانب الْعَدَم وَفِيه اضاءات

الاضاءة الأولى

اجْتِنَاب مفرط الْحِرْص الْخَارِج عَن حُدُود الاجمال فِي الطّلب الْمَحْمُود عقلا ونقلا

قَالَ الْبَلْخِي وَهُوَ صُورَة افراط قُوَّة الشَّهْوَة الَّتِي سمتها الْحُكَمَاء مصيدة لَان عَامَّة النَّاس إِنَّمَا يقعون فِي المتالف والمعاطب بتسليط هَذِه الْقُوَّة عَلَيْهِم

قَالَ وَلَيْسَت هِيَ مصيدة لَهُم فَقَط بل ولاصناف الْحَيَوَان فَإِن اصطياده بالمصائد المنصوبة لَهَا إِنَّمَا يَقُودهَا اليه الشره المفرط إِلَى تنَاول مَا يلوح من الاغذية فِي تِلْكَ المصائد

الاضاءة الثَّالِثَة

اتقاء بخل النَّفَقَة فِي الاغراض الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ فِي هَذَا الْمقَام مَقَاصِد الساعين للدّين وَالدُّنْيَا وَهِي طلب اللَّذَّة وَالْحَمْد وَالْأَجْر لِئَلَّا يفوتهُ فِي ترك النَّفَقَة فِي تَحْصِيلهَا خيراتها العاجلة والاجلة فيفقد فَائِدَة النَّفْع بِالْمَالِ وَيعود عَلَيْهِ بالشقاء لَا السَّعَادَة وَفِي الحَدِيث إِنَّمَا لَك من مَالك مَا أكلت فأفنيت أَو لبست فأبليت أَو تَصَدَّقت فأبقيت

قلت وَقد سبق أَن مَالا ينْتَفع بِهِ من المَال لَا يُسمى رزقا

الاضاءة الثَّالِثَة

احْتِرَاز الحزم من غرر الْمُعَامَلَة بِالنَّسِيئَةِ بِاعْتِبَار من يظنّ بِهِ عدم الْوَفَاء

ص: 403

فَفِي الْعود اليوانية مَا حَاصله أَن كساد السّلع وبوارها اولى من مقَامهَا ي ذمَّة من سَاءَ قَضَاؤُهُ لَا سِيمَا أَن اضْطر اليها واستمالك فِيهَا بِزِيَادَة الرِّبْح وَسُرْعَة الْقَضَاء ليحوزها مِنْك فهناك يتَوَقَّع مَحْذُور الْخطر لَا محَالة

قَالَ وان كَانَ الاخلاف مَعَ هَذَا سهلا عَلَيْهِ وَالْحيَاء مفقودا مِنْهُ احتجت إِلَى مُقَابلَته بِمَا يزل سُورَة مروءتك وموقعك فِي الشَّرّ لَا يعدل هَذَا شَيْء من المصائب

الاضاءة الرَّابِعَة

تبَاعد التحفظ من عَاقِبَة التظاهر للنَّاس بأقصى مَا تبلغ اليه صُورَة الْحَال فَفِي العهود اليونانية لَا تخرجنك كَثْرَة مَالك إِلَى التصدي للنَّاس النَّاس فَإنَّك تبْتَاع بذلك حسن الثَّنَاء وتردع بِهِ حسد الْحَاسِد وَطعن الطاعن

الاضاءة الْخَامِسَة

هِيَ طلب السَّلامَة من مُخَالطَة السُّلْطَان فَفِي العهود لَا يحملنك ترَاهُ من قرب الْأُمُور على أهل طبقتك بالسلطان إِلَى ملابسته والترسم بِهِ فَإِن موقعك مِنْهُ موقع السخلة من الاسد يحميها فِي شبعه ويطرقها فِي جوعه

تَمْثِيل قَالَ وَقد شبه المخالط للسُّلْطَان من ذَوي المَال بِرَجُل شقّ عَلَيْهِ نقل المَاء إِلَى دَاره لسقي بُسْتَان لَهُ بهَا واصابة حاجاتها مِنْهُ فاحتفر من

ص: 404

بَحر يجاوره نَهرا إِلَى دَاره فاستمته بِهِ وَحسن اثره عَلَيْهِ فِي سُكُون المَاء وتقاصره عَن الزِّيَادَة فَلَمَّا زَاد مَاء ذَلِك الْبَحْر وَمَاجَتْ امواجه غلب على النَّهر وَالنّهر على الدَّار فغرق جَمِيع مَا فِيهَا وَكَانَ مَا خسر بهَا اضعاف مَا توفر عَلَيْهِ مِنْهُ

قَالَ وَلَا يغرنك سهولة الْأَمر عَلَيْهِ فِي موافقتك فَإِنَّهَا عَلَيْهِ فِي خِلافك اسهل

عاطفة تَكْمِيل بتتميمتين

التتميمة الأولى

ذكرُوا مِمَّا يرجع لمعاني المطلع الأول امورا يدبر بهَا المعاش

أَحدهَا خدمَة زمَان الشيخوخة قبل مَجِيئه كَمَا يخْدم فِي الصَّيف زمَان الشتَاء قبل هجومه بِجمع الْحَطب وَمَا يصعب إِذْ ذَاك الْوُصُول اليه

الثَّانِي إِثْبَات مَكَارِم الاخوان الْمُحْسِنِينَ كَمَا يثبت ديوَان الْمُعَامَلَة ليتخلص مِنْهَا بِحسن الْمُكَافَأَة لَهُ فتسلم الْحُرِّيَّة من رق الايادي

الثَّالِث احراز هني الْعَيْش بِحَمْد النَّاس مساعي الِاكْتِسَاب واصابتهم مِنْهُ مَا تقوم بِهِ الْحجَّة عَلَيْهِم ليعتصم بهم من الاشرار إِذْ سياسة الْغَنِيّ اشد من سياسة الْملك للرعية كَذَا فِي العهود

الرَّابِع مُرَاعَاة من فَوْقك وتحتك وَمن فِي طبقتك فَالْأول بالتواضع مَعَه وَالثَّانِي بالشفقة عَلَيْهِ وَالثَّالِث بالانصاف لَهُ وَإِلَّا خشيت على نَفسك بِمَا يكدر معاشك

ص: 405

الْخَامِس اظهار الْفَاقَة عِنْد ضعف مَال السُّلْطَان فَفِي العهود الْوَاجِب فِي الْخدمَة من ذَوي الْيَسَار إِذا قلت أَمْوَال السُّلْطَان أَن يظهروا الْفَاقَة ويقبضوا التَّوسعَة حَتَّى ترجع اموالهم إِلَى وفورها فَإِن انتقاص أَمْوَال الْملك محنة لحقت الاغنياء بمملكته

التميمة الثَّانِيَة

قرروا أَيْضا مِمَّا هُوَ فِي غَرَض المطلع الثَّانِي امورا

أَحدهَا مُعَاملَة الاصدقاء والمعارف فقد قَالُوا لَا تتمّ مبايعة بَين صديقين لَان من احوال الْمُبَايعَة استغلاء البَائِع الثّمن واسترخاص الْمُبْتَاع السّلْعَة وَلَيْسَت تحْتَمل الصداقة هذَيْن

الثَّانِي مُسَامَحَة الاهل وَالْولد فِي الاسترسال فِي مطَالب الترف وعوائد البذخ لما فِي ذَلِك من الْفساد الْعَائِد على النَّفس وَالْمَال إِمَّا المَال فَظَاهر واما النَّفس فَلَمَّا سبق أَن الترف مُفسد لَهَا مِمَّا يرسم فِيهَا من الوان الشَّرّ والسفسفة

الثَّالِث النَّاس الشرار بِقَضَاء حوائجهم وتوفية اغراضهم لِئَلَّا تعجز الْمقدرَة عَن الْوَفَاء لما تعود من ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد من المحاجزة بَيْنك وَبينهمْ بسياج الْوُقُوف عِنْد حد مَحْدُود

ص: 406

الرَّابِع مُرُور زمَان فِي غير مَا يعود بمصلحة معاش أَو معاد لَان الْعُمر قصير لَا يَتَّسِع بِخلق مَا يضيع مِنْهُ فِي غير شَيْء

الْخَامِس اعْتِمَاد السُّلْطَان فِي مُطَالبَة المعاملين لما فِيهِ من خلاف حسن المدارات ولطيف التأني ومزاولة الْأُمُور بالرفق وَفَسَاد النيات كَذَا فِي العهود

قلت وَلَا يُعَارض مَا تقدم فِي التعويل على الجاه فِي استخلاص الْحُقُوق لِأَن ذَلِك حَيْثُ لَا يُمكن بِهَذِهِ السِّيرَة وَهنا مَعَ وفائها بِالْمَقْصُودِ لَا تعدل عَنْهَا

المطلع الثَّالِث

فِي مهمات دينية يعْتَبر مِنْهَا حفظ المعاش من جَانِبي الْوُجُود والعدم وَفِيه لوامع

اللامع الأول

أَن الْعدْل فِي الْمُعَامَلَة المعاشية باتقاء الظُّلم فِيهَا وان لم يفْسد العقد وَهُوَ ظلمان مَا يعم ضَرَره وَمَا يخص المعامل

الظُّلم الأول مَا يعم ضَرَره وَله مثالان الْمِثَال الأول الاحتكار وَقد سبق بَيَانه حكما وَحِكْمَة وتكميله الْآن بملاحظة امرين

أَحدهمَا مَا ورد فِي فَضِيلَة تَركه فَفِي الحَدِيث من جلب طَعَاما فَبَاعَهُ بِسعْر وقته فَكَأَنَّمَا تصدق بِهِ وَفِي رِوَايَة فَكَأَنَّمَا اعْتِقْ رَقَبَة

ص: 407

الثَّانِي مَا روى عَن السّلف فِي شدَّة الحذر مِنْهُ وهم الاسوة فِي الِاتِّبَاع فَعَن بَعضهم انه جهز سفينة حِنْطَة إِلَى الْبَصْرَة وَكتب إِلَى وَكيله بِعْ هَذَا الطَّعَام يَوْم يدْخل الْبَصْرَة وَلَا تؤخره إِلَى الْغَد فَوَافَقَ سَعَة فِي السّعر فَقيل لَهُ أَن أَخَّرته جُمُعَة ربحت فِيهِ أضعافه فَأَخَّرَهُ جُمُعَة فربح فِيهَا امثاله وَكتب إِلَى صَاحبه بذلك فَكتب اليه يَا هَذَا انا كُنَّا قد قعننا بِرِبْح يسير مَعَ سَلامَة ديننَا وانك خَالَفت وَمَا نحب أَن نربح أضعافه لذهاب شَيْء من الدّين وَقد جنيت علينا جِنَايَة فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فَخذ المَال كُله فَتصدق بِهِ على ضعفاء الْبَصْرَة وليتني انجو من الاحتكار كفافا لَا لي وَلَا عَليّ

الْمِثَال الثَّانِي ترويج الدِّرْهَم الزائف فِي اثناء النَّقْد قَالَ الْغَزالِيّ إِذْ يستضر بِهِ المعامل أَن لم يعرف وان عرف فيروجه على غَيره كَذَلِك الثَّالِث وَالرَّابِع وَلَا يزَال يتَرَدَّد فِي الايدي ويعم الضَّرَر ويتسع الْفساد وَيكون وزر الْكل ووباله رَاجعا اليه فَإِنَّهُ الَّذِي فتح ذَلِك الْبَاب قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة فَعمل بهَا من بعده كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا لَا ينقص من اوزارهم شَيْئا

مُبَالغَة

قَالَ وَقَالَ بَعضهم انفاق دِرْهَم زائف اشد من سَرقَة مائَة

ص: 408

دِرْهَم لِأَن السّرقَة مَعْصِيّة وَاحِدَة وَقد تمت وانقطعت وانفاق الزائف بِدعَة اظهرها فِي الدّين وَسنة سَيِّئَة يعْمل بهَا من بعده فَيكون عَلَيْهِ وزرها بعد مَوته والى مائَة سنة ومائتي سنة إِلَى أَن يفنى ذَلِك الدِّرْهَم وَيكون عَلَيْهِ مَا فسد وَنقص من أَمْوَال النَّاس بِسَبَبِهِ فطوبى لمن مَاتَ وَمَاتَتْ مَعَه ذنُوبه وَالْوَيْل الطَّوِيل لمن يَمُوت وَتبقى ذنُوبه مائَة سنة ومائتي سنة يعذب بهَا فِي قَبره ويسئل عَنْهَا إِلَى انقراضها قَالَ الله تَعَالَى {ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم} أَي ونكتب أَيْضا مَا آخروا من آثَار اعمالهم كَمَا نكتب مَا قدموه

تأصيل قَالَ الشَّيْخ أَبُو اسحاق الشاطبي قَاعِدَة أَن ايقاع السَّبَب بِمَنْزِلَة ايقاع الْمُسَبّب

قلت وَيَعْنِي سَوَاء قصد ذَلِك الْمُسَبّب أَو لَا لما بَين هُوَ هَذَا فِي الْقَاعِدَة قَائِلا لِأَنَّهُ لما جعل مسببا عَنهُ فِي مجْرى الْعَادَات عد كَأَنَّهُ فَاعل لَهُ مُبَاشرَة

