الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
* * *
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدَايَةُ التَّسْجِيلِ الصَّوتيِّ لَهَا مِن سُورة النّور وَمَا بَعدَها؛ حتَّى بلَغ فَضيلتُه قَولَه تَعالَى في سُورة الزّخرف:{وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)} .
وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ،
المُتوفَّى سنَةَ (864 هـ)
(1)
، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (911 هـ)
(2)
. تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ.
وسَعْيًا -بإِذْنِ اللهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.
نَسْأل اللهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ.
وَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
القِسْمُ العِلْمِيُّ
فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيريَّةِ
14 مُحَرَّم 1437 هـ
(1)
انظر ترجمته في: الضوء اللامع (7/ 39)، حُسن المحاضرة (1/ 443).
(2)
انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (3/ 301).
سورة فصلت
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلهِ وأصحابهِ ومَن تَبِعَهم بإحْسانٍ إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بَعْدُ؛ فلا رَيْبَ أنَّ القرآنَ الكريمَ نزَلَ ليتَعَبَّد النَّاسُ بتِلاوَته ولِيَتدَبَّرُوا آيَاتِه، وليتذكَّرَ أُولو الألْبابِ؛ قال اللهُ تبارك وتعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29].
وإذا كان الإنْسانُ لو قرَأَ متْنًا ألَّفَهُ إنسانٌ منَ البَشَرِ، فلا بُدَّ أنْ يَتدبَّر مَعانيَه وَيتفَهَّمَها، فكذَلِك كَلامُ اللهِ عز وجل مِن باب أوْلَى أنْ يَتدبَّر الإنسانُ مَعانيَه وَيتفَهَّمها، لأنَّ قِراءةً بلا معنًى ليستْ قِراءةً، فالقارئُ الذي لا يَفهمُ المعنى؛ بمنزِلةِ الأُمِّيِّ الذي لا يَقرأُ.
ودليلُ ذلك قولُه تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] ، يعني إلَّا قِراءةً، فوصَفَهمُ اللهُ بأنَّهمْ أُمِّيُّون؛ لأنَّهم لا يَعلَمون الكِتابَ إلا قِراءةً فقطْ.
وقد ذَكَر العلماءُ رحمهم الله لتفسيرِ كلامِ اللهِ عز وجل قواعدَ مهمَّةً، نَذكرُ مِنها ما يَلي:
1 -
أَوْلى ما يُفسَّرُ به القرآنُ أنْ يُفَسَّر القُرآنُ بالقُرآنِ؛ لأنَّ الَّذي فسَّر هُو الَّذي أَنزَلَه، وهُو أعلَمُ بمُرادِه، فنُفسِّر القرآنَ بالقرآنِ ما وجَدْنا إلى ذلك سبِيلًا، ولهِذا
أمثلةٌ كثيرةٌ؛ مِثلُ قولِه تَعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [الانفطار: 17 - 18]، فسَّر اللهُ ذلك اليومَ بقولِه:{يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19].
فلو سألَنا سائلٌ: ما هو يومُ الدِّينِ؟
نَقولُ: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} ، {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 1 - 5] ، ولهِذا أمثلةٌ كثيرةٌ.
2 -
ثمَّ نفسِّرُ القُرآنَ بتَفسيرِ أعلَمِ الناسِ به، وهو رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولهذا أمثلةٌ:
منها: قولُه تَعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، الزِّيادةُ لمْ يُبيِّنْها الله عز وجل ولكِنْ بيَّنَها الرَّسولُ عليه الصَّلَاةُ وَلسَّلَامُ بقوله:"النَّظَرُ إلى وجْهِ اللهِ"
(1)
.
وكذَلِك مِثالٌ آخرُ: قولُ اللهِ تَعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، فسَّرَها النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام بقوله:"ألا إنَّ القُوةَ الرَّميُ"
(2)
، وكرَّرَها.
وكَما يكونُ تفسير النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- للْقُرآنِ بلفظِه، يَكوُن كذَلِك بفعلِه؛ فقولُه تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] ، يُبيِّنِ اللهُ تَعالَى كيفيَّةَ هذه الإقامةِ الَّتي أمَر بها، لكنْ فسَّرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بفِعلِه، فَقامَ ورَكعَ وسَجدَ وقَعدَ، وقالَ:
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، رقم (181)، من حديث صهيب رضي الله عنه.
(2)
أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب فضل الرمي، رقم (1917)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
"صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي"
(1)
.
إذَن: أوَّلُ ما نُفسِّرُ القرآنَ به هو القرآنُ؛ لأنَّ الَّذي فسَّرَه هو الَّذي تَكلَّم به وهو أعلمُ بمُرادِه، ثمَّ بسُنَّة النبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- القوليَّة والفعليَّة؛ لأنّ النَّبِيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- أعلمُ الناسِ بكلامِ اللهِ؛ لأنَّه رسولُه.
3 -
ثُمَّ بعدَ ذلكَ بتفسيرِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم، وتفسيرُ الصَّحابةِ لا شكَّ أنَّه أَوْلى مِن غيره؛ لأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم أعلمُ النَّاسِ بِلُغَةِ القرآنِ بلا مُنازِع؛ ولأنَّ القرآنَ نزلَ في عَصرِهم وفي الأحْوالِ الَّتي يعرِفونها.
ولا ريبَ أنَّ المعنَى يُعرَف في الزَّمنِ والحالِ الَّتي نزلَ بها؛ ولهذا يَنقُلون إلَيْنا أسبابَ النُّزولِ في الآياتِ التي نزَلَتْ على سببٍ؛ لأنَّهمْ كانوا يَعلَمون ذلك.
فيُرجَعُ في تفسيرِ القرآنِ -إذا لمْ يُوجَدْ في كتابِ اللهِ أو سنةِ رسولِه- إلى أقوالِ الصَحابةِ.
والصَّحابةُ رضي الله عنهم يَختلِفون في فَهْمِ القرآنِ اختِلافًا ظاهرًا، كما يَختَلِفون في مَراتِبهم في الفَضائلِ، كذَلِك أيضًا يَختلِفون في العلمِ وفي تَفسيرِ القرآنِ، ومِنْ أعلَمِهم بالتَّفسيرِ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما لأنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- دعا له، وقال:"اللَّهمَّ فقِّهْهُ في الدِّينِ وعلِّمْهُ التَّأويلَ"
(2)
، يعني: التَّفسيرَ.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، رقم (631)، من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، رقم (143)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، رقم (2477)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. دون قوله:"وعلمه التأويل"، وأخرجه أحمد (1/ 266) بلفظه.
4 -
وبعْد هذا في المَرتَبة الرَّابِعة: الرُّجوعُ إلى كلامِ التَّابِعين الَّذين أخَذوا عنِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم وليسَ كلّ التَّابِعين، بلِ الَّذين اشتُهِرَ عنهمُ الأخْذُ عنِ الصَّحابةِ.
وعلى رأسِهم مجُاهِدُ بنُ جبرٍ رحمه الله الذي أخذَ تَفسيرَ القرآنِ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما فكانَ يَقرأُ القرآنَ على ابنِ عبَّاسٍ، ويقِفُ عندَ كلِّ آيةٍ، يَسألُهُ عنْ تفسيرها
(1)
.
5 -
ثمَّ بعدَ ذلكَ يُؤخَذُ بالأمْثلِ فالأمْثلِ من أقوالِ أئمةِ هذهِ الأمَّةِ وعلمائِها.
ثمَّ اعْلمْ أنَّ تفسيرَ القرآنِ لا يقتَصرُ على تَفسِيرِ الصَّحابةِ والتَّابِعين؛ لأنَّه قدْ يَخرجُ للآياتِ معانٍ لم تكنْ تَطْرَأُ على البالِ فيما سبَقَ، كما تُشيرُ بعضُ الآياتِ إلى المخترَعاتِ الحديثةِ الَّتي وقعَتْ في زمانِنا هذا، وكما تُشيرُ بعضُ الآياتِ إلى ما عُلِم في عِلْمِ الأحياءِ والكائِناتِ؛ وذلك لأنَّ القرآنَ كتابٌ عالَمِيٌّ لا يَزالُ النَّاسُ يَستخْرِجون كُنوزَه وفَوائِدَه إلى يومِ القِيامةِ.
وبِناءً على ذلك: يجبُ علينا أنْ نعتَنيَ بكلامِ اللهِ عز وجل وأنْ نتَدبَّرَه ونتفَهَّمَه؛ حتَّى نلْحقَ بالرَّكْبِ.
(1)
أخرجه الطبري في تفسيره (1/ 85)، والطبراني في المعجم الكبير (11/ 77، رقم 11097).
بسم الله الرحمن الرحيم
* * *
* قَالَ اللهُ عز وجل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
* * *
البَسمَلةُ تَقدَّمَ الكَلامُ عليها كثيرًا، وبيَّنَّا أنَّها آيةٌ مِنْ كِتابِ الله، ولكِنَّها ليستْ آيةً تابِعةً للسُّورة الَّتي بَعدَها ولا الَّتي قَبلَها، بلْ هيَ آيةٌ يُؤتَى بها لابتِداءِ السُّوَرِ، ما عدا سُورة (بَراءةَ).
أمَّا مَعناها: فإنَّ الإنْسان يَقولُ: أبتَدئُ بكلِّ اسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ، وإنَّما جعَلْنا المَعنَى بكلِّ اسمٍ مِن أسماءِ اللهِ؛ لأنَّ كلمةَ "اسم" مفردٌ مضافٌ، وكلُّ مفردٍ مضافٍ إلى معرفةٍ فإنَّه يُفيدُ العُمومَ؛ ألمْ ترَوْا إلى قولِ اللهِ تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]{نِعْمَةَ اللَّهِ} لو نَظَرْنا إلى لفْظِها لقُلْنا: إنَّها واحِدةٌ، لكنَّها كثيرةٌ لا تُحصَى؛ فيكونُ هذا المفردُ الَّذي أُضِيفَ: للعُمومِ.
وهذه هي القاعِدةُ: كلُّ مُفردٍ مُضافٍ لمَعرفةٍ فإنَّهُ مُفيدٌ للعُمومِ؛ ولهِذا قُلنا: بكلِّ اسْمٍ مِن أسْماءِ اللهِ.
و"الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" صِفتان للفظِ الجَلالةِ، لكنَّ الأُولى رُوعيَ فيها الوَصفُ، والثَّانيةَ رُوعي فيها الفِعلُ، وهو إيصالُ الرَّحمةِ.
أمَّا مُتعلِّق هذا الجارِّ والمَجرورِ فإنَّه محَذوفٌ، ويُقدَّرُ مُؤخَّرًا مُناسِبًا للمَقامِ، فإذا كنتَ تُريدُ أنْ تَقرأَ فقُلتَ: بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فقَدِّرْ: أقرَأُ، وإنَّما اختِيرَ أنْ
يكونَ فعْلًا لأنَّ الأصْلَ في العمَلِ الأفْعالُ؛ ولهذا يَعملُ الفِعلُ بلا شَرطٍ، والأسْماءُ الَّتي تَعمَلُ عمَلَ الفِعلِ لا بُدَّ لها مِن شُروطٍ - كما هو مَعروفٌ في عِلمِ النَّحوِ.
وإنَّما اخْتَرنا أنْ يَكونَ مُتأخِّرًا لفائِدتيْنِ:
الفائِدةُ الأولى: تيَمُّنًا بذِكْرِ اسمِ اللهِ.
والفائِدةُ الثَّانيةُ: إرادةُ الحصْرِ؛ لأنَّه إذا تأخَّرَ العامِلُ كانَ ذلك حَصْرًا، فإذا قُلتَ: زيدًا أكرِمْ، فالمعنى: لا تُكرِم غيرَه، لكنْ لو قلتَ: أكرِمْ زيدًا، لم يمتنع أنْ تُكرمَ غيرَه.
وقدَّرْناه مُناسِبًا؛ لأنه أَبْيَنُ للمَقصودِ، فلو قال قائل:"بسمِ اللهِ أبتدئُ"، قلنا: صحيح، لكنَّها لا تُبيِّنُ المرادَ كما تُبيِّنُه:"بسمِ اللهِ أقرأُ"؛ وذلك لأنَّ الِابتِداءَ يكونُ للقِراءةِ ولغيرِ القِراءةِ، فلهذا اختِيرَ أنْ يكونَ مناسبًا للمَقامِ.
والخُلاصَةُ: أنَّ مُتعلقَ الجارِّ والمَجْرورِ مَحذوفٌ، وهو فِعلٌ مُتأخّرٌ مُناسبٌ للمَقامِ.
فإنْ قال قائِل: هَلْ صَحِيح ما يَروي بعضُهم عنْ أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- قال: "إذا قرأتم: الحمدُ للهِ ربِّ العالمَين فاقرؤُوا: "بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ" فإنَّها إحدى آياتِها"
(1)
؟
فالجوابُ: هذا الحديثُ ليس بصحيحٍ، ويدُلُّ على ذلك:
أوَّلًا: حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه الثَّابتُ في الصَّحيحِ، أنَّ اللهَ تعالى قالَ:"قَسمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي نِصفَينِ" -يعني الفاتِحةَ- "فإذا قالَ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمَين،
(1)
أخرجه الدارقطني (1/ 312)، والبيهقي (2/ 45).
قالَ: حمِدني عبدي
…
" إلى آخرِ الحديثِ
(1)
؛ فبَدأ بقولِه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . ثانيًا: أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم كانَ لا يَجهرُ بها في القِراءةِ الجهْريَّةِ على القولِ الرَّاجِحِ، ولو كانتْ منَ الفاتِحةِ لجَهَرَ بها، كما يَجهرُ ببقيةِ الآياتِ.
ثالِثًا: أنَّ بقيَّةَ سوَرِ القرآنِ ليستِ البسْملةُ منها، فنحتاجُ إلى دليلٍ قويٍّ يُبيِّنُ أنَّها منَ الفاتِحةِ.
رابِعًا: أنَّ قولَه تَعالى: "قَسمْتُ الصَّلاةَ بيني وبين عَبْدي نِصفيْن"، هي نِصفٌ في السِّياقِ ونِصفٌ في المعنى، ولا يتمُّ ذلك إذا جعلْنا البسْملةَ منها؛ فقولُه:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هذِه للهِ، و {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ثلاثُ آياتٍ للهِ؛ و {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} للعبدِ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} للعبدِ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} للعبدِ؛ إذَن: ثَلاثٌ وثَلاثٌ.
وقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} صارتْ بينهما كما جاء في الحَديثِ: "هَذا بيني وبين عبدي"، فصارتْ ثَلاثَ آياتٍ ونصفًا مِنْها للهِ، وثلاثَ آياتٍ ونصفًا للعبد، ولو قُلنا: إنَّ البَسْمَلةَ مِنْها، ما اسْتَقامَ هذا.
خامِسًا: أنك إذا جَعَلْت البَسْمَلة مِنَ الفاتِحةِ صارتِ الآيةُ الأخيرةُ طويلةً لا تتَناسَبُ مَع ما قبلها؛ لأنه ستكونُ الآياتُ الأخيرةُ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، وهذه لا تتَناسَبُ مَع قولِه:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أو {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، فهو خِلافُ البلاغةِ.
فصارَ عندنا خمسةُ أوجُهٍ كلُّها تدُلُّ على أنَّ البسْملةَ ليستْ منَ الفاتِحةِ.
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (395)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.