الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، يَقولُ المُفسِّرُ رحمه الله:[تَهديدٌ لهم].
قَولُه: {إِنَّهُ} الضَّميرُ يَعودُ على اللهِ عز وجل.
وقَولُه: {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: عَليمٌ، وقُدِّمَ على عامِلِه لسَببينِ: أحدُهما لَفظِيٌّ، والثَّاني مَعنَويٌّ.
أمَّا اللَّفظيُّ: فهو لتَناسُبِ رُؤوسِ الآياتِ، والقُرآنُ الكريمُ نَزلَ بلِسانٍ عَربيٍّ، يُراعي التَّناسُبَ اللَّفظيَّ والمَعنويَّ.
والفائدَةُ الثَّانيةُ: أنَّه أَشَدُّ تَهديدًا مِمَّا إذا جاءَ مُتأخِّرًا عن عامِلِه كأنَّه يَقولُ: لو لم يَكُنْ عالمًا بأيِّ شَيءٍ لكانَ عالمًا بأعمالِكم. فهُنا الحَصرُ لِبيانِ التَّهديدِ لهَؤلاءِ كأنَّه يَقولُ: لو خَفِيَ عليه كُلُّ شيءٍ لم يَخفَ عليه أَعمالُكم.
من فوائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَحريمُ الإلحادِ في آياتِ اللهِ، وَجهُ ذلك أنَّ اللهَ تَعالى هَدَّد المُلحِدينَ في آياتِ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثباتُ الآياتِ والتَّقسيمُ من عِندنا مَبنِيٌّ على التَّتبُّعِ والاستِقراءِ، يَعني: إِثباتُ أنَّ اللهَ تَعالى له آياتٌ كونِيَّةٌ وشَرعيَّةٌ، والآياتُ ليس فيها ذلك لكن بالتَّتبُّعِ والاستِقراءِ عَلِمنا أنَّ آياتِ اللهِ تَنقَسِمُ إلى قِسمينِ شَرعِيَّةٍ وكَونيَّةٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَهديدُ المُلحِدينَ بأنَّ اللهَ مُطَّلعٌ عليهم لا يَخفى عليهِ شَيءٌ مِن أحوالهِم.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: سِعةُ عِلم اللهِ تبارك وتعالى وأنَّه لا يَخفى عليهِ شَيءٌ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الإلحادَ سببٌ لدُخولِ النَّارِ؛ لقَولِه: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ} يَعني: مِثلَ المُلحِدينَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ أهلَ النَّارِ والعِياذُ باللهِ يُلْقَونَ فيها إِلقاءً ويُدَعُّون إليها دَعًّا إهانَةً لهم وذُلًّا وإِذلالًا؛ لقَولِه: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ} .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: جَوازُ المُفاضَلَةِ بينَ شَيئينِ بَينَهما مِنَ التَّباينِ أكثرُ مِمَّا بَينَ السَّماءِ والأرضِ إفحامًا للخَصمِ.
والدَّليلُ: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} كُلٌّ يَعلَمُ أنَّ الثَّاني خَيرٌ وأنَّه لا حاجَةَ للاستِفهامِ لكن من أَجْلِ إفحامِ الخَصمِ وإِقامَةِ الحُجَّةِ عليه، ونَظيرُ ذلك قَولُه تَعالى:{آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] كُلٌّ يَعرِفُ أنَّ اللهَ خَيرٌ لكنَّ هذا من بابِ إفحامِ الخَصمِ، ومنه قولُه تَعالى:{قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140] كُلُّ يَعلَمُ أنَّ الأعْلَمَ هو اللهُ لكنَّ هذا أيضًا من بابِ إِفحامِ الخَصمِ، وهذه فائدَةٌ يُنتبَهُ لها: أنَّ المُفاضَلَةَ بَينَ شَيئينِ التَّفاوُتُ بينَهما ظاهِر لا يُرادُ به المُقارَنَةُ، ولكنْ يُرادُ به إفحامُ الخَصمِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ مَنِ استَقامَ في آياتِ اللهِ ولم يُلحِدْ فيها فإِنَّه يَأتي يَومَ القِيامَةِ آمنًا؛ لقَولِه: {أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} في مُقابلِ المُلحِدينَ الَّذين يُلْقَون في النَّارِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عَظمَةُ اللهِ عز وجل وقُوَّةُ سُلطانِه؛ لقَولِه: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} فإنَّ مِثلَ هذا التَّهديدِ لا يَكونُ إلَّا من كاملِ السُّلطانِ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثباتُ يَومِ القيامَةِ؛ لقَولِه: {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ومنها أيضًا أنَّ النَّاسَ في يَومِ القِيامَةِ بينَ آمِنٍ وخائِفٍ؛ لقَولِه: {أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِثباتُ المَشيئَةِ للعَبْدِ؛ لقَولِه: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} فيكونُ في ذلك رَدٌّ على الجَبِرَيَّةِ.
فالجَبرَيَّةُ يَقولونَ: الإنسانُ مجُبَرٌ على العملِ، وليس له أيُّ إرادَةٍ فيما يَفعَلُ، عَجبًا
لهم يُصلِّي بِلا إرادَةٍ، ويَتوضَّاُ بِلا إرادَةٍ، وَيمشي بِلا إرادَةٍ، ويَقعُدُ بِلا إرادَةٍ، وُيؤمنُ
بِلا إرادَةٍ، ويَكفُرُ بلا إرادَةٍ، سُبحانَ اللهِ - مجُبَرٌ قال: نَعَمْ، مجُبَرٌ، فالحَركةُ هذه طَبيعيَّةٌ
فيه كالإحراقِ في النَّارِ، هل النَّارُ تَحرِقُ باختِيارِها؟ لا، لكن أُودعَ فيها الإحراق،
هم يَقولونَ: هذه الأفعالُ والحَركاتُ مِنَ الإنسانِ لا إرادِيَّةَ، لكنَّه جُبِلَ عليها.
وَيقولونَ: إنَّ حركَتَه الإرادِيَّةَ كحَركتِه الاضطرارَيَّةِ فنُزولُ الإنسانِ في الدَّرجِ
مِنَ العُليا إلى السُّفلى وصُعودُه مِنَ السُّفلى إلى العُليا، كمَن دَحرَجَ دَحرجَةً على الدَّرجِ،
والمُدحرِجُ ليس له اختِيارٌ، هم يَقولون هكذا، الَّذي يَنزِل باختِيارِه لا فَرقَ.
فقيل لهُم: إذا كان كذلك، فإنَّ مِن أظلَمِ الظُّلمِ أن يُعذِّبَ اللهُ الظَّالمَ؛ لأنَّ الظَّالمَ
يَقولُ: أنا مجُبَرٌ ولا لي قُدرَةٌ ولا لي اختيارٌ قالوا: لا يُمكنُ، الظُّلمُ في حقِّ اللهِ مُستحيلٌ
لذاتِه، لا لأنَّ اللهَ لا يُريدُه لكنَّه مُستحيلٌ لذاتِه لماذا؟ قالوا: لأنَّه تَصرُّفُ الخالِقِ في
مُلكِه والمُتَصَرِّفُ في مُلكِه ليس بظالِمٍ، ولهذا قال ابنُ القَيِّمِ رحمه الله عنهم
(1)
:
والظُّلمُ عندهم المُحالُ لذاتِه
…
................
ونحنُ نَقولُ: أخطَأتُم؛ لأنَّ اللهَ تَعالى شَرَعَ شَرائِعَ وأوعَدَ مَن خالفَها ووَعَدَ مَن وافَقَها وأعطى الإنسانَ حُرّيَّةً، والظُّلمُ مُمكِنٌ في حَقِّ اللهِ لكنَّه مُستحيلٌ عليه إِرادَةً، بمعنى أنَّه لا يُريدُ الظُّلمَ ولو شاءَ لظَلَمَ لكنَّه لا يُريدُه وليس وَصْفَه إطلاقًا،
(1)
النونية (ص: 8).
قال اللهُ تَعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] وقال: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29]، وقال تَعالى في نَفيِ إرادَةِ الظُّلمِ {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31] وكيف يَتَمَدَّحُ اللهُ عز وجل بأمرٍ مُستحيلٍ هذا غَيرُ مُمكِنٍ، لولا أنَّ الظُّلمَ مُمكِن ما كان وَصْفُ اللهِ به كمالًا فهو مُمكِنٌ، مُمكِنٌ أن يُعذِّبَ الإنسانَ الَّذي أمضى لَيلَه ونَهارَه في طاعَةِ اللهِ مُمكِنٌ عقلًا، لكنَّ اللهَ تَعالى لا يُريدُ هذا، لذلك بَطَلَ قَولُهم بأنَّ الظُّلمَ محُالٌ في حقِّ الخالقِ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ في مُلكِه.
وعلى كُلِّ حالٍ: في الآيَةِ هذه {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} دَليلٌ على إِثباتِ المَشيئَةِ للعَبدِ وهو يَرُدُّ ردًّا واضحًا على الجَبِرَّيةِ، العَجبُ أنَّه قامَ أُناسٌ ضِدَّ الجَبرَيَّةِ فدَاوَوا البِدعَةَ ببِدعَةٍ، قالوا: الإنسانُ له مَشيئةٌ وإِرادةٌ واختِيارٌ لكنَّه مُنفَصلٌ عن إِرادَةِ اللهِ ومَشيئَتِه مُستَقِلٌّ بالعَمَل ما للهِ إرادةٌ فيه إطلاقًا كيف؟ قال: نعم أنت الآنَ تَذهَبُ وتَجيءُ باختِيارِك لا تَشعُرُ أنَّ أحدًا يُجبِرُك أو يُكرِهُك فإذن لا عَلاقَةَ للهِ بفِعلِك، فأنت تَفعَلُ مخُتارًا مُستقِلًّا عن إرادَةِ الخالِقِ، والأقرَبُ إلى المَعقولِ هم القَدرَيَّةُ؛ لأنَّ كُلَّ إنسانٍ يَعرِفُ أنَّه يَفعَلُ الشَّيءَ باختِيارِه، وأنَّه يُحمَدُ على فِعلِه للخَيرِ، ويُذمُّ على فِعلِه للشَّرِّ، ولو كان بِغيرِ اختِيارٍ ما استحَقَّ أن يُحمَدَ على الخيرِ ولا أن يُذَمَّ على الشَّرِّ، كُلٌّ يَعلمُ ذلك ولهذا يُسمَّونَ العَقلانِيِّينَ؛ لأنَّهم يُحَكِّمون العَقلَ حتَّى في مِثلِ هذا الأمرِ.
إذن؛ نَقولُ: قوبِلَت بِدعَةُ الجَبريَّةِ بِبِدعةِ القَدريَّةِ الَّذين أثَبَتوا للإنسانِ إرادَةً استقلالًا؛ ولهذا يُسمَّونَ مَجوسَ هذه الأُمَّةِ؛ لأنَّ المَجوسَ يَقولون: الحَوادثُ لها خالِقانِ: الظُّلمَةُ والنُّورُ. كُلُّ ما في الدُّنيا مِن شَرٍّ فخالِقُه الظُّلمَةُ وكُلُّ ما فيها مِن خيرٍ فخالِقُه النُّورُ؛ لأنَّ الأشياءَ في الدُّنيا كُلِّها إمَّا خَيرٌ وإمَّا شَرٌّ.
فيَجبُ أن يَكونَ هناك إلهانِ إلهُ الخيرِ وإلهُ الشَّرِّ، والمُناسِبُ للخَيرِ النُّورُ؛ لأنَّ
فيه سِعةَ الصَّدرِ والانشِراحِ، والأنسَبُ للشَّرِّ الظُّلمَةُ، قالوا: إذن جَميعُ ما يَحصُلُ في الكَونِ له خالِقانِ ظُلمَةٌ ونورٌ، الظُّلمةُ تَخلُقُ الشَّرَّ والنُّورُ يَخلُقُ الخيرَ، وفي هذا يَقولُ المُتنبِّي في مَمدوحِه
(1)
:
وكلم لظَلامِ اللَّيلِ عِندَك من يدٍ
…
تُحدِّثُ أنَّ المانَويَّةَ تَكذِبُ
(كم) للتَّكثيرِ (كم لِظَلامِ اللَّيلِ عِندَك من يدٍ) أي: مِن نِعمَةٍ، (تُحدِّثُ أنَّ المانَويَّةَ) وهم فِرقَةٌ مِنَ المَجوسِ (تَكذِبُ)؛ لأنَّ المانويَّةَ تَقولُ: الظُّلمَةُ تَخلُقُ الشَّرَّ والنَّعم خيرٌ، فيَقولُ لمَمدوحِه: أنت تَجودُ ليلًا ونهارًا ممَّا يُكَذِّبُ المانويَّةَ الَّذين يَقولونَ: إنَّ الظُّلمةَ تَخلُقُ الشَّرَّ.
ونحن نَقولُ: إنَّ الجبرَّيةَ قوبِلت بِدعتُهم ببِدعةٍ؛ واعلمْ أنَّ البدعةَ لا يُمكنُ أن تُقَاوَمَ ببدعة؛ لأنَّك إذا ابْتَدَعتَ ادَّعَوا عَليك، ومنْ ذلك ما يَفعلُه بعضُ النَّاس في يومِ عاشوراءَ، فَيومُ عاشوراءَ عند الرَّافضةِ يومُ حزنٍ وبَلاءٍ فجاءَ أُناسٌ مِن أهلِ السُّنَّةِ قالوا: إِذنْ نَجعلَه يومَ فَرحٍ وسُرورٍ، وأنَّه يَنبغي أنْ نَتزيَّنَ ونَتجمَّلَ ونُوسِّعَ على العِيال، ضدَّ الحُزنِ، لكن هل هَذا صَحِيحٌ؟ لا؛ لأنَّا إذا فَعَلْنا هَذا قالتِ الرَّافضةُ: ما دَلِيلُكُمْ على هَذا؟ فلا يُمكِنُ أن تُقابَلَ البِدعةُ بالبدعَةِ أبدًا، لا تُقابَلُ إلَّا بالسُّنَّةِ.
مسألة: وَجدنَا ما يُسَمَّى الآنَ بالتَّمثيلِ السَّاقطِ، فَالبعضُ دعا إلى التَّمثيلِ الهادفِ، هل هَذا مُقابَلةُ بِدْعةٍ بِبِدعةٍ؟
فالجوابُ: هذا التَّمثيلُ ليس هو بِدعة في حَدِّ ذاتِها، التَّمثيلُ تَقريبُ المَعاني بصورتِهَا الفِعليَّةِ، وقد وَرَدَ التَّمثيلُ في الحديثِ الصَّحيحِ في قصَّةِ المَلَكِ الَّذي جاءَ
(1)
البيت للمتنبي، انظر: ديوانه (ص: 466).
إلى الأَقرعِ والأَبرصِ والأعمى بِصورَتِه الَّتي عليها
(1)
وقالَ: إِنَّهُ مسكينٌ وابنُ سبيلٍ، ولا أَبرصَ ولا أَقرعَ ولا أَعمَى، لكنَّ هذا للتَّقريبِ، إِنَّما المُبالغةُ في التَّمثيلِ بحيثُ لا نَدْعو النَّاسَ إِلَّا بِه، هَذَا هو الخطأُ.
فنَقولُ: الدَّعوةُ إِلَى اللهِ تَعالى لَها وَسائلُ، كُلُّ ما يَكونُ فيه تَصويرُ الواقعِ والتَّحذيرُ منه بِدونِ أن يَشتملَ على كَذِبٍ أو محُاكاةِ البَهائمِ أو محُاكاةِ الرَّجُلِ المَرأةَ أو بالعكسِ، فَلا مانِعَ، فنَحنُ لا نُنكِرُ التَّمثيلَ مُطلقًا ولا نُحَبِّذُه، ونُنكِرُ أن يَكونَ هوَ الوَسيلةَ إلى الدَّعوةِ إلى اللهِ، لِأَنَّكَ إذا عَوَّدتَ النَّاسَ على أنَّك لا تَدعُوهم إلى اللهِ إِلَّا بِهَذه الوَسيلَةِ نَسوا الأَهَمَّ وهو مَوعِظةُ القُرآنِ والسُّنَّةِ.
نحنُ نُقابلُ الجبرَيَّةَ الَّذينَ يُنكِرونَ مَشيئَةَ العبدِ بِدَلالةِ الكِتاب والسُّنَّةِ أنَّ لِلإنسانِ مَشيئَةً، ونُقابلُ القَدَريَّةَ بأنَّ اللهَ تَعالَى له مُلكُ السَّمَواتِ والأَرضِ:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30].
إذن أَنا إذا شِئتُ شَيئًا وفَعَلتُهُ أَقولُ: إنَّ اللهَ شَاءَ ذلكَ قَبْلَ أن أَشاءَه، لا يُمكِنُ أن أَشاءَ شَيئًا وأَفْعلَه دونَ أنْ يَكونَ اللهُ شَاءَه أبدًا.
فَإذَا قَالَ قَائِلٌ: أَنتَ إِذَا قُلتَ هَذَا، وأَنَّ مَشيئَتَك بَعْدَ مَشيئَةِ اللهِ وتَابعَةٌ لِمَشيئَةِ اللهِ لَزِمَ على ذَلكَ أن يَحْتَجَّ العَاصِي عَلينَا بِقَدَرِ اللهِ ومَشيئَتِه. العاصي يَشاءُ المَعصيَةَ وَيفعَلُ المَعصيةَ. قُلنَا له: لمِاذَا؟ قَالَ: لأنَّ اللهَ شَاءَ ذلك، أَنتم تَقُولُونَ: إِنَّه ما مِنْ مَشيئَةٍ لِلعبدِ إِلَّا وَهي مَسبُوقَةٌ بمَشيئَةِ اللهِ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ، أَنا ماذا أَفعلُ! شَاءَ اللهُ أن أَفْعلَ فَفَعلتُ، كيف تَلومونَني على أَمرٍ كَتبَه اللهُ عَلَيَّ وشَاءَهُ عَلَيَّ؟
(1)
أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل، رقم (3464)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق، رقم (2964)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
نَقوُل قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ: مَن أَعْلَمَكَ أنَّ اللهَ شَاءَ ذلكَ؟ هل أَحدٌ يَعْلمُ أنَّ اللهَ شَاءَ الشَّيءَ إِلَّا بَعدَ وقوعِهِ؟ لا يَعلَمُ ذلك أَحَدٌ: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34]. أَنا مَثلاً عِندمَا أَقومُ وأُصلِّي، أَعْلمُ أَنَّني عِندَما شِئتُ الصَّلاةَ وفَعَلتُ فَقدْ شاءَ اللهُ عز وجل مِنْ قَيْلي، لكن قَبْلَ أن أُصَلِّيَ هل أَعْلمُ أنَّ اللهَ شَاءَ أَنْ أُصَلِّيَ أم لا؟ الجَوابُ: لَا، فالعاصي حينَ يَفعلُ المَعْصيةَ هل يَعلَمُ أنَّ اللهَ شاءَ له أَنْ يَفْعلَ المَعصيةَ قَبْلَ أن يَفعلَها؟ لَا، إِذن لَا حُجَّةَ له، وما أَحْسَنَ مَا قال بَعضُ العُلماءِ:"إِنَّ القَدَرَ سِرٌّ مَكتومٌ لا يُعلَمُ إلَّا بَعْدَ وقوعِ المَقدورِ" وهوَ كذلِكَ، هذا جَوابٌ مُفحِمٌ، لا يُمكِنُ أن يَتخطَّاه المُجرِمُ قِيدَ أُنمُلَةٍ.
ثم نَقوُل له: أَلَستَ الآنَ إذا كان أَمَامكَ نارٌ محُرِقَةٌ أو أَوديةٌ مُغرِقةٌ، أَلَستَ تُحجِمُ عنها ولا تُقدِمُ عليها؟ فإن قيلَ: بَلَى، قُلْنَا: فلماذا لا تُقدِمُ وتُلْقي نَفسَكَ بالنَّارِ وتَقولُ: هَذِه مَشيئَةُ اللهِ؟ لا يُمكِنُ أن يُقْدِمَ لا على أَوْديةٍ مُغرِقةٍ ولَا على نَارٍ محُرِقةٍ، ويَدَّعي أنَّ ذلك مَشيئَةُ اللهِ، فلِماذا لم تَتجنَّبِ المعاصيَ الَّتي عَلِمتَ بِوَعدِ اللهِ عز وجل أو وَعيدِه أَنَّها سببٌ لِدُخولِ النَّارِ؟ هذا نُخاطبُه عندَما نُريدُ منه أن يَجتنِبَ المَعاصيَ.
وأمَّا عندما نُريدُ مِنْه أَنْ يَفعلَ الطَّاعاتِ نَقولُ: نَزَلَ في الصُّحُفِ مُسابقةٌ على وَظيفتَينِ؛ إِحداهُمَا عَشَرةُ آلَافِ رِيالٍ في الشَّهرِ، والثَّانيَةُ عَشَرَةُ رِيالاتٍ في الشَّهْرِ إلى أَينَ يَذْهبُ؟ هل يَذْهبُ إِلَى عَشَرَةٍ ويَقولُ هذا تَقديرُ اللهِ؟ أَلَستَ تَذهبُ لِلْعَشَرةِ آلَافٍ تُريدُ هَذَا الرَّاتبَ الجيِّدَ؟
فإنَّ العملَ الصَّالِحَ عُرِضَ عَليكَ بأنَّ جَزاءَ الحَسنةِ بِعَشَرةِ أمثالهِا إلى سَبع مئةِ ضِعْفٍ، لمِاذا لا تُقدِمُ عليها كَما كُنتَ تُقدِمُ على ما تَراه حظًّا لَك في الدُّنيَا، فَلماذا لَا تُقدِمُ على ما تَراه حظًّا لَكَ في عَملِ الآخرَةِ؟ وبهذا تَنقطعُ حُجَّةُ الظَّالمِ سَواءٌ ظَلَمَ
بفعلِ المُحرَّماتِ، أو بتَرْكِ الواجباتِ.
وقد تَعرَّضْنا لِهَذا وإِنْ كان لَيسَ من خَصائصِ عِلْمِ التَّفْسيرِ؛ لِأنَّ هذا مِنْ عِلْمِ العَقيدةِ، المُهِمُّ رُبَّما يُشَوِّشُ على الإنسانِ مِثْلُ هذهِ الإراداتِ مِنَ الجَبرَيَّةِ أو مِنَ القَدَرَيَّةِ، فنَقولُ بِما تقدَّم، والأمرُ والحمدُ للهِ واضحٌ حتَّى إنَّ الرَّسولَ عليه الصلاة والسلام حَلَّ هذه المُشكلةَ بكَلِمتَينِ فقط، قال عليه الصلاة والسلام وهو على شَفيرِ قَبْرٍ لِإحدَى بَناتِه قال:"ما مِنكُم مِن أَحدٍ إلَّا وقد كُتِبَ مَقعدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقعدُهُ مِنَ النَّارِ، قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفلا نَدعُ العَمَلَ ونَتَّكِلُ على الكِتَابِ؟ "، هذا اعتِراضٌ لكنَّه اعتراضٌ في بادئِ الأَمْرِ كما قَالَ تَعالَى:{بَادِيَ الرَّأْيِ} ما دامَ الشَّيءُ مَكتوبًا فَلا حاجَةَ لِلعَمَلِ، هذا مَكْتوبٌ لهُ السَّعادةُ فلْيَنَمْ؛ لأنَّه من أَهْلِ السَّعادةِ، وهذا مِنْ أَهْلِ الشَّقاوَةِ فَلا يَعْملُ؛ لأنَّه مِن أَهْلِ الشَّقاوَةِ، فَلا حاجَةَ أنْ يَعمَلَ! ؟ فقال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام كَلِمَتَينِ:"اعْمَلوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"
(1)
. سُبْحانَ اللهِ لم يَأْتِ بِفَلسفَةٍ وتَطويلٍ بل كَلِمتَينِ: "اعمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له"، هذا الَّذي مِنْ قِبَلِنا - أنْ نَعمَلَ- ثُمَّ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له.
فإذا وَجَدتَ مِن نَفْسِكَ أنَّ اللهَ يَسَّرَ لكَ الخَيرَ والهُدَى والنَّشاطَ على العِبادةِ، فاعْلَمْ أنَّكَ مِمَّن كُتِبَ من أَهلِ السَّعادةِ لِقَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"أَمَّا أهلُ السَّعادةِ فيُيَسَّرونَ لِعَمَلِ أهلِ السَّعَادةِ، وأمَّا أهلُ الشَّقاوَةِ فيُيَسَّرونَ لِعَمَلِ أَهلِ الشَّقاوَةِ".
فَالأَمرُ -والحَمدُ لله- واضِحٌ جِدًّا أَنَّه لا حُجَّةَ للعاصي بالقَدَرِ على مَعصيِتِه ولَا لِلمُتَهاونِ بِالواجِبِ بالقَدَرِ على تَهاوُيه، فالأمرُ أَوضَحُ مِن أن يَحتاجَ إلى كَثيرِ كَلامٍ.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى:{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} ، رقم (4949)، وأخرجه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، رقم (2647)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
بَقِيَ عَلينا أن يُقالَ: أَلَيسَ آدَمُ قَدِ احتَجَّ بالقَدَرِ؟ أَوَلَيسَ اللهُ تَعالَى قد احتجَّ بالقَدَرِ فقال لرسولِه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} فما هو الجَوابُ؟ الجَوابُ أن يُقالَ: أمَّا قولُه تَعالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [الأنعام: 107]، فهَذا تَسليةٌ للرَّسولِ عليه الصلاة والسلام، حيثُ قال اللهُ له:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} ، فشِرْكُهمْ بمَشيئَةِ اللهِ، ومَعلُومٌ أنَّ الرَّسُولَ عليه الصلاة والسلام سوف يَرْضَى بقَضاءِ اللهِ، ولِهَذا يَجِبُ عَلينا أن نَنظُرَ إلى أهلِ المَعاصي بنَظرينِ؛ نَظرٍ قَدَريٍّ ونَظرٍ شَرعيٍّ.
النَّظرُ القَدَريُّ أنْ نَرضى بِما وَقَعَ مِن مَعاصيهم؛ لأنَّه بتَقديرِ اللهِ، والنَّظرُ الشَّرعيُّ أن نُلْزِمَهم بشَرعِ اللهِ، فنُقيمُ عليهمُ الحُدودَ والتَّعْزيراتِ، وغَيرَ ذلك مِمَّا يَحمِلُهُم على فِعلِ الطًّاعاتِ وتَرْكِ المُحرَّماتِ، فانْتبِهوا يا إِخوانُ، هذه المسائِلُ مُهمَّةٌ جدًا.
إذن نَقولُ: إنَّ قولَهُ تَعالَى للرَّسولِ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} ، الغَرضُ منه تَسليةُ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّ ذلك بمَشيئةِ اللهِ رَضِيَ، ولكنَّ اللهَ تَعالَى أَبطلَ هذه الدَّعوَى منهم بقولِهِ:{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} [الأنعام: 148] بعُقوبَةِ اللهِ، أَبطلَ اللهُ هذه الحُجَّةَ؛ لأنَّهم أَرادوا بذلك إِبطالَ الشَّرْعِ بالقَدَرِ، فبَيَّنَ اللهُ تَعالَى أنَّه عذَّبَهم.
وأمَّا آدمُ لمَّا احتَجَّ عليه موسى وقالَ له: خَيَّبْتَنا أَخْرَجتَنا ونَفْسَكَ مِنَ الجنَّةِ - بمَعصيتِه بأَكْله مِنَ الشَّجرةِ - فقال له آدَمُ: أتَلومُني على شيءٍ كَتبَه اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أن يَخلُقَني بأربعينَ سَنَةً؟ قال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام: "فَحَجَّه آدَمُ"
(1)
. وفي رِوايةٍ:
(1)
أخرجه الإمام أحمد (2/ 268)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
"فحَجَّ آدَمُ موسى"
(1)
، ومعنى حَجَّه؛ أي: غَلَبَه في الحُجَّةِ.
فإِنْ قال قائِلٌ: في احتِجاجِ آدَمَ على موسى وأنَّهُ قال: "كيف تَلومُني على شيءٍ قد كَتَبهُ اللهُ عَلَيَّ قَبلَ أن أُخْلَقَ بأربعينَ سَنةً"، ألا يَدُلُّ على أنَّ آدَمَ خُلِقَ قَبْلَ خَلْقِ القَلَمِ بأربَعينَ سَنةً؟
فالجوابُ: لا، هو يَقولُ: كُتِبَ عليه قَبلَ أن يُخْلَقَ، أي مَكتوبٌ قَبلَ خَلْقِ آدَمَ، فآدَمُ خُلِقَ بَعدَ أن كُتِبَ عليه بأربَعينَ سَنَةً، لكن كيف نَجْمعُ بَينَ قولِه بأربَعينَ سَنةً، وبَينَ أنَّ اللهَ تَعالَى خَلَقَ القَلمَ، وقال له: اكْتُبْ، قَبلَ أن يَخلُقَ السَّمَواتِ بخَمسينَ أَلْفَ سَنَةٍ، يُقالُ: إذا صَحَّتِ الكَلمةُ هَذهِ وكانت محَفوظةً، فإنَّ هذه كتابَةٌ أُخْرَى خَاصَةٌ بآدَمَ.
فاحتجَّ آدَمُ بالقَدَرِ الَّذي كُتِبَ عليه قَبْل أن يُخْلَقَ وخَصَمَ موسى. هَذا الحَديثُ يَحتجُّ به أَهلُ المَعاصي على مَعاصيهم ويَقولونَ: إِنَّ آدَمَ احْتجَّ بالقَدَرِ على موسى وحَكَمَ النَّبيُّ - صَلواتُ اللهِ وسَلامهُ عَليهِ - لآدَمَ وقال: إِنَّهُ حَجَّه، فنحنُ نحتَجُّ بالقَدَر كما احْتجَّ أَبونا، نُجيبُ عَن هَذَا بجَوابَينِ:
الجوابُ الأوَّلُ مِن شيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيْميَّةَ
(2)
رحمه الله قال: إنَّ آدمَ لم يَحتجَّ بالقَدَرِ على المَعصيَةِ، وإنَّما احْتجَّ بالقَدَرِ على الخُروجِ مِنَ الجنَّةِ، أَمَّا المَعصيَةُ فَقدِ اعْتذَرَ منها آدَمُ وقالَ:{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37]، فآدمُ لا يُمكنُ أن يَحتجَّ بالقَدَرِ على المَعصيَةِ
(1)
أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد، رقم (3409)، ومسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، رقم (2652)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (8/ 303).
لا يُمكنُ إِطْلاقًا وهو أَجَلُّ قَدْرًا من أن يَحتجَّ بالقَدَرِ على مَعصيَةِ اللهِ، وإنَّمَا احْتجَّ بالقَدَرِ على إِخراجِهِ منَ الجنَّةِ لا على سببِ الإِخراجِ، والِاحتجاجُ بالقَدَرِ على المَصائبِ أَمْرٌ جائِزٌ، وهو غَايةُ التَّسليمِ لله عز وجل. أَرَأيتُم قولَ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام:"المُؤمنُ القَويُّ خَيرٌ وأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خيرٌ، احْرِصْ على ما يَنفعُكَ واسْتعِنْ باللهِ ولا تَعجَزْ، وإنْ أصابَكَ شيءٌ فلا تَقُلْ: لو أَنّي فعلتُ لكانَ كَذا وكَذا، ولكنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَما شاءَ فَعَلَ"
(1)
. وهذا احْتِجاجٌ بالقَدَرِ لكنْ بعدَ فِعْلِ الأسبابِ، فالاحتِجاجُ بالقَدَرِ على المَصائبِ أَمْرٌ جائِزٌ، والإنسانُ عِندما يُصابُ بالمُصيبَةِ وَيقولُ:{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، فهَذَا يَعني: التَّسليمَ للقَدَرِ.
إذنِ احْتِجاجُ آدَمَ عليه الصلاة والسلام بالقَدَرِ على المُصيبَةِ لا عَلَى المَعصيةِ، هذا وَجهٌ.
وجهٌ آخَرُ: ما كانَ لموسَى عليه السلام أن يَلومَ أَباه على ذَنبٍ تابَ منه وحَصلَ له بَعدَه أَنِ اجْتَباه رَبُّه وهداه، أدنى وَاحدٍ منَ النَّاسِ إذا أُصيبَ بذَنبٍ ثُمَّ تابَ، فإنَّه لنْ يُوَجِّهَ اللَّومَ إليه، قال اللهُ تَعالَى:{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 121 - 122]، أَي: اصْطَفاه واختارَه {وَهَدَى} [طه: 122]، هذ المَنزِلَةُ ما حَصَّلَها قَبْل أن تَحْصُلَ له المعصيَةُ.
إذن لا يُمْكِنُ لموسَى أن يَلومَ أَباه على ذَنبٍ تابَ مِنه وارْتَفَعَ بعد التَّوبةِ منه مَنزلةً عِندَ اللهِ عز وجل، هذا لا يُمْكنُ أن يَكونَ لأدنَى وَاحدٍ فَضلًا عن رَجُل مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسلِ، هذا جَوابُ شيخِ الإِسلامِ ابْنِ تَيميَّةَ وهُو جَوابٌ جيِّدٌ لَا شكَّ.
(1)
أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، رقم (2664)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وذَهبَ ابنُ القَيِّمِ
(1)
رحمه الله إلى جَوابٍ آخَرَ وقالَ: "إنَّ الاحتِجاجَ بالقَدَر على المَعصيةِ بعدَ التَّوبَةِ منها والإقْلاعِ عنها مَقبولٌ، لا لرَفْعِ اللَّومِ واستِباحَةِ الاستِمرارِ"، فيقولُ: الِاحتجاجُ بالقَدَر نَوعانِ: نَوعٌ احْتجاجٌ بالقَدَرِ بَعدَ فَواتِ الأَوانِ مَع الإقْلاعِ عنِ المَعصيَةِ وحُسْنِ الحالِ فَهَذا جائِزٌ، واحْتِجاجٌ بالقَدَر لِدَفعِ اللَّومِ والاستِمرارِ في المَعصيَةِ، فهذا مَمنوعٌ. يَعني: إذا قَدَّرْنا أَنَّ احتجاجَ آدَمَ عليه الصلاة والسلام بالقَدَرِ على المَعصيَةِ الَّتي تابَ مِنها وهَداه اللهُ واجْتَباه يَكونُ جائِزًا على هذا التَّقديرِ؛ لِأنَّ آدَمَ ما احْتجَّ بذَلكَ لِيَستمِرَّ، احتجَّ بذلك لِأمرٍ قَد فاتَ.
ونَظيرُ هَذا فيما عِندَنا الآنَ لَوْ أنَّ إِنسانًا زَنَى -وَالعياذُ بِاللهِ- وَهو رَجلُ خَيّر، لَكِنْ غَلَبَتْه شَهْوَتُه وزَنَى ثُمَّ تابَ، وقُلْنا لَهُ: يَا فُلانُ، كَيفَ يَقَعُ مِنك هذا الشَّيءُ؟ قَال: واللهِ هذا قَضاءٌ وقَدَرٌ، وإِلَّا فَلَستُ من أَهلِ هَذا الأمرِ لكنَّ المُقَدَّرَ كائنٌ، نَقْبلُ مِنه، لَكنْ لَو كانَ يَزني وَيستمِرُّ نَقولُ: تُبْ إلى اللهِ، فَإنْ قالَ: هذا رَغْم عنه؟ قُلْنا: سُبحانَ اللهِ رغمًا عنك وأنت مُمارِسٌ لهِذا العَملِ، لَيسَ هذا رغمًا عنك.
يَقولُ ابْنُ القيِّمِ رحمه الله: "الِاحتجاجُ بالقَدَرِ بَعدَ وقوعِهِ تَسليمًا للقَدَرِ وَتَفويضًا لِأمْرِ اللهِ، لا اسْتِمرارًا ولَا دَفعًا لِلَّومِ" فهَذا جائِزٌ، ثُمَّ استدَلَّ بقِصَّةٍ وَقَعَتْ مِن عَليِّ بنِ أَبي طالِبٍ وزَوْجِه فاطمَةَ رضي الله عنها حينَ دَخَلَ عَليهما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال لَهُما:"أَلا تُصلِّيانِ؟ " قال عَليٌّ: يا رَسولَ اللهِ، أنفُسُنا بِيَدِ اللهِ لَو شَاءَ لَأَقامنا، احْتجَّ بالقَدَرِ، فَخَرَجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أو تَوَلَّى عنهما وهو يَضرِبُ بيَدِه على فَخِذِه ويَقولُ:{وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}
(2)
، فَالرَّسولُ عليه الصلاة والسلام هَل قَبِلَ مِنهما؟ إنْ قُلْتم: قَبِلَ على
(1)
انظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر (ص 18).
(2)
أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل، رقم (1127)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، رقم (775)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
الإِطلاقِ، لَيسَ هَذا بصَحيحٍ، وإنْ قُلتم: قَبِلَ الواقِعَ لكنَّهُ كَرِهَ الجِدالَ، فَهَذا هو الواقعُ؛ لأنَّه لو أَرادَ الإِنكارَ عليهما لَقالَ غَيرَ ذَلِكَ، لقالَ: لا حُجَّةَ لَكُما في هَذا، لكنَّه جَعلَ ذلكَ مِن بابِ الجَدَلِ الَّذي نَهَى عنه، فَقَدْ خَرجَ يَوما عَلى أَصْحابِه، وهُم يَتجادلونَ في القَدَرِ، فَغَضِبَ عليه الصلاة والسلام كأنَّما فُقِعَ في وجهِه حَبُّ الرُّمَّانِ، ونَهَى عنِ التَّنازُعِ فِي القَدَر
(1)
.
فإِنْ قال قائلٌ: ما مَعنى: قَبِلَ الواقعَ وكَرِهَ الجِدالَ؟
فالجَوابُ: قَبِلَ الواقعَ وهو احْتجاجُهم بالقَدَر، النَّائمُ في الحقيقَةِ ما عليه لَومٌ:{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} [الأنعام: 60] مِن اللهِ، فتقولُ: أَنفسُنا بأَيْدي اللهِ لَو شاءَ أن نَقومَ لقُمْنا، هذا واقعٌ، أَمَّا الجَدلُ فَكَونُه يُجادِلُ النَّبيَّ عليه الصلاة والسلام بالقَدَرِ، هَذا أَمرٌ لا يَنبغي، ولهِذا تَشْعُرُ أَنَّه ما هو راضٍ، يَضرِبُ عَلى فَخِذِه ويَقولُ:{وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54]، والجَدَلُ قَد يَكونُ بِحَقٍّ ويُقبَلُ حَتَّى وإنْ كانَ فيهِ جَدَلٌ إذا كان بحقٍّ.
إِذَن المَخرجُ الثَّاني من قصَّةِ آدَمَ مع موسَى عليهما السلام أنَّ آدمَ احْتجَّ بالقَدَر على أَمرٍ مَضَى وانقَضى وتَخَلَّص منه، ولكِنْ قالَ: هَذا أَمْرٌ فَرَط مِنَي، ولكُلٍّ مِنهما وِجهةٌ.
ولَكنَّ الوِجهةَ الأُولى في ظَنِّي أنَّها أَقْوَى؛ لِأَنَّ موسَى لَا يُمكنُ أَنْ يَلومَ أَباه على أَمْرٍ تاب مِنه، لكنَّ الثَّانيَ لَه وِجهةُ نَظرٍ لا شكَّ، لكنْ لا نُنزِلُ قِضَةَ آدَمَ وموسى عليها بَلْ نَقولُ: هي في سائرِ النَّاسِ الآنَ لَو أنَّكَ لمُتَ شَخصًا على أَمْرٍ فَعَلَه مِن مَعصيةِ اللهِ، ثمَّ احتجَّ بالقَدَرِ بَعدَ أنْ تابَ، فأَنا أَقبَلُ مِنه، وهَذا يَقَعُ كَثيرًا، كثيرًا مَا يَفعلُ الإِنسانُ
(1)
أخرجه الإمام أحمد (2/ 178)، وابن ماجه: كتاب المقدمة، باب في القدر، رقم (85)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
الذَّنبَ ثُمَّ يَتندَّمُ نَدامةً عَظيمةً، ثمَّ يَقولُ: قَدَّرَ اللهُ ومَا شاءَ فَعَلَ، كيف يَقَعُ منِّي هذا؟ كيف تَغْلِبُني نَفْسي وهذا أَمرٌ لا بأسَ به.
ولا بُدَّ لِطالبِ العِلم أَنْ يَكونَ عِندَه عِلمٌ بمِثلِ هَذهِ الأمورِ؛ لِيُخَلِّصَ بها نَفْسَه مِنَ الشُّبُهاتِ الَّتي يُورِدُها عليه الشَّيطانُ، ومِنَ الشُّبُهاتِ الَّتي يُوردُها عليه أَولياءُ الشَّيطانِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ عِلْمِ اللهِ تَعالى بكُلِّ ما يَعملُ هَؤُلاءِ لِقولِه: {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَخصيصُ الحُكمِ بما فيه النِّزاءُ، وإِنْ كان الحُكمُ عامًّا، فَلَنا أَن نُخصِّصَ هذا الحُكْمَ بمَحَلِّ النِّزاعِ، يُؤخَذُ هذا من تَقديمِ المَعمولِ:{بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، لا نَقولُ: هَذَا الحصرُ حَقيقيٌّ أنَّهُ لا يَعلمُ عز وجل إلَّا بِما عَمِلوا، بَلْ يَعلمُ كُلَّ شَيءٍ، لكنْ لمَّا كانَ الكَلامُ في عَمَلهم جاءتِ الآيَةُ، أو جاء الحُكمُ بِصيغةِ الحَصرِ مِن أَجْلِ شِدَّةِ التَّحذيرِ، وأَنَّهم لن يَفوتوا اللهَ عز وجل واللهُ أعلمُ.
فإِنْ قال قائلٌ: كيف نَرُدُّ على مَن قَالوا: إنَّ الظُّلمَ يُمكنُ أن يُطلَقَ على اللهِ تَعالى من بابِ المُقابَلةِ، أَيْ رَدَّ الظُّلم على الظَّالِمِ، واستَدلُّوا بالبَيتِ الجاهِليِّ
(1)
:
أَلا لا يَجْهلَنْ أحدٌ علينا
…
فنَجهلُ فَوقَ جَهل الجَاهِلينا
فالجَوابُ: أقولُ هذا مِنَ العَجبِ! أَين في القُرآنِ والسُّنَّةِ أنَّ اللهَ تَعالى وَصفَ نَفسَه بالظُّلمِ في مُقابلةِ الظَّالمِ؟ وإذا لم يَكُنْ، فَلِما نَصِفُ اللهَ بالظُّلمِ وَهو قَد نَفاه عَن نَفْسِه؟
(1)
البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته المشهورة، انظر: جمهرة أشعار العرب (ص: 300)، وشرح القصائد السبع لابن الأنباري (ص: 426).
فإن قيلَ: إنَّ الرَّدَّ عَلى الظَّالمِ كَمالٌ، نَقولُ: لا -أبدًا- الانتِقامَ مِنَ الظَّالمِ كَمالٌ، لكنْ أن يُرَدَّ على الظَّالمِ بظُلمٍ، ولهَذا لم يأتِ بالقُرآنِ والسُّنَّةِ أنَّ: فَلَمّا ظَلمونا ظَلَمناهم، بَلْ قالَ:{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118]، وأمَّا الِاستهزاءُ والخِداعُ والمَكرُ والكَيدُ، هذا لا بأْسَ بِه، فَقَدْ ذَكرَ اللهُ تَعالَى هَذِهِ الأَوصافَ في مُقابلةِ مَنْ عَامَله بِمِثْلِها.