المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (29) * * *   * قالَ اللهُ عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ - تفسير العثيمين: فصلت

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآية (1)

- ‌الآيتان (2، 3)

- ‌مِن فَوائدِ الآيتَين الكَرِيمَتيْن:

- ‌الآية (4)

- ‌مِن فَوائِد الآيَةِ الكرِيمَةِ:

- ‌الآية (5)

- ‌مِن فَوائِد الآيَةِ الكَرِيمَةِ:

- ‌الآيتان (6، 7)

- ‌مِن فَوائدِ الآيتَيْن الكرِيمَتيْن:

- ‌الآية (8)

- ‌مِنْ فوائِدِ الآيَةِ الكَرِيمةِ:

- ‌الآية (9)

- ‌مِن فوائِدِ الآيةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (10)

- ‌مِنْ فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (11)

- ‌مِنَ فوائِدِ الآيَةِ الكرِيمَةِ:

- ‌الآية (12)

- ‌مِن فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآيتان (13، 14)

- ‌مِنْ فَوائِدِ الآيَتين الكَريِمَتَين:

- ‌الآيتان (15، 16)

- ‌مِنْ فَوائِدِ الآيَتين الكَرِيمتين:

- ‌الآية (17)

- ‌مِن فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (18)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيات (19 - 24)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (26)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائِدِ الآيةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيات (30 - 32)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (33)

- ‌من فوائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيات (34 - 36)

- ‌من فوائِدِ الآياتِ الكريمَةِ:

- ‌الآيتان (37 ، 38)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكَريمتَينِ:

- ‌الآية (39)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيتان (41، 42)

- ‌مِن فَوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (43)

- ‌الآية (44)

- ‌من فَوَائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (45)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (46)

- ‌مِنْ فَوائِدِ الآيةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (47)

- ‌مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكرِيمَةِ:

- ‌الآية (48)

- ‌مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآية (49)

- ‌مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (50)

- ‌مِن فَوائِدِ الآيةِ الكريمة:

- ‌الآية (51)

- ‌من فَوائِدِ الآيةِ الكَريمَةِ:

- ‌الآية (52)

- ‌من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:

- ‌الآيتان (53، 54)

- ‌من فوائِدِ الآيَتين الكريمَتين:

الفصل: ‌ ‌الآية (29) * * *   * قالَ اللهُ عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ

‌الآية (29)

* * *

* قالَ اللهُ عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29].

* * *

قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا} كَفروا باللهِ عز وجل بسببِ إضلالِ الشَّيطانِ منَ الجِنِّ والإنسِ.

يَقولُ المفسِّرُ رحمه الله: [{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} في النَّارِ: {رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا}]، قَولُه: في النَّارِ، هذا قَيدٌ لا يَدُلُّ عليه القُرآنُ، فإنَّه يَحتمِلُ أنَّهم يَقولونَ ذلك في النَّارِ أو في عَرَصاتِ القِيامَةِ - اللهُ أعلمُ -، لكنَّهم لا بدَّ أن يَقولوا هذا القَولَ:{رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} .

قَولُه تعالى: {أَرِنَا} أي: اجعَلنا نَرى، و {اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} ، {اللَّذَيْنِ} اسمٌ موصولٌ مُثنَّى، والمُرادُ الجِنسُ لا الواحِدُ.

وقَولُه: {أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} بَيانٌ للَّذي قال المُفسِّرُ رحمه الله: [أي إِبليسُ وقَابيلُ سنَّا الكُفْرَ والقَتْلَ]، يعني: مَعناها أنَّ المفسِّر رحمه الله حَمَلَ هذا العُمومَ على التَّعيينِ، فقال:{اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا} مُثَنَّى اثنينِ، أحدُهما إِبليسُ سَنَّ الكُفْرَ، هو أوَّلُ مَن كَفَرَ، والثَّاني قَابيلُ سَنَّ القَتْلَ، فالأَوَّلُ عُدوانٌ في حقِّ اللهِ، والثَّاني عُدوانٌ في حَقِّ عِبادِ اللهِ.

ص: 160

أمَّا إبليسُ فأَوَّلُ مَن سَنَّ الكُفْرَ؛ لأنَّ اللهَ أَمَرَه أن يَسجُدَ لآدَمَ فأبى واستكبَرَ وكان مِن الكافِرينَ، وأمَّا قَابيلُ فأَوَّلُ مَن سَنَّ القَتلَ بِغيرِ حَقٍّ؛ لأَنَّه قَتَل أخاه حَسدًا وبَغيًا، قَرَّبا قُربانًا فتُقُبِّلَ من أحدِهما ولم يُتَقَبَّلْ مِن الآخرِ، وكيف عَلِما أنَّه تُقُبِّلَ من أَحدِهما دون الآخَرِ؟ اللهُ أعلمُ، إمَّا أن يَكونَ بنارٍ نَزَلَت فأَكَلَت ما تُقُبِّلَ كما يَكونُ ذلك في الغَنائمِ سابقًا، وإمَّا بغَيرِ ذلك مِن العَلاماتِ. المُهمُّ أنَّ أحدَهما تُقُبِّل منه والثَّاني لم يُتَقَبَّلْ منه، الَّذي تُقُبِّل منه هو هابيلُ، والثَّاني قابيلُ لم يُتَقَبَّلْ منه فحَسَدَه وقال:{لَأَقْتُلَنَّكَ} لماذا؟ حَسدًا؛ لأنَّ اللهَ تَقبَّل منه، فقال له أخوه هابيلُ:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] كأنَّه يَقولُ له: اتَّقِ اللهَ فيَتقبَّل منك، ثُمَّ قال لَهُ:{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28] يَعني: أنَّك إن أَردتَ أن تَقتُلَني ما أَنا بباسِطٍ يدي لأَقتلَك لأنِّي أَخافُ اللهَ.

ولعلَّ هذا كان في شَريعَةِ مَن سَبَقَ أنَّه لا يَجوزُ للإنسانِ أن يُدافِعَ عن نفسِهِ، أو أنَّه خاف مِن مَفسدَةٍ أَكبَرُ، ومَعلومٌ أنَّ دَفْعَ المَفسدَةِ الكُبرى أَمْرٌ واجِبٌ:{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 29 - 30] فكان قابيلُ أَوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ بغَيرِ حَقٍّ، وصارت كُلُّ نفسٍ تُقتَلُ بغيرِ حَقٍّ فعلى قابيلَ شيءٌ مِن وِزرِها والعِياذُ باللهِ، لأنَّهُ أوَّلُ مَن سنَّ القَتلَ، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فعليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها إلى يومِ القِيامَةِ.

فإِنْ قال قائلٌ: قَوُل اللهِ عز وجل حكايةً عن ابنِ آدمَ الأَوَّلِ: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} هل يَكونُ هذا في شَرعِنا فيما يَخُصُّ الفِتَنَ؟

فالجَوابُ: بلى، هذا في الفِتنَةِ لكن في مَسألَةِ قابيلَ وهابيلَ ليس فيها فِتنَةٌ،

ص: 161

ولهذا أَمَرَ الرَّسولُ عند الفِتنَةِ أن يَكونَ الإنسانُ كخيرِ ابنَيْ آدمَ، كما فَعلَ عُثمانُ رضي الله عنه حينَ ثارَ عليه الثُّوَّارُ، وأراد الصَّحابَةُ أن يُدافِعوا عنه، أَمَر بالإمساكِ.

لكن هل الأمرُ كما قال المفسِّر: إنَّه الشَّيطانُ، يعني: إِبليسُ الَّذي أبى واستكبرَ عنِ السُّجودِ لآدمَ أوِ المُرادُ الجِنسُ؟ الصَّوابُ الثَّاني بِلا شَكٍّ؛ لأنَّ كَثيرًا مِن الكافِرينَ لا يَخطُرُ ببالهِم أنَّهم كَفَروا تَأسِّيًا بالشَّيطانِ الَّذي أبى واستَكْبَرَ، وكَثيرٌ منَ القَتَلَةِ لا يَتَأَتَّى ببالِه أنَّه فَعَلَ ذلك تَأَسِّيًا بقابيلَ.

فإذا كانت الآيَةُ تَدُلُّ بلَفظِها على العُمومِ والمَعنى يَقتَضي ذلك، فإنَّه لا وَجهَ لكونِنا نَخُصُّها بمُعَيَّنٍ. وهذه قاعِدَةٌ يَجِبُ أن نَفهَمَها من قَواعدِ التَّفسيرِ: أنَّ اللَّفظَ العامَّ لا يَجوزُ أن يَقتصِرَ فيه على بعضِ أفرادِه إلَّا بدَليلٍ، فإن لم يَكُن دَليلٌ فالواجِبُ العُمومُ.

هُنا نَقولُ الواجِبُ العُمومُ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ ولأنَّ المَعنى يَقتَضيه؛ لأنَّ كُلَّ إنسانٍ كافِرٍ قد لا يَخطُرُ ببَالِه أنَّه مُتَأسٍّ بالشَّيطانِ بإبْليسَ، كُلُّ إنسانٍ يَقتُلُ عمدًا بِلا حقٍّ لا يخطُرُ ببالِه أنَّه قَتَل تأسِّيًا بقابيلَ، وحينَئِذٍ فاللَّفظُ والمَعنى لا يُساعدانِ على التَّخصيصِ بإبْليسَ وقابيلَ.

وقولُهُ: {أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} ، {الْجِنِّ} على كَلامِ المفسِّر هو إِبليسُ:{وَالْإِنْسِ} قابيلُ، والصَّوابُ العُمومُ.

فإن قال قائِلٌ: نَحنُ نَعلمُ أنَّ الإنسانَ يُضِلُّه البَشَر يَأتي إنسانٌ سَيِّئٌ ويُضِلُّه، لكن كيف يَكونُ مِنَ الجِنِّ؟

قُلنا: لأنَّ الجِنَّ وعلى رَأسِهم الشَّيطانُ يَأمرُ الإنسانَ بالفَحشاءِ، وَيأمُرُه بالمُنكَرِ،

ص: 162

ويَأمُرُه بالكُفرِ، فيَكونُ بذلك مُضلًّا له، أرأيتم ما حَصَلَ من آدَمَ وزَوجِه ألم يَكُنِ الشَّيطانُ قد أَضَلَّهما؟ بلى، قد أَضَلَّهما، نَهاهما اللهُ عن الأَكلِ مِنَ الشَّجرَةِ، فجاء لَهما الشَّيطانُ بغُرورٍ، وجعل يُقسِمُ لهما أنَّه ناصحٌ، ووَسوسَ إليهما حتَّى أَكَلا مِنَ الشَّجَرةِ.

فإِنْ قال قائِلٌ: هلِ الجِنُّ المُضِلُّ للإنسِ يَكونُ مِن جَميعِ الجِنِّ أم مِن جِنسٍ خاصٍّ؟

فالجَوابُ: مِن المَعلومِ أنَّ الجِنَّ فيهم الصَّالحونَ وفيهم دونَ ذلك، وفيهم المُسلِمونَ وفِيهم الكُفَّارُ، فالَّذي يُضِلُّ إنَّما هو الكافِرُ، أمَّا الجِنِّيُّ المُؤمنُ فلا يُضِلُّ.

وإن قيل: هل جَميعُ كُفَّارِ الجِنِّ مَكَّنَهم اللهُ عز وجل من إغواءِ الإنسِ؟

فالجَوابُ: لا، لكن أَصلُ كُفرِ الإنسانِ منَ الشَّيطانِ والنَّفسِ، والشَّيطانُ منَ الجِنِّ لا شكَّ في هذا:{إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50].

قال اللهُ تعالى: {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} ، {نَجْعَلْهُمَا} بