المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الآيتان (41، 42) - تفسير العثيمين: فصلت

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآية (1)

- ‌الآيتان (2، 3)

- ‌مِن فَوائدِ الآيتَين الكَرِيمَتيْن:

- ‌الآية (4)

- ‌مِن فَوائِد الآيَةِ الكرِيمَةِ:

- ‌الآية (5)

- ‌مِن فَوائِد الآيَةِ الكَرِيمَةِ:

- ‌الآيتان (6، 7)

- ‌مِن فَوائدِ الآيتَيْن الكرِيمَتيْن:

- ‌الآية (8)

- ‌مِنْ فوائِدِ الآيَةِ الكَرِيمةِ:

- ‌الآية (9)

- ‌مِن فوائِدِ الآيةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (10)

- ‌مِنْ فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (11)

- ‌مِنَ فوائِدِ الآيَةِ الكرِيمَةِ:

- ‌الآية (12)

- ‌مِن فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآيتان (13، 14)

- ‌مِنْ فَوائِدِ الآيَتين الكَريِمَتَين:

- ‌الآيتان (15، 16)

- ‌مِنْ فَوائِدِ الآيَتين الكَرِيمتين:

- ‌الآية (17)

- ‌مِن فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (18)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيات (19 - 24)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (26)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائِدِ الآيةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيات (30 - 32)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (33)

- ‌من فوائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيات (34 - 36)

- ‌من فوائِدِ الآياتِ الكريمَةِ:

- ‌الآيتان (37 ، 38)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكَريمتَينِ:

- ‌الآية (39)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيتان (41، 42)

- ‌مِن فَوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (43)

- ‌الآية (44)

- ‌من فَوَائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (45)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (46)

- ‌مِنْ فَوائِدِ الآيةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (47)

- ‌مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكرِيمَةِ:

- ‌الآية (48)

- ‌مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (49)

- ‌مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (50)

- ‌مِن فَوائِدِ الآيةِ الكريمة:

- ‌الآية (51)

- ‌من فَوائِدِ الآيةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (52)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيتان (53، 54)

- ‌من فوائِدِ الآيَتين الكريمَتين:

الفصل: ‌الآيتان (41، 42)

‌الآيتان (41، 42)

* قالَ اللهُ عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42].

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ} هَذِه جُملةٌ مُؤكَّدةٌ بإِنَّ، يَقولُ المُفسِّرُ رحمه الله:[{بِالذِّكْرِ} القرَآنُ] الكَريمُ كَما قال اللهُ تبارك وتعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50]، وقال تَعالَى:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44]، وسُمِّيَ القرآنُ ذِكرًا؛ لأنَّه يُذكِّرُ صاحبَه بما للمُتَّقينَ مِن خَيرٍ وَما للطَّاغينَ مِن شرٍّ، ولأَنَّه ذِكْرٌ لِصاحبِه أَيْ: يَرفعُ اللهُ به ذِكْرَ مَنْ تَمسَّكَ به، ولِهَذا قالَ:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} ، ولأنَّه يُذكًّرُ الإنسانَ بِرَبِّه، فَإنَّ أَقربَ النَّاسِ أو مِن أَقربِ النَّاسِ إِلَى اللهِ مَنْ تَلا كِتابَه، ولهِذا نَقولُ: إِنَّ تِلاوةَ الكتابِ أَفضلُ الذِّكرِ المُطلَقِ، وأمَّا الأذكارُ المُعيَّنةُ المُقيَّدةُ بشيءٍ مُعيَّنٍ، فهذه تَبَعٌ لمِا قُيِّدَتْ بِهِ.

وقولُه: {لَمَّا جَاءَهُمْ} أي: حينَ جاءَهم.

واعْلَمْ أنَّ (لمَّا) تَأْتي في اللُّغةِ العربيَّةِ لعِدَّةِ أَوجُهٍ:

1 -

منها أَنْ تَكونَ ظَرفًا كَما في هَذهِ الآيَةِ، فَمعنى:{لَمَّا جَاءَهُمْ} أَيْ: حينَ جاءَهم.

2 -

وَمِنها أَنْ تَأتيَ نَافيةً جَازمةً، لِكنَّها لِتُوقعَ ما بَعدَها، كَقَولهِ تبارك وتعالى:

ص: 242

{بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 8] لَمَّا هُنا بِمعنى "لَمْ"، فَهي نافيةٌ لَكنَّها لَا تَدخلُ إِلَّا على شيءٍ مُتَوقَّعٍ، فمعنى:{لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} أي: لَمْ يَذوقوه، ولَكنَّهم مُستحِقُّون لَه، وَالعذابُ مِنهم قَريبٌ.