تَحْصِيل قسم ابْن رشد التَّعَامُل بالزائف إِلَى اربعة حرَام مَعَ من يعلم غشه بِهِ ومكروه مَعَ من لَا يُؤمن غشه كالصيارفة وشبههم ومختلف فِي جَوَازه وكراهته مَعَ من يجهل صنعه وَجَائِز اتِّفَاقًا مَعَ من يكسرهُ أَو يعلم انه لَا يغش بِهِ إِلَّا على قِيَاس قَول سَحْنُون فِي نوازله من كتاب السّلم

ص: 409

تَفْرِيع قَالَ ابْن عَرَفَة مُخْتَصرا لكَلَامه فَإِن بَاعه مِمَّن يخْشَى أَن يغش بِهِ فَمَا عَلَيْهِ إِلَّا الاسْتِغْفَار وَمن يغش بِهِ يجب عَلَيْهِ رده أَن قدر فَإِن عجز فَفِي وجوب الصَّدَقَة بِكُل ثمنه أَو بِالزَّائِدِ على قيمَة بَيْعه مِمَّن لَا يغش بِهِ

ثَالِثهَا لَا تجب صَدَقَة بِشَيْء مِنْهُ إِلَّا اسْتِحْبَابا

الظُّلم الثَّانِي

مَا يخص ضَرَره المعامل وَهُوَ كل مَا يستضر بِهِ وضابطه الْعدْل فِيهِ

الْغَزالِيّ إِذْ لَا يحب لَهُ إِلَّا مَا يحب لنَفسِهِ

قَالَ وكل مَا لَو عومل بِهِ لشق عَلَيْهِ وشق على قلبه فَيَنْبَغِي لَهُ أَن لَا يُعَامل بِهِ غَيره بل يَنْبَغِي أَن يَسْتَوِي عِنْده درهمه وَدِرْهَم غَيره

تَفْصِيل

لما يظْهر بِهِ بَيَان هَذِه الْجُمْلَة أَمْثِلَة

الْمِثَال الأول الثَّنَاء على السّلْعَة بِمَا لَيْسَ فِيهَا وَوَجهه الْغَزالِيّ بِأَن الْكَذِب فِيهِ مَعَ الْقبُول تلبيس وَمَعَ رده اسقاط مرؤة لَان مَالا يروج بِهِ قد لَا يقْدَح فِي ظَاهر الْمُرُوءَة فِيهَا

ص: 410

قَالَ وان اثنى على السّلْعَة بِمَا فِيهَا هذيان وَتكلم بِمَا لَا يَعْنِي إِلَّا بِقصد تَعْرِيف اخيه الْمُسلم من غير اطناب

تحذير

قَالَ وَلَا يَنْبَغِي أَن يحلف عَلَيْهِ الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ كذب فيمين غموس وَهِي من الْكَبَائِر الَّتِي تدع الديار بَلَاقِع وان صدق فقد جعل الله تَعَالَى عرضة لايمانه وَالدُّنْيَا اخس من أَن نقصد ترويجها بِذكر الله من غير ضَرُورَة وَفِي الْخَبَر ويل للتجار من بلَى وَالله وَلَا وَالله وويل للصناع من غَد وَبعد غَد

تَنْبِيه

قَالَ بَان الْحَاج وَهَذَا إِذا كَانَ الْحلف بِاللَّه فَإِن كَانَ بِالْعِتْقِ أَو الطَّلَاق فَهُوَ اشنع لدُخُوله تَحت شَهَادَة قَوْله صلى الله عليه وسلم لَا تحلفُوا بِالطَّلَاق وَلَا بالعتاق فَإِنَّهُمَا من ايمان الْفُسَّاق وَلذَلِك قَالَ مَالك يُؤَدب من حلف بهما قَالَ وَلَا شكّ أَن فَاعل ذَلِك تمحق الْبركَة من بَين يَدَيْهِ فَلَا ينْتَفع بِالْمَالِ غَالِبا

مُلَاحظَة

قَالَ وَلذَلِك تَجِد كثيرا مِنْهُم كَأَنَّهُمْ وكلاء وأمناه فِي اموالهم لَا يَجدونَ سَبِيلا إِلَى التَّصَرُّف بهَا فِي طَاعَة غَالِبا بل هم خَزَنَة

ص: 411

لغَيرهم طَوْعًا أَو كرها وَلَا منتفع لَهُم بِهِ إِلَّا قَلِيلا قَالَ وعلامة كَون المَال لَهُ تسليطه على هَلَكته فِي الْحق انتفاعا بِهِ وتخليدا لآثار بركته

حكايتان

يعْتَبر بهما فِي شدَّة الحذر من الثَّنَاء وَلَو بالتلويح

الْحِكَايَة الأولى

روى عَن يُونُس بن عبيد انه كَانَ بزازا وانه طلب مِنْهُ خَز للشراء فَأخْرج غُلَامه سقط الْخَزّ فنشره وَنظر اليه وَقَالَ اللَّهُمَّ ارزقنا الْجنَّة فَقَالَ لغلامه رده إِلَى مَوضِع وَلم يَبِعْهُ وَخَافَ أَن يكون ذَلِك تعريضا بالثناء على السّلْعَة قَالَ الْغَزالِيّ فَهَؤُلَاءِ تحروا فِي الدُّنْيَا وَلم يضيعوا دينهم بل علمُوا أَن ربح الاخرة اولى من ربح الدُّنْيَا

الْحِكَايَة الثَّانِيَة

نقل عَن بعض السّلف أَن رجلا جَاءَ يطْلب مِنْهُ خرقَة ليشتريها فَأمر العَبْد فأخرجها لَهُ فَلَمَّا أخرجهَا ضرب عَلَيْهَا بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُ سَيّده ردهَا وَقَالَ للْمُشْتَرِي لَا ابيعك اشيئا قَالَ وَلم قَالَ لِأَن العَبْد ضرب بِيَدِهِ عَلَيْهَا حِين اخرجها لَك وَذَلِكَ يحسنها فِي عَيْنك قَالَ ابْن الْحَاج فَهَكَذَا كَانَ فعل السّلف فِي تصرفهم فعلى منوالهم فَإِنَّهَا فِي أَن كنت محبا لَهُم وَألا فَلَا تدع مَا لَيْسَ فِيك

ص: 412

الْمِثَال الثَّانِي

كتم عُيُوب الْمَبِيع خفيها وجليها قَالَ فِي الرسَالَة عاطفا على بعض مَا لَا يجوز فِي البيع وَلَا أَن يكتم من أَمر سلْعَته مَا إِذا ذكره كرهه الْمُبْتَاع أَو كَانَ ذكره ابخص لَهُ فِي الثّمن قَالَ بعض شراحها يُرِيد كرهها للْمُبْتَاع وَلَا ينتقص ذَلِك من الثّمن وَلَا يشينها عِنْد بعض النَّاس دون بعض بِدلَالَة قَوْله أَو كَانَ ذكره ابخس لَهُ فِي الثّمن

قلت وَيدل عَلَيْهِ وَجْهَان

أَحدهمَا انه غشر والغش حرَام بِدَلِيل قَوْله صلى الله عليه وسلم من غَشنَا لَيْسَ منا

وَالثَّانِي انه خلاف النصح الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ دين الْإِسْلَام لما ورد أَن جَرِيرًا رضي الله عنه كَانَ إِذا قَامَ إِلَى السّلْعَة يَبِيعهَا نَص على عيوبها ثمَّ خير وَقَالَ أَن شِئْت فَخذ وان شِئْت فاترك فَقيل لَهُ انك إِذا فعلت هَذَا لم ينْفد لَك بيع فَقَالَ انا بَايعنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مُسلم

اعلام قرر الْغَزالِيّ أَن هَذَا النصح لمشقته لَا يَتَيَسَّر إِلَّا باعتقاد امرين

أَحدهمَا أَن اخفاء الْعُيُوب لَا يزِيد فِي الرزق بل يمحقه وَيذْهب ببركته لما ورد فِي الحَدِيث البائعان إِذا صدقا وَنصحا بورك لَهما فِي بيعهمَا وان كذبا نزعت بركَة بيعهمَا

الثَّانِي أَن ربح الاخرة خير من ربح الدُّنْيَا والعاقل لَا يسْتَبْدل

ص: 413

الَّذِي هُوَ ادنى بِالَّذِي هُوَ خير وَالْخَيْر كُله فِي سَلامَة الدّين

تَنْزِيل

ذكرُوا هُنَا نَوَادِر من الْعُيُوب الْوَاجِبَة الْبَيَان فِي الْمَبِيع كدراهم الكيمياء وثوب الْمَيِّت وخصوصا ميت الوباء وَالثَّوْب المنسوج من شعر الْميتَة وَالثَّوْب النَّجس إِذْ كَانَ جَدِيدا وشؤم الدَّار وَالْفرس وَتَحْقِيق مَا ينقص مِنْهُ الثّمن وَمَا لَا ينقص لَهُ مَوضِع آخر

تَنْبِيه

قَالَ الْغَزالِيّ الْغِشّ حرَام فِي الْبيُوع والصنائع جَمِيعًا لَا يَنْبَغِي أَن يتهاون الصَّانِع بِعَمَلِهِ على وَجه لَو عَامله بِهِ غَيره لما ارْتَضَاهُ لنَفسِهِ بل يَنْبَغِي أَن يحسن الصَّنْعَة ويحكمها ثمَّ يبين غشها أَن كَانَ فِيهَا فبه يتَخَلَّص

قلت قَالَ ابْن الْحَاج كل مَا يرى أهل الصَّنْعَة انه غش أَو مَكْرُوه فَهِيَ يتجنبه وَلَا يقربهُ

الْمِثَال الثَّالِث

تطفيف الْمِكْيَال وَالْمِيزَان قَالَ تَعَالَى {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون}

قَالَ الْغَزالِيّ لَا مخلص من هَذَا إِلَّا بِأَن يرجح إِذا اعطى وَينْقص إِذا

ص: 414

أَخذ إِذْ الْعدْل الْحَقِيقِيّ قَلما يتَصَوَّر وَمن استقصى حَقه بِكَمَالِهِ يُوشك أَن يتعداه

قلت هَذَا من حَيْثُ الِاحْتِيَاط واما مَا يَقْتَضِيهِ لِسَان الْعلم فاعتدال لِسَان الْمِيزَان فِي قُبَّته وامتلاء الْمِكْيَال ثمَّ يُرْسل يَده هَذَا هُوَ الْوَاجِب فَقَط نَص عَلَيْهِ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى فِي سَماع اشهب قَائِلا فَإِن سَأَلَهُ أَن يميله يَعْنِي لِسَان الْمِيزَان لم أر أَن ذَلِك من وَجه الْمَسْأَلَة قَالُوا وَكَذَلِكَ يسْأَله أَن يَكِيل الْكَيْل الْمُعْتَاد كَمَا فِي سُؤال السَّمْح لبَعض الثنم بِغَيْر تكلّف إِذْ هُوَ من الْمُسَامحَة

تَعْمِيم قَالَ مَالك رحمه الله يُقَال لكل شَيْء وَفَاء وتطفيف

قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ كَمَا أَن السّرقَة فِي كل شَيْء واسوأها الَّذِي يسرق صلَاته فَلَا يتم ركوعها وَلَا سجودها

قلت وَقد قَالُوا الصَّلَاة مكيال فَمن وفا وَفِي لَهُ وَمن طفف طفف لَهُ

الْمِثَال الرَّابِع الْخُرُوج عَن سعر الْوَقْت كذبا وتلبيسا وَذَلِكَ فِي مَوَاضِع يَكْفِي مِنْهَا اثْنَان

أَحدهمَا تلقي الركْبَان قَالَ ابْن عَرَفَة إِلَّا وَشر التلقي تلقي الركْبَان للسلع الْوَارِدَة بِمحل بيعهَا لقرية قبل وُرُودهَا إِيَّاهَا منهى عَنهُ ثمَّ اسْتدلَّ بِحَدِيث البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن

ص: 415

رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا تتلقوا الركْبَان وَلَا يبع بَعْضكُم على بيع بعض وَلَا تناجشوا وَلَا يَبِيع حَاضر لباد وَلَا تصروا الْغنم وَمن ابتاعها فَهُوَ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها أَن رضيها امسكها وان سخطها ردهَا وصاعا من تمر

تَخْفيف

يجوز لمن بقرية على نَحْو سِتَّة اميال من الْمصر المجلوب اليه السّلع شِرَاء مَا يحْتَاج اليه من ذَلِك وَلَو للتِّجَارَة قَالَه فِي سَماع ابْن الْقَاسِم قَالَ ابْن عَرَفَة وَربح التلقي قَالَ مُحَمَّد لَا يطيب لَهُ وَفِي سَماع ابْن الْقَاسِم التَّصَدُّق بِهِ قَالَ لَيْسَ بِحرَام وَلَو فعله احْتِيَاطًا فَلَا بَأْس بِهِ

وَالثَّانِي النجش لما سبق من النَّهْي عَنهُ فسره مَالك بِأَن يُعْطِيهِ فِي سلْعَته اكثر من ثمنهَا وَلَيْسَ فِي نَفسه شراؤها ليقتدي بِهِ غَيره

وَقَالَ الْمَازرِيّ وَغَيره الناجش الَّذِي يزِيد فِي السّلْعَة ليقتدي بِهِ غَيره قَالَ ابْن عَرَفَة وَهُوَ اعْلَم من قَول مَالك لدُخُول اعطائه مثل ثمنهَا أَو اقل فِي قَول الْمَازرِيّ وَخُرُوجه عَن قَول مَالك ثمَّ نقل تَفْسِير ابْن الْعَرَبِيّ وَفِيه تَصْرِيح باستحسان الناجش قيمتهَا لدفع الْغبن عَن صَاحبهَا

تَخْرِيج وَاقع

قَالَ كَانَ بعض من كَانَ مَشْهُورا بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَمَعْرِفَة صالحي الشُّيُوخ وَكَانَت لَهُ شهرة تجر فِي الْكتب إِذا حضر سوق الْكتب فيستفتح للدلالين فِي الْكتب مَا يبنون عَلَيْهِ الدّلَالَة وَلَا غَرَض لَهُ فِي شِرَاء الْكتاب

ص: 416

الَّذِي يستفتح ثمنه قَالَ وَهُوَ جَائِز على ظَاهر تَفْسِير مَالك وَاخْتِيَار ابْن الْعَرَبِيّ لَا على ظَاهر تَفْسِير الْمَازرِيّ

قَالَ الْبُرْزُليّ لَعَلَّ هَذَا مَا اشْتهر عَنهُ فِي سوق الكبيين انه يستفتح وَلَا إِرَادَة لَهُ فَيعلم بذلك المزايدون فَيجوز مُطلقًا على كل قَول

قلت وَلأبي وَلَيْسَ من النجش مَا يتَّفق عَلَيْهِ أَن يَأْتِي الدَّلال بالسلعة لمن يعرف قيمتهَا فيستفتح مَا يُنَادي بِهِ وَهُوَ لَا يُرِيد شراءها لِأَنَّهُ وان كَانَ لَا يَشْتَرِيهَا فَهُوَ لَا يَفْعَله ليغر بِهِ غَيره

فَائِدَة فِي نَوَازِل ابْن الْحَاج والنجش الْمُوجب للخيار مَا تواطأ عَلَيْهِ الناجش وَالْبَائِع أَو كَانَ من ناحيته وَلَو انْفَرد بِهِ الناجش اثم وَلَا شَيْء على البَائِع

رخصَة يجوز لمن حضر سوم سلْعَة يُرِيد شراءها أَن يَقُول لرجل كف عني وَلَا تزد عَليّ قَالَه مَالك فِي سَماع الْقرَوِيين قَالَ وَلَا احب الْأَمر الْعَام أَن يتواطأ النَّاس بِهَذَا فَسدتْ الْبيُوع

تَشْدِيد

لَا يجوز تواطؤ جمَاعَة يحْضرُون بيع سلْعَة على أَن لَا يزِيدُوا على كَذَا وَكَذَا نَص عَلَيْهِ فِي سَماع الْقرَوِيين قَائِلا وَالله مَا هَذَا بِحسن قَالَ ابْن رشد لِأَنَّهُ فَسَاد على البَائِع وضرر بِهِ ثمَّ ذكر حكمه بعد الْوُقُوع وَلَا يسع نَقله

حِكَايَة

روى عَن بعض الصَّالِحين التَّابِعين انه كَانَ بِالْبَصْرَةِ وَله غُلَام بالسوس يُجهز اليه السكر فَكتب اليه غُلَامه أَن قصب السكر قد اصابته آفَة فِي هَذِه السّنة فاشتر سكرا كثيرا فَلَمَّا جَاءَ وقته ربح فِيهِ ثَلَاثِينَ الْفَا

ص: 417

وَانْصَرف إِلَى منزله ففكر ليلته فَقَالَ ربحت ثَلَاثِينَ ألفا وخسرت نصح رجل من الْمُسلمين فَلَمَّا اصبح غَدا إِلَى بَائِع السكر فَدفع اليه ثَلَاثِينَ الْفَا فَقَالَ بَارك الله لَك فِيهَا فَقَالَ وَمن ايْنَ صَارَت لي فَقَالَ أَنِّي كتمتك حَقِيقَة الْحَال وَكَانَ السكر قد غلا فِي ذَلِك الْوَقْت فَقَالَ رَحِمك الله قد اعلمتني الْآن وَقد طيبتها لَك قَالَ فَرجع بهَا إِلَى منزله وتفكر وَبَات ساهرا

وَقَالَ مَا نَصَحته لَعَلَّه استحيا مني فبكر اليه من الْغَد وَقَالَ عافاك الله خُذ مَالك اليك فَهُوَ اطيب لقلبي فَأخذ مِنْهُ ثَلَاثِينَ ألفا

قَالَ الْغَزالِيّ وَهَذِه الْحِكَايَة تدل على انه لَيْسَ لَهُ أَن يغتنم غَفلَة صَاحب الْمَتَاع ويخفي عَن البَائِع غلاء السّعر وَعَن المُشْتَرِي تراجع الاسعار وَألا كَانَ ظَالِما تَارِكًا للنصح وَالْعدْل للْمُسلمين

اللامع الثَّانِي

أَن الاحسان فِي الْمُعَامَلَة باحراز مَا يتكفل بنيل السَّعَادَة قَالَ الْغَزالِيّ وَهُوَ يجْرِي من التِّجَارَة مجْرى الرِّبْح كَمَا أَن الْعدْل سَبَب النجَاة فَقَط

قَالَ وَلَا يعد من الْعُقَلَاء من قنع فِي مُعَاملَة الدُّنْيَا بِرَأْس مَاله وَكَذَا فِي معاملات الاخرة وَلَا يَنْبَغِي للمتدين أَن يقْتَصر على

ص: 418

الْعدْل ويدع ابواب الاحسان وَقد قَالَ تَعَالَى {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} ونعني بالاحسان فعل مَا يتنفع بِهِ المعامل وَهُوَ غير الْوَاجِب لدُخُوله فِي بعض الْعدْل لكنه تفضل وتكرم

قلت وَتقدم أَن أَفْرَاده لَيست فِي الطّلب على حد وَاحِد بل هِيَ مُتَفَاوِتَة بِحَسب رتبته فِي الْمَعْنى الَّذِي يطْلب لأَجله

ارشاد

يُقَال تنَال رُتْبَة الاحسان فِيمَا قرر من هَذَا الْمقَام بِوَاحِد من امور سِتَّة

