الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التَّخْصِيصُ إِلَى إِرَادَتِهِ، فَجُعِلَتِ الْإِرَادَةُ مُخَصِّصَةً. ثُمَّ جُعِلَ مَا دَلَّ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَهُوَ الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ أَوْ غَيْرُهُ مُخَصِّصًا فِي الِاصْطِلَاحِ، وَالْمُرَادُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ الدَّلِيلُ، فَنَقُولُ: الْمُخَصِّصُ لِلْعَامِّ إِمَّا أَنْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ الْمُنْفَصِلُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَسْتَقِلَّ، بَلْ يَتَعَلَّقُ مَعْنَاهُ بِاللَّفْظِ إِلَى قَبْلِهِ فَهُوَ الْمُتَّصِلُ. فَالْمُنْفَصِلُ سَيَأْتِي1 إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَمَّا الْمُتَّصِلُ: فَقَدْ جَعَلَهُ الْجُمْهُورُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ، وَالشَّرْطَ وَالصِّفَةَ، وَالْغَايَةَ. وَزَادَ الْقَرَافِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ: بَدَلَ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ، "وَنَازَعَ"* الْأَصْفَهَانِيَّ فِي ذَلِكَ قَائِلًا: إِنَّهُ فِي نِيَّةِ طَرْحِ مَا قَبْلَهُ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَقَدْ وَجَدْتُهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ، هَذِهِ الْخَمْسَةَ وَسَبْعَةً أُخْرَى، وَهِيَ: الْحَالُ، وَظَرْفُ الزَّمَانِ، وَظَرْفُ الْمَكَانِ، وَالْمَجْرُورُ مَعَ الْجَارِّ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْمَفْعُولُ مَعَهُ، وَالْمَفْعُولُ لِأَجْلِهِ، فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ لَيْسَ فِيهَا وَاحِدٌ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ.
وَمَتَى اتَّصَلَ بِمَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ عُمُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ صَارَ غَيْرَ مستقل بنفسه.
* في "أ": تابع.
المسألة السادسة: حكم الاستثناء من الجنس
لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ، كَقَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، وَهُوَ الْمُتَّصِلُ، وَلَا تَخْصِيصَ إِلَّا بِهِ.
وَأَمَّا الْمُنْقَطِعُ: فَلَا يُخَصَّصُ بِهِ نَحْوَ: جَاءَنِي الْقَوْمُ إِلَّا حِمَارًا، فَالْمُتَّصِلُ مَا كَانَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مِنْهُ يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ "وَالْمُنْقَطِعُ مَا كَانَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مِنْهُ لَا يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ"*، وَفِي مَعْنَى هَذَا مَا قِيلَ: إِنَّ الْمُتَّصِلَ مَا كَانَ الثَّانِي جُزْءًا مِنَ الْأَوَّلِ، وَالْمُنْقَطِعَ مَا لَا يَكُونُ الثَّانِي جُزْءًا مِنَ الْأَوَّلِ.
قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ1: وَلَا بُدَّ فِي الْمُنْقَطِعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الَّذِي قَبْلَ إِلَّا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ2: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرِ الدُّخُولِ فِي الْأَوَّلِ، كَقَوْلِكَ: قَامَ القوم إلا حمارًا،
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
1 هو أبو بكر السراج، الذي تقدمت ترجمته في الصفحة:"303".
2 هو محمد بن عبد الله، بن مالك، الطائي، نزيل دمشق، أبو عبد الله، جمال الدين، الولود سنة ستمائة هـ، كان إمامًا في القراءات واللغة والنحو. وغير ذلك، توفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة هـ، من آثاره:"تسهيل الفوائد في النحو وسبك المنظوم وفك المختوم".ا. هـ. شذرات الذهب "5/ 339"، معجم المؤلفين "10/ 234"، كشف الظنون "1/ 82".
فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْقَوْمَ تَبَادَرَ الذِّهْنُ إِلَى أَتْبَاعِهِمُ الْمَأْلُوفَةِ، فَذَكَرَ الْحِمَارَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لِذَلِكَ، هو فمستثنى تَقْدِيرًا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ من غير الجنس، ولكن بشترط أَنْ يُتَوَهَّمَ دُخُولُهُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِوَجْهٍ مَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ كَقَوْلِهِ:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ
…
إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ1
فَالْيَعَافِيرُ قَدْ تُؤَانَسُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِهَا مَنْ يُؤَانَسُ بِهِ إِلَّا هَذَا النَّوْعُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، هَلْ وَقَعَ فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا، فَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ أَنْكَرَهُ، وَأَوَّلَهُ تَأْوِيلًا رَدَّهُ بِهِ إِلَى الْجِنْسِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى.
وَقَالَ العضد في شرحه لـ"مختصر الْمُنْتَهَى": لَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي صِحَّتِهِ لُغَةً.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: هَلْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا، فَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُقُوعَهُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ2: لَا يُنْكِرُ وُقُوعَهُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا أَعْجَمِيٌّ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ عَلَى مَذَاهِبَ:
الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْخَبَّازِ3 عَنِ ابْنِ جِنِّي.
قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ لفظ الاستثناء على المستثنى "المتصل"* المنقطع هو بالاشتراك اللفظي.
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
1 هو من بحر الرجز، وهو لجران العود واسمه عامر بن الحارث، شاعر جاهلي أدرك الإسلام. ا. هـ. شرح المفصل "2/ 80". وديوان جران العود "53" وأوضح المسالك "2/ 230".
2 هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، أبو محمد الغرناطي، مفسر، فقيه، عارف بالأحكام والحديث، له "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" وغيره، توفي سنة اثنين وأربعين وخمسمائة هـ: انظر ترجمته ومراجعها في الأعلام "3/ 282".
3 هو أحمد بن الحسين بن أحمد الإربلي، الموصلي، الضرير، المعروف بابن الخباز، شمس الدين، عالم في النحو، واللغة، والفقه، والعرض، والفرائض، توفي سنة تسع وثلاثين وستمائة هـ، من آثاره:"شرح ميزان العربية" و"شرح اللمع" لابن جني. ا. هـ. شذرات الذهب "5/ 202"، كشف الظنون "1/ 155" معجم المؤلفين "1/ 200".