الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (50)
* * *
يَقُولُ المُفسِّرُ رحمه الله: [{وَلَئِنْ} لَامُ قَسَمٍ] و (إِنْ) شَرْطيَّةٌ [{أَذَقْنَاهُ} آتَيناه {رَحْمَةً} غِنًى وصِحَّةً]، {مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ} {مِنَّا} أي: مِنَ اللهِ عز وجل يَقولُ المُفسِّرُ رحمه الله: [(مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ} شِدَّةً وبَلاءً]{مَسَّتْهُ} يَعني: أَصابَته {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} ، أي: بِعملي] انْظُرْ إِلَي حالِ هَذا.
نَبدأُ أَوَّلًا بالإِعرابِ؛ لأنَّ فيه شيءٌ مِنَ الإِشكالِ، قَولُه:{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} إلي قولِه: {لَيَقُولَنَّ} ، ففي الجُملةِ الأُولَى {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} حَرْفُ شَرطٍ، والشَّرطُ يَحتاجُ إِلي جَوابٍ، وَفي سياقِ الآيةِ لَمْ نَجِدْ جوابًا لِلشَّرطِ، فَجوابُ الشَّرطِ في هَذه الآيةِ مَحذوفٌ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشَرْطٌ، وَإِذا اجْتَمَعَ القَسَمُ والشَّرطُ حُذِفَ جوابُ المتأخِّر مِنهما. والقَسَمُ في اللَّامِ والشَّرطُ (إِنْ) والمتأخِّرُ هو الشَّرطُ، فَيُحذَفُ جَوابُ الشَّرطِ؛ ولهِذا جاءَ جوابُ القَسَم في قولِه:{لَيَقُولَنَّ} .
قال ابْنُ مالِكٍ رحمه الله في الألْفيَّةِ
(1)
:
(1)
الألفية (ص: 59).
واحْذِفْ لَدي اجْتماعِ شَرْطٍ وقَسَمٍ
…
جَوابَ ما أَخَّرتَ فَهو مُلتزَمٌ
فَهو: أَيْ هَذا الحذفُ.
قَولُه عز وجل: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} ، آتَيناه لَكِنْ عَبَّر بِالإذاقةِ عَنِ الإيتاءِ؛ لأنَّ مَنْ ذاقَ شيئًا فَقدِ انتفعَ بِه، وَالإيتاءُ قَد يَنتفعُ بِه الإِنسانُ وَقَدْ لا يَنتفعُ، فَإِذا أَعطيتُكَ خُبْزةً مَثلًا قَد تَنتفعُ مِنهَا وقَد لا تَنتَفعُ، يَعني: قد تَأكلُها وقَد لا تَأكلُها لَكنْ إِذا ذُقتَها فَقد أَكلْتَها وَانتفعتَ بِها؛ فَلِهذا عَبَّر عَنِ الإِتيانِ بِالإذاقةِ؛ لأنَّه أَبْلغُ في المَماسَّةِ وَفي الِانتفاعِ.
وقَولُه: {رَحْمَةً مِنَّا} فَسَّر المفسِّر رحمه الله الرَّحْمةَ بِأنَّه الغنَي وَالصِّحَّةُ، وهذا مثالٌ ولَيس هو الحصرَ، بَل تَشمَلُ الرَّحمةُ كُلَّ ما هو مَطلوبٌ لِلْإنسانِ مِن غِنًى وَصِحَّةٍ وَجاهٍ وأَمْوالٍ وبَنينَ وغَيرِ ذَلِكَ.
وقَولُه: {مِنَّا} إِشارةٌ واضحةٌ إِلَى أَنَّ هَذه الرَّحمةَ لَيْست بكَسبِه ولكنَّها فَضْلٌ مِنَ اللهِ عز وجل، فَالغِنَي أَتاه مِن حيث لا يَحتسِبُ، والصِّحَّةُ أتتْهُ مِن حيثُ لا يَحتسِبُ، والبَنونَ وغَيرُهم، هي مِن عندِ اللهِ، وَواضحٌ أَنَّها مِن اللهِ ولَيستْ بِكَسبِه.
وقَولُه: {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} رَحمَةٌ مِنْ بَعدِ ضَرَّاءَ يَعني: مَعناه أَنَّه تَيَقَّنَ الضَّررَ ثُمَّ جاءتِ الرَّحمَةُ مِن عِندِ اللهِ، وهَذا أَبلغُ في النِّعمَةِ أَنْ تَأتيَ بَعدَ الضَّررِ؛ لأنَّ النِّعمةَ الدَّائمةَ لا يَحسُّ بِها، لَكنَّ النِّعمةَ الطَّارئةَ بَعدَ الضَّررِ هي الَّتي يَحسُّ بِها؛ ولهِذا مَنْ لَمْ يَذُقْ مَرارةَ المَرضِ، فَإِنَّه لا يَتذوَّقُ حَلاوةَ الصِّحَّةِ حتَّى في الأُمورِ الشَّرعيَّةِ، قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه: لا يَنقُدُ الإسلامَ إِلَّا مَن لَمْ يَعرِفِ الجاهليَّةَ
(1)
أو كَلِمةً نَحوَها.
(1)
انظر: مجموع الفتاوي (10/ 301).
يَعْني: الَّذي لا يَعرفُ الكُفْرَ لا يَعرفُ قَدرَ الإيمانِ، كَذلكَ أيضًا الرَّحمَةُ إِذا كانت مُستديمةً مُستمِرَّةً لا يَحسُّ بِها الإِنسانُ، لَكنْ إِذا جاءَت مِن بَعدِ الضَّررِ أَحسَّ بها وذاق لَها طَعمًا، وأَضْرِبُ لَكُمْ مثلًا الآنَ في النَّفَس، النَّفَس نِعمةٌ كَبيرةٌ مِن أَكْبرِ النِّعَمِ، الإنسانُ لا يَحسُّ بِه، ما دامتِ النِّعمةُ مُستَمِرَّةً لكن لو أُصيبَ بِكَتمِ النَّفَس وحَجْبِهِ ثُمَّ فُرِجَ عَنْهُ لَوَجَدَ لهِذا النَّفَسِ نِعْمةً عَظيمةً وأثرًا عَظيمًا، كَذلكَ المَرضُ فَالإنسانُ الصَّحيحُ المُستمرُّ في صِحَّتِه لا يَعرِفُ قَدْرَها لكن لو مَرِضَ ثُمَّ شُفِيَ تَبَيَّنَ له قَدْرُ النِّعمَةِ.
وَالرَّحمةُ الَّتي ذَكرها اللهُ هنا رَحمةٌ مِنْ بَعدِ الضَّرَّاءِ، فَيكونُ لها أثرٌ بالغٌ أَعظمُ مِمَّا لو كانتِ الرَّحمةُ مُستمرَّةً.
إذا أَذاقَه اللهُ عز وجل رَحمةً من عندِه مِنْ بَعدِ الضَّرَّاءِ {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} ، {هَذَا} جوابُ القَسَمِ، يَعني: يَقولُ هَذا لِي.
قَولُه تَعالى: {هَذَا لِي} أَيْ: هَذا بِعَمَلي فَتَكونُ اللَّامُ بمعنى مِنْ؛ أي: هذا مِنِّي وليس مِن اللهِ، وقيل: اللَّامُ للاستِحقاقِ، يَعني: أَنِّي مُستحِقٌّ له فَلا مِنَّةَ للهِ عَلَيَّ به لأنِّي له أَهلٌ، فأنا حَقيقٌ به، المفسِّر مَشَي على القولِ الأوَّلِ وهو أنَّ اللَّامَ بمعنى مِن؛ أي: لَيَقُولَنَّ هذا مِنِّي وأَنا الَّذي اكْتَسبتُه أَنا الَّذي اتَّجرْتُ، وما أَشبهَ ذلك. القولُ الثَّاني: يَقولُ: هَذا مِنَ اللهِ. لكن لا مِنَّةَ له عَلَيَّ به؛ لأنِّي مُستحِقٌّ له، والآيةُ تَحتَملُ هذا وهذا.
والقاعدةُ في التَّفسيرِ: أَنَّه إِذا كانت الآيةُ تَحتَملُ مَعنيينِ لا يُنافي أَحدُهما الآخرَ، فإنَّها تُحملُ عَليهما جَميعًا إِذا لَمْ يُوجَدْ مُرَجِّحٌ لِأحدِهما.
قال اللهُ تَعالَى: {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} نَسأَلُ اللهَ العافيةَ، يَعني: ظَنَّ أَنَّه مخُلَّدٌ لمَّا جاءَته هَذه الرَّحمةُ قال: إذن لا بَعْثَ ولا جَزاءَ، {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} ثُمَّ قال:{وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} يَعني: عَلى فَرضِ أَنْ تَقومَ السَّاعةُ وأُرَدُّ إِلَي اللهِ، فإنَّ الَّذي نَعَّمَني في الدُّنيا سَيُنعِّمُني في الآخرةِ؛ ولهِذا قال:{وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} ، يَقُولُ المفسِّرُ رحمه الله:[أَي: الجنَّةَ].
نَقولُ في إِعرابِ: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي} ما قُلناه في: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} ؛ لأنَّه اجْتمعَ قَسَم وشَرْطٌ، وتَأخَّر الشَّرطُ فَحُذِفَ جَوابُه وبَقِيَ جَوابُ القَسَمِ في قَولِه:{إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} فتَجِدُ هذا الرَّجلَ مِن غرورِه -وَالعِياذُ بِاللهِ- أَنَّه أكَّدَ بِالقَسَمِ و {إِنَّ} و (اللَّامُ) القَسَمُ في قولِه: {وَلَئِنْ} و {إِنَّ} في قولِه: {إِنَّ لِي} واللَّامُ في قولِه: {لَلْحُسْنَى} فَهو أَكَّدَ أَنَّه علي فَرْضِ أَنْ يَرجِعَ إِلَي اللهِ فَسيجِدُ الحُسنى وهي الجنَّةُ كما قال المفسِّر رحمه الله، وأَخَذَ المفسِّر هذا التَّفسيرَ مِنْ تَفسيرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في قَولِه تَعالى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] حَيثُ قَالَ: "إِنَّ الحُسنى الجنَّةُ والزِّيادةُ النَّظَرُ إلي وَجهِ اللهِ"
(1)
.
إذن هذا الرَّجلُ مَغرورٌ في غايةِ الغُرورِ:
أوَّلًا: أنَّه أضاف النِّعمةَ الَّتي حَصلَتْ له في الدُّنيا أَضافَها إِلَي نَفْسِه، إمَّا مُباشرَةً هو الَّذي حصَّلَها من دونِ اللهِ، وإمَّا لأَنَّه مُستحِقٌّ لها فلا فَضْلَ للهِ عليه بها.
الغُرورُ الثَّاني: أَنَّه أَنكرَ البَعثَ لِقولِه: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} .
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، رقم (181)، من حديث صهيب رضي الله عنه.
الغُرورُ الثَّالثُ: أنَّه علي فَرْضِ أَنَّ السَّاعةَ قائمةٌ فَسيَجدُ عندَ اللهِ ما هو أَحسنُ: {إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} .
فإن قال قائلٌ: هَل للإنسانِ أَنْ يَنْسِبَ الخيرَ إِلي نَفسِهِ وهو يَعترِفُ بِفضلِ اللهِ عليه؟
فالجَوابُ: إِضافةُ العملِ إِلَي النَّفْس جائزةٌ حتَّى إِنَّ الرَّسولَ عليه الصلاة والسلام قال في عَمِّه أَبي طالبٍ: "لَولا أَنا لكانَ في الدَّركِ الأسفلِ مِن النَّارِ"
(1)
، لكنَّ الإنسانَ يُضيفُه إِلي نَفسِهِ، كما قال هذا الكافرُ:{هَذَا لِي} هَذا بِعَملي أَوْ أَتاني مِنَ اللهِ لأنِّي مُستحِقٌّ له، هَذا لا يَصلُحُ.
قال اللهُ تعالى: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} {فَلَنُنَبِّئَنَّ} أي: نُخبرنَّ، والفاءُ عاطفةٌ واللَّامُ مُوطِّئةٌ للقَسَمِ المَحذوفِ، والتَّقديرُ: فَواللهِ لَنُنبِّئنَّ.
إِذن الجُملةُ مُؤكَّدةٌ بثَلاثةِ مُؤكِّداتٍ {فَلَنُنَبِّئَنَّ} المؤكِّدُ الأوَّلُ القَسَمُ، والثَّاني:(اللَّامُ)، والثَّالثُ: نونُ التَّوكيدِ في قَولِه: {فَلَنُنَبِّئَنَّ} وَالضَّميرُ في قَولِه: {فَلَنُنَبِّئَنَّ} يَعودُ عَلى اللهِ عز وجل وعادَ إليه بصيغَةِ الجَمعِ مِن بابِ التَّعظيمِ وَإلَّا فاللهُ إِلهٌ واحدٌ.
{فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا} أَيْ: بالَّذي عَمِلوه نُخبرُهم بِذلكَ يَومَ القيامةِ، وكَيفيَّةُ هذا أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يُحصي أَعمالَهم يَومَ القيامةِ، فَيُنادِي عَليهم على رُؤوسِ الأَشهادِ بِأنَّه قَد أَخزاهُم الله:{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18].
(1)
أخرجه البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم (3883)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم (209)، من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم.