الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السيدين فِي أَن يبْذل للْمُشْرِكين ثلث الثِّمَار لما خَافَ أَن يكون الْأَنْصَار ملت الْقِتَال فَقَالَا إِن كَانَ هَذَا من الله سمعنَا وأطعنا وَإِن كَانَ رَأيا من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَمَا أكلُوا مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ثَمَرَة إِلَّا بشرَاء أَو قرى فَكيف وَقد أعزنا الله بِالْإِسْلَامِ فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عزمهم على الْقِتَال ترك ذَلِك فَلَو لم يكن الْإِعْطَاء عِنْد الضَّرُورَة جَائِزا مَا شاور فِيهِ صلى الله عليه وسلم
قلت ونقلوا عَن الْأَوْزَاعِيّ أَن عبد الْملك بن مَرْوَان يُؤَدِّي إِلَى الطاغية كل يَوْم ألف دِينَار وغلى قوم آخَرين كل يَوْم جُمُعَة ألف دِينَار وَذَلِكَ زمَان ابْن الزبير وَفعله مُعَاوِيَة أَيَّام صفّين
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة
الْوَفَاء بالأمان وَاجِب ودلائله لَا تَنْحَصِر ثمَّ هُوَ ضَرْبَان عَام لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا السُّلْطَان كناحية مفتقرة أَو عدد لَا ينْحَصر وخاص كشخص بِعَيْنِه أَو عدد مَحْصُور فيعقده كل مُؤمن مُمَيّز حَتَّى العَبْد وَالْمَرْأَة وَالصَّبِيّ الْعَاقِل على خلاف لقَوْله صلى الله عليه وسلم الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وهم يَد على من سواهُم
الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال} الْآيَة قَالَ عُلَمَاؤُنَا أوجب الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة
الْقِتَال لاستنقاذ الأسرى من يَد الْعَدو مَعَ مَا فِيهِ من تلف النَّفس فَكَانَ بذل المَال فِي فدائهم أوجب وَقد قَالَ مَالك رضي الله عنه على النَّاس أَن يفدوا الْأُسَارَى بِجَمِيعِ أَمْوَالهم
قلت قيد ذَلِك ابْن عَرَفَة بِمَا إِذا لم يخْش اسْتِيلَاء الْعَدو بذلك وَقرر فِي مَوضِع آخر وجوب استنقاذهم بِالْقِتَالِ وَالْفِدَاء قَائِلا بعد ذَلِك فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على مَا حل بالخلق فِي تَركهم إخْوَانهمْ فِي أسر الْعَدو وبأيديهم خَزَائِن الْأَمْوَال وأصول الْأَحْوَال وَالْقُدْرَة وَالْعدَد وَالْقُوَّة وَالْجَلد
حكايتان فِي ذَلِك فِي مثل الْعَمَل بمضمنها فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ
الْحِكَايَة الأولى
رُوِيَ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه كتب إِلَى الأسرى بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أما بعد فَإِنَّكُم تَعدونَ أَنفسكُم الْأُسَارَى ومعاذ الله بل أَنْتُم الحبساء فِي سَبِيل الله اعلموا أَنِّي لست أقسم بَين رعيتي إِلَّا خصصت أهلكم بِأَكْثَرَ من ذَلِك وأطيبه وَإِنِّي قد بعثت إِلَيْكُم فلَان بن فلَان بِخَمْسَة دَنَانِير وَلَوْلَا أَنِّي خشيت أَن يحبسها عَنْكُم طاغية الرّوم لزدتكم وَقد بعثت إِلَيْكُم فلَان بن فلَان يفادي صغيركم وكبيركم وذكركم وأنثاكم وحركم ومملوككم بِمَا يسْأَل مِنْهُ فأبشروا ثمَّ أَبْشِرُوا وَالسَّلَام
الْحِكَايَة الثَّانِيَة ذكر أَن الْمَنْصُور بن أبي عَامر فصل فِي بعض غَزَوَاته فِي مَكَان ضيق بَين جبلين لَا يجوزه إِلَّا فَارس بعد فَارس وَاجْتمعت الرّوم فِي أُمَم لَا تحصى ومسكوا لَهُ مَوضِع الْخُرُوج فَلَمَّا علم بذلك أَمر بِرَفْع الأخبية وان تبنى الدّور واختط لنَفسِهِ قصرا وَأمر سَائِر خواصه بذلك
وَكتب إِلَى نوابه إِنِّي لما رَأَيْت هَذِه الْبِلَاد استقصرت رَأْي من سلف من الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء كَيفَ تركوها لعظم أمرهَا وجلالة قدرهَا وَقد استخرت الله تَعَالَى فِي الْإِقَامَة بهَا وان أَتَّخِذ مَدِينَة وأسكن بهَا وَأمر بإرسال البنائين الفعلة فَلَمَّا تحققت الرّوم بذلك سَأَلُوهُ فِي الصُّلْح فَأبى فألحوا عَلَيْهِ فَأبى فَقَالَ لَا أفعل إِلَّا أَن تعطوني ابْنة ملككم فَقَالُوا هَذَا عَار مَا سمع بِمثلِهِ
فَاجْتمعُوا فِي عدد عَظِيم وَكَانَ هُوَ فِي عشْرين ألف فَارس فَلَمَّا الْتَقَوْا انْكَسَرَ الْمُسلمُونَ وَثَبت هُوَ وَولده وكاتبه وَنَفر يسير وَأمر أَن يضْرب خباؤه على نشز من أَرض فتراجع غليه الْمُسلمُونَ وقاتلوهم وَكَانَت الدائرة على الْكفَّار وَالْعَاقبَة للْمُسلمين فَقتل وَأسر فَسَأَلُوهُ فِي الصَّالح فَأبى إِلَّا أَن يعطوه ابْنة ملكهم وأموالا اقترحها فَأَعْطوهُ ذَلِك مَعَ تحف كَثِيرَة
وَكَانَت الْبِنْت فِي نِهَايَة الْجمال فَلَمَّا شيعها أَشْرَاف قَومهَا سألوها أَن تحسن الوساطة لقومها عِنْده فَقَالَت أَن الجاه لَا يطْلب بأفخاذ النِّسَاء إِنَّمَا يطْلب برماح الرِّجَال
وَلما وصل الْمَنْصُور إِلَى مَدِينَة قرطبة تَلَقَّتْهُ امْرَأَة فَقَالَت لَهُ أَنْت وَالنَّاس تفرحون وَأَنا باكية حزينة قَالَ لَهُم قَالَت وَلَدي أَسِير فِي بلد من بِلَاد الرّوم فسير العساكر لوقته رَاجِعَة إِلَى الْبِلَاد حَتَّى أحضروا وَلَدهَا قَالَ صَاحب مشارع الأشواق فرحم الله تِلْكَ الْأُمَم الخالية
بركَة وختام بِذكر رِسَالَة عمر رضي الله عنه إِلَى سعد بن أبي وَقاص وَمن مَعَه من الأجناد رَضِي الله عَنْهُم
قَالَ ابْن المناصف فِيهَا كثير من أَحْكَام الْجِهَاد ولوازم الاستعداد وَنَصهَا أما بعد فَإِنِّي آمُرك وَمن مَعَك بتقوى الله على كل حَال فَإِن تقوى الله أفضل الْعدة على الْعَدو وَأقوى المكيدة فِي الْحَرْب وآمرك وَمن مَعَك أَن تَكُونُوا أَشد احتراسا من الْمعاصِي من احتراسكم من عَدوكُمْ فَإِن ذنُوب الْجَيْش أخوف عَلَيْهِم من عدوهم وَإِنَّمَا ينصر الْمُسلمُونَ على عدوهم بِمَعْصِيَة عدوهم الله وَلَوْلَا ذَاك لم يكن لنا بهم قُوَّة لِأَن عددنا لَيْسَ كعددهم وَلَا عدتنا كعدتهم فَإِن استوينا فِي الْمعْصِيَة كَانَ لَهُم الْفضل علينا وَالْقُوَّة وَإِن لم ننصر عَلَيْهِم بفضلنا ل نغلبهم بقوتنا
وَاعْلَمُوا أَن عَلَيْكُم فِي سيركم حفظَة من الله تَعَالَى يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ فاستحيوا مِنْهُم وَلَا تعملوا بمعاصي الله وَأَنْتُم فِي سَبِيل الله وَلَا تَقولُوا أَن عدونا شَرّ منا فَلَنْ يسلطوا علينا وَإِن أسأنا فَرب قوم سلط عَلَيْهِم شَرّ مِنْهُم كَمَا سلط على بني إِسْرَائِيل لما علمُوا بمعاصي الله كفرة الْمَجُوس {فجاسوا خلال الديار وَكَانَ وَعدا مَفْعُولا} فاسألوا الله العون على أَنفسكُم كَمَا تسألونه على عَدوكُمْ أسأَل الله ذَلِك لنا وَلكم
وترفق بِالْمُسْلِمين فِي مَسِيرهمْ وَلَا تسير بهم سيرا يتعبهم وَلَا تقصر بهم عَن منزل الرِّفْق بهم حَتَّى يبلغُوا عدوهم وَالسّفر لم ينقص قوتهم فَإِنَّهُم سائرون إِلَى عَدو مُقيم حاقد الْأَنْفس والكراع وأقم بِمن مَعَك فِي كل جُمُعَة يَوْمًا وَلَيْلَة يكون ذَلِك لَهُم رَاحَة يحْمُونَ بهَا أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح مَنَازِلهمْ عَن قرى
أهل الصُّلْح فَلَا يدخلهَا من أَصْحَابك إِلَّا من تثق بِهِ وبدينه وَلَا يرزؤا أحدا من أَهلهَا شَيْئا فَإِن لَهُم حُرْمَة وَذمَّة ابتليتم بِالْوَفَاءِ بهَا كَمَا ابتلوا بِالصبرِ عَلَيْهَا فَكَمَا صَبَرُوا لكم فوفوا لَهُم
وَلَا تستنصروا على أهل الْحَرْب بظُلْم أهل الصُّلْح وَإِذا وطِئت أدنى أَرض الْعَدو فآذك الْعُيُون بَيْنك وَبينهمْ وَلَا يخفى عَلَيْك أَمرهم
وَليكن عنْدك من الْعَرَب أَو من أهل الأَرْض من تثق بِهِ وتطمئن إِلَى نصحه وَصدقه فَإِن الكذوب لَا ينفعك خَبره وَإِن صدق فِي بعضه والغاش عَلَيْك لَيْسَ عينا لَك
وَليكن مِنْك عِنْد دنوك من أَرض الْعَدو أَن تكْثر من الطَّلَائِع وتبث السَّرَايَا بَيْنك وَبينهمْ فتقطع السَّرَايَا أمدادهم ومرافقهم وتتبع الطَّلَائِع عَوْرَاتهمْ وانتق للطلائع أهل الرَّأْي والبأس من أَصْحَابك وتخير لَهُم سوابق الْخَيل فَإِن لقوا عَدوك كَانَ أول من يلقاهم أهل الْقُوَّة
وَاجعَل أَمر السَّرَايَا إِلَى أهل الِاجْتِهَاد وَالصَّبْر وَالْجَلد وَلَا تخص بهَا أحدا من خاصتك فيضيع من رَأْي مؤامرتك أَكثر مِمَّا حابيت بِهِ أهل خاصتك وَلَا تبْعَث طَلِيعَة وَلَا سَرِيَّة فِي وَجه يتخوف فِيهِ عَلَيْهَا ضَيْعَة ونكاية فَإِذا عانيت الْعَدو فاضمم إِلَيْك أقاصيك وطلائعك وسراياك واجمع إِلَيْك مكيدتك ثمَّ تعاجلهم المناجزة مَا لم