الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: حَلَّتْ الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ رَوَاهُ الْهَرَوِيُّ وَلِأَنَّ هَذِهِ أَيَّامُ الْحَجِّ فَتَعَيَّنَتْ لَهُ، وَفِي قَوْله تَعَالَى {يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة: 3] إشَارَةٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُفِيدُ التَّخْصِيصَ فَيَكُونُ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ أَخَصَّ بِهِ مِنْ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ، وَهُوَ الْعُمْرَةُ يَعْنِي بِيَوْمِ النَّحْرِ
قَالَ رحمه الله (، وَهِيَ سُنَّةٌ) أَيْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: هِيَ تَطَوُّعٌ، وَفِي الْجَدِيدِ: هِيَ فَرِيضَةٌ كَالْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] أَمَرَ بِهَا، وَهِيَ لِلْوُجُوبِ وَرُوِيَ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَالظَّعْنَ قَالَ اُحْجُجْ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى عَبْدُ الْحَقِّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِمَا بَدَأْت» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ أَحَدٌ إلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّهَا لِقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «أَتَى أَعْرَابِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: لَا وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» وَالْأَخْبَارُ فِي كَوْنِهَا تَطَوُّعًا كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ ظَهَرَتْ فِيهَا آثَارُ النَّفْلِ حَيْثُ تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ غَيْرِهَا كَفَائِتِ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِهَا وَكَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ يَكُونُ شَارِعًا فِيهَا عِنْدَهُمْ، وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَمَا تَأَدَّتْ بِنِيَّةِ غَيْرِهَا كَصَلَاةِ الْفَرْضِ بِخِلَافِ النَّفْلِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ سبحانه وتعالى أَمَرَ بِالْإِتْمَامِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِوُجُوبِهَا بَعْدَهُ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فَسَّرُوا الْإِتْمَامَ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِفَرْضٍ بِالْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ وَكَذَا لَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ الْعَامِرِيِّ؛ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَبِيهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ أَيْضًا، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ أَبَاهُ لَا يَسْتَطِيعُ، وَهُمَا لَا يَجِبَانِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الْحَقِّ لَمْ يَصِحَّ رَفْعُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ يُعَارَضُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُضْطَرِبٌ فِيهِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ، وَإِنَّمَا عُمْرَتُكُمْ طَوَافُكُمْ، وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَمَا سَقَطَتْ بِالنَّفْلِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ إنَّ الطَّوَافَ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَالْفَرْضُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَلَمْ يُوجَدْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ)
الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ صَلَاةً كَانَ أَوْ صَوْمًا أَوْ حَجًّا أَوْ صَدَقَةً أَوْ قِرَاءَةَ قُرْآنٍ أَوْ الْأَذْكَارَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ، وَيَصِلُ ذَلِكَ إلَى الْمَيِّتِ وَيَنْفَعُهُ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ وَلَا يَنْفَعُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} [النجم: 40] وَلِأَنَّ الثَّوَابَ هُوَ الْجَنَّةُ وَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَهَا لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ وَالْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ، وَفِي الْحَجِّ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ) وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمٌ، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُفِيدُهُ اهـ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَهِيَ سُنَّةٌ) أَيْ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صِفَتُهَا فِي بَابِ التَّمَتُّعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْجَدِيدِ هِيَ فَرِيضَةٌ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ. اهـ. غَايَةٌ وَأَيْضًا الثَّوْرِيُّ وَالْفَضْلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ اهـ كَيْ (قَوْلُهُ: وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا فِي إيجَابِ الْعُمْرَةِ، وَلَا أَصَحَّ مِنْهُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَنَحْنُ نَقُولُ بِوُجُوبِهَا بَعْدَهُ) وَبِهَذَا لَا تَثْبُتُ فَرْضِيَّتُهَا كَمَا لَا تَثْبُتُ فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] وقَوْله تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] قُرِئَتْ وَالْعُمْرَةُ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ ابْتِدَاءُ إخْبَارٍ أَنَّ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَالنَّوَافِلَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى تَقْدِيرِ النَّصْبِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا، كَمَا ذَكَرْنَا. اهـ. كَاكِيٌّ
[بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حَجِّ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْأَصْلُ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّبَعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُخَالِفَ لِمَا ذَكَرَ خَارِجٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ لَا يَقُولَانِ بِوُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ بَلْ غَيْرُهُمَا كَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ أَصْحَابَنَا لَهُمْ كَمَالُ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِاسْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ وَصْفًا عَبَّرَ عَنْهُمْ بِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ رحمه الله: لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَنْجَعِلُ بِالْجَعْلِ أَوْ لَا بَلْ يَلْغُو بِجَعْلِهِ اهـ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَسَعْيُ غَيْرِهِ لَيْسَ سَعْيَهُ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مَسُوقَةً قَصًّا لِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَحَيْثُ لَمْ يُتَعَقَّبْ بِإِنْكَارٍ كَانَ شَرِيعَةً لَنَا عَلَى مَا عُرِفَ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ الْكَمَالُ رحمه الله: وَالْجَوَابُ: أَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِيمَا قَالُوهُ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا نُسِخَتْ أَوْ مُقَيَّدَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ مَا يُوجِبُ الْمَصِيرَ إلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الثَّوَابَ هُوَ الْجَنَّةُ) أَيْ، وَهِيَ لِلَّهِ وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ تَمْلِيكُ مِلْكِ الْغَيْرِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إلَخْ) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَلِلْمَيِّتِ أَجْرُ الْمُسْتَمِعِ عِنْدَهُمَا. اهـ. كَاكِيٌّ
وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كَانَ لِي أَبَوَانِ أَبَرُّهُمَا حَالَ حَيَاتِهِمَا فَكَيْفَ لِي بِبِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا فَقَالَ لَهُ عليه الصلاة والسلام إنَّ مِنْ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِك وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صِيَامِك» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ، وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهَا لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ {يس} [يس: 1] خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَتَصَدَّقُ عَنْ مَوْتَانَا وَنَحُجُّ عَنْهُمْ وَنَدْعُو لَهُمْ فَهَلْ يَصِلُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَالَ نَعَمْ إنَّهُ لَيَصِلُ وَيَفْرَحُونَ بِهِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالطَّبَقِ إذَا أُهْدِيَ إلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ سُورَةَ {يس} [يس: 1]» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَعَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْ جَعَلَ ثَوَابَهُ لِأُمَّتِهِ وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْفَعُهُ عَمَلُ غَيْرِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ هُوَ الِاسْتِمْسَاكُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَمُوتُ الرَّجُلُ، وَيَدَعُ وَلَدًا فَيُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ فَيَقُولُ مَا هَذَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ سبحانه وتعالى اسْتِغْفَارُ وَلَدِك؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ اسْتِغْفَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ لَهُمْ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَمَلُ الْغَيْرِ
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} [الطور: 21] وَقِيلَ: هِيَ خَاصَّةٌ بِقَوْمِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ حِكَايَةً عَمَّا فِي صُحُفِهِمَا - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى} [النجم: 36]
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: كَانَ لِي أَبَوَانِ أَبَرُّهُمَا) وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ أَبَرَّهُمَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَمْلَحَيْنِ) وَالْمُلْحَةُ بَيَاضٌ يَشُوبُهُ شُعَيْرَاتٌ سُودٌ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ أَحَدِهِمَا) بِالْجَرِّ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَالْآخَرِ وَهُمَا بَدَلَانِ مِنْ قَوْلِهِ بِكَبْشَيْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى تَأْوِيلِ ذَبْحِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ التَّضْحِيَةَ تَدُلُّ عَلَى الذَّبْحِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالْآخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ إلَخْ) وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ يَشْتَرِي كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقَرْنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوأَيْنِ فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلَاغِ، وَذَبَحَ الْآخَرَ» عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَقَرْنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوأَيْنِ فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ إنِّي وَجَّهْت وَجْهِي الْآيَةَ اللَّهُمَّ لَك وَمِنْك عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ ذَبَحَ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ بِنَقْصٍ فِي الْمَتْنِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ «صلى الله عليه وسلم أَتَى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَقَرْنَيْنِ مَوْجُوأَيْنِ فَأَضْجَعَ أَحَدَهُمَا، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ أَضْجَعَ الْآخَرَ، وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ لَك بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ» وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْفَضَائِلِ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمِنْ طَرِيقِهِ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا وَالدَّارَقُطْنِيّ فَقَدْ رَوَى هَذَا عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَانْتَشَرَ مُخْرِجُوهُ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، وَهُوَ أَنَّهُ ضَحَّى عَنْ أُمَّتِهِ مَشْهُورًا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِهِ مَا لَمْ يَجْهَلْهُ صَاحِبُهُ اهـ فَتْحُ الْقَدِيرِ قَالَ الْكَمَالُ رحمه الله فَهَذِهِ الْآثَارُ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا فِي السُّنَّةِ أَيْضًا مِنْ نَحْوِهَا مِنْ كَثِيرٍ تَرَكْنَاهُ لِحَالِ الطُّولِ يَبْلُغُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْكُلِّ وَهُوَ أَنَّ مَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ الصَّالِحَاتِ لِغَيْرِهِ نَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، وَكَذَا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] وَمِنْ الْإِخْبَارِ بِاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} [الشورى: 5] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أُخْرَى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] وَسِيَاقُ عِبَارَتِهِمْ {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] إلَى قَوْلِهِ {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} [غافر: 9] قَطْعِيٌّ فِي حُصُولِ الِانْتِفَاعِ بِعَمَلِ الْغَيْرِ فَيُخَالِفُ ظَاهِرَ الْآيَةِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا؛ إذْ ظَاهِرُهَا أَنْ لَا يَنْفَعَ اسْتِغْفَارُ أَحَدٍ لِأَحَدٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سَعْيِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَطَعْنَا بِانْتِفَاءِ إرَادَةِ ظَاهِرِهَا عَلَى صِرَافَتِهِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَا يَهَبُهُ الْعَامِلُ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ؛ إذْ لَمْ يَبْطُلْ بَعْدَ الْإِرَادَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْإِخْبَارَاتِ وَلَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي الْخَبَرِ، وَمَا يُتَوَهَّمُ جَوَابًا مِنْ أَنَّهُ - تَعَالَى - أَخْبَرَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ أَنْ لَا يَجْعَلَ لِغَيْرِ الْعَامِلِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ شَرِيعَتِنَا حَقِيقَةً مَرْجِعُهُ إلَى تَقْيِيدِ الْإِخْبَارِ لَا إلَى النَّسْخِ؛ إذْ حَقِيقَتُهُ أَنْ يُرَادَ الْمَعْنَى ثُمَّ يُرْفَعَ إرَادَتُهُ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِالْإِرَادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ، وَلَمْ يَقَعْ نَسْخٌ لَهُمْ، وَلَمْ يَرِدْ الْإِخْبَارُ أَيْضًا فِي حَقِّنَا ثُمَّ نُسِخَ وَأَمَّا جَعْلُ اللَّامِ فِي الْإِنْسَانِ بِمَعْنَى عَلَى فَبَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرُهَا، وَمِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ أَيْضًا فَإِنَّهَا وَعْظٌ لِلَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى وَقَدْ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ إبْطَالِنَا لِقَوْلِهِ الْمُعْتَزِلَةُ انْتِفَاءُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مِمَّا فِي الْآثَارِ اهـ
{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] وَقِيلَ: أُرِيدَ بِالْإِنْسَانِ الْكَافِرُ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَهُ مَا سَعَى أَخُوهُ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَدْلِ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ، وَقِيلَ اللَّامُ فِي لِلْإِنْسَانِ بِمَعْنَى عَلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] أَيْ فَعَلَيْهَا، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى:{لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] أَيْ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ إلَّا سَعْيُهُ لَكِنَّ سَعْيَهُ قَدْ يَكُونُ بِمُبَاشَرَةِ أَسْبَابِهِ بِتَكْثِيرِ الْإِخْوَانِ وَتَحْصِيلِ الْإِيمَانِ حَتَّى صَارَ مِمَّنْ تَنْفَعُهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» لَا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ عَمَلِ غَيْرِهِ وَالْكَلَامِ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُسْتَبْعَدُ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا جَعْلُ مَالِهِ مِنْ الْأَجْرِ لِغَيْرِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - هُوَ الْمُوَصِّلُ إلَيْهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعَمَلٍ دُونَ عَمَلٍ ثُمَّ الْعِبَادَةُ أَنْوَاعٌ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالزَّكَاةِ وَالْعُشُورِ وَالْكَفَّارَةِ وَبَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ، وَمُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا كَالْحَجِّ فَإِنَّهُ مَالِيٌّ مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاطُ الِاسْتِطَاعَةِ وَوُجُوبُ الْأَجْزِيَةِ بِارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِهِ وَبَدَنِيٌّ مِنْ حَيْثُ الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ
قَالَ رحمه الله (النِّيَابَةُ تُجْزِي فِي الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا سَدُّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ كَمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ، وَيَحْصُلُ بِهِ تَحَمُّلُ الْمَشَقَّةِ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ كَمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَالَتَانِ قَالَ رحمه الله (وَلَمْ تَجُزْ فِي الْبَدَنِيَّةِ بِحَالٍ) أَيْ لَا تُجْزِي النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا إتْعَابِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ - تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا انْتَصَبَتْ لِمُعَادَاتِهِ - تَعَالَى - فَفِي الْوَحْيِ عَادِ نَفْسَك فَإِنَّهَا انْتَصَبَتْ لِمُعَادَاتِي وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ أَصْلًا فَلَا تُجْزِي فِيهَا النِّيَابَةُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ قَالَ رحمه الله (وَفِي الْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا تُجْزِي عِنْدَ الْعَجْزِ فَقَطْ) أَيْ فِي الْمُرَكَّبِ مِنْ الْمَالِ وَالْبَدَنِ تُجْزِي النِّيَابَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ لِحُصُولِ الْمَشَقَّةِ بِدَفْعِ الْمَالِ وَلَا تُجْزِي عِنْدَ الْقُدْرَةِ لِعَدَمِ إتْعَابِ النَّفْسِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ قَالَ رحمه الله (وَالشَّرْطُ الْعَجْزُ الدَّائِمُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ) أَيْ شَرْطُ جَوَازِ النِّيَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْعَجْزُ دَائِمًا إلَى الْمَوْتِ إنْ كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا بِأَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ ثُمَّ عَجَزَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الْإِحْجَاجُ عَلَى الْعَاجِزِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ دَوَامَ الْعَجْزَ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ الْعُمْرِ فَيُعْتَبَرُ عَجْزٌ مُسْتَوْعِبٌ لِبَقِيَّةِ الْعُمْرِ لِيَقَعَ بِهِ الْيَأْسُ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ حَتَّى لَوْ أَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَرِيضٌ يَكُونُ مُرَاعًى، فَإِنْ مَاتَ بِهِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ تَعَافَى بَطَلَ، وَكَذَا لَوْ أَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ قَالَ رحمه الله (وَإِنَّمَا شَرْطُ عَجْزِ الْمُنَوِّبِ لِلْحَجِّ الْفَرْضُ لَا لِلنَّفْلِ)؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَجِّ النَّفْلِ تَجُوزُ الْإِنَابَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ بَابَ النَّفْلِ أَوْسَعُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ فِي الصَّلَاةِ قَاعِدًا وَرَاكِبًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَالنُّزُولِ ثُمَّ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ أَصْلَ الْحَجِّ يَقَعُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «وَقَالَ عليه الصلاة والسلام لِرَجُلٍ حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَدَلَّ أَنَّ نَفْسَ الْحَجِّ يَقَعُ عَنْهُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْحَاجِّ وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَالْمَالُ شَرْطُ لِلْوُجُوبِ لِكَوْنِهِ عَاجِزًا بِدُونِهِ فَلَا تَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بَلْ يُقَامُ الْإِنْفَاقُ مَقَامَ فِعْلِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» إلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ سَقَطَ فَرْضُ الْحَجِّ عَنْهُ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَتُجْبَر الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إذَا مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ وَيَجِبُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ أَصْلِ مَالِهِ، وَتُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ ثُمَّ عِنْدَنَا إذَا مَاتَ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ، وَلَمْ يُوصِ فَحَجَّ رَجُلٌ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ أَوْ تَبَرُّعِ الْوَرَثَةِ بِذَلِكَ فَحَجَّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ مَاتَ وَأَوْصَى بِالْحَجِّ فَتَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ لَمْ يَجُزْ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَكَذَا لَوْ تَطَوَّعَ وَارِثٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ هُنَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ وَكَذَا إذَا حَجَّ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَمْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ فَلِذَلِكَ عُلِّقَ بِالْمَشِيئَةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ حَيْثُ مَا اسْتَثْنَى لِأَنَّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ يَجِبُ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ الْعِلْمِ بِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ أَمَّا سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْ الْمَيِّتِ فَلَيْسَ طَرِيقُهُ الْعَمَلَ بَلْ طَرِيقُهُ الْعِلْمُ فَلَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَلِهَذَا عُلِّقَ بِالْمَشِيئَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَقِيلَ: إنَّمَا عُلِّقَ بِالْمَشِيئَةِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْعِبَادَاتِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى، إلَّا مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَانَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ حُكْمًا وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ كَرَمًا وَجُودًا، وَلَوْ قَضَى بِأَمْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهُ لَا مَحَالَةَ كَذَا هُنَا؛ فَلِذَا قُلْنَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِالْحَجِّ عَنْهُ لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ اهـ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ رحمه الله ثُمَّ الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ إنْ شَاءَ قَالَ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِالنِّيَّةِ كَذَا قَالَ الْحَاكِمُ الْجَلِيلُ الشَّهِيدُ رحمه الله. اهـ. حَجّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَفِي الْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ رحمه الله: وَأَمَّا الْجِهَادُ فَلَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْوَقْعَةَ إذَا حُضِرَتْ يُفْتَرَضُ الْجِهَادُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَبَعْدَ ذَلِكَ كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا تُجْزِئُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ) أَيْ عَلَى فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ وَإِنَّمَا الْمَالُ شَرْطٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ الْمُنَوِّبِ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَبَاءٍ مَكْسُورَةٍ هَكَذَا ضَبَطَهُ الشَّارِحُ بِالْقَلَمِ (قَوْلُهُ: يَقَعُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ)؛ لِأَنَّ الْآثَارَ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَيَذْكُرُهُ الْحَاجُّ فِي التَّلْبِيَةِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَمِنْ فُلَانٍ. اهـ. خَانْ
الْحَجَّ بِنَفْسِهِ كَالْفِدْيَةِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي أُقِيمَ مَقَامَ الصَّوْمِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَهُوَ الْحَاجُّ
قَالَ رحمه الله (وَمَنْ أَحْرَمَ عَنْ آمِرِيهِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ) وَمَعْنَاهُ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَهُ رَجُلَانِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَجَّةً فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا فَهِيَ عَنْ الْحَاجِّ، وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُمَا، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ نَوَاهُمَا جَمِيعًا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَدْ خَالَفَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخْلِصَ لَهُ الْحَجَّ وَأَنْ يَنْوِيَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَارَ مُخَالِفًا، وَلَا يَكُونُ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَوَقَعَ عَنْ الْمَأْمُورِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِهِ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّى الْحَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْحَجِّ عَنْهُمَا، وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَكُونُ حَاجًّا عَنْهُ بَلْ يَكُونُ جَاعِلًا ثَوَابَ حَجِّهِ لَهُ، وَنِيَّتُهُ عَنْهُمَا لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْحَجَّةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكُونُ عَنْ اثْنَيْنِ فَبَقِيَ لَهُ أَصْلُ الْحَجِّ، وَهُوَ سَبَبُ الثَّوَابِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا، وَلَا كَذَلِكَ إذَا أُمِرَ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إيقَاعُ حَجَّةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِذَا أَحْرَمَ عَنْهُمَا فَقَدْ خَالَفَ فَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ لَهُمَا إنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِمَا لِلتَّعَدِّي وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ صَارَ مُخَالِفًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْمُضِيِّ أَيْ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ جَازَ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا تَوَقُّفٍ وَضَمِنَ نَفَقَتَهُمَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِتَعْيِينِ الْحَجِّ لَهُ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ فَقَدْ خَالَفَ فَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ رَجُلَانِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا فَاشْتَرَى عَبْدًا لِأَحَدِهِمَا لَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا بَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَحْرَمَ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ حَجَّةً، وَلَا عُمْرَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ
وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ الْحَقِّ لِمَعْلُومٍ وَهُوَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَإِنَّمَا الْمَجْهُولُ الْمُلْتَزَمُ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ مَجْهُولٌ نَظِيرُهُ إذَا أَقَرَّ بِمَعْلُومٍ لِمَجْهُولٍ لَا يَصِحُّ، وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ لِمَعْلُومٍ صَحَّ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَجُّ عَنْ أَبَوَيْهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ إنَّمَا يَجْعَلُ ثَوَابَهُ لَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ هَذَا إبْهَامٌ فِي الْإِحْرَامِ، وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْأَفْعَالِ وَالْمُبْهَمُ يَصْلُحُ وَسِيلَةً بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ فَاكْتَفَى بِهِ شَرْطًا كَمَا فِي الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ عَلَى مَا مَرَّ بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّى الْأَفْعَالَ عَلَى الْإِبْهَامِ ثُمَّ عَيَّنَهُ لِأَحَدِهِمَا حَيْثُ لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْيِينَ فَصَارَ مُخَالِفًا، وَإِنْ أَطْلَقَ بِأَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ مُعَيَّنًا وَمُبْهَمًا قَالَ فِي الْكَافِي: لَا نَصَّ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ هُنَا إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ
قَالَ رحمه الله (وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ، وَدَمُ الْقِرَانِ وَدَمُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَأْمُورِ)؛ لِأَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ مُؤْنَةٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ وَدَمُ الْقِرَانِ وَجَبَ شُكْرًا لِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَالْمَأْمُورُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ ابْتِدَاءً، وَسَائِرُ الْمَنَاسِكِ عَلَيْهِ، فَكَذَا هَذَا، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا أَمَرَهُ وَاحِدٌ بِالْقِرَانِ أَوْ أَمَرَهُ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا بِالْحَجِّ وَالْآخَرُ بِالْعُمْرَةِ وَأَذِنَا لَهُ بِالْقِرَانِ وَأَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَقَدْ صَارَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْحَاجِّ وَهُوَ الْمَأْمُورُ وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ لَهُ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَالْقَضَاءُ إذَا فَسَدَ لَا عَلَى الْآمِرِ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَمَنْ أَحْرَمَ عَنْ آمِرِيهِ إلَخْ) وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ فَرَجَعَ عَنْ الطَّرِيقِ فَقَالَ: مُنِعْت لَمْ يُصَدَّقْ، وَيَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ عَنْ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ ظَهَرَ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ، وَإِنْ قَالَ الْمَأْمُورُ: حَجَجْت عَنْ الْمَيِّتِ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ وَالْوَصِيُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ كَانَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ فَقَالَ: حُجَّ عَنِّي بِهَذَا الْمَالِ فَحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ حَجَّ بِهَا؛ لِأَنَّ هُنَا يَدَّعِي الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ، وَالْوَرَثَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. اهـ. كَرْمَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَتَلْغُو نِيَّتُهُ عَنْهُمَا قَبْلَ الْأَدَاءِ فَبَعْدَ ذَلِكَ إذَا جَعَلَ ثَوَابَ حَجِّهِ لِأَحَدِهِمَا جَازَ وَكَذَا إذَا جَعَلَ لَهُمَا جَمِيعًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَهَلَّ الْمَأْمُورُ بِحَجَّةٍ عَنْ آمِرِيهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْأَمْرِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ إلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَإِنْ أَمَرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَجَّةٍ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ لِأَحَدِهِمَا لَا يَنْوِيهِ بِعَيْنِهِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُمَا عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ كَذَا هُنَا لِمَا مَرَّ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَقَعُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِحْرَامٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ لَهُمَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ عَنْ أَحَدِهِمَا حَتَّى طَافَ شَوْطًا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُعَيِّنَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِشُرُوعِهِ فِي الْعَمَلِ، وَأَدَاءُ الْفِعْلِ عَنْ الْمَجْهُولِ لَا يَقَعُ عَنْ الْمُعَيَّنِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْفِعْلِ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ لَيْسَ مِنْ الْأَدَاءِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَصْلِنَا إلَّا أَنَّ فِي الْأَبَوَيْنِ يَجُوزُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْفِعْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الثَّوَابُ لَهُمَا، وَأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا تُؤَثِّرُ الْجَهَالَةُ فِيهِ، فَجَازَ الصَّرْفُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً بِخِلَافِ الْآمِرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إسْقَاطُ الْفَرْضِ مِنْ الذِّمَّةِ، وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ وَأَوْصَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَمَرَهُ اثْنَانِ إلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَوْ أَمَرَ أَحَدَهُمَا بِحَجَّةٍ وَالْآخَرَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْجَمْعِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ مُخَالِفًا أَيْضًا لِمَا مَرَّ، وَيَجُوزُ عِنْدُ أَبِي يُوسُفَ فَحَسْبُ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِالْجَمْعِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ، وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ وَكَذَا إذَا كَانَ الْآمِرَ بِهِمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ لِمَا ذَكَرْنَا اهـ
مُخَالِفًا فَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ، وَدَمُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ الْجَانِي عَلَيْهِ كَفَّارَتُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ دَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْمَأْمُورِ لِلتَّحَلُّلِ فَصَارَ كَدَمِ الْقِرَانِ، قُلْنَا: هُوَ مُؤْنَةٌ بِمَنْزِلَةِ نَفَقَةِ الرُّجُوعِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَأْمُورِ قَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ كَمَا إذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أُحْصِرَ وَتَحَلَّلَ، قَالُوا: هَذَا وَدَمُ الْقِرَانِ يَشْهَدُ لِمُحَمَّدٍ وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ كَالْمُحْصَرِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ وَلَوْ أَفْسَدَهُ بِالْجِمَاعِ يَضْمَنُ النَّفَقَةَ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ قَالَ رحمه الله (فَإِنْ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ)
وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى شَخْصٌ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَأَحَجُّوا عَنْهُ فَمَاتَ الْحَاجُّ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ وَكَذَلِكَ إذَا سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ فِي الطَّرِيقِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ الْأَوَّلُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الثُّلُثِ، وَفِي مَكَانِ الْحَجِّ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ يُحَجُّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُحَجُّ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ الْمُفْرِزِ لِلْحَجِّ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ اعْتِبَارًا لِقِسْمَةِ الْوَصِيِّ بِقِسْمَةِ الْمُوصِي، وَالْمُوصِي لَوْ أَفْرَزَ مَالًا، وَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ وَمَاتَ فَهَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِ النَّائِبِ لَا يُؤْخَذُ غَيْرُهُ فَكَذَا إذَا أَفْرَزَهُ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ فَمَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ يَنْفُذُ حَتَّى يُسْتَوْفَى ثُلُثُ الْجَمِيعِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْقِسْمَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالسَّلِيمِ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي سُمِّيَ لِعَدَمِ خَصْمٍ تَتِمُّ بِهِ الْقِسْمَةُ فَتَمَامُهَا بِالصَّرْفِ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْإِفْرَازِ أَوْ بَعْدَهُ فِي يَدِ الْمُوصِي فَيَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الثَّانِي يُحَجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ وَكَذَا لَوْ مَاتَ الثَّالِثُ إلَّا أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُحَجُّ عَنْهُ إلَّا بِالْمُفْرَزِ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ وَإِلَّا بَطَلَتْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَجُّ عَنْهُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ ثُلُثَ الْجَمِيعِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ بَطَلَتْ
وَأَمَّا الثَّانِي فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِيَّةٍ أُخْرَى، وَهُوَ مَا إذَا حَجَّ بِنَفْسِهِ، وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا مِنْ مَوْضِعٍ مَاتَ فِيهِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْقِيَاسُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمَوْجُودَ مِنْ السَّفَرِ بَطَلَ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ إلَّا ثَلَاثَةً: وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَصَدَقَةٌ جَارِيَةٌ» وَتَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُوَ لَيْسَ مِنْ الثَّلَاثِ فَبَطَلَ وَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْخُرُوجُ أَوْ خَرَجَ لِغَيْرِ حَجٍّ كَالتِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَأَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ؛ وَجْهُ قَوْلِهِمَا، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ خُرُوجَهُ لَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: - {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ} [النساء: 100] وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ كُتِبَتْ لَهُ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ» فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ عَمَلُهُ وَجَبَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ، وَأَمَّا إذَا بَيَّنَ مِنْ أَيِّ مَكَان يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ، أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ مَاتَ فِيهِ، أَوْ مَوْضِعٍ آخَرَ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالْإِجْمَاعِ
قَالَ رحمه الله (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَعَيَّنَ صَحَّ) أَيْ مَنْ أَحْرَمَ عَنْ أَبَوَيْهِ بِحَجٍّ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِمَا ثُمَّ عَيَّنَهُ لِأَحَدِهِمَا جَازَ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ عَيَّنَهُ جَازَ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِيهِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقْبَلُ مِنْهُ وَمِنْهُمَا، وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا، وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا» رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ الدَّارَقُطْنِيّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَدَمُ الْقِرَانِ يَشْهَدُ لِمُحَمَّدٍ) فِي أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْحَاجِّ لَا عَنْ الْآمِرِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَإِنْ مَاتَ) أَيْ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ. اهـ. ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: يُحَجُّ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ أَوْصَى بِالْحَجِّ فَأَحَجُّوا عَنْهُ هَذَا. اهـ. ع (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إذَا سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ إلَخْ) فَإِنْ لَمْ يُهْلِك ذَلِكَ الْمَالَ وَلَكِنْ مَاتَ الْمُجَهَّزُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَا أَنْفَقَ الْمُجَهَّزُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ نَفَقَةَ مِثْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى الْخِلَافِ بَلْ عَلَى الْوِفَاقِ وَمَا بَقِيَ فِي يَدِ الْمُجَهَّزِ الْقِيَاسُ أَنْ يُضَمَّ إلَى مَالِ الْمُوصِي فَيَعْزِلَ ثُلُثَ مَالِهِ، وَيَحُجَّ عَنْهُ مِنْ وَطَنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُحَجُّ بِالْبَاقِي مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: يَحُجُّ) أَيْ الْمَأْمُورُ الْأَوَّلُ اهـ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ رحمه الله: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الثُّلُثِ، وَفِي مَكَانِ الْحَجِّ فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا اخْتِلَافٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ، وَقَالَا: لَا يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ الَّذِي بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ الْإِيصَاءِ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِالثُّلُثِ أَمَّا إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَمَرَ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ يُحَجَّ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ مَعَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ الْمُفْرَزِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُحَجُّ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ الْمُفْرَزِ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ اهـ (قَوْلُهُ: فَصَارَ كَمَا لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْإِفْرَازِ) فَيُعْتَبَرُ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْصَى بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ وَأَفْرَزَهُ الْوَصِيُّ وَبَعَثَ بِهِ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ فَهَلَكَ فِي الطَّرِيقِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيُحَجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ) أَيْ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ لِيُوَافِقَ قَوْلَ الْإِمَامِ رضي الله عنه. اهـ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا مِنْ مَوْضِعِ مَاتَ فِيهِ) وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَصَايَا اهـ (قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ عَمَلُهُ وَجَبَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ) وَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي الَّذِي يَحُجُّ بِنَفْسِهِ وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ. اهـ. هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) أَيْ أَحْرَمَ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ أَبَوَيْهِ يُجْزِيهِ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّمَا يَجْعَلُ ثَوَابَ حَجِّهِ لَهُ وَذَلِكَ بَعْدَ أَدَاءِ الْحَجِّ فَلَغَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَصَحَّ جَعْلُهُ ثَوَابًا لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْأَدَاءِ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ عَلَى مَا فَرَّقْنَا مِنْ قَبْلُ. اهـ.