الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لشَرَفِه، أو لكَثْرَتِه إذا قُلْنا: إنَّ العاقِلَ أكْثر.
وقَولُه رحمه الله: [أوْ أنزَلَتا لخِطابهِما مَنْزِلَتَه] يَعنِي: أن المَسْألةَ فِيها إمَّا تَغلِيبُ، وإِمَّا أنَّ الأرْضَ والسَّماءَ أُنْزِلَتا مَنزِلةَ العاقِلِ لخِطابِهما؛ أي: لِكَونِهما خُوطِبا، ولا يُخاطَبُ غالِبًا إلا العاقِلُ.
مِنَ فوائِدِ الآيَةِ الكرِيمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ السَّماءَ كانَتْ قبْلَ أنْ تُخلَقَ دُخانًا، ثمَّ حَوَّل اللهُ هَذا الدُّخانَ إلَى سَمواتٍ، لِقَوْلِه تَعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثْباتُ علُوِّ اللهِ عز وجل على أحَدِ القَوْلَين في تَفسِيرِ "اسْتَوى"، وهُما قصَدَ أو ارتَفَعَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ كلَّ شَيْءٍ قابِلٌ لمُخاطَبةِ اللهِ عز وجل أيْ: قابِلٌ أنَّ اللهَ يُخاطِبُه، لأنَّ اللهَ خاطَبَ السَّماءَ والأرْضَ - وهِي جَماد - فقالَ:{ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} ، لكِنَّنا لَو خاطَبْنا الجَمادَ لَعُدَّ ذلِك سَفَها ونَوعًا مِن الجُنونِ؛ أمَّا الرَّبُّ عز وجل فإنَّه يُخاطِبُ ما شاءَ مِن عِبادِه مِن عاقِل وغَيره وجَمادٍ وغَيرِه، لأنَّ كلَّ مَن خاطَبه اللهُ فإنَّه يَفْهمُ خِطابَ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ كلَّ شَيْءٍ خاضِعٌ للهِ عز وجل سَواءٌ كَرِهَ أمْ رَضِيَ، لِقَولِه تَعالى:{ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: كَمالُ خُضُوعِ الأرْضِ والسَّمواتِ للهِ عز وجل حَيثُ قالَتا: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يصِحُّ أنْ يُعبِّرَ عَن غيْرِ العاقِلِ بما يُعبَّرُ به عَن العاقِلِ،
إذا نُزِّلَ غيْرُ العاقِلِ مَنزِلةَ العاقِلِ لِقَولِه: {طَائِعِينَ} ، فإنَّ هَذا الجَمْعَ جمْعُ المُذكَّرِ السَّالِمِ لا يَصْدُرُ إلَّا مِنَ العاقِلِ وغيْرِه، يُقالُ:"طائِعاتٍ"، وما أشْبَهَ هَذا، لَكِنْ إذا نُزِّلَ غيْرُ العاقِلِ مَنزِلتَه بالخِطابِ صحَّ أنْ يُعامَلَ مُعامَلةَ العاقِلِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثْباتُ الطَّواعِيةِ والكراهيَةِ لغيْرِ العاقِلِ؛ لقَولِه تَعالَى: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} ، فهَلْ هَذا يَعنِي أنَّ لغَيْرِ العاقِلِ إرادَةٌ؟ الجوابُ: نعَمْ؛ لأنَّ الطَّائِعَ لَه إرادَةٌ، ومَنْ يُتَصوَّرُ إكْراهُه فلَه إرادَةٌ أيْضًا، وإرادَةُ كلِّ شيْءٍ بحَسَبِه، وقَد ورَدَ أنَّ الحَصىَ تَسبِّحُ بيْنَ يدَيِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام ولا تسْبِيحَ إلَّا بَعْدَ إرادَةِ، وثبُتَ عَنِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أَنَّه قالَ في أُحُدٍ:"يُحِبُّنا ونُحِبُّه"
(1)
، والمَحبَّةُ أخَصُّ مِنَ الإرِادَةِ؛ وعلَى هذا: فهَذه الجَماداتُ الَّتي نحْن لا نفْقَه تسْبِيحَها لها إرادَة، وتسَبِّحُ اللهَ عز وجل.
* * *
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب فضل الخدمة في الغزو، رقم (2889)، ومسلم: كتاب الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، رقم (1393)، من حديث أنس رضي الله عنه -