الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْحِكَايَة الثَّانِيَة
قَول الْفضل بن سهل لما استشاره الْمَأْمُون وَقد خشِي انْتِقَاض أهل خُرَاسَان ف فتْنَة مَعَ الْأمين قد قَرَأت الْقُرْآن والْحَدِيث والرأي عِنْدِي أَن تجمع الْفُقَهَاء وَتَدْعُوهُمْ إِلَى الْعَمَل بِالْحَقِّ وإحياء السّنة وتواصل النّظر فِي الْمَظَالِم وتقرب الرؤساء والقواد وتعدهم بالمواعد الْكَرِيمَة والولايات السّنيَّة
فَفعل ذَلِك وَحط على أهل خُرَاسَان رفع الْخراج فمالت وُجُوه الْخَلَائق إِلَيْهِ وانقاد غليه رَافع بن الْمُهلب وَكَانَ اعظم الْمُلُوك بخراسان
تَكْمِيل
من الشدائد مَا تهم الْعِنَايَة بتنزيل التَّعْرِيف بِمَا يعود بإخلاص التَّوَجُّه بِهِ تَعْجِيل الْفرج مِنْهَا على أجمل عوائد الصنع الْغَرِيب وَالْمَذْكُور مِنْهَا ثَلَاثَة
الشدَّة الأولى
تكالب الْعَدو وَهُوَ صنفان كَافِر بِالْإِسْلَامِ وباغ على الدولة وَالسُّلْطَان
الصِّنْف الأول
الْعَدو الْكَافِر وَصدق اللجا إِلَى الله تَعَالَى بعد بذل الوسع فِي مدافعته أعظم مَا يُرْجَى بِهِ الْخَلَاص مِنْهُ حكى الشَّيْخ ابْن الْخَطِيب فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان الْمُقَدّس أبي الْحجَّاج بن إِسْمَاعِيل بن فرج من هَؤُلَاءِ الْمُلُوك النصريين السُّلْطَان الَّذِي كَانَ على عَهده من مُلُوك النَّصَارَى بقشتالة أبادهم الله تَعَالَى كَانَ طاغية مهابا وملكا مجدودا وهبت لَهُ الرِّيَاح وعظمت بِهِ للْمُسلمين نكاية وتملك الخضراء بعد أَن أوقع بِالْمُسْلِمين الوقيعة الْعُظْمَى بطريف ثمَّ نَازل جبل الْفَتْح وَكَاد يستولي مِنْهُ على هَذِه
الجزيرة لَوْلَا أَن الله تداركها بجميل صنعه وخفى لطفه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَهَلَك بمحلته من ظَاهره حتف أَنفه لَيْلَة عَاشُورَاء من عَام إِحْدَى وَخمْس وَسَبْعمائة فتنفس المختنق وانجلت الْغُمَّة وانسدل السّتْر
ثمَّ قَالَ كنت مُنْفَردا بالسلطان رَحمَه الله تَعَالَى وَقد غلب الْيَأْس وتوقعت الفضيحة أوانسه بعجائب الْفرج بعد الشدَّة وَأقوى بصيرته فِي التمَاس لطف الله وَهُوَ يرى الْفرج بَعيدا ويتوقع من الْأَمر عَظِيما وَورد الْخَبَر بمهلكه فاستحالت الْحَال إِلَى ضدها من السرُور والاستبشار وَالْحَمْد لله على نعمه
الصِّنْف الثَّانِي الْعَدو الْبَاغِي ومدافعته عَن تِلْكَ الْجِهَة متعودة النجح ببلوغ الأمل فِيهِ على أجمل صنع غَرِيب وَمِمَّا وَقع من ذَلِك للقائم بِأَمْر الله تَعَالَى من خلفاء بني الْعَبَّاس فِي بغي البساسيري عَلَيْهِ أبلغ عِبْرَة
حكى بعض الشُّيُوخ أَنه لما اشتدت بِهِ محنته كتب إِلَى مَكَّة شاكيا فِيهِ مَا ناله مِنْهُ بِمَا نَصه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَى الله الْعَظِيم من عَبده الْمِسْكِين اللَّهُمَّ إِنَّك عَالم بالسرائر ومطلع على مكنونات الضمائر اللَّهُمَّ إِنَّك غَنِي بعلمك
واطلاعك على أُمُور خلقك عَن إعلامي لَك وَهَذَا عبد من عبيدك قد كفر نِعْمَتك وَمَا شكرها وَألقى العواقب وَمَا ذكرهَا أطغاه حلمك وتجبر بأمانك حَتَّى تعدى علينا بغيا وأساء إِلَيْنَا عتوا وعدوا اللم قل النَّاصِر واعتز الظَّالِم وَأَنت المطلع الْعَالم وَالْمنصف الْحَاكِم بك نستعين عَلَيْهِ وَإِلَيْك نهرب من يَدَيْهِ فقد تعزز بالمخلوقين وَنحن نستعين بِاللَّه رب الْعَالمين
اللَّهُمَّ إِنَّا حاكمناه إِلَيْك وتوكلنا فِي إنصافنا مِنْهُ عَلَيْك ورفعنا ظلامتنا إِلَى حلمك ووثقنا فِي كشفها بكرمك فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الْحَاكِمين
وَأظْهر قدرتك فِيهِ وأرنا مَا نرتجيه فقد أَخَذته الْعِزَّة بالإثم اللَّهُمَّ فاسلبه عزه وملكنا بقدرتك ناصيته يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ يَا رب الْعَالمين وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين
قَالَ فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى مَكَّة وعلق على بَاب الْكَعْبَة ودعى بِمَا فِيهِ ذبح البساسيري فِي ذَلِك الْيَوْم وَهزمَ جَيْشه على يَد الْملك المظفر طغرلبك بن ميكال الْغَزِّي صَاحب خُرَاسَان وَأعَاد الْخَلِيفَة إِلَى مَا كَانَ من حَاله وَرجع إِلَى دَاره انْتهى
قلت فِي مُعْجم الصَّدَفِي للْقَاضِي عِيَاض كَانَت فتْنَة البساسيري وَهُوَ أرسلان التركي وقيامه بِبَغْدَاد على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر الله وحشده الْعَرَب مَعَ قُرَيْش بن بدران الْعقيلِيّ إِلَى بَغْدَاد ودخولهم إِيَّاهَا وانتهابهم دَار الْخلَافَة وأسره لأمير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر الله ودعاؤه بمنابر بَغْدَاد لصَاحب مصر وَإِخْرَاج أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الجوفية آخر سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة إِلَى أَن خلصه الله من يَده وأظفره بِهِ ورده إِلَى خِلَافَته على يَد الْملك المظفر طغرلبك أبي طَالب مُحَمَّد بن ميكال الْغَزِّي صَاحب خُرَاسَان آخر سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة