الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"مِنْ هَذِهِ"* الْحَيْثِيَّةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ عُمُومِ الشُّمُولِ وَعُمُومِ الْبَدَلِ، أَنَّ عُمُومَ الشُّمُولِ كُلِّيٌّ يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، وَعُمُومَ الْبَدَلِ كُلِّيٌّ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُ مَفْهُومِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، بَلْ عَلَى فَرْدٍ شَائِعٍ فِي أَفْرَادِهِ يَتَنَاوَلُهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا دُفْعَةً.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ قُيُودِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، سَلْبًا كَانَ ذَلِكَ الْقَيْدُ أَوْ إِيجَابًا فَهُوَ الْمُطْلَقُ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ مَعَ قَيْدِ الْكَثْرَةِ فَإِنْ كَانَتِ الْكَثْرَةُ كَثْرَةً مُعَيَّنَةً بِحَيْثُ لَا تَتَنَاوَلُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فَهُوَ اسْمُ الْعَدَدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْكَثْرَةُ كَثْرَةً مُعَيَّنَةً فَهُوَ الْعَامُّ، وَبِهَذَا ظَهَرَ خَطَأُ مَنْ قَالَ الْمُطْلَقُ هُوَ الدَّالُّ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّ كَوْنَهُ وَاحِدًا وَغَيْرَ مُعَيَّنٍ قَيْدَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ. انتهى.
فيجعل في كلامه هذا معنى الْمُطْلَقُ عَنِ التَّقْيِيدِ، فَلَا يَصْدُقُ إِلَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَهُوَ غَيْرُ مَا عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحُ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ وَغَيْرِهِمْ كَمَا عَرَفْتَ مِمَّا قَدَّمْنَا.
وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْعَامِّ، فَقَالَ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمُتَنَاوِلُ، وَالْعُمُومُ تَنَاوُلُ اللَّفْظِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، فَالْعُمُومُ مَصْدَرٌ، وَالْعَامُّ، فَاعِلٌ مُشْتَقٌّ مِنْ هَذَا الْمَصْدَرِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ وَالْفِعْلَ غَيْرُ الْفَاعِلِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ الْإِنْكَارُ عَلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ وَابْنِ بُرْهَانٍ وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ: الْعُمُومُ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ، فَإِنْ قِيلَ: أَرَادُوا بِالْمَصْدَرِ اسْمَ الْفَاعِلِ، قُلْنَا: اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مَجَازٌ، وَلَا ضَرُورَةَ لِارْتِكَابِهِ مَعَ إِمْكَانِ الْحَقِيقَةِ.
وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الْأَعَمِّ وَالْعَامِّ، بِأَنَّ الْأَعَمَّ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعْنَى وَالْعَامُّ فِي اللَّفْظِ، فَإِذَا قِيلَ هَذَا أَعَمُّ تَبَادَرَ الذِّهْنُ لِلْمَعْنَى، وَإِذَا قِيلَ هذا عام تبادر الذهن للفظ.
* في "أ": باعبتار.
المسألة الخامسة: "صيغ العموم
"
ذهب الجمهور إلى الْعُمُومَ لَهُ صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لَهُ حَقِيقَةً، وَهِيَ أَسْمَاءُ الشَّرْطِ، وَالِاسْتِفْهَامِ وَالْمَوْصُولَاتُ، وَالْجُمُوعُ الْمُعَرَّفَةُ تَعْرِيفَ الجنس، والمضافة، واسم الجنس، والنكرة المنفية، والمفردة المحلي بِاللَّامِ، وَلَفْظُ كُلٍّ، وَجَمِيعٍ وَنَحْوِهَا، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى عُمُومِ هَذِهِ الصِّيَغِ وَنَحْوِهِ ذِكْرًا مُفَصَّلًا.
قَالُوا: لِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ لِتَعَذُّرِ جَمْعِ الْآحَادِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَلْفَاظٌ مَوْضُوعَةٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ وَالْإِفْهَامُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَضْرِبْ أَحَدًا، فُهِمَ مِنْهُ الْعُمُومُ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ وَاحِدًا عُدَّ مُخَالِفًا، وَالتَّبَادُرُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ وَالنَّكِرَةُ فِي النَّفْيِ لِلْعُمُومِ حَقِيقَةً فَلِلْعُمُومِ صِيغَةٌ، وَأَيْضًا لَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِمِثْلِ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} 1 و {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} 2، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يَحْتَجُّونَ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ "بمثل"* عند الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ:"لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِي شَأْنِهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} " 3 وما ثابت أَيْضًا مِنِ احْتِجَاجِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَالْعُدُولُ إِلَى التَّيَمُّمِ مَعَ شِدَّةِ الْبَرْدِ. فَقَالَ سَمِعْتُ الله يقول:{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم} 4 فَقَرَّرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ5؛ وَكَمْ يَعُدُّ الْعَادُّ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَادِّ.
وَمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّهُ إنما فهم بِالْقَرَائِنِ جَوَابٌ سَاقِطٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَابِ6 مِنَ المالكية، ومحمد بن شجاع البلخي7 مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعُمُومِ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ، وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الصِّيَغِ مَوْضُوعٌ فِي الخصوص، وهو أقل الجمع أما
* في "أ": عند.
_________
1 جزء من الآية "38" من سورة المائدة.
2 جزء من الآية "2" من سورة النور.
3 الآيتان هما "7-8" من سورة الزلزلة. والحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كتاب الشرب والمساقاة، باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار "1/ 2371". مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة "987".النسائي في السنن، كتاب الخيل "3565""6/ 216". مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد "2/ 444". والبيهقي في السنن، كتاب الزكاة، باب من رأى في الخيل صدقة "4/ 119". ابن حبان في صحيحه "4672".
4 جزء من الآية "29" من سورة النساء.
5 أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب إذ خاف الجنب البرد أيتيمم "334"، والحاكم في المستدرك في الطهارة "1/ 177". والبيهقي في السنن في الطهارة باب التيمم في السفر إذا خاف الموت أو العلة من شدة البرد 1/ 226. وعبد الرزاق في المصنف "878". وابن حبان في صحيحه "1315".
6 لم أجد ترجمته فيما بين يدي من المصادر.
7 الثلجي، ويقال ابن الثلجي، أبو عبد الله البغدادي الحنفي، فقيه، أهل العراق في وقته والمقدم في الفقه والحديث وقراءة القرآن مع ورع وعبادة، توفي سنة ست وستين ومائتين، من آثاره:"المضاربة""تصحيح الآثار""الرد على المشبهة". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "12/ 379"، الجواهر المضية "3/ 173".
اثْنَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ، عَلَى الْخِلَافِ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ إِلَّا بِقَرِينَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ"، وَالْإِمَامُ فِي "الْبُرْهَانِ": يَزْعُمُونَ أَنَّ الصِّيَغَ الْمَوْضُوعَةَ لِلْجَمْعِ نُصُوصٌ فِي الْجَمْعِ مُحْتَمِلَاتٌ فِيمَا عَدَاهُ إِذَا لَمْ تَثْبُتْ قَرِينَةٌ تقتضي تعديها على أَقَلِّ الْمَرَاتِبِ. انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ مَوْضُوعٌ لِلْخُصُوصِ مُجَرَّدُ دَعْوَى لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَيْهِمْ لُغَةً وَشَرْعًا وَعُرْفًا، وَكُلُّ مَنْ يَفْهَمُ لُغَةَ الْعَرَبِ وَاسْتِعْمَالَاتِ الشَّرْعِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ1: إِنَّ شَيْئًا مِنَ الصِّيَغِ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِذَاتِهِ، وَلَا مَعَ الْقَرَائِنِ، بَلْ إِنَّمَا يَكُونُ الْعُمُومُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَنُسِبَ هَذَا إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ.
قَالَ فِي "الْبُرْهَانِ": نَقَلَ مصنفوا الْمَقَامَاتِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْوَاقِفِيَّةِ2 أَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ لِمَعْنَى الْعُمُومِ صِيغَةً لَفْظِيَّةً، وَهَذَا النَّقْلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ زَلَلٌ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُنْكِرُ إِمْكَانَ التَّعْبِيرِ عَنْ مَعْنَى الْجَمْعِ بِتَرْدِيدِ أَلْفَاظٍ تُشْعِرُ بِهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: رَأَيْتُ الْقَوْمَ وَاحِدًا وَاحِدًا، لَمْ يَفُتْنِي مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِقَطْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَحْسَبُهُ خُصُوصًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ الْوَاقِفِيَّةُ لَفْظَةً وَاحِدَةً مُشْعِرَةً بِمَعْنَى الْجَمْعِ. انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَاكَ: أَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ مَدْفُوعٌ بِمِثْلِ مَا دُفِعَ بِهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَبِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ إِهْمَالَ الْقَرَائِنِ الْمُقْتَضِيَةِ لِكَوْنِهِ عَامًّا شَامِلًا عِنَادٌ وَمُكَابَرَةٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ بِالْوَقْفِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ" عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَمُعْظَمِ الْمُحَقِّقِينَ وَذَهَبَ إِلَيْهِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُمْ سَبَرُوا اللُّغَةَ وَوَضْعَهَا، فَلَمْ يَجِدُوا فِي وَضْعِ اللُّغَةِ صِيغَةً دَالَّةً عَلَى الْعُمُومِ، "سَوَاءٌ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُقَيَّدَةً"* بِالْقَرَائِنِ فَإِنَّهَا لَا تُشْعِرُ بِالْجَمْعِ، بَلْ تَبْقَى عَلَى التَّرَدُّدِ، هَذَا وَإِنْ صَحَّ النَّقْلُ فِيهِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ عِنْدِي بِالتَّوَابِعِ الْمُؤَكِّدَةِ لمعنى الجمع، كقول القائل: رأيت القوم
* في "أ": زيادة وهي: مقيدة بضروب من التأكد قال في البرهان ومما زال فيه الناقلون عن أبي الحسن ومتبعيه أن الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها
…
إلخ.
_________
1 وهم القائلون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم فرق متعددة، وأول من قال بالإرجاء هو: غيلان الدمشقي، والإرجاء: هو تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا، من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار. ا. هـ. الملل والنحل "1/ 139".
2 هم أصحاب مذهب الوقف القائل بعدم الحكم بشيء مما قيل في الحقيقة: في العموم والخصوص أو الاشتراك. "انظر الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي 2/ 222".
أَجْمَعِينَ أَكْتَعِينَ أَبْصَعِينَ1، فَلَا يُظَنُّ بِذِي عَقْلٍ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِيهَا. انْتَهَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْوَاقِفِيَّةُ فِي مَحَلِّ الْوَقْفِ عَلَى تِسْعَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ:
وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَئِمَّتِهِمْ: الْقَوْلُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
الثَّانِي:
أَنَّ الْوَقْفَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، دُونَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الكرخي. قال: وربما ظن مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَقْطَعُ بِوَعِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُجَوِّزُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
الثَّالِثُ:
الْقَوْلُ بِصِيَغِ الْعُمُومِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالتَّوَقُّفُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُرْجِئَةِ.
الرَّابِعُ: الْوَقْفُ فِي الْوَعِيدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُصَاةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَ غَيْرِهَا.
الْخَامِسُ:
الْوَقْفُ فِي الْوَعِيدِ دُونَ الْوَعْدِ، قَالَ الْقَاضِي: وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِمَا يَلِيقُ بِالشَّطْحِ، وَالتُّرَّهَاتِ2 دُونَ الْحَقَائِقِ.
السَّادِسُ:
الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ لَا يَسْمَعَ قَبْلَ اتِّصَالِهَا بِهِ شَيْئًا مِنْ أَدِلَّةِ السَّمْعِ وَكَانَتْ وَعْدًا أَوْ وعيدًا، فيعلم أن المراد بها للعموم، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَ قَبْلَ اتِّصَالِهَا بِهِ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ، وَعَلِمَ انْقِسَامَهَا إِلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَلَا يُعْلَمُ حِينَئِذٍ الْعُمُومُ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِهِ، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي "مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ".
السَّابِعُ:
الْوَقْفُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ خطاب الشرع "منه"* صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّا مَنْ سَمِعَ مِنْهُ وَعَرَفَ تَصَرُّفَاتِهِ فَلَا وَقْفَ فِيهِ، كَذَا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ.
الثَّامِنُ:
التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْكِيدِ فَيَكُونَ لِلْعُمُومِ، دُونَ مَا إِذَا لَمْ يَتَقَيَّدْ.
التَّاسِعُ:
أَنَّ لَفْظَةَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ حَيْثُمَا وَقَعَتْ فِي الشَّرْعِ أَفَادَتِ الْعُمُومَ دُونَ غَيْرِهَا، حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَقَدْ عَلِمْتَ انْدِفَاعَ مَذْهَبِ الْوَقْفِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِعَدَمِ تَوَازُنِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُخْتَلِفُونَ فِي الْعُمُومِ، بَلْ لَيْسَ بِيَدِ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ مِمَّا يَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ وَلَا مُقْتَضَى لَهُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كَوْنَ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ هُوَ الْحَقَّ الَّذِي لَا سُتْرَةَ بِهِ وَلَا شُبْهَةَ فِيهِ، ظَاهِرٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْهَمُ فَهْمًا صَحِيحًا، وَيَعْقِلُ الْحُجَّةَ، وَيَعْرِفُ مقدارها في نفسها ومقدار ما يخالفها.
* في "أ": عنه.
_________
1 وهي من ألفاظ التوكيد، وقال الحضري في حاشيته: إنه يؤتى بعد أجمع بأكتع ثم بأبصع، وزاد الكوفيون: ثم بأبقع، وكذا بعد أجمعون وأخواته، ولا يجوز تقديم بعضها على بعض. ا. هـ. حاشية الخضري على ابن عقيل "2/ 75".
2 مفردها "الترهة": وهي القول الخالي من نفع. ا. هـ. المعجم الموسيط مادة تره وشطح: الشطح في الفعل أو القول: التباعد والاسترسال. ا. هـ. المعجم الوسيط مادة شطح.