الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكره صالحة ومشاركة في علوم الأوائل ولا مثل هذا. حدث احمد بن هرون الشرابيّ بمصر ان المتوكل على الله حدثه في خلافة الواثق ان يوحنا بن ماسويه كان مع الواثق على دكان في دجلة وكان مع الواثق قصبة فيها شصّ وقد ألقاها في دجلة ليصيد بها السمك فحرم الصيد فالتفت الى يوحنا وكان على يمينه وقال: قم يا مشؤوم عن يميني.
فقال يوحنا: يا امير المؤمنين لا تتكلم بمحال يوحنا أبوه ماسويه الخوزي وأمه رسالة الصقلبية المبتاعة بثمانمائة درهم وأقبلت به السعادة الى ان صار نديم الخلفاء وسميرهم وعشيرهم حتى غمرته الدنيا فنال منها ما لم يبلغه أمله فمن أعظم المحال ان يكون هذا مشؤوما ولكن ان احبّ امير المؤمنين بأن أخبره بالمشئوم من هو أخبرته. فقال: من هو. فقال: من ولده اربع خلفاء ثم ساق الله اليه الخلافة فترك خلافته وقصورها وقعد في دكان مقدار عشرين ذراعا في مثلها في وسط دجلة لا يأمن عصف الريح عليه فيغرقه ثم تشبه بأفقر قوم في الدنيا وشرّهم صيادو السمك. قال المتوكل: فرأيت الكلام قد نجع فيه الا انه امسك لمكاني.
(المتوكل على الله جعفر بن المعتصم)
بويع له بعد موت أخيه الواثق وكان عمره يوم بويع ستا وعشرين سنة. وفي سنة ثلث وثلثين ومائتين وثب ميخائيل بن توفيل بأمه ثاودورا فألزمها الدير وقتل القتيط [1] لأنه اتهمها به وكان ملكها ست سنين. وفي سنة خمس وثلثين ومائتين عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهم المنتصر والمعتزّ والمؤيّد وعقد لكل واحد منهم لواء وولّى المنتصر العراق والحجاز واليمن والمعتزّ خراسان والريّ والمؤيّد الشام. وفي سنة ست وثلثين ومائتين أمر المتوكل يهدم قبر الحسين بن عليّ وان يبذر ويسقى موضعه وان يمنع الناس من إتيانه. وفي سنة سبع وثلثين ومائتين ولّى المتوكل يوسف بن محمد ارمينية واذربيجان ولما صار الى اخلاط أتى بقراط بن اشوط [2] البطريق فأمر بأخذه وتقييده وحمله الى المتوكل فاجتمع بطارقة ارمينية مع ابن اخي بقراط وتحالفوا على قتل يوسف ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة وهو صهر بقراط [3] على ابنته فوثبوا بيوسف واجتمعوا عليه في قلعة موش في النصف من شهر رمضان وذلك في شدة من البرد وكلب من الشتاء فخرج إليهم يوسف وقاتلهم فقتلوه وكل من قاتل معه.
واما من لم يقاتل فقالوا له: انزع ثيابك وانج بنفسك عريانا ففعلوا ومشوا عراة حفاة
[1-) ] القتيط ر القنبط وللقنبظ.
[2-) ] اشوط ر اسوط.
[3-) ] بقراط ر ابي بقراط.
فهلك أكثرهم من البرد. فلما بلغ المتوكل الخبر وجه بغا الكبير إليهم طالبا بدم يوسف فسار وأباح [1] على قتلة يوسف فقتل منهم زهاء ثلثين ألفا وسبى خلقا كثيرا ثم سار الى مدينة تفليس وحاصرها ودعا النفّاطين فضربوا المدينة بالنار فأحرقوها وهي من خشب الصنوبر فاحترق بها نحو خمسين ألف انسان. وفي سنة ثماني وثلثين ومائتين جاءت ثلاثمائة مركب للروم مع ثلثة رؤساء فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة يكون ماؤها الى صدر الرجل فمن جازها الى الأرض أمن من مراكب البحر فجازه قوم من المسلمين فسلموا وغرق كثير من نساء وصبيان. ومن كان به قوة سار الى مصر. واتفق وصول الروم وهي فارغة من الجند فنهبوا واحرقوا وسبوا واحرقوا جامعها وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحو ستمائة امرأة وساروا الى مصر ونهبوا ورجعوا ولم يعرض لهم احد. وفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين كانت زلازل هائلة وأصوات منكرة بقومس ورساتيقها في شعبان فتهدمت الدور وهلك تحت الهدم بشر كثير قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفا وستة وتسعين نفسا. وكان اكثر ذلك [2] بالدامغان. وكان بالشام وفارس وخراسان وباليمن مع خسف. وتقطع الجبل الأقرع وسقط في البحر فمات اهل اللاذقية من تلك الهدّة. وفي سنة سبع وأربعين ومائتين قتل المتوكل وهو ثمل بسرّ مرّأى ليلة الأربعاء ثالث [3] يوم من شوال قتله غلام تركي اسمه باغر وكانت خلافته اربع عشرة سنة وتسعة [4] أشهر وعمره أربعين سنة وقتل معه الفتح ابن خاقان لأنه رمى بنفسه على المتوكل وقال: ويلكم تقتلون امير المؤمنين فبعجوه بسيوفهم فقتلوه. ويقال ان ابنه المنتصر دسّ لقتله فعاش بعده ستة أشهر. وفي سنة الزلازل اخرج المتوكل احمد ابن حنبل من الحبس ووصله وصرفه الى بغداد وأمر بترك الجدل في القرآن وان الذمة بريئة ممن يقول بخلق او غير خلق.
قال بعض الرواة: دخل بختيشوع بن جبريل الطبيب يوما الى المتوكل وهو جالس على سدّة في وسط داره الخاصة فجلس بختيشوع على عادته معه فوق [5] السدة وكان عليه درّاعة ديباج رومي وكان قد انشقّ ذيلها قليلا. فجعل المتوكل يحادث بختيشوع ويعبث
[1-) ] وأباح ر وناح وأناخ على قتل.
[2-) ] ذلك ر من ذلك.
[3-) ] ثالث ر أول.
[4-) ] وتسعة ر وسعة.
[5-) ] فوق ر على.
بذلك الفتق حتى بلغ الى حد النّيفق ودار بينهما الكلام يقتضي [1] ان سأل المتوكل بختيشوع بماذا تعلمون ان الموسوس يحتاج الى الشدّ. قال بختيشوع: إذا بلغ الى فتق درّاعة طبيبه الى حد النيفق شددناه. فضحك المتوكل حتى استلقى على ظهره وأمر له بخلعة حسنة ومال جزيل. وهذا يدل على لطف منزلة بختيشوع عند المتوكل وانبساطه معه. وقال المتوكل يوما لبختيشوع: ادعني. قال: نعم وكرامة. فاضافه واظهر من التجمّل والثروة ما اعجب المتوكل والحاضرين. واستكثر المتوكل لبختيشوع ما رآه من نعمته وكمال مروءته فحقد عليه ونكبه بعد ايام يسيرة فأخذ له مالا كثيرا وحضر الحسين ابن مخلد فختم على خزائنه وباع شيئا كثيرا وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ وأمثال هذه فاشتراه الحسين بستة آلاف دينار وذكر انه باع من جملته باثني عشر ألف دينار وكان هذا في سنة اربع وأربعين ومائتين وتوفي بختيشوع سنة ستّ وخمسين ومائتين. وفي ايام المتوكل اشتهر حنين بن اسحق الطبيب النصراني العباديّ ونسبته الى العباد وهم قوم من نصارى العرب من قبائل شتى اجتمعوا وانفردوا عن الناس في قصور ابتنوها بظاهر الحيرة وتسّموا بالعباد لأنه لا يضاف الّا الى الخالق واما العبيد فيضاف الى المخلوق والخالق.
وكان اسحق والد حنين صيدلانيا بالحيرة فلما نشأ حنين أحب العلم فدخل بغداد وحضر مجلس يوحنا بن ماسويه وجعل يخدمه ويقرأ عليه. وكان حنين صاحب سؤال وكان يصعب على يوحنا فسأله حنين في بعض الأيام مسألة مستفهم فحرد يوحنا وقال: ما لأهل الحيرة والطب عليك ببيع الفلوس في الطريق. وأمر به فأخرج من داره. فخرج حنين باكيا وتوجه الى بلاد الروم واقام بها سنتين حتى احكم اللغة اليونانية وتوصل في تحصيل كتب الحكمة غاية إمكانه وعاد الى بغداد بعد سنتين ونهض من بغداد الى ارض فارس ودخل البصرة ولزم الخليل بن احمد حتى برع في اللسان العربي ثم رجع الى بغداد.
قال يوسف الطبيب: دخلت يوما على جبريل بن بختيشوع فوجدت عنده حنينا وقد ترجم له بعض التشريح وجبريل يخاطبه بالتبجيل ويسميه الربان فأعظمت ما رأيت وتبين ذلك جبريل مني فقال: لا تستكثر هذا مني في أمر هذا الفتى فو الله لئن مدّ له في العمر ليفضحنّ سرجيس. وسرجيس هذا هو الرأس عينيّ اليعقوبي ناقل علوم اليونانيين الى السرياني. ولم يزل أمر حنين يقوى وعلمه يتزايد وعجائبه تظهر في النقل والتفاسير حتى صار ينبوعا للعلوم ومعدنا للفضائل واتصل خبره بالخليفة المتوكل فأمر بإحضاره. ولما حضر اقطع اقطاعا سنيا وقرّر له جار جيد. واحبّ امتحانه ليزول عنه
[1-) ] يقتضي ر اقتضى.
ما في نفسه عليه إذ ظن ان ملك الروم ربما كان عمل شيئا من الحيلة فاستدعاه وأمر ان يخلع عليه وأخرج له توقيعا فيه اقطاع يشتمل على خمسين ألف درهم فشكر حنين هذا الفعل. ثم قال له بعد أشياء جرت: أريد ان تصف لي دواء يقتل عدوا نريد قتله وليس يمكن إشهار هذا ونريده سرا. فقال حنين: ما تعلمت غير الادوية النافعة ولا علمت ان امير المؤمنين يطلب مني غيرها فان احبّ ان امضي وأتعلم فعلت. فقال:
هذا شيء يطول بنا. ثم رغبّه وهدّده وحبسه في بعض القلاع سنة ثم أحضره وأعاد عليه القول واحضر سيفا ونطعا. فقال حنين: قد قلت لأمير المؤمنين ما فيه الكفاية. قال الخليفة: فانني أقتلك. قال حنين: لي رب يأخذ لي حقي غدا في الموقف الأعظم.
فتبسم المتوكل وقال له: طب نفسا فاننا أردنا امتحانك والطمأنينة إليك. فقبّل حنين الأرض وشكر له. فقال الخليفة: ما الذي منعك من الاجابة مع ما رأيته من صدق الأمر منّا في الحالين. قال حنين: شيئان هما الدين والصناعة. اما الدين فانه يأمرنا باصطناع الجميل مع أعدائنا فكيف ظنّك بالاصدقاء. واما الصناعة فإنها موضوعة لنفع أبناء الجنس ومقصورة على معالجاتهم ومع هذا فقد جعل في رقاب الأطباء عهد مؤكد بإيمان مغلظ ان لا يعطوا دواء قتالا لأحد. فقال الخليفة: انهما شرعان جليلان.
وأمر بالخلع فافيضت [1] عليه وحمل المال معه فخرج وهو احسن الناس حالا وجاها.
وكان الطيفوري النصراني الكاتب يحسد حنينا ويعاديه. واجتمعا يوما في دار بعض النصارى ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة. فقال حنين لصاحب البيت: لم تضيع الزيت فليس هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ وانما هي صور. فقال الطيفوري: ان لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم فبصق فأشهد عليه الطيفوري ورفعه الى المتوكل فسأله اباحة الحكم عليه لديانة النصرانية فبعث الى الجاثليق والاساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين فحرم وقطع زناره وانصرف حنين الى داره ومات من ليلته فجأة وقيل انه سقى نفسه سما. وكان لحنين ولدان داود واسحق. فاما اسحق فخدم على الترجمة وتولاها وأتقنها وأحسن فيها وكانت نفسه أميل الى الفلسفة. واما داود فكان طبيبا للعامة وكان له ابن اخت يقال له حبيش بن الاعسم احد الناقلين من اليوناني والسرياني الى العربي. وكان يقدمه على تلاميذه ويصفه ويرضى نقله. وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فان اكثر ما نقله حبيش نسب الى حنين. وكثيرا
[1-) ] فافيضت ر فانصبّت.
ابن العبري- 10