3 -

وَمنها أَنَّها تَأتي بِمعنى "إِلَّا" كَقولِه تَعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] أي: إِلَّا عليها حَافِظٌ.

4 -

وَمنها أَنَّها تَأتي شَرطيَّةً كَقولِه تَعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} [يوسف: 96] تَقولُ: لمَّا زارَني أَكرمتُهُ.

فهذه أَربَعةُ أَوجُهٍ لِـ (لَمَّا)، الوَجهُ الأوَّلُ: ظَرفٌ، الثَّاني: نَافيةٌ جَازمةٌ، الثَّالثُ: بمعنى إِلَّا، الرَّابعُ: شَرطيَّةٌ.

لم يَذكُرِ اللهُ تَعالى خَبرَ "إِنَّ" بَلْ حَذَفَه من أَجْلِ أَنْ تَذهبَ النَّفسُ في تَقديرِه كُلَّ مَذهَبٍ، بِمعنَى أَنْ يُفكِّرَ الِإنسانُ فيما يَحصُلُ لهم، فتَجدُ الإنسانَ يُؤَمِّلُ ويُفَكِّرُ كَذا أو كَذا، ولهِذا قَدَّرهُ المُفسِّرُ رحمه الله بِقَولِه:[نُجازيهم]، فـ (نُجازيهم) على تَفسيِر المفسِّر هي خَبرُ إِنَّ، ويَجوزُ أَنْ تُقدَّرَ، لهِذا يُمْكنُ أَنْ تَقولَ:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ} سوف يُعاقَبون أو لهم نارُ جهنَّمَ، أو ما أَشْبهَ ذلكَ.

المُهمُّ أنَّ حَذْفَه من أَجْلِ أن يَذْهبَ الذِّهنُ كُلَّ مَذهبٍ في تَقْديرِ الخَبَرِ، لكنَّنا نَعلمُ عِلمَ اليقينِ أَنَّه لا يُمكنُ أنْ يُقدِّرَ خَبرًا سارًّا، يَعني لا يُمكنُ أن نَقولَ: التَّقديمُ أَنَّ الَّذينَ كَفَروا بذِكري لمَّا جاءهم لَهُم جنَّاتُ النَّعيمِ، هذا مُستحيلٌ، إنَّما يُقدَّرُ في أيِّ شيءٍ تُقدِّرُه مِنَ العَذابِ، وهذا مِنْ بَلاغةِ القُرآنِ أَنْ يَجعلَ الأَمرَ مَفتوحًا لِيُقدِّرَه الإنسانُ كُلَّ تَقديرٍ.

ص: 243

يَقولُ المُفسِّرُ رحمه الله: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} منيعٌ].

قال اللهُ تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} أَكَّدَ اللهُ عز وجل هذا الكِتابَ أو عِزَّةَ هذا الكتابِ بمُؤكِّدَينِ: إِنَّ واللَّامِ. وموضعُ الفائدَةِ في الواقعِ ليس "كتابُ" فقطْ، بَلِ الفائدَةُ قَولُه:{عَزِيزٌ} هذا هو المُهِمُّ، أَمَّا كتابُ كُلِّ شيءٍ كتابُ كُلِّ ما يُكْتبُ فهو كِتابٌ، لقد قالَت مَلِكةُ سَبَأٍ:{إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} [النمل: 29 - 30]، لَكنَّ مَوضعَ الفائدَةِ قولُهُ:{عَزِيزٌ} .

{وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} الضَّميرُ في "إنَّه" يَعودُ إِلَى الذِّكرِ وَهو القُرآنُ، وكتابٌ هُنا بمعنى مَكتوبٍ، وهو مَكتوبٌ في المَصاحفِ في اللَّوحِ المَحفوظِ، في الصُّحُفِ الَّتي بِأَيْدي الملائِكةِ.

إِذَن هو كتابٌ في ثَلاثِ مَواضعَ: في اللَّوْحِ المَحفوظِ، والثَّاني: في الصُّحُفِ الَّتي بأَيْدي المَلائكةِ، والثَّالثُ: في الصحُفِ الَّتي بأَيْدينا.

يَقولُ المفسِّرُ رحمه الله: [{عَزِيزٌ} مَنيعٌ] ولا شكَّ أنَّ مَنيع من مَعاني عَزيزٍ، ولكنْ هيَ أَعمُّ ممَّا قال المفسِّر:"عَزيزٌ" بمعنى "مَنيعٍ"، أي: يَمتنعُ أَنْ يَنالَه أَحَدٌ بِسوءٍ إِلَّا فَضَحَه اللهُ.

الثَّاني: عَزيزٌ بمعنى غالِبٍ، فَالقرآنُ لا شكَّ أَنَّه غالبٌ على غَيرِه؛ لِقَولِه تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح: 28]، فهوَ غالبٌ لكُلِّ شَيءٍ.

إِذنْ هوَ مُمتنِعٌ أَنْ يَنالَه أَحَدٌ بِسوءٍ إِلَّا فَضَحَه اللهُ. والثَّاني: أَنَّه غالبٌ، ولهِذا لمَّا كانتِ الأُمَّةُ الإسلاميَّةُ مُتمسِّكةً به كانت غالبةً، هَدَّتْ عروشَ كِسْرى وقَيْصَرَ

ص: 244

وغَيرِهما مِنَ الجبابرةِ، وفَتَحتْ بِه مَشارقَ الأرضِ ومَغاربَها، فلمَّا تولَّت عنه الأُمَّةُ الإسلاميَّةُ حُرِمَت مِن هذا الخَيرِ العَظيمِ الَّذي هو العِزَّةُ وَالغَلبَةُ والقَهرُ.

يَقولُ المفسِّرُ رحمه الله: [{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} أي: لَيس قَبْلَه كتابٌ يُكذِّبه ولا بَعده]{الْبَاطِلُ} ضِدُّ الصَّحيحِ وضِدُّ الحقِّ، فَعِند الفُقَهاءِ يَقولونَ:"الصَّلاةُ باطلَةٌ الصَّلاةُ صَحيحةٌ"، فيَجعلون البُطلانَ في مُقابلِ الصَّحيحِ، وَفي القُرآنِ الكريمِ:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62]، فجَعَلَ الباطلَ في مُقابلةِ الحَقَّ، إذن لا يَأتيهِ الباطلُ الَّذي هو ضِدُّ الحقِّ.

وقولُه: {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} فَسَّرها المفسِّر بتَفسيرٍ غَريبٍ قالَ: [أَيْ لَيس قَبْلَه كتابٌ يُكذِّبه وَلا بَعده]، وفي هَذا نَظرٌ ظاهرٌ، والصَّوابُ أنَّه لا يَأتيه الباطلُ {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: فيما يُخبِرُ به، {وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} فيما أَخبرَ عنه، فَكُلُّ ما أَخبرَ به فَهو حقٌّ، وكُلُّ ما أَخبرَ عنه بأنَّه سيكونُ فَهو حقٌّ.

أَيضًا لا يَأتيهِ الباطلُ مِن حَيثُ الأَحكامُ، فَكُلُّ ما حَكَمَ به فَهو حقٌّ وغايتُهُ حقٌّ، فيكونُ المعنَى أنَّ هذا القُرآنَ الكَريمَ ليس فيه شيءٌ مِنَ الكَذِبِ، لا في الإِخبارِ عن ما مَضَى وما هو بَيْن يَدَيه، ولا في الإِخبارِ عمَّا يُستقبَلُ وَهو قَولُه:{وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} وإنْ شِئتَ اعْكِسْ، فقُلْ: ما بَين يَدَيه هو المُستَقبَلُ وما خَلفَه هو الماضي.

كَذلكَ أَيضًا لا يَأتيه الباطلُ مِن حيثُ الأحكامُ، أَحكامُهُ كُلُّها عَدلٌ ما فيها جَوْرٌ؛ ولهذا تَجِدُ القُرآنَ الكَريمَ كَما يُعطي الرَّبَّ حَقَّه مِن العِبادةِ يُعطي المَخلوقَ حَقَّه أَيضًا:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] هَذا حَقُّ اللهِ، بَعدَه:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]. فَهو حقٌّ في أحكامِه، حقٌّ في أَخبارِه: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ

ص: 245

وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42]، وَاقرَؤوا إِنْ شِئتُم قولَه تَعالى:{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] صِدقًا باعتبارِ الإِخبارِ، وعَدلًا بِاعتِبارِ الأحكامِ.

قَولُه تَعالى: {تَنْزِيلٌ} خبرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ، والتَّقديرُ: هوَ {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ، ولَعلَّ هذا التَّقديرَ أَوْلى؛ لِأنَّه يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجُملةَ استِئنافيَّة لِبَيانِ عَظمةِ هَذا القُرآنِ، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ خَبرًا ثانيًا أو ثالثًا لقَولِه:{وَإِنَّهُ} ، فقَولُه:{عَزِيزٌ} صِفةٌ لكتابٍ، وقَولُه تَعالى:{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} يَجوزُ أَنْ تَكونَ صِفةً لكتابٍ أيضا، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ خبرًا ثانيًا لـ"إنَّ"، وعلى هَذا فتَكونُ {تَنْزِيلٌ} خبرًا ثالثًا.

قَولُه تَعالى: {تَنْزِيلٌ} أي: مُنزَّلٌ من حَكيمٍ حَميدٍ، فإِذا فَسَّرنا {تَنْزِيلٌ} بأنَّه مُنزَّلٌ صارَ المصدرُ بِمَعْنى اسمِ المَفعولِ، والمَصدرُ يَأتي بمَعْنى اسمِ المَفعولِ، وبمَعْنى اسمِ الفاعلِ، والَّذي يُعيِّنُ ذلكَ هُو السِّياقُ.

قَولُه تَعالى: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} حَكيمٍ أي: ذي حِكمةٍ وذي حُكمٍ، فالحُكمُ لله، والحِكمةُ في أَحْكامِه عز وجل فالرَّبُّ عز وجل مُتَّصِفٌ بالحُكمِ الَّذي لا مُعقِّبَ لَه، وبِالحُكمِ النَّافذِ الَّذي لا مانعَ لَه، وفي الدُّعاءِ المَأثورِ:"لا مانِعَ لمِا أَعْطَيتَ ولا مُعطيَ لمِا مَنعْتَ"

(1)

، وأيضًا هو مُتَّصِفٌ بالحِكمةِ، فكُلُّ أَحكامِه حِكمةٌ، فإنْ نَظرتَ إلى الأحكامِ القَدَرَيَّةِ، وجدْتَها في غايةِ الحِكمةِ، وإنْ نَظرتَ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ وَجدتَها كَذلكَ في غايَةِ الحِكمةِ.

فهو عز وجل حاكِمٌ وذُو حكمَةٍ، وكَمْ مِن حاكمٍ لا حِكمةَ لَه، وكَمْ من حَكيمٍ لا حُكْمَ لَه:

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، رقم (844)، وأخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، رقم (593)، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

ص: 246

فكثيرٌ منَ الرِّجالِ حُكماءُ عُقلاءُ، ولَكن ليس عِندَهم حُكمٌ فلا يَستطيعُ أن يَحكُمَ ولا على امرَأتِه.

وكَمْ مِن إنسانٍ حاكمٍ ذي سُلطةٍ قَويًّ، ولكنْ لَيس عِندَه حِكمةٌ.

ومِنَ النَّاسِ مَنْ ليسَ بحاكمٍ ولا بِحكيمٍ.

ومِنَ النَّاسِ مَنْ هو حاكمٌ حكيمٌ.

فا لأقسامُ إِذَنْ أَربعةٌ.

لَكنَّ بَعضَ النَاسِ يَكونُ عِندَه عِلمٌ ولَيس عِنْدَه حِكْمةٌ، وهَذا خَللٌ في تَوازنِ العبدِ، وسَيرُ العبدِ أَنْ يَكونَ عِندَه عِلمٌ ولكن مع الحِكْمة.

أمَّا الرَّبُّ عز وجل فَهو حاكمٌ حَكيمٌ.

فإِنْ قال قائلٌ: هَلِ الإحكامُ صِفةٌ ثالثةٌ في قَولِه: حَكيمٍ؟

فالجَوابُ: لا، لأنَّ الإِحكامَ هو الحِكمَةُ.

وبَدَأَ بذِكرِ الحَكيمِ قَبْلَ الحَميدِ؛ وذلك لأنَّ الحَمدَ مُفرَّعٌ على الحِكمةِ، فإنَّ الحَكيمَ يَكونُ مَحمودًا.

يَقولُ المفسَّرُ رحمه الله: [أي: اللهُ المَحمودُ]، يَعني: كأنَّه يُريدُ أنْ يَقولَ: المُرادُ بالحَكيمِ الحَميدِ هو اللهُ، وقَولُه:[المَحمودُ في أَمْرِه] أشارَ إِلَى أنَّ فَعيلًا هُنا بمَعْنى مَفعولٍ، وفي اللُّغةِ العربيَّةِ تَأتي فَعيلٌ بمَعْنى فاعلٍ وَمَفعولٍ، فَإِذا قُلتَ: فُلانٌ جَريحٌ بمَعْنَى مَجروحٍ، وإذا قُلتَ: فُلانٌ سَميعٌ بمَعْنى سامِعٍ، فهِيَ تَأتي في اللُّغةِ العربيَّةِ بمَعْنى فاعلٍ وبمَعْنى مَفعولٍ، وهُنا فَسَّرها المفسِّر بمَعْنى مَحمودٍ.

ص: 247