الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي سنة تسع وثلثين وثلاثمائة توفي محمد بن محمد بن طرخان ابو نصر الفارابي بمدينة دمشق. وفاراب هي احدى مدن الترك فيما وراء النهر. ودخل ابو نصر العراق واستوطن بغداد وقرأ بها العلم الحكميّ على يوحنا بن حيلان [1] المتوفي في ايام المقتدر واستفاد منه وبرز في ذلك على اقرانه واربى عليهم في التحقيق وأظهر الغوامض المنطقيّة وكشف سرها وقرّب متناولها وجمع ما يحتاج اليه منها في كتب صحيحة العبارة لطيفة الاشارة منبّهة على ما اغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم فجاءت كتبه المنطقية والطبيعية والالهية والسياسية الغاية الكافية والنهاية الفاضلة. وكان ابو نصر الفارابي معاصرا لأبي بشر متى بن يونس الّا انه كان دونه في السّن وفوقه في العلم. وقدم ابو نصر الفارابيّ على سيف الدولة ابي الحسن عليّ بن ابي الهيجاء بن حمدان الى حلب وأقام في كنفه مدة بزيّ اهل التصوّف وقدّمه سيف الدولة وأكرمه وعرف موضعه من العلم ومنزلته من الفهم ورحل في صحبته الى دمشق فأدركه اجله بها.
وكان في ايام المطيع لله وفي امارة الأقطع معزّ الدولة احمد بن بويه ثابت بن سنان ابن ثابت بن قرة وكان بارعا في الطب عالما بأصوله فكاكا للمشكلات من الكتب. وكان يتولّى تدبير البيمارستان ببغداد في وقته. وعمل ثابت هذا كتاب التاريخ المشهور في الآفاق الذي ما كتب كتاب في التاريخ اكثر مما كتبه وهو من سنة نيّف وتسعين ومائتين الى حين وفاته في شهور سنة ثلث وستين وثلاثمائة. وعليه ذيل ابن أخته هلال ولولاهما لجهل شيء كثير من التاريخ في المدّتين. وفي هذا الزمان اشتهر يحيى بن عدي بن حميد ابن زكريا التكريتي المنطقي نزيل بغداد. اليه انتهت رئاسة اهل المنطق في زمانه. قرأ على ابي نصر الفارابي. وكان نصرانيا يعقوبيّ النحلة وكان ملازما للنسخ بيده كتب كثيرا من الكتب وكان يكتب خطا قاعدا بيّنا في اليوم والليلة مائة ورقة واكثر. وله تصانيف وتفاسير ونقول عدّة. ومات ثالث عشر آب سنة ألف ومائتين وخمس وثمانين للإسكندر ودفن في بيعة القطيعة ببغداد وكان عمره احدى وثمانين سنة شمسيّة [2] .
(الطائع بن المطيع)
واسمه ابو الفضل عبد الكريم وسبب خلافته ان أباه المطيع لحقه فالج ثقل لسانه منه وتعذّرت الحركة عليه وهو يستر ذلك. فانكشف حاله لسبكتكين فدعاه الى ان يخلع نفسه ويسلّم الخلافة الى ولده الطائع لله ففعل ذلك في سنة ثلث وستين وثلاثمائة. وفيها خطب للمعزّ لدين الله العلويّ صاحب مصر بمكة والمدينة في
[1-) ] حيلان ر جبلاد وجيلاد.
[2-) ] ر سنة بدون «شمسية» .
الموسم. وفيها وصل عضد الدولة واستولى على العراق وقبض على بختيار ثم عاد فأخرجه وعاد بختيار الى مكة كما كان امير الأمراء. وفي سنة خمس وستين وثلاثمائة مات المعزّ العلويّ بمصر وهو اوّل الخلفاء العلويّين ملك مصر واستخلف عليها ابنه العزيز. وفي سنة ست وستين وثلاثمائة في المحرّم توفّي ركن الدولة ابو عليّ الحسن بن بويه واستخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة. وفيها مات منصور بن نوح صاحب خراسان ببخارا [1] وولي الأمر بعده ابنه نوح [2] . وفي سنة سبع وستين سار عضد الدولة الى بغداد وأرسل الى بختيار يدعوه الى طاعته وان يسير عن العراق الى ايّ جهة أراد الّا الموصل. فخرج بختيار عن بغداد عازما على قصد الشام. ودخل عضد الدولة بغداد وخطب له فيها بخلاف العادة وضرب على بابه ثلث نوب ولم تجر بذلك عادة من تقدّمه. واما بختيار لما سار عن بغداد الى الحديثة أتاه ابو تغلب في عشرين ألف مقاتل وسارا جميعا نحو العراق. فبلغ ذلك عضد الدولة فسار عن بغداد نحوهما. فالتقوا بنواحي تكريت فهزمهما وأسر بختيار وقتله. وسار نحو الموصل واستولى على ملك بني حمدان. وسار ابو تغلب ابن ناصر الدولة بن حمدان الى الشام فوصل الى دمشق وقتل بها. وفي سنة تسع وستين وثلاثمائة راسل عضد الدولة أخويه فخر الدولة ومؤيّدالدولة يدعوهما الى طاعته وموافقته.
اما مؤيّد الدولة فأجاب جواب المناظر المناوي فنقم عليه اما مؤيّدالدولة الدولة فأجاب راغبا واما فخر الدولة فأجاب جواب المناظر المناوي فنقم عليه عضد الدولة ذلك وسار نحو همذان وبها فخر الدولة فخافه ذاكرا قتل ابن عمّه بختيار فخرج هاربا وقصد جرجان فنزل على شمس المعالي قابوس بن وشمكير [3] والتجأ اليه فأمّنه وآواه وحمل اليه فوق ما حدثته به نفسه. وفي هذه السفرة حدث لعضد الدولة صرع وكان هذا قد اخذه بالموصل فكتمه وصار كثير النسيان لا يذكر الشيء الّا بعد جهد وكتم ذلك ايضا. وهذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد. وفيها شرع عضد الدولة في عمارة بغداد وكانت قد خربت بتوالي الفتن فيها وعمّر مساجدها وأسواقها وأدرّ الأموال على الأئمّة والعلماء والقرّاء والغرباء والضعفاء الذين يأوون الى المساجد. وجدّد ما دثر من الأنهار وأعاد حفرها وتسويتها [4] . وفيها تجددت وصلة بين الطائع لله وبين عضد الدولة فتزوّج الطائع ابنته وكان غرض عضد الدولة ان تلد ابنته ولدا ذكرا فيجعله وليّ عهده فتكون الخلافة
[1-) ] ببخارا ر بخارا.
[2-) ] وكان عمره حين ولي الأمر ثلاث عشرة سنة ويكنى أبا القاسم.
[3-) ] وشمكير ر وشكمير.
[4-) ] قال ابن الأثير في الكامل ما نصه: «واذن لوزيره نصر بن هرون وكان نصرانيا في عمارة البيع والديرة واطلاق الأموال لفقرائهم.»
في ولد [1] لهم فيه نسب وكان الصداق مائة ألف دينار. وفيها كانت فتنة عظيمة بين عامّة شيراز من المسلمين والمجوس ونهبت فيها دور المجوس وضربوا وقتل منهم جماعة فسيّر إليهم عضد الدولة من جمع له كل من له في ذلك اثر وضربهم وبالغ في تأديبهم وزجرهم.
وفي سنة احدى وسبعين وثلاثمائة فتح البيمارستان العضديّ غربي بغداد ونقل اليه جميع ما يحتاج اليه من الادوية. وفيها أرسل عضد الدولة القاضي أبا بكر المعروف بابن الباقلاني رسولا الى ملك الروم فلما وصل قيل له ليقبّل الأرض بين يديه فامتنع. فعمل الملك بابا صغيرا ليدخل منه القاضي منحنيا. فلما رأى القاضي الباب علم ذلك فاستدبره ودخل منه. فلما دخل وجازه استقبل الملك قائما. وفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة اشتدّ الصرع الذي كان يعتاده عضد الدولة فخنقه فمات منه ثامن شوّال ببغداد. وكانت ولايته بالعراق خمس سنين ونصفا. وجلس ابنه صمصام الدولة ابو كاليجار للعزاء فأتاه الطائع لله معزّيا. وكان عمر عضد الدولة سبعا وأربعين سنة. وكان قد سيّر ولده شرف الدولة أبا الفوارس الى كرمان مالكا لها. وكان عضد الدولة عاقلا فاضلا حسن السياسة كثير الاصابة شديد الهيبة بعيد الهمّة ثاقب الرأي محبا للفضائل وأهلها باذلا في مواطن العطاء ومانعا في أماكن الحرم ناظرا في عواقب الأمور. ولما توفي عضد الدولة ولي الأمر بعده ولده صمصام الدولة ابو كاليجار وخلع على أخويه ابي الحسين احمد وابي طاهر فيروز شاه فاقطعهما فارس. وكان أخوهم الآخر شرف الدولة بكرمان فسبقهما الى شيراز فملكها.
وفي سنة ثلث وسبعين وثلاثمائة مات مؤيد الدولة بجرجان وكانت علّته الخوانيق. وعاد فخر الدولة اخوه الى مملكته واتفق مع صمصام الدولة وصارا يدا واحدة. وفيها دخل باد [2] الكردي الحميديّ الى الموصل واستولى عليها وقويت شوكته وحدّث نفسه بالتغلّب على بغداد وازالة الديلم عنها. فخافه صمصام الدولة وأهمّه أمره وشغله عن غيره وجمع العسكر فساروا الى باد فخرج إليهم ولقيهم في صفر سنة اربع وسبعين فأجلت [3] الوقعة عن هزيمة باد وأصحابه وملك الديلم الموصل. وفي سنة سبع وسبعين سار شرف الدولة ابو الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز الى واسط فملكها. فخافه اخوه صمصام الدولة وسار في طيّار اليه في خواصه فلقيه وطيّب قلبه فلما خرج من عنده قبض عليه وسار فوصل الى بغداد في شهر رمضان واخوه صمصام الدولة معه تحت الاعتقال وكانت امارته بالعراق اربع سنين. وفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة اعتلّ شرف الدولة فلما اشتدّت علّته
[1-) ] ولد لهم ر ولدهم.
[2-) ] باد ر بادي.
[3-) ] فأجلت ر فانجلت.
قيل له: الدولة مع صمصام الدولة على خطر فان لم تقتله فأسمله. فسمله وحبسه مع أخيه ابي طاهر في بعض القلاع التي بفارس وفيها في مستهلّ جمادى الآخرة مات الملك شرف الدولة ابو الفوارس شير زيل بن عضد الدولة مستسقيا وكانت امارته بالعراق سنتين.
وثمانية أشهر وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة. وولي الأمر بعده اخوه بهاء الدولة ابو نصر.
واما ابنه ابو عليّ فكان سيّره الى بلاد فارس واصحبه الخزائن والعدد وجماعة كثيرة من الأتراك. ثم ان المرتّبين في القلعة التي فيها صمصام الدولة واخوه ابو طاهر لما بلغهم الخبر بموت شرف الدولة اطلقوهما ومعهما فولاذ [1] فساروا الى شيراز واجتمع على صمصام الدولة وهو أعمى كثير من الديلم واستولى على فارس وملكها. واما ابو عليّ بن شرف الدولة فأرسل اليه عمّه بهاء الدولة وطيّب قلبه ووعده فسار اليه فقبض عليه ثم قتله بعد ذلك بيسير. وفيها ملك ابو طاهر ابرهيم وابو عبد الله الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان الموصل. وفي سنة ثمانين وثلاثمائة جمع باد الأكراد وصار نحو الموصل فخرج اليه ابو طاهر والحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان فناوشاه القتال. وأراد باد الانتقال من فرس الى آخر فسقط فأراده أصحابه على الركوب فلم يقدروا فتركوه وانصرفوا فعرفه بعض العرب فقتله وصلبت جثته على دار الامارة فثار العامة وقالوا: رجل غاز ولا يحلّ فعل هذا به فأنزلوه وكفّنوه وصلّوا عليه ودفنوه وظهر منهم محبّة كثيرة له. ولما قتل باد الكرديّ سار ابن أخته ابو عليّ بن مروان في طائفة من الجيش الى حصن كيفا وهو على دجلة فملكه ونزل فقصد حصنا حصنا حتى ملك ما كان لخاله. وبعد مدّة يسيرة قتل بآمد قتله انسان يقال له ابن دمنة وقف له في الدركاه وضربه بالسكين في مقاتله. وملك ميّافارقين بعده اخوه ممهد الدولة بن مروان واستولى على آمد عبد البرّ شيخ البلد وزوّج ابن دمنة قاتل ابي علي ابنة. فعمل له ابن دمنة دعوة وقتله وملك آمد وعمّر البلد وأصلح أمره مع ممهد الدولة وهادي [2] ملك الروم وصاحب مصر وغيرهما من الملوك وانتشر ذكره. وفي سنة احدى وثمانين وثلاثمائة قبض بهاء الدولة على الطائع بن المطيع. وحمل الى دار بهاء الدولة فحبس بها واشهد عليه بالخلع وأخذ بهاء الدولة ما في دار الخلافة من الذخائر فمشى به الحال وكانت مدة خلافة الطائع سبع عشرة سنة وثمانية أشهر ولم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدلّ به على سيرته.
وفي سنة تسع وستين وثلاثمائة توفّي ثابت بن ابرهيم بن زهرون [3] الحرّاني الصابئ
[1-) ] فولاذ ر قوّاد.
[2-) ] وهادي ر وهادن.
[3-) ] زهرون ر هارون.
ببغداد وكان طبيبا حاذقا مصيبا. حكى عنه ابو الفرج ابن ابي الحسن بن سنان قال:
كنت وابرهيم الحرّاني يوما في دار ابي محمد المهلّبي الوزير فتقدم ابو عبد الله بن الحجاج الشاعر الى الحراني فأعطاه مجسّه. فقال له: قلت لك غلظ غذاك وأظنك أسرفت وذلك حتى أكلت مضيرة بلحم عجل. فقال: كذلك والله كان. وعجب هو والجماعة منه.
ومدّ اليه ابو العباس المنجم يده فأخذ مجسّه فقال: فأنت يا سيدي أسرفت في التبريد ايضا وأظنّك قد أكلت احدى عشرة رمّانة. فقال ابو العباس المنجم: هذه نبوّة لا طبّ. وزاد العجب والتفاوض في ذلك. وكنت انا ايضا أكثرهم استطرافا وتعجبا. فلما خرجنا قلت له: يا سيدي أبا الحسن صناعة الطب معروفة بيننا لا يخفى عني شيء منها فبيّن لي من اين ذلك النصّ على ان المضيرة كانت بلحم عجل لا بقرة ولا ثور ومن اين لك الدليل على ان عدد الرمّان احدى عشرة. فقال: هو شيء يخطر ببالي فينطق به لساني. فقلت: صدقتني والله إذا ارني مولدك. وجئت معه الى الدار ونظرت في مولده فرأيت سهم الغيب في درجة الطالع مع درجة المشتري وسهم السعادة فقلت له: يا عزيزي هذا يتكلم لا أنت وكلما تصيب في الطبّ من مثل هذا الحدس والقول فهذا سببه وأصله.
وحكي ان عضد الدولة فناخسرو شاهنشاه بن بويه كان إذا افتخر بالعلم والمعلّمين يقول: معلمي في الكواكب الثابتة وأماكنها عبد الرحمن الصوفيّ وفي حلّ الزيج الشريف ابن الأعلم وفي النحو ابو علي الفارسي. وكان عبد الرحمن بن عمر بن سهل ابو الحسين الصوفي الرازيّ فاضلا نبيها نبيلا ومن تصانيفه كتاب الصور السمائيّة مصورّ والارجوزة وكتاب مطارح الشعاعات. وتوفيّ في سنة ست وسبعين وثلاثمائة وكان عمره خمسا وثمانين سنة. واما ابن الأعلم فاسمه عليّ بن الحسين رجل علويّ شريف عالم بعلم الهيئة وصناعة التسيير مذكور مشهور في وقته وكان قد تقدّم عند عضد الدولة. ولما توفّي عضد الدولة نقصت حاله وتأخر أمره عند صمصام الدولة ابنه فانقطع عنهم واقام منقطعا وحجّ في شهور سنة اربع وسبعين وثلاثمائة وفي عودته مات بمنزلة تعرف بالعسيلة. وكان في هذه المدة جماعة صالحة من مشاهير الحكماء منهم التميميّ المقدسيّ الطبيب كان بمصر في حدود سبعين وثلاثمائة أحكم ما علمه من علم الطبّ غاية الأحكام وكان له غرام وعناية تامّة في تركيب الادوية وعنده غوص واستغراق في طلب غوامض هذا النوع وكان منصفا
في مذاكراته غير رادّ على احد الّا بطريق الحقيقة. ومنهم عليّ بن العبّاس المجوسيّ فاضل كامل فارسيّ الأصل قرأ على شيخ فارسيّ يعرف بأبي ماهر وطالع هو اجتهد وصنف للملك عضد الدولة بن بويه كتابه [1] المسمّى بالملكيّ وهو كتاب جليل وكنّاش نبيل مال الناس اليه في وقته ولزموا درسه الى ان ظهر كتاب القانون لابن سينا فمالوا اليه وتركوا الملكيّ بعض الترك. والملكيّ في العمل ابلغ والقانون في العلم اثبت. ومنهم نظيف القسّ [2] الرومي كان طبيبا عالما بالنقل من اليوناني الى العربي ولم يكن سعيد المباشرة ولا منجح المعالجة وكان الناس يتطيرون به ويولعون [3] به إذا دخل الى مريض حتى انه حكى في بعض أوقاته ان عضد الدولة أنفذه الى بعض القوّاد ليعوده في مرض كان عرض له. فلما خرج من عند القائد استدعى القائد ثقته وأنفذه الى حاجب عضد الدولة يستعلم منه نيّة الملك فيه. ويقول: ان كان ثمّ تغيّر نيّة فليأخذ له الأذن في الانصراف والبعد فقد قلق لما جرى. وسأله الحاجب عن السبب. فقال: ما اعرف اكثر من انه جاء نظيف الطبيب وقال له: مولانا الملك انفذني لعيادتك. فمضى الحاجب وأعاد بحضرة عضد الدولة هذا القول. فضحك وأمره باعلامه حسن نيّة الملك فيه وحملت اليه خلع سنيّة سكنت نفسه بها. ومنهم عبيد [4] الله بن الحسن ابو القاسم المعروف بغلام زحل المنجم مقيم ببغداد من أفاضل الحسّاب والمنجمين اصحاب الحجج والبراهين وله يد طولى فيما يعانيه من هذا الشأن. ذكر انه اجتمع يوما عند ابي سليمان المنطقيّ جماعة من سادة علماء الأوائل وأخذوا في المذاكرة فذكروا في علم النجامة وقالوا: هي من العلوم التي لا تجدي فائدة ولا يصحّ لها حكم. فأطالوا القول في ذلك. فقال بعضهم: ايها القوم اختصروا الكلام وقربوا البغية هل تصح الأحكام. فقال غلام زحل: عن هذا جواب يستثبت على كل وجه. فقيل: لم بيّن. قال لان صحتها وبطلانها يتعلقان بآثار الفلك وقد يقتضي شكل الفلك في زمان ان لا يصحّ منها شيء وان غيص [5] على دقائقها وبلغ الى أعماقها. وقد يزول ذلك الشكل فيجيء زمان لا يبطل منها شيء فيه وان قورب في الاستدلال. وقد يتحول هذا الشكل في وقت آخر الى ان يكثر الصواب فيها والخطأ.
ومتى وقف الأمر على هذا الحدّ فلا يثبت على قول قضاء ولا يوثق بجواب. فقال ابو
[1-) ] كتابه ر كنّاشه.
[2-) ] القس ر النفس.
[3-) ] يولعون ر يعلون ويولون.
[4-) ] عبيد ر عبد.
[5-) ] غيص ر غيض.
سليمان المنطقيّ: هذا احسن ما يمكن ان يقال في هذا الباب. ومنهم مسكويه ابو عليّ الخازن [1] من كبار فضلاء العجم واجلّاء فارس له مشاركة حسنة في العلوم الادبيّة والعلوم القديمة كان خازنا للملك عضد الدولة بن بويه مأمونا لديه أثيرا عنده. وله تصانيف في العلوم ومناظرات ومحاضرات. وقال ابو عليّ بن سينا في بعض كتبه وقد ذكر مسألة فقال: وهذه المسألة حاضرت بها أبا عليّ مسكويه فاستعادها كرّات وكان عسر الفهم فتركه ولم يفهمها على الوجه. وعاش زمانا طويلا الى ان قارب سنة عشرين واربعمائة.
وحكي ان عضد الدولة لما قدم الى بغداد قيل له عن ابي الفضل جعفر بن المكتفي بالله انه من أولاد الخلفاء وانه فاضل كبير القدر عالم بعلوم متعددة من علوم الأوائل متحقق بذلك اتمّ تحقيق. فاشتاقت نفسه اليه فسيّر اليه سرا وكان يجتمع به خفية ويأتيه في خفّ وازار فإذا حصل في داره أقعده في موضع خال بغير إزار. فإذا خلا عضد الدولة استدعاه فإذا شاهده تطاول له في القيام وأكرمه وخلا به وسأله عن فنّه في علم احكام النجوم واخبار الحدثان فيخبره من ذلك بما يعجب منه ولا يبعد وقوعه. وتوفّي جعفر هذا سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. ومن جملة من اختص بشرف الدولة بن عضد الدولة من الحكماء احمد بن محمد الصاغاني ابو حامد كان فاضلا في الهندسة وعلم الهيئة وكان ببغداد يحكم الآلات الرصديّة غاية الأحكام. ولما بنى شرف الدولة بيت الرصد في طرف بستان دار المملكة وتقدّم برصد الكواكب السبعة واعتمد في ذلك على ويجن [2] الكوهي ورصد وكتب مختصرين بصورة الرصد كان ممن شاهد ذلك وكتب خطّه بتصحيح نزول الشمس في برجين احمد بن محمد المنطقي الصاغاني. ومات احمد هذا سنة تسع وسبعين وثلاثمائة ببغداد. واما ويجن بن وشم [3] ابو سهل الكوهي فكان حسن المعرفة بالهندسة وعلم الهيئة متقدما فيهما الى الغاية المتناهية. وكان رصده لحلول الشمس برجي السرطان والميزان سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين للإسكندر. وكان من جملة من حضر هذين الرصدين من العلماء ابرهيم بن هلال بن ابرهيم بن زهرون [4] الصابئ صاحب الرسائل اصل سلفه من حرّان ونشأ ببغداد وتأدّب بها وكان بليغا في صناعتي النظم والنثر وله يد طولى في علم الرياضية وخصوصا في الهندسة والهيئة وله فيهما مصنفات. وديوان رسائله مجموع. وخدم
[1-) ] الخازن ر الحرث.
[2-) ] ويجن ر ويجي ر يحيى.
[3-) ] ويجن بن وشم ر ويحيى بن وسم.
[4-) ] زهرون ر هارون.