الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حَقِيقَةً فِي جَمِيعِ مَعَانِي الْأَمْرِ الَّتِي سَيَأْتِي1 بيانها لأنه قد أُطْلِقَ عَلَيْهَا وَلَوْ نَادِرًا وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الصِّيغَةَ مَوْضُوعَةٌ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ: بأنه قد ثَبَتَ الرُّجْحَانُ فِي الْمَنْدُوبِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الواجب، وَجَعْلُهَا لِلْوُجُوبِ بِخُصُوصِهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ، وَأَيْضًا مَا ذَكَّرُوهُ هُوَ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّاتِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الرُّجْحَانَ لَازِمًا لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَجَعَلُوا صِيغَةَ الْأَمْرِ لَهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاللُّغَةُ لَا تُثْبِتُ بذلك.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ، بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ تَعْيِينُ الصيغة لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى تَعْيِينِهَا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْوُجُوبِ كَمَا قَدَّمْنَا2.
وَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا عَرَفْتَ أَنَّ الرَّاجِحَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، فَلَا تَكُونُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي إِلَّا بِقَرِينَةٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ3 مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَمَنْ أَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ سَيِّدِهِ لِلذَّمِّ، وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ اسْمُ الْعِصْيَانِ، فَهُوَ مُكَابِرٌ وَمُبَاهِتٌ، فَهَذَا يَقْطَعُ النِّزَاعَ بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ.
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ وَمَا وَرَدَ مِنْ حَمْلِ أَهْلِهِ لِلصِّيَغِ الْمُطْلَقَةِ مِنَ الأوامر على الوجوب ففيما ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا مَا يُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ، وَلَمْ يأت من خالف هذا بشيء يعد به أصلًا.
1 انظر صفحة: "254-255".
2 انظر صفحة: "247".
3 انظر صفحة: "248".
صيغ الأمر ومعانيه:
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي المعنى الحقيقي للصيغة كما عَرَفْتَ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ اسْتِعْمَالِهَا فَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي معانٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: صِيغَةُ افْعَلْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وجهًا:
للإيجاب كقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاة} 1.
وَلِلنَّدْبِ كَقَوْلِهِ: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} 2، ويقرب منه التأديب كقوله صلى الله عليه وسلم لِابْنِ عَبَّاسٍ:"كُلْ مِمَّا يَلِيكَ" 3؛ فَإِنَّ الْأَدَبَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَهُ بعضهم قسمًا مغايرًا
1 جزء من الآية "43" من سورة البقرة.
2 جزء من الآية "33" من سورة النور.
3 أخرجه البخاري من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه في الأطعمة باب التسمية على الطعام "5376". ومسلم في الأشربة باب آداب الطعام والشراب "2022". والترمذي في الأطعمة باب ما جاء في التسمية على الطعام "1857". وأبو داود في الأطعمة باب الأكل باليمين "3777". وابن ماجه في الأطعمة باب الأكل باليمين "3267". والإمام أحمد في مسنده 4/ 26.
للمندوب.
وللإرشاد كقوله: {وَاسْتَشْهِدُوا} 1 {فَاكْتُبُوهُ} 2.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالْإِرْشَادَ لِمَنَافِعِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِصُ الثَّوَابُ بِتَرْكِ الِاسْتِشْهَادِ فِي الْمُدَايَنَاتِ وَلَا يَزِيدُ بِفِعْلِهِ.
وَلِلْإِبَاحَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} 3.
وللتهديد مثل: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} 4، {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ} 5، ويقرب منه الإنذار كقوله تعالى:{قُلْ تَمَتَّعُوا} 6 وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلُوهُ قِسْمًا آخَرَ.
وَلِلِامْتِنَانِ مثل: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} 7.
وللإكرام: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِين} 8.
وللتسخير: {كُونُوا قِرَدَة} 9.
وللتعجيز: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه} 10.
وللإهانة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم} 11.
وللتسوية: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا} 12.
وللدعاء: {رَبِّ اغْفِرْ لِي} 13.
وَلِلتَّمَنِّي كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: "أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انجل"14.
1 و2 جزء من الآية "282" من سورة البقرة.
3 جزء من الآية "24" من سورة الحاقة.
4 جزء من الآية "40" من سورة فصلت.
5 جزء من الآية "64" من سورة الإسراء.
6 جزء من الآية "30" من سورة إبراهيم.
7 جزء من الآية "114" من سورة النحل.
8 جزء من الآية "46" من سورة الحجر.
9 جزء من الآية "65" من سورة البقرة.
10 جزء من الآية "23" من سورة البقرة.
11 جزء من الآية "49" من سورة الدخان.
12 جزء من الآية "16" من سورة الطور.
13 جزء من الآية "28" من سورة نوح.
14 قائل هذا البيت امرؤ القيس وهو في معلقته المشهورة:
ألا أيها الطويل ألا انجل
…
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهو من البحر الطويل ا. هـ. شرح المعلقات السبع "39".