الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَفِي الْمَحْمَلِ يَقُودُهُ الْجَمَّالُ وَهُمَا فِيهِ لَا يَبْطُلُ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ قَالَ رحمه الله (وَالْفُلْكُ كَالْبَيْتِ)؛ لِأَنَّ جَرَيَانَ السَّفِينَةِ لَا يُضَافُ إلَى رَاكِبِهَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِيقَافِ وَالتَّسْيِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 22] فَأَضَافَ الْجَرْيَ إلَيْهَا فَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا وَإِنْ تَحَوَّلَتْ بَطَلَ كَمَا فِي الْبَيْتِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ السَّفِينَةَ إذَا كَانَتْ وَاقِفَةً فَسَارَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا
(فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ)
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَلَمْ يَنْوِ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ وَقَعَتْ رَجْعِيَّةً وَإِنْ طَلَّقَتْ ثَلَاثًا وَنَوَاهُ وَقَعْنَ)؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّطْلِيقِ لُغَةً فَيَقْتَضِي مَصْدَرًا وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَلَّقْتُك؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْخَبَرِ لُغَةً فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا إنْ كَانَ مُطَابِقًا أَوْ كَاذِبًا إنْ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا وَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ إيقَاعًا فَصَارَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ لَا عُمُومَ لَهُ وَلَوْ نَوَى ثِنْتَيْنِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَدَدٌ وَاللَّفْظُ لَا يَقْتَضِيهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَنْكُوحَةُ أَمَةً؛ لِأَنَّهُ جَمِيعُ الْجِنْسِ فِي حَقِّهَا فَيَصِحُّ، وَلَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ نَوَى الزَّوْجُ وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تَقَعُ وَاحِدَةً عَلَى مَا يَأْتِي وَجْهُهُ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ رحمه الله (وَبِأَبَنْتُ نَفْسِي طَلُقَتْ لَا بِاخْتَرْتُ) أَيْ بِقَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي فِي جَوَابِ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك تَطْلُقُ وَلَا تَطْلُقُ بِقَوْلِهَا اخْتَرْت فِي الْجَوَابِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَضْعًا؛ لِأَنَّهَا لِلْقَطْعِ وَحُكْمًا حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا أَبَنْتُك أَوْ قَالَتْ هِيَ أَبَنْتُ نَفْسِي وَأَجَازَ الزَّوْجُ بَانَتْ فَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِلتَّفْوِيضِ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا طَلَاقًا تَبِينُ بِهِ فِي الثَّانِي مِنْ الزَّمَانِ وَزَادَتْ وَصْفًا وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِبَانَةِ فَلَمْ تَمْنَعْ الْمُوَافَقَةَ فِي الْأَصْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً. وَأَمَّا الِاخْتِيَارُ فَلَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِهِ حَتَّى إذَا قَالَ لَهَا اخْتَرْتُك أَوْ اخْتَارِي يَنْوِي الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ هِيَ اخْتَرْت نَفْسِي وَأَجَازَ الزَّوْجُ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ عُرِفَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ إذَا كَانَ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِهِ. وَقَوْلُهُ طَلِّقِي لَيْسَ بِتَخْيِيرٍ فَيَلْغُو وَلَا يُقَالُ بِقَوْلِهَا أَبَنْت فَقَدْ خَالَفَتْ أَمْرَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ كَمَا لَوْ أَمَرَهَا بِنِصْفِ تَطْلِيقَةٍ فَطَلُقَتْ وَاحِدَةً أَوْ أَمَرَ بِثَلَاثٍ فَطَلُقَتْ أَلْفًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ هِيَ وَافَقَتْهُ فِي الْأَصْلِ وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْوَصْفِ لَا تَعْدَمُ الْأَصْلَ فَلَا يُعَدُّ خِلَافًا لِكَوْنِهِ تَبَعًا بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ؛ لِأَنَّهَا خَالَفَتْهُ فِي الْأَصْلِ حَيْثُ أَتَتْ بِغَيْرِهِ فَيُعْتَبَرُ خِلَافًا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِقَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي؛ لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا إذْ الْمُفَوَّضُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي الْمَحْمَلِ يَقُودُهُ الْجَمَّالُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَالسَّفِينَةِ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْفُلْكُ كَالْبَيْتِ) أَيْ فِي كُلِّ مَا يُبْطِلُ الْخِيَارَ إذَا كَانَتْ فِي الْبَيْتِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
[فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ]
(فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ)(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك إلَخْ) فَإِنْ قُلْت كَيْفَ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ مَسَائِلَ الْفَصْلِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك وَالْفَصْلُ فِي الْمَشِيئَةِ وَلَيْسَ فِي طَلِّقِي نَفْسَك ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ قُلْت الْمَشِيئَةُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَذْكُورَةٍ لَفْظًا مَذْكُورَةٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا بِمَشِيئَتِهَا وَاخْتِيَارِهَا، وَلِهَذَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ وَقَعَتْ رَجْعِيَّةً إلَخْ) أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فَلِأَنَّهُ مَلَكَهَا إيَّاهُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ وَاحِدَةً فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْنَاهُ فَعَلَى فِعْلِ الطَّلَاقِ وَهُوَ جِنْسٌ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى الْمُتَيَقَّنِ وَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ عِنْدَ الْإِرَادَةِ وَالنِّيَّةِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ رَجْعِيًّا فَلِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ وَأَنَّهُ مُعَقِّبٌ لِلرَّجْعَةِ. اهـ. عَيْنِيٌّ. (قَوْلُهُ وَإِنْ طَلَّقَتْ ثَلَاثًا وَنَوَاهُ وَقَعْنَ) أَيْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِهِ افْعَلِي فِعْلَ الطَّلَاقِ وَالْمُخْتَصَرُ مِنْ الْكَلَامِ كَالْمُطَوَّلِ وَقَدْ صَحَّتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي الْمُطَوَّلِ فَكَذَا فِي الْمُخْتَصَرِ. اهـ. كَافِي وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَقَعْنَ مَا نَصُّهُ سَوَاءٌ أَوْقَعَتْهَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ مُفْتَرِقًا. اهـ. فَتْحٌ وَإِنَّمَا صَحَّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي نَفْسَك مَعْنَاهُ افْعَلِي فِعْلَ التَّطْلِيقِ فَهُوَ مَذْكُورٌ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ مَعْنَى اللَّفْظِ فَصَحَّ نِيَّةُ الْعُمُومِ غَيْرَ أَنَّ الْعُمُومَ فِي حَقِّ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَفِي حَقِّ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ) أَيْ أَنَّ الْمُفَوَّضَ الطَّلَاقُ وَالْإِبَانَةُ مِنْ أَلْفَاظِهِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي إيقَاعِهِ كِنَايَةً فَقَدْ أَجَابَتْ بِمَا فُوِّضَ إلَيْهَا. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ وَأَجَازَ الزَّوْجُ بَانَتْ) أَيْ، وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا تَلْحَقُهُ إجَازَةٌ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا طَلَاقًا تَبِينُ بِهِ فِي الثَّانِي مِنْ الزَّمَانِ) أَيْ فَإِذَا قَالَتْ أَبَنْت فَقَدْ أَتَتْ بِهِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ وَزَادَتْ وَصْفًا وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِبَانَةِ) أَيْ فَيَلْغُو الْوَصْفُ وَيَثْبُتُ الْأَصْلُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي) هَكَذَا عَبَّرَ فِي الْكَافِي تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ بِلَفْظِ يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ خَوَاصِّ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَنُصَّ فِيهِ عَلَى الرَّجْعِيِّ بَلْ قَالَ هِيَ طَالِقٌ، وَكَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَعْنِي أَنَّهُ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَصْرِيحِ مُحَمَّدٍ بِالرَّجْعِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ رَجْعِيَّةً) أَيْ بِقَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي فِي جَوَابِ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك. اهـ. (قَوْلُهُ. وَأَمَّا الِاخْتِيَارُ فَلَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ) أَيْ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ؛ لِأَنَّهَا خَالَفَتْهُ فِي الْأَصْلِ) وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا التُّمُرْتَاشِيُّ وَالْخِلَافُ فِيهِمَا فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ صُورَةِ اللَّفْظِ لَيْسَ غَيْرُ إذْ لَوْ أَوْقَعَتْ عَلَى الْمُوَافَقَةِ أَعْنِي الثَّلَاثَ وَالنِّصْفَ كَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْوَاقِعُ بِالتَّطْلِيقَةِ وَالْأَلْفِ وَالْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْوَاقِعَ بِمُجَرَّدِ الصَّرِيحِ لَيْسَ هُوَ الْوَاقِعُ بِالْبَائِنِ وَقَدْ اُعْتُبِرَ الْخِلَافُ لِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ بِلَا مُخَالَفَةٍ فِي الْمَعْنَى خِلَافًا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْإِيقَاعِ وَالْخِلَافُ فِي الْمَعْنَى غَيْرُ خِلَافٍ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى. اهـ. كَمَالٌ رحمه الله. (قَوْلُهُ فِي الْأَصْلِ)
إلَيْهَا الطَّلَاقُ وَالْإِبَانَةُ تُخَالِفُهُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَكَانَ إعْرَاضًا مِنْهَا حَتَّى يَبْطُلَ خِيَارُهَا بِهِ كَمَا يَبْطُلُ بِقَوْلِهَا اخْتَرْت نَفْسِي لِاشْتِغَالِهَا بِمَا لَا يَعْنِيهَا.
قَالَ رحمه الله (وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ) أَيْ لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ الرُّجُوعَ بَعْدَ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك حَتَّى لَا يَصِحَّ نَهْيُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ إذْ هُوَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا وَالْيَمِينُ تَصَرُّفٌ لَازِمٌ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ طَلِّقِي ضَرَّتَك؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ، وَهَذَا لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ وَالْأَمْرُ لَا يَقْتَضِي الِائْتِمَارَ عَلَى الْفَوْرِ كَأَوَامِرِ الشَّرْعِ وَكَسَائِرِ الْوَكَالَاتِ وَيَقْبَلُ الرُّجُوعَ كَيْ لَا يَعُودَ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْصِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ فِي حَاجَتِهِ لِيَكُونَ التَّصَرُّفُ لَهُ لَا عَلَيْهِ وَرُبَّمَا تَزُولُ الْحَاجَةُ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ أَوْ يَلْحَقُهُ مِنَّةٌ مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ ضَرَرٌ أَيْضًا فَإِنْ قِيلَ لِمَ كَانَ تَمْلِيكًا وَيَمِينًا إذَا أَمَرَهَا بِتَطْلِيقِ نَفْسِهَا وَتَوْكِيلًا إذَا أَمَرَهَا بِتَطْلِيقِ غَيْرِهَا أَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا بِذَلِكَ حَتَّى صَحَّ الرُّجُوعُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ قُلْنَا الْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ وَالْوَكِيلُ لِغَيْرِهِ فَإِذَا فَوَّضَ إلَيْهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا تَكُونُ مَالِكَةً لِكَوْنِهَا تَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهَا وَفِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْلِيقَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا فَكَانَ يَمِينًا وَهِيَ لَا تَقْبَلُ الرُّجُوعَ وَلَا خِيَارَ فِي التَّمْلِيكِ بَعْدَ الْقِيَامِ فَعَمِلْنَا بِهِمَا وَإِذَا فَوَّضَ إلَيْهَا طَلَاقَ غَيْرِهَا تَكُونُ وَكِيلَةً لِكَوْنِهَا تَعْمَلُ لِغَيْرِهَا وَالتَّوْكِيلُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ الْإِعَانَةُ وَقَدْ لَا تَحْصُلُ فِي الْمَجْلِسِ وَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ كَيْ لَا يَلْحَقَهُ الضَّرَرُ فَإِنْ قِيلَ يَنْتَقِضُ هَذَا بِمَا إذَا أَمَرَ الدَّائِنُ الْمَدْيُونَ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَكِيلًا فِيهِ حَتَّى لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَكُونُ لِلدَّائِنِ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ وَبِمَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثُمَّ حَلَفَ لَا يُطَلِّقُ ثُمَّ طَلَّقَتْ هِيَ نَفْسَهَا حَيْثُ يَحْنَثُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هِيَ وَكِيلَةً عَنْهُ لَمَا حَنِثَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الزِّيَادَاتِ قُلْنَا الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ وَكِيلٌ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ فَلَا يُبَالِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ، وَلِأَنَّ جَوَازَ الرُّجُوعِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ بَلْ يَجُوزُ فِي التَّمْلِيكِ الرُّجُوعُ كَمَا فِي الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبُولِ وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ هُنَا لِمَعْنَى التَّعْلِيقِ لَا؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رحمه الله.
قَالَ رحمه الله (وَتَقَيَّدَ بِمَجْلِسِهَا إلَّا إذَا زَادَ مَتَى شِئْتِ) يَعْنِي إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك يُقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ فَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ وَإِذَا قَامَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ مَتَى شِئْت أَيْ زَادَهَا عَلَى قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك فَيَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا بَعْدَ الْقِيَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَتَى عَامَّةٌ فِي الْأَوْقَاتِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهَا الطَّلَاقَ إلَّا فِي وَقْتٍ شَاءَتْ فِيهِ الطَّلَاقَ فَلَا تَمْلِكُ بِدُونِ الْمَشِيئَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ مَتَى مَا شِئْت أَوْ إذَا شِئْت أَوْ إذَا مَا شِئْت لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْمَجْلِسِ إلَّا إذَا زَادَ إنْ شِئْت)؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ مَحْضٌ لَا يَشُوبُهُ تَمْلِيكٌ وَلَا تَعْلِيقٌ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فَكَذَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك حَيْثُ يَلْزَمُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَتَعْلِيقٌ لِكَوْنِهَا عَامِلَةً لِنَفْسِهَا فِي رَفْعِ قَيْدِ النِّكَاحِ كَمَنْ يَرْفَعُ الْقَيْدَ الْحَقِيقِيَّ عَنْ رِجْلِهِ فَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَالتَّعْلِيقُ يَلْزَمُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ تَوْكِيلًا مَحْضًا فَلَا يَقْتَصِرُ وَلَا يَلْزَمُ. وَأَمَّا إذَا زَادَ كَلِمَةَ إنْ شِئْت بِأَنْ قَالَ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَلْزَمُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَقَالَ زُفَرُ هُوَ الْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ كَالْأَوَّلِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ وَبِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ لَا يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَلَا مَالِكًا؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَةٍ ذَكَرَهَا الْمُوَكِّلُ أَمْ لَا فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا قِيلَ لَهُ بِعْهُ إنْ شِئْت وَلَنَا أَنَّ الْمَأْمُورَ يَصْلُحُ وَكِيلًا وَمَالِكًا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
فِي الْأُولَى ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ بِالْعَدَدِ عِنْدَ ذِكْرِهِ لَا بِالْوَصْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ خِلَافًا مُعْتَبَرًا. اهـ. كَمَالٌ رحمه الله. (قَوْلُهُ وَالْإِبَانَةُ تُخَالِفُهُ) أَيْ لِحُصُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ لِاشْتِغَالِهَا) يَعْنِي لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَأَجَابَتْهُ بِاخْتَرْتُ نَفْسِي خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا لِاشْتِغَالِهَا بِمَا لَا يَعْنِيهَا فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَصِحُّ رُجُوعُهُ حَتَّى إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ أَنْ نَهَاهَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ إذْ هُوَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا) أَيْ فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ طَلَّقْت نَفْسَك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالطَّلَاقُ مِمَّا يَحْلِفُ بِهِ فَكَانَ يَمِينًا وَلَا رُجُوعَ فِي الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ وَهِيَ الْحَمْلُ أَوْ الْمَنْعُ لَا تَحْصُلُ إذَا صَحَّ الرُّجُوعُ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ ثَمَّةَ فَكَذَا هُنَا. اهـ. (قَوْلُهُ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ لَهُ أَبْرَأْت ذِمَّتَك. اهـ. .
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتَقَيَّدَ بِمَجْلِسِهَا)، وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ مُؤَبَّدٌ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَنَا أَيْضًا كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ اخْتَارِي نَفْسَك وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُخَيَّرَةِ الْمَجْلِسَ. (قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنْ الْعُمُومِ وَيَرِدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إذَا أَنَّهَا عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ إنْ فَلَا تَقْتَضِي بَقَاءَ الْأَمْرِ فِي يَدِهَا وَفِيهِ جَوَابُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْمَلَ شَرْطًا وَأَنْ تَعْمَلَ ظَرْفًا وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَمْلِكُ مَا مَلَكَتْ وَإِنَّمَا مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ وَقْتَ الْمَشِيئَةِ فَلَا تَمْلِكُهُ دُونَهَا وَبِهَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ هَذَا إضَافَةٌ لِلتَّمْلِيكِ لَا تَنْجِيزٌ وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِلَا قَصْدٍ غَلَطًا لَا يَقَعُ إذَا ذَكَرَ الْمَشِيئَةَ وَيَقَعُ إذَا لَمْ يَذْكُرْهَا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مَا يُوجِبُ حَمْلَ مَا أُطْلِقَ مِنْ كَلَامِهِمْ مِنْ الْوُقُوعِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ غَلَطًا عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْقَضَاءِ لَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. كَمَالٌ رحمه الله.
(قَوْلُهُ، وَقَالَ زُفَرُ هُوَ وَالْأَوَّلُ) أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ طَلِّقْ امْرَأَتِي بِلَا ذِكْرِ مَشِيئَةٍ اهـ. (قَوْلُهُ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا قِيلَ لَهُ بِعْهُ إنْ شِئْت) أَيْ لَا يَقْتَصِرُ وَلَهُ الرُّجُوعُ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَشِيئَةِ الَّتِي بِمَعْنَى عَدَمِ الْجَبْرِ بَلْ فِي أَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ لَهُ الْمَشِيئَةَ
مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ غَيْرِهِ وَالْمَالِكُ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ سَوَاءٌ تَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِذَا قَالَ لَهُ طَلِّقْهَا إنْ شِئْت كَانَ تَمْلِيكًا؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ. وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَمَطْلُوبٌ مِنْهُ الْفِعْلُ شَاءَ أَوْ لَمْ يَشَأْ. وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ إلَخْ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْمَشِيئَةِ مَشِيئَةٌ تَثْبُتُ بِالصِّيغَةِ وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْمَشِيئَةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِلْزَامِ وَكَلَامُنَا فِي مُوجِبِ الصِّيغَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا صَدَرَ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ لَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ إذَا قَالَ إنْ شِئْت وَإِلَّا أَفَادَ، وَلِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ بِالْأَمْرِ بِهِ صَارَ رَسُولًا لِكَوْنِهِ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا فَإِذَا قَالَ لَهُ إنْ شِئْت فَقَدْ جَعَلَهُ مُتَصَرِّفًا مَالِكًا لَا رَسُولًا مُبَلِّغًا بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ رَسُولًا إلَى نَفْسِهَا فَكَانَتْ مَالِكَةً كَيْفَمَا كَانَ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّعْلِيقِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ)؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ إيقَاعَ الثَّلَاثِ فَتَمْلِكُ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ قَالَ رحمه الله (لَا فِي عَكْسِهِ) أَيْ لَا يَقَعُ شَيْءٌ فِي عَكْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا أَتَتْ بِمَا تَمْلِكُهُ وَزِيَادَةً فَيَقَعُ مَا تَمْلِكُهُ وَتَلْغُو الزِّيَادَةُ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَلْفًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ فِي الْقَدْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَوْجُودَةٌ فَتُعْتَبَرُ كَمَا إذَا قَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَكَمَا إذَا قَالَتْ أَبَنْت نَفْسِي فِي قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك حَيْثُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِوُجُودِ أَصْلِ الْمُوَافَقَةِ وَيَلْغُو الزَّائِدُ مِنْ الْعَدَدِ وَوَصْفِ الْبَيْنُونَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَضَرَّتَهَا أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَعْتِقْ نَفْسَك فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ عَلَيْهِمَا دُونَ الْآخَرَيْنِ لِمَا قُلْنَا
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَكَانَتْ مُخَالِفَةً مُبْتَدَأَةً، وَهَذَا لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا الْمُفْرَدَ وَهِيَ أَتَتْ بِالْمُرَكَّبِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ فَكَانَ غَيْرُهُ ضَرُورَةً بِخِلَافِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَيَمْلِكُ مَا شَاءَ مِنْ الْعَدَدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِقَدْرِ الْمَحَلِّ فَإِنَّ الْمَحَلَّ شَرْطُ النَّفَاذِ لَا شَرْطُ الْإِيجَابِ فَيَصِحُّ إيجَابُهُ وَيَنْفُذُ مِمَّا أَوْجَبَهُ بِقَدْرِ الْمَحَلِّ وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ مُمْتَثِلَةً لِمَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَيَقَعُ وَتَكُونُ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ مُبْتَدَأَةً فَيَلْغُو، وَكَذَلِكَ طَلَاقُ ضَرَّتِهَا وَعِتْقُ الْعَبْدِ صَاحِبَهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يُقَالُ بِقَوْلِهَا طَلَّقْت نَفْسِي تَكُونُ مُمْتَثِلَةً فَيَقَعُ وَتَبْقَى بِالزَّائِدِ مُبْتَدِئَةً فَيَلْغُو الزَّائِدُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِقَوْلِهَا طَلَّقْت نَفْسِي إذَا ذَكَرَ الْعَدَدَ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِالْعَدَدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَصَارَتْ مُخَالِفَةً فَإِنْ قِيلَ فِي الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الثَّلَاثِ مُرَكَّبًا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً قُلْنَا إنَّ الْوَاحِدَةَ قَائِمَةٌ بِالْجُمْلَةِ ضِمْنًا فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ الْجُمْلَةُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مَا فِي ضِمْنِهَا وَنَظِيرُهُ رَجُلَانِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ خَلِيَّةٌ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا بَرِيَّةٌ لَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْمُتَضَمَّنِ بِخِلَافِ مَا إذَا فَوَّضَ إلَيْهَا ثَلَاثًا فَطَلُقَتْ وَاحِدَةً حَيْثُ تَقَعُ الْوَاحِدَةُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ صَارَ مَمْلُوكًا لَهَا، وَهَذَا التَّمْلِيكُ صَحَّ مِنْ الزَّوْجِ فَقَدْ أَتَتْ بِمَا فِي ضِمْنِ كَلَامِهِ فَيَصِحُّ أَنْ تَأْتِيَ بِهَا كُلِّهَا مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْهَا فَإِنْ شَاءَتْ أَوْقَعَتْهَا جُمْلَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً أَوْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً إلَى أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ تَأْتِ بِمَا فِي ضِمْنِ كَلَامِهِ وَإِنَّمَا أَتَتْ بِمَا فِي ضِمْنِ كَلَامِهَا فَصَارَتْ مُبْتَدِئَةً لَا مُجِيبَةً لَهُ فَتَوَقَّفَ عَلَى إجَازَتِهِ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا إذَا قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا حَيْثُ تَقَعُ الْوَاحِدَةُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ مِنْ الْعَدَدِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظًا صَالِحًا لِلْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَبِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ لَمْ تَصِرْ مُخَالِفَةً لِوُجُودِ الْمُوَافَقَةِ فِي أَصْلِ التَّفْوِيضِ فَتَقَعُ وَنَظِيرُهُ مَا إذَا أَمَرَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا فَعَكَسَتْ.
قَالَ رحمه الله (وَطَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا إنْ شِئْتِ فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً وَعَكْسُهُ لَا) يَعْنِي إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً أَوْ قَالَ لَهَا عَكْسُهُ فَأَجَابَتْ بِعَكْسِهِ بِأَنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا لَا يَقَعُ شَيْءٌ فِي الْوَجْهَيْنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ شِئْت الثَّلَاثَ فَصَارَتْ مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
لَفْظًا صَارَ مُوجِبُ اللَّفْظِ التَّمْلِيكَ لَا التَّوْكِيلَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ لِغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ عَنْ مَشِيئَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَإِنْ كَانَ امْتِثَالُهُ بِمَشِيئَةِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ بِمَشِيئَةِ نَفْسِهِ ابْتِدَاءً غَيْرَ مُعْتَبِرٍ ذَلِكَ امْتِثَالًا فَإِذَا صَرَّحَ لَهُ الْمَالِكُ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهِ كَانَ ذَلِكَ تَمْلِيكًا فَيَسْتَلْزِمُ حُكْمَ التَّمْلِيكِ. اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ سَوَاءٌ تَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ) أَيْ كَوَلِيِّ الصَّغِيرِ وَوَصِيِّهِ إذَا بَاعَ لَهُ أَوْ اشْتَرَى مَثَلًا اهـ ك. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ رحمه الله قِيلَ فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ بِالْمَشِيئَةِ بَلْ الْمُعَلَّقُ فِيهِ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ وَهِيَ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَكَأَنَّهُ اُعْتُبِرَ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ، وَهَذَا غَلَطٌ يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ هُوَ قَوْلُهُ بِعْ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ كَوْنُ نَفْسِ قَوْلِهِ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ بَلْ وَقَدْ تَحَقَّقَ وَفَرَغَ مِنْهُ قَبْلَ مَشِيئَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَلَمْ يَبْقَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ سِوَى فِعْلِ مُتَعَلَّقِ التَّوْكِيلِ أَوْ عَدَمِ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ) أَيْ فَيَلْغُو وَصْفُ التَّمْلِيكِ وَيَبْقَى الْإِذْنُ وَالتَّصَرُّفُ بِمُقْتَضَى مُجَرَّدِ الْإِذْنِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ وَتَلْغُو الزِّيَادَةُ إلَخْ) فِي نُسْخَةٍ الزَّائِدُ اهـ. (قَوْلُهُ وَوَصْفُ الْبَيْنُونَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَبَنْت نَفْسِي: طَلُقَتْ بَائِنًا. اهـ. فَتْحٌ بِمَعْنَاهُ. (قَوْلُهُ فَكَانَتْ مُخَالِفَةً) أَيْ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ. اهـ. فَتْحٌ.
شَرْطًا لِوُقُوعِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا سَبَقَ فَإِذَا بَنَى عَلَيْهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا مَشِيئَةُ الْوَاحِدَةِ وَأَجْزَاءُ الشَّرْطِ لَا تَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ بِخِلَافِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الثَّلَاثَ هُنَاكَ وَلَمْ يُعَلِّقْ وُقُوعَهَا بِمَشِيئَةِ الثَّلَاثِ فَلَهَا أَنْ تُوقِعَ بَعْضَ مَا مَلَكَتْ، وَلَوْ قَالَتْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شِئْتُ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ قَدْ وُجِدَتْ وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ إلَّا بِمَشِيئَةِ الثَّلَاثِ وَمَشِيئَةُ الثَّلَاثِ لَا تُوجَدُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْكُلِّ فَوُجِدَتْ مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ فَبَانَتْ بِثَلَاثٍ جُمْلَةً وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُنْفَصِلًا عَنْ بَعْضٍ بِأَنْ سَكَتَتْ عِنْدَ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ ثُمَّ شَاءَتْ الْبَاقِيَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فَاصِلٌ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ الْعَكْسُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ إيقَاعٌ لِلْوَاحِدَةِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ لِلْوَاحِدَةِ فَكَانَتْ مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ مَشِيئَةَ الْوَاحِدَةِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِمَشِيئَةٍ لَهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ أَمَرَهَا بِالْبَائِنِ أَوْ الرَّجْعِيِّ فَعَكَسَتْ وَقَعَ مَا أَمَرَ بِهِ) أَيْ عَكَسَتْ فِي الْجَوَابِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ لَهَا الزَّوْجُ طَلِّقِي نَفْسَك طَلْقَةً بَائِنَةً فَتَقُولُ طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً أَوْ يَقُولَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً فَتَقُولُ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً بَائِنَةً فَيَقَعُ مَا أَمَرَ بِهِ الزَّوْجُ وَيَلْغُو مَا وَصَفَتْ بِهِ لِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً فِيهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا عَيَّنَ صِفَةَ الْمُفَوَّضِ إلَيْهَا فَحَاجَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى إيقَاعِ الْأَصْلِ دُونَ تَعْيِينِ الْوَصْفِ فَصَارَ كَأَنَّهَا اقْتَصَرَتْ عَلَى الْأَصْلِ فَيَقَعُ بِالصِّفَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الزَّوْجُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مُخَالِفَةً بِمِثْلِ هَذَا حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ لِمُوَافَقَتِهَا فِي الْأَصْلِ.
قَالَ رحمه الله (وَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ فَقَالَتْ شِئْتُ إنْ شِئْتَ فَقَالَ شِئْتُ يَنْوِي الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا الْمَعْدُومُ بَطَلَ)؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالْمَشِيئَةِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ أَتَتْ بِالْمُعَلَّقَةِ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَبَطَلَ أَمْرُهَا؛ لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ بِقَوْلِهِ شِئْت يَنْوِي الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُ ذِكْرُ الطَّلَاقِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ شِئْت طَلَاقَك بِنَاءً عَلَى الْمُتَقَدِّمِ فَيَقَعُ ابْتِدَاءً غَيْرُ الَّذِي عَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهَا قُلْنَا لَيْسَ فِي كَلَامِهِ وَلَا فِي كَلَامِ الْمَرْأَةِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ فَبَقِيَ قَوْلُهُ شِئْت مُبْهَمًا وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ وَلَا يُمْكِنُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُبْنَى عَلَى السَّابِقِ إذَا اُعْتُبِرَ السَّابِقُ وَهُنَا قَدْ بَطَلَ السَّابِقُ لِاشْتِغَالِهَا بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَخَلَا قَوْلُهُ شِئْت عَنْ ذِكْرِ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ حَتَّى لَوْ قَالَ شِئْتُ طَلَاقَك يَنْوِي الْإِيقَاعَ يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ إيقَاعٌ مُبْتَدَأٌ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَوْجَدْت أَوْ حَصَّلْت طَلَاقَك وَتَحْصِيلُ الطَّلَاقِ وَإِيجَادَهُ بِإِيقَاعِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ وُجُودَهُ وُقُوعًا وَقَدْ يَقْصِدُ وُجُودَهُ مِلْكًا فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَرَدْتُ طَلَاقَك؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لُغَةً عِبَارَةٌ عَنْ الطَّلَبِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ» أَيْ طَالِبُهُ وَفِي الْمَثَلِ السَّائِرِ لَا يَكْذِبُ الرَّائِدُ أَهْلَهُ أَيْ طَالِبُ الْكَلَأِ أَوْ الْغَيْثِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الطَّلَبِ الْوُجُودُ وَلَا يَلْزَمُنَا أَنَّ الْإِرَادَةَ وَالْمَشِيئَةَ سِيَّانِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي صِفَاتِ الْبَارِي جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَكَلَامُنَا فِي إرَادَةِ الْعِبَادِ
وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَفْرِقَةٌ بِالنَّظَرِ إلَيْنَا وَتَسْوِيَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَكُونُ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَا سَائِرُ صِفَاتِهِ تَعَالَى مُخَالِفٌ لِصِفَاتِنَا وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ شَائِي طَلَاقَك يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ فَقَالَتْ شِئْت يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَا يَقَعُ، وَلَوْ قَالَ لَهَا أَرِيدِي طَلَاقَك يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ فَقَالَتْ أَرَدْت لَا يَقَعُ لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا أَحِبِّي طَلَاقَك أَوْ اهْوِي طَلَاقَك فَفَعَلَتْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ وَالْهَوَى نَوْعُ تَمَنٍّ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَرَدْتِ أَوْ أَجَبَبْت أَوْ رَضِيَتْ أَوْ هَوِيَتْ فَفَعَلَتْ حَيْثُ تَطْلُقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ إنْ كُنْت تُحِبِّينَنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ أُحِبُّك وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ قَالَ لَهَا رَضِيت طَلَاقَك يَقَعُ يَعْنِي إذَا نَوَى فَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَشِيئَةِ قَالَ رحمه الله (وَإِنْ كَانَ لِشَيْءٍ مَضَى طَلُقَتْ) أَيْ قَالَتْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا الْأَمْرُ قَدْ مَضَى وَالْمَسْأَلَةُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَأَجْزَاءُ الشَّرْطِ إلَخْ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَأَجْزَاءُ الْمَشْرُوطِ لَا تَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ) وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً حَيْثُ تَقَعُ الْوَاحِدَةُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فَتَقُولُ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً) أَيْ تَقَعُ رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا رَجْعِيَّةً لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا عَيَّنَ صِفَةَ الْمُفَوَّضِ إلَيْهَا فِي الصُّورَتَيْنِ فَحَاجَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَصْلِ الْإِيقَاعِ لَا إلَى ذِكْرِ وَصْفِهِ فَذِكْرُهَا إيَّاهُ مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا لَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِإِيقَاعِهَا لَيْسَ إلَّا بِنَاءً عَلَى التَّفْوِيضِ فَذِكْرُهَا كَسُكُوتِهَا عَنْهُ وَعِنْدَ سُكُوتِهَا يَقَعُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُفَوَّضِ وَحَاصِلُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ إنْ كَانَتْ فِي الْوَصْفِ لَا يَبْطُلُ الْجَوَابُ بَلْ يَبْطُلُ الْوَصْفُ الَّذِي بِهِ الْمُخَالَفَةُ وَيَقَعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَوَّضَ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ حَيْثُ يَبْطُلُ كَمَا إذَا فَوَّضَ وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ فَوَّضَ ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ أَلْفًا. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ قُلْنَا لَيْسَ فِي كَلَامِهِ وَلَا فِي كَلَامِ الْمَرْأَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ شِئْت طَلَاقِي إنْ شِئْت لِيَكُونَ الزَّوْجُ بِقَوْلِهِ شِئْتِ شَائِيًا طَلَاقَهَا لَفْظًا. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ) أَيْ الصَّالِحِ لِلْإِيقَاعِ وَلَا فِي الْمَذْكُورِ الَّذِي لَيْسَ بِصَالِحٍ لِلْإِيقَاعِ بِهِ نَحْوُ اسْقِينِي. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الشَّيْءِ وَهُوَ الْمَوْجُودُ اهـ فَتْحٌ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ) أَيْ لَا تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ بَلْ هِيَ طَلَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُودِ عَنْ مَيْلٍ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ لِأَمْرٍ قَدْ مَضَى) أَيْ كَشِئْت إنْ كَانَ فُلَانٌ قَدْ جَاءَ وَقَدْ جَاءَ أَوْ لِأَمْرٍ كَائِنٍ كَشِئْت إنْ كَانَ أَبِي فِي الدَّارِ وَهُوَ فِيهَا. اهـ. فَتْحٌ
بِحَالِهَا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّيْءِ الْكَائِنِ تَنْجِيزٌ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ تَنْجِيزُ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ قَدْ مَضَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ أَوْ نَقُولَ إنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ إذَا كَانَ مُسْتَقْبَلًا فَكَذَا إذَا كَانَ مَاضِيًا اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَقْبَلِ ثُمَّ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى عَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهَا أَوْ إرَادَتِهَا أَوْ رِضَاهَا أَوْ هَوَاهَا أَوْ حُبِّهَا يَكُونُ تَمْلِيكًا فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّنْجِيزِ فَصَارَ كَالْأَمْرِ بِالْيَدِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ أَفْعَالِهَا كَأَكْلِهَا وَشُرْبِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ لِعَدَمِ مَعْنَى التَّنْجِيزِ.
قَالَ رحمه الله (وَأَنْتِ طَالِقٌ مَتَى شِئْتِ أَوْ مَتَى مَا شِئْتِ أَوْ إذَا شِئْتِ أَوْ إذَا مَا شِئْتِ فَرَدَّتْ الْأَمْرَ لَا يَرْتَدُّ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ وَلَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً)؛ لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْأَوْقَاتَ كُلَّهَا فَلَهَا أَنْ تُوقِعَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَتْ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهَا الطَّلَاقَ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَتْ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا قَبْلَ الْمَشِيئَةِ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ وَلَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْأَزْمَانَ دُونَ الْأَفْعَالِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ فِي مَتَى وَمَتَى مَا، وَكَذَا فِي إذَا وَإِذَا مَا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ إذَا وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ وَالْوَقْتِ لَكِنْ جَعَلَهَا هُنَا لِلْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ صَارَ بِيَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ وَالرَّدِّ بِالشَّكِّ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهَا مِنْ قَبْلُ فَإِنْ قِيلَ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَصْحِيحًا لِلرَّدِّ قُلْنَا إنَّمَا يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الشَّرْطِ أَنْ لَوْ كَانَ الرَّدُّ صَادِرًا مِمَّنْ صَدَرَ مِنْهُ التَّعْلِيقُ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ وَنَفْيًا لِلتَّنَاقُضِ فِي كَلَامِهِ. وَأَمَّا إذَا صَدَرَ الرَّدُّ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِعَدَمِ التَّنَاقُضِ.
قَالَ رحمه الله (وَفِي كُلَّمَا شِئْتِ لَهَا أَنْ تُفَرِّقَ الثَّلَاثَ وَلَا تَجْمَعَ) أَيْ إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئْتِ لَهَا أَنْ تُوقِعَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُوقِعَ الثَّلَاثَ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ كُلَّمَا تَعُمُّ الْأَفْعَالَ وَالْأَزْمَانَ عُمُومَ الِانْفِرَادِ لَا عُمُومَ الِاجْتِمَاعِ فَيَقْتَضِي إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى إلَّا أَنَّ الْيَمِينَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمِلْكِ الْقَائِمِ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا بِاعْتِبَارِهِ فَلَا تَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ مَعَ صَلَاحِيَةِ اللَّفْظِ لَهُ، وَلَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا جُمْلَةً لَا يَقَعُ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تَقَعُ وَاحِدَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ إيقَاعٌ لِلْوَاحِدَةِ أَمْ لَا وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ وَلَا تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهَا الطَّلَاقَ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَشَاءُ فِيهِ فَلَا يُعْتَبَرُ رَدُّهَا قَبْلَهُ.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ طَلُقَتْ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لَا يَقَعُ) يَعْنِي فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئْتِ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَعَادَتْ إلَيْهِ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَا يَقَعُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمِلْكِ الْقَائِمِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُسْتَحْدَثَ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ زُفَرَ يَقَعُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِبَقَاءِ الْيَمِينِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ فَدَخَلَتْ الدَّارَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَلَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ يَمْلِكُ عَلَيْهَا الثَّلَاثَ عِنْدَهُمَا وَلَهَا أَنْ تَطْلُقَ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَى أَنْ تُوقِعَ الثَّلَاثَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَسَيَأْتِي فِي مَسَائِلِ التَّنْجِيزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ رحمه الله (وَفِي حَيْثُ شِئْتِ وَأَيْنَ شِئْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءُ فِي مَجْلِسِهَا) يَعْنِي إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت أَوْ أَيْنَ شِئْت لَا تَطْلُقُ إلَّا إذَا شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَلَا مَشِيئَةَ لَهَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ حَيْثُ وَأَيْنَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَكَانِ فَيَكُونُ هَذَا إيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي مَكَان تَتَحَقَّقُ فِيهِ مَشِيئَتُهَا وَالطَّلَاقُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَكَانِ فَيَلْغُو وَيَبْقَى ذِكْرُ مُطْلَقِ الْمَشِيئَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ بِقَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ) أَيْ إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ إلَخْ) مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ فَاللَّازِمُ حَقٌّ وَعَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ عَدَمُ كُفْرِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ جُعِلَتْ كِنَايَةً عَنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذَا جَعَلَ تَعْلِيقَ كُفْرِهِ بِأَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَكَذَا إذَا جَعَلَهُ بِمَاضٍ تَحَامِيًا عَنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْكُفْرَ بِتَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ وَتَبَدُّلُهُ غَيْرُ وَاقِعٍ مَعَ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ قَالَ هُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ اعْتِقَادُهُ يَجِبُ أَنْ يُكَفَّرَ فَلْيُكَفَّرْ هُنَا بِلَفْظِ هُوَ كَافِرٌ وَإِنْ لَمْ يَتَبَدَّلْ اعْتِقَادُهُ قُلْنَا النَّازِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ حُكْمُ اللَّفْظِ لَا عَيْنُهُ فَلَيْسَ هُوَ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ مُتَكَلِّمًا بِقَوْلِهِ هُوَ كَافِرٌ حَقِيقَةً. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ فَرَدَّتْ الْأَمْرَ) أَيْ بِأَنْ قَالَتْ لَا أَشَاءُ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ) وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ هَذَا تَمْلِيكًا فِي حَالٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِطَلَاقِهَا مُعَلِّقًا بِشَرْطِ مَشِيئَتِهَا فَإِذَا وُجِدَتْ مَشِيئَتُهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَ فِي لَفْظِ طَلِّقِي نَفْسَك إذَا شِئْت؛ لِأَنَّهَا تَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَكِنَّ الْوَاقِعَ طَلَاقُهُ الْمُعَلَّقُ وَقَوْلُهَا طَلَّقْت إيجَادٌ لِلشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مَشِيئَةُ الطَّلَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمَشِيئَةَ تُقَارِنُ الْإِيجَادَ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ لَا عُمُومَ الِاجْتِمَاعِ) وَعَلَى هَذَا لَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا ثِنْتَيْنِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ، وَلَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا جُمْلَةً لَا يَقَعُ شَيْءٌ) أَوْ ثِنْتَيْنِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ فَدَخَلَتْ الدَّارَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا) أَيْ عِنْدَهُ خِلَافًا لِعُلَمَائِنَا كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَيَبْطُلُ تَنْجِيزُ الثَّلَاثِ تَعْلِيقَهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَالطَّلَاقُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَكَانِ)، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْكَعْبَةِ يَقَعُ فِي الْحَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْوَاقِعَ فِي مَكَان يُعْتَبَرُ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ فَلَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ الطَّلَاقُ بِالْمَكَانِ صَارَ ذَلِكَ الْمَكَانُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً فَبَقِيَ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ بِخِلَافِ الزَّمَانِ فَإِنَّ لِلطَّلَاقِ تَعَلُّقًا بِهِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ جُزْءٌ دَاخِلٌ فِي مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ فَيَدُلُّ فِعْلُ
فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ بِخِلَافِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ حَتَّى يَقَعَ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ خُصُوصًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَنَحْوَهُ وَعُمُومًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا لَغَا ذِكْرُ الْمَكَانِ بَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ شِئْت فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ دَخَلْت الدَّارَ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ قُلْنَا يُحْمَلُ الظَّرْفُ عَلَى الشَّرْطِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الظَّرْفَ يُجَامِعُ الْمَظْرُوفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يُجَامِعُ الْمَشْرُوطَ أَوْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفِيدُ ضَرْبًا مِنْ التَّأْخِيرِ فَعِنْدَ تَعَذُّرِ الظَّرْفِ حَقِيقَةً يَصِيرُ كِنَايَةً عَنْ الشَّرْطِ مَجَازًا فَإِنْ قِيلَ إذَا جُعِلَ مَجَازًا عَنْ الشَّرْطِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْقِيَامِ وَفِي أَدَوَاتِهِ مَا لَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ كَمَتَى وَإِذَا قُلْنَا حَمْلُهَا عَلَى إنْ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى مَتَى؛ لِأَنَّهَا صَرْفُ الشَّرْطِ بِخِلَافِ مَتَى وَنَحْوِهَا.
قَالَ رحمه الله (وَفِي كَيْفَ شِئْتِ تَقَعُ رَجْعِيَّةً فَإِنْ شَاءَتْ بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَنَوَاهُ وَقَعَ) أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت تَقَعُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً قَبْلَ مَشِيئَتِهَا فَإِنْ قَالَتْ شِئْت وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا، وَقَالَ الزَّوْجُ نَوَيْت ذَلِكَ فَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَثْبُتُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ مَشِيئَتِهَا وَإِرَادَتِهِ أَمَّا إذَا اخْتَلَفَتْ بَيْنَ نِيَّتِهِ وَمَشِيئَتِهَا بِأَنْ شَاءَتْ خِلَافَ مَا نَوَى وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّ مَشِيئَتَهَا لَغَتْ لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ فَبَقِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ، وَلَوْ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْأَصْلِ وَيَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ مَشِيئَتُهَا جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَهُ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَمَا وَقَعَ رَجْعِيًّا فَكَذَا مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ مَا لَمْ تَشَأْ فَإِنْ شَاءَتْ وَقَعَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا بِشَرْطِ مُطَابَقَةِ إرَادَتِهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْتَ يَعْتِقُ عِنْدَهُ فِي الْحَالِ وَعِنْدَهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشِيئَتِهِ لَهُمَا أَنَّ هَذَا تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا عَلَى أَيِّ وَصْفٍ شَاءَتْ وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا تَعَلَّقَ أَصْلُ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ كَمَا شَاءَتْ
وَهَذَا لِأَنَّ كَيْفَ لِلِاسْتِيصَافِ عَنْ الشَّيْءِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِتَعْلِيقِ أَصْلِهِ لِاسْتِحَالَتِهِ بِدُونِ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ أَصْلُهُ لَلَغَا تَخْيِيرُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَلَهُ أَنَّ كَيْفَ لِلِاسْتِيصَافِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ أَصْلِهِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْقَائِلِ
خَلِيلِي قُلْ لِي كَيْفَ صَبْرُك بَعْدَنَا
…
فَقُلْتُ وَهَلْ صَبْرٌ فَتَسْأَلُ عَنْ كَيْفَ
وَإِذَا كَانَ لِلِاسْتِيصَافِ اسْتَدْعَى وُجُودَ الْمَوْصُوفِ فَيَقَعُ أَصْلُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ وَيَثْبُتُ أَدْنَى وَصْفِهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ وَصْفِهِ وُجُودًا وَيَتَعَلَّقُ مَا وَرَاءَهُ بِالْمَشِيئَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ كَلَامَهُ إيقَاعٌ فَلَوْ ثَبَتَ التَّعْلِيقُ بِمَشِيئَتِهَا إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةَ التَّخْيِيرِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الصِّفَةِ لَا فِي الذَّاتِ وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ تَنْفَكُّ عَنْ الذَّاتِ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَشِيئَةِ تَعَلُّقُ الذَّاتِ بِهَا وَمَا قَالَهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْمَوْصُوفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ عَنْ التَّعْلِيقِ لِيَصِحَّ الِاسْتِيصَافُ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيقِ أَصْلِ الطَّلَاقِ بِالْمَشِيئَةِ وَتَعْمِيمِ الْأَوْصَافِ وَفِيهِ إبْطَالُ الِاسْتِيصَافِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ دُونَ التَّعْطِيلِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ حَيْثُ شِئْت وَأَيْنَ شِئْتِ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمَكَانِ وَالطَّلَاقُ إذَا وَقَعَ فِي مَكَان وَقَعَ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا لِأَصْلِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ كَمْ شِئْت؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْبَارٌ عَنْ الْعَدَدِ فَيَكُونُ تَفْوِيضًا لِلْعَدَدِ وَالْوَاحِدُ أَصْلُ الْعَدَدِ فِي الْمَعْدُودَاتِ فَتَكُونُ الذَّاتُ مُفَوَّضًا إلَيْهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِيرُ عَدَدًا بِانْضِمَامِهِ إلَى غَيْرِهِ فَصَارَ الْوَاحِدَةُ عَدَدًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَدَخَلَ تَحْتَ الْأَمْرِ بِخِلَافِ الذَّاتِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا أَبَدًا فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِيمَا إذَا قَامَتْ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ وَفِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عِنْدَهُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَالرَّدُّ كَالْقِيَامِ.
قَالَ رحمه الله (وَفِي كَمْ شِئْتِ أَوْ مَا شِئْتِ تَطْلُقُ مَا شَاءَتْ فِيهِ وَإِنْ رَدَّتْ ارْتَدَّ) أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كَمْ شِئْت أَوْ مَا شِئْت تُطَلِّقُ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ كَمْ اسْمٌ لِلْعَدَدِ وَمَا عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ كَانَ رَدًّا، وَكَذَا إنْ قَامَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَالِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَقْتِ فَاقْتَضَى جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ وَلَا يُقَالُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَكَيْفَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الطَّلَاقِ عَلَى الزَّمَانِ وَاعْتُبِرَ خُصُوصُ الزَّمَانِ كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا، وَكَذَا اُعْتُبِرَ عُمُومُهُ كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَتَى شِئْت أَوْ زَمَانَ شِئْت أَوْ حِينَ شِئْت. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ عَنْ الشَّرْطِ مَجَازًا) أَيْ وَهُوَ خَبَرٌ مِنْ إلْغَائِهِ بِالْكُلِّيَّةِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ بِأَنْ شَاءَتْ خِلَافَ مَا نَوَى) أَيْ بِأَنْ شَاءَتْ بَائِنَةً وَالزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ عَلَى الْقَلْبِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَبَقِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ) أَيْ بِالصَّرِيحِ وَنِيَّتُهُ لَا تَعْمَلُ فِي جَعْلِهِ بَائِنًا وَلَا ثَلَاثًا. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ بِدُونِ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهِ) أَيْ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الصِّفَةِ بِدُونِ الْمَوْصُوفِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ وَهَلْ صَبْرٌ فَتَسْأَلُ عَنْ كَيْفَ) أَنْكَرَ وُجُودَ الْكَيْفِيَّةِ لِعَدَمِ الصَّبْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَفِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ) صَوَابُهُ إبْدَالُ قَبْلَ بِبَعْدَ. اهـ. (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ عِنْدَهُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً) فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا بَائِنَةٌ لِكَوْنِهِ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ بَائِنٌ إجْمَاعًا. اهـ. .
(قَوْلُهُ أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) بِشَرْطِ مُطَابَقَةِ إرَادَةِ الزَّوْجِ ذَكَرَهُ شَارِحُ الْمَنَارِ ابْنُ فِرِشْتَا وَالْمَوْلَى عَبْدُ اللَّهِ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ كَمْ اسْمٌ لِلْعَدَدِ) قَالَ الْكَمَالُ رحمه الله ثُمَّ الْوَاحِدُ عَدَدٌ عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَلَمَّا تَكَرَّرَ لَهُمْ مِنْ إطْلَاقِ الْعَدَدِ وَإِرَادَتِهِ وَمَا شِئْت تَعْمِيمُ الْعَدَدِ فَتَقْرِيرُهُ تَقْرِيرُهُ. (قَوْلُهُ، وَكَذَا إنْ قَامَتْ) أَيْ لِوَاحِدٍ فِي عَمَلٍ آخَرَ أَوْ فِي كَلَامٍ آخَرَ. اهـ. .