الْأَمر الأول اجْتِنَاب مغابنة المعامل بِمَا لَا يتَغَابَن بِهِ عَادَة لَا مُطلقًا لمشروعية اصلها ضَرُورَة أَن البيع لَا يَنْفَكّ عَنْهَا فِي الْجُمْلَة فَمَتَى بذل المُشْتَرِي زِيَادَة على مُعْتَاد الرِّبْح لشدَّة رغبته أَو اجاته ندب ترك الْقُبُور إِذْ هُوَ احسان كَأَن لم يكن اخذ الزِّيَادَة ظلما

حِكَايَة يروي انه كَانَ عِنْد يُونُس بن عبيد حلل مُخْتَلفَة الاثمان فَمر إِلَى الصَّلَاة وَخلف ابْن اخته فِي الدّكان فجَاء اعرابي وَطلب حلَّة بِأَرْبَع مائَة فَعرض عَلَيْهِ من حلل الْمِائَتَيْنِ فاستحسنها فاشتراها مِنْهُ فَمشى بهَا وَهِي على يَده فَاسْتَقْبلهُ يُونُس فَعرف حلته وَقَالَ لَهُ بكم اشْتَرَيْتهَا

ص: 419

فَقَالَ بأربعمائة فَقَالَ لَهُ لَا تَسَاوِي اكثر من مِائَتَيْنِ فَارْجِع حَتَّى تردها فَقَالَ هَذِه تَسَاوِي ببلدنا خَمْسمِائَة وَقد رضيتها فَقَالَ لَهُ انْصَرف فَإِن النصح فِي الدّين خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثمَّ رده إِلَى الدّكان ورد عَلَيْهِ مِائَتَيْنِ دِرْهَم وخاسم ابْن اخته وَقَالَ لَهُ إِمَّا استحيت تربح مثل الثّمن وتترك النصح للْمُسلمين قَالَ وَالله مَا أَخذهَا إِلَّا وَقد رضى قَالَ فَهَل رضيت لنَفسك مَا رضيت لَهُ

فَائِدَة هِيَ لِسَلَامَةِ هَذِه المغابنة من الظُّلم الْوَاجِب الاجتناب حَتَّى عِنْد التوقي مِنْهَا احسانا كَانَ الرَّد بهَا إِذا زَادَت على الثُّلُث فِي بيع المكايسة غير مَأْخُوذ بِهِ فِي الْمَشْهُور وَهُوَ ظَاهر الْمَذْهَب عِنْد ابْن رشد نعم إِذا كَانَ البيع استرسالا فالغبن فِيهِ ظلم واذ ذَاك فاجتنابه وَاجِب لَا احسان الحَدِيث غبن المسترسل ظلم

الْأَمر الثَّانِي احْتِمَال الْغبن للْمُشْتَرِي أَن كَانَ فَقِيرا احسانا اليه بالتساهل ودخولا فِي قَوْله صلى الله عليه وسلم رحم الله سهل البيع سهل الشِّرَاء فَإِن كَانَ غَنِيا طَالبا بتجره مزِيد الرِّبْح فاحتمال الْغبن لَهُ غير مَحْمُود لوَجْهَيْنِ

أَحدهمَا انه تَضْييع مَال من غير اجْرِ وَلَا حمد فقد ورد المغبون لَا مَحْمُود وَلَا مأجور

وَالثَّانِي انه من شَأْن المخدوع فِي عقله وَلذَلِك كَانَ خِيَار السّلف يستقصون فِي الشِّرَاء ثمَّ يهبون مَعَ ذَلِك الجزيل قيل لبَعْضهِم تستقصي فِي شرائك على الْيَسِير ثمَّ تهب الْكثير وَلَا تبالي فَقَالَ أَن الْوَاهِب

ص: 420

يُعْطي فَضله والمغبون عقله

الْأَمر الثَّالِث اسْتِيفَاء الْحق على مُقْتَضى التخلق بِهِ وَمن ذَلِك أحد وَجْهَيْن

أَحدهمَا الِاقْتِضَاء بالسمح والمساهلة لقَوْله صلى الله عليه وسلم رحم الله بعدا سَمحا إِذا بَاعَ سَمحا إِذا اشْترى سَمحا إِذا اقْتضى اخرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه

الثَّانِي انظار الْمُعسر بِالْحَقِّ لقَوْله صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه من يسر على مُعسر فِي الدُّنْيَا يسر الله عَلَيْهِ فِي الاخرة رَوَاهُ مُسلم

حِكَايَة

روى أَن الْحسن بَاعَ بغلة لَهُ بأربعمائة دِرْهَم فَلَمَّا اسْتوْجبَ المَال قَالَ لَهُ المُشْتَرِي اتسمح يَا أَبَا سعيد فَقَالَ لَهُ قد وهبت لَك مائَة دِرْهَم فَقَالَ لَهُ فَأحْسن يَا أَبَا سعيد فَقَالَ لَهُ قد وهبت لَك مائَة دِرْهَم أُخْرَى فَقبض من حَقه مِائَتَيْنِ دِرْهَم فَقيل لَهُ هَذَا نصف الثّمن فَقَالَ هَكَذَا الاحسان وَألا فَلَا

الْأَمر الرَّابِع تَوْفِيَة الدّين على وَجه الاحسان فِيهِ اقتفاء لفضله فَفِي الصَّحِيح عَن أبي رَافع مولى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ

ص: 421

استسلف رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بكرا فَجَاءَتْهُ ابل الصَّدَقَة قَالَ أَبُو رَافع فَأمر فِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن اقضى الرجل بكرته فَقلت لَا اجد فِي الابل إِلَّا جملا خيارا ورباعيا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اعطيه اياه فَإِن خِيَار النَّاس احسنهم قَضَاء

فَائِدَة

مِمَّا يلْتَمس بِهِ احراز هَذَا الاحسان امران

أَحدهمَا البدار اليه وان عجز نوى الْقَضَاء مَتى مَا قدر فَعَن الْقَاسِم مولى مُعَاوِيَة رضي الله عنه انه بلغه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ من تداين بدين وَهُوَ يُرِيد أَن يَقْضِيه حَرِيص على أَن يُؤَدِّيه فَمَاتَ وَلم يقْض دينه فَإِن الله قَادر على أَن يُرْضِي غَرِيمه بِمَا شَاءَ من عِنْده وَيغْفر للمتوفي وَمن تداين بدين وَهُوَ يُرِيد أَن لَا يَقْضِيه فَمَاتَ على ذَلِك لم يقْض دينه فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ ظَنَنْت أَن لن توفى فلَانا حَقه مِنْك فَيُؤْخَذ من حَسَنَاته فَيجْعَل حَسَنَات لرب الدّين فَإِن لم تكن لَهُ حَسَنَات اخذ من سيئات رب الدّين وَجعلت فِي سيئات الْمَطْلُوب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ

الثَّانِي احْتِمَال كَلَام صَاحب الْحق فَفِي الحَدِيث أَن صَاحب دين جَاءَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عِنْد حُلُول اجله وَلم يتَّفق قَضَاؤُهُ لجعل يشدد الْكَلَام على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فهم بِهِ اصحابه فَقَالَ دَعوه فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا

الْأَمر الْخَامِس اقالة المستقيل قَالَ الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ لَا يستقيل إِلَّا متندم مستضر بِالْبيعِ فَلَا يَنْبَغِي أَن يُرْضِي لنَفسِهِ أَن يكون سَبَب استضرار اخيه

قلت روى أَبُو دَاوُود فِي مراسيله عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ

ص: 422

قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من اقال نَادِما اقاله الله نَفسه يَوْم الْقِيَامَة

الْأَمر السَّادِس قصد مُعَاملَة الْفَقِير بِالنَّسِيئَةِ نَاوِيا فِي الْحَال إِلَّا يُطَالِبهُ مَا لم يظْهر لَهُ ميسرَة توسعة عَلَيْهِ وتيسير النّيل مَا يعجز عَنهُ لَوْلَا الاحسان اليه فَهَذَا الْقَصْد الحميد

قَالَ الْغَزالِيّ وَقد كَانَ فِي صَالح السّلف من لَهُ دفتران للحسنات أَحدهمَا تَرْجَمته مَجْهُولَة فِيهَا أَسمَاء من لَا يعرف من الضُّعَفَاء كَأَنَّهُ يَقُول خُذ مَا تُرِيدُ فَإِن يسر لَك فَاقْض وَألا فَأَنت فِي حل وسعة

فَائِدَة

الْحق ابْن الْحَاج بِقصد مبايعة الْفَقِير بِالدّينِ مَعُونَة أهل الْخَيْر وَالدّين كَمَا ينْدب السَّمْح لَهُم فِي بيع النَّقْد مَا لم يضر بِحَالهِ قَائِلا يَنْبَغِي لمن لَهُ جدة أَن يَبِيع بِالدّينِ لمن اتّصف بذلك ويصبر عَلَيْهِ حَتَّى يفتح الله لَهُ

انعطاف

قَالَ الْغَزالِيّ مُشِيرا لهَذِهِ الْأُمُور السّنة فَهَذِهِ تِجَارَات السّلف وَقد اندرست والقائم بهَا محيي لسنتها قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ التِّجَارَة محك الرِّجَال وَبهَا يمْتَحن دين الرجل وورعه

ص: 423

وَلذَلِك قيل (لَا يغرنك من المر

ء قَمِيص رقعه)

(أَو ازار فَوق كَعْب السَّاق مِنْهُ رَفعه

)

(ولدى الدِّرْهَم فَانْظُر

غيه أَو ورعه)

اللامع الثَّالِث أَن شَفَقَة التَّاجِر على دينه يحفظه من ايثار الدُّنْيَا عَلَيْهِ اغْتِرَارًا بهَا وغفلة عَن الْمعَاد وَقد قَالَ تَعَالَى {بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خير وَأبقى} وَمَا هُوَ كَذَلِك لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يشْغلهُ عَنهُ مَا هُوَ بالضد مِنْهُ فيفوته الرِّبْح الْعَظِيم والسعادة الَّتِي لَا نفاد لَهَا

توضيح

الشَّفَقَة الحافظة لدين الَّذِي هُوَ رَأس مَال الْمُؤمن وغنيمة عمره مُتعَدِّدَة الْجِهَات وَالْمَذْكُور من امهاتها خمس

الشَّفَقَة الأولى أَن يدْخل بنية الاستعفاف فِي التِّجَارَة عَن السُّؤَال وكف الطمع عَن النَّاس اكْتِفَاء فِي الْقيام على نَفسه وَمن يعود لَهُ بِمَا يعود عَلَيْهِ الدُّخُول فِي هَذَا السَّبَب إِلَى غير ذَلِك من النيات الَّتِي لَا حصر لَهَا كنية الْقيام بِفَرْض الْكِفَايَة أَن كَانَ سَببه كَذَلِك ونصح الْمُسلمين ومعاملتهم بِالْعَدْلِ والاحسان وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَشبه ذَلِك مِمَّا لَا يخفي على ملتقط منثور نفائسها من مَوَاضِع تقريرها

ص: 424

ثَمَرَة

قَالَ الْغَزالِيّ وَإِذا اضمر هَذِه النيات كَانَ عَاملا فِي طَرِيق الاخرة فَإِن اسْتَفَادَ مَالا فَهُوَ مزِيد وان خسر فِي الدُّنْيَا ربح فِي الاخرة

قلت وَتَكون نفس تِجَارَته لَا فرق بَينهَا وَبَين الصَّلَاة وَنَحْوهَا بِحَيْثُ لَو فاجأه الْمَوْت وجده على افضل الاحوال فِي الْجُمْلَة كَمَا قَرَّرَهُ ابْن الْحَاج فِي ذَلِك وَهُوَ ظَاهر

الشَّفَقَة الثَّانِيَة أَن لَا يمنعهُ سوق الدُّنْيَا عَن سوق الاخرة وَهِي الْمَسَاجِد قَالَ تَعَالَى رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله واقام الصَّلَاة وايتاء الزَّكَاة

قلت وأهم مَا يربح فِيهَا أَدَاء الصَّلَاة فِي وَقتهَا جمَاعَة قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين لانه أَن ضيعها اشتغالا بِنَفسِهِ اسْتوْجبَ المقت من ربه وَرفعت الْبركَة من كَسبه

قَالَ ويستحيي أَن يرَاهُ الْحق سُبْحَانَهُ مشتغلا بحظوظ نَفسه عَن حُقُوق ربه

تبصرة

من وُجُوه التَّجر فِي سوق الاخرة عملان أَحدهمَا جعل أول النَّهَار للُزُوم الْمَسْجِد اشتغالا بأوراده كَانَ عمر رضي الله عنه يَقُول

ص: 425

للتجار اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم وَمَا بعده لدنياكم وَكَانَ السّلف الصَّالح يجْعَلُونَ أول النَّهَار وَآخره للاخرة وَالْوسط للتِّجَارَة فَلم يكن بيع الهريسة والرؤوس إِلَّا للصبيان واهل الذِّمَّة لانهم كَانُوا من بعد فِي الْمَسَاجِد

الثَّانِي مبادرة الْقيام إِلَى الصَّلَاة عِنْد النداء اليها قَالَت عَائِشَة رضي الله عنها كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يكون فِي بَيته يخصف النَّعْل ويعين الْخَادِم حَتَّى إِذا نُودي للصَّلَاة قَامَ كَأَنَّهُ لَا يعرفنا

اتِّبَاع

كَانَ السّلف لذَلِك يبتدرون عِنْد الاذات ويتركون الاسواق للصبيان وَأهل الذِّمَّة ويتسأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت وَكَانَ ذَلِك معيشة لَهُم

قَالَ الْغَزالِيّ وَجَاء فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله} انهم كَانُوا حدادين وخرازين فَكَانَ أحدهم إِذا رفع المطرقة وغرز الاشفا وَسمع الاذان لم يخرج الاشفا من المغرز وَلم يرفع المطرقة وَرمى بهَا وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة

ص: 426

تذكرة

قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين وليذكر إِذا سمع الْمُؤَذّن قَوْله تَعَالَى {يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله} وَقَوله {اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ} وَقَوله {اسْتجِيبُوا لربكم}

قلت وَقد تقدم أَن افضل الذّكر ذكر الله عِنْد امْرَهْ وَنَهْيه

الشَّفَقَة الثَّالِثَة إِلَّا يكون شَدِيد الْحِرْص على السُّوق للتِّجَارَة وَذَلِكَ بِأَن يكون أول دَاخل وَآخر خَارج وَذَلِكَ لأمرين أَحدهمَا أَن الاسواق عش الشَّيْطَان وَمَوْضِع توليده كَانَ عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي رضي الله عنه يَقُول لَا تكن أول من يدْخل السُّوق وَلَا آخر خَارج مِنْهَا فَإِن بهَا باض الشَّيْطَان

الثَّانِي أَن الشَّيْطَان الْمُوكل بالاسواق مصاحب لمن كَانَ كَذَلِك وَمن ثمَّ هُوَ شَرّ أَهلهَا فقد روى أَن ابليس يَقُول لوَلَده سر بكتائبك فأت صَاحب الاسواق وزين الْكَذِب وَالْحلف والخديعة وَالْمَكْر والخيانة وَكن مَعَ أول دَاخل وَآخر خَارج مِنْهُ وَفِي الْخَبَر سرع الْبِقَاع الاسواق وَشر أَهلهَا اولهم دُخُولا وَآخرهمْ خُرُوجًا

تَعْلِيم

قَالَ الْغَزالِيّ وَتَمام هَذَا الِاحْتِرَاز أَن يراقب وَقت كِفَايَته فَإِذا حصلت انْصَرف واشتغل بِتِجَارَة الاخرة فقد كَانَ من السّلف من إِذا ربح

ص: 427

دانقا انْصَرف قناعة بِهِ وَكَانَ فيهم من ينْصَرف بعد الظّهْر وَبعد الْعَصْر وَمن لَا يعْمل فِي الاسبوع إِلَّا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ اكْتِفَاء بذلك

الشَّفَقَة الرَّابِعَة أَن لَا يَكْتَفِي بتوقي لِلْحَرَامِ بل يحذر مثار الشُّبْهَة ومظان الرِّيبَة

قَالَ الْغَزالِيّ وَلَا ينظر إِلَى الفتاوي بل يستفتي قلبه فَمَا وجد فِيهِ حزازة اجتنبه

قلت لقَوْله صلى الله عليه وسلم دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك فَإِن الصدْق طمأنينة وَالْكذب رِيبَة وَفِي الصَّحِيح عَن النواس بن سمْعَان رضي الله عنه قَالَ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن الْبر والاثم فَقَالَ الْبر حسن الْخلق والاثم مَا حاك فِي صدرك وكرهت أَن يطلع النَّاس عَلَيْهِ وَتَحْقِيق ذَلِك بِصَرْف الِاسْتِنَاد اليه والى النّظر فِي تَحْقِيق منَاط الحكم لَا فِي النّظر فِي دَلِيله لانحصار مداركه فِيمَا لَا مدْخل فِيهِ لما يَقع فِي الْقُلُوب وَبسطه خَارج عَن الْقَصْد فَلَا نطيل بِهِ والاشارة اليه كَافِيَة

انعطاف

قَالَ الْغَزالِيّ مُبينًا لمظان الشُّبْهَة عِنْد الْمُعَامَلَة وانما الْوَاجِب أَن ينظر التَّاجِر إِلَى من يعامله فَكل مَنْسُوب إِلَى ظلم أَو خِيَانَة أَو سَرقَة أَو رَبًّا فَلَا يعامله وَكَذَلِكَ الاجناد والظلمة واعوانهم لانه معِين بذلك على الظُّلم

ص: 428

قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَيَنْبَغِي أَن يقسم النَّاس عِنْده إِلَى من يُعَامل وَمن لَا يُعَامل وَليكن من يعامله اكثر فِي هَذَا الزَّمَان

قلت وَمَا يلْزم عَن هَذَا من ضيق مجَال الْمُعَامَلَة يوسعه لمن أَخذ فِيهِ بالعزيمة مَدْلُول قَوْله تَعَالَى {وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب} على أَن فِي الْمَسْأَلَة نظرا لَهُ مَحل آخر

الشَّفَقَة الْخَامِسَة أَن يراقب جَمِيع معاملاته مَعَ كل وَاحِد مِمَّن عَامله وَذَلِكَ لامرين

أَحدهمَا انه يُحَاسب فِي الْجُمْلَة كَغَيْرِهِ فليعد الْجَواب ليَوْم السُّؤَال والحساب

وَالثَّانِي انه يُقَال يُوقف التَّاجِر يَوْم الْقِيَامَة مَعَ كل من بَاعَ مِنْهُ شَيْئا وَقْفَة وَيُحَاسب عَن كل وَاحِد محاسبة على عدد من عاملهم قَالَ بَعضهم رَأَيْت بعض التُّجَّار فِي النّوم فَقلت مَا فعل الله بك قَالَ نشر على خمسين ألف صحيفَة فَقل اهذه كلهَا ذنُوب فَقَالَ هَذِه معاملات النَّاس عدد من كنت تعامله فِي الدُّنْيَا لكل انسان صحيفَة مُفْردَة فِيمَا بَيْنك وَبَين هـ من أول الْمُعَامَلَة إِلَى آخرهَا

جَامع إِشَارَة

قَالَ الْغَزالِيّ مُشِيرا لجَمِيع مَا لخصناه فِي هَذَا المطلع فَهَذَا مَا على المكتسب فِي مُعَامَلَته من الْعدْل والاحسان والشفقة على الدّين

قَالَ فَإِن اقْتصر على الْعدْل كَانَ من الصَّالِحين وان اضاف اليه الاحسان كَانَ من المقربين فَإِن راعي مَعَ ذَلِك وظائف الدّين يَعْنِي بالشفقة عَلَيْهِ كَانَ من الصديقين

ص: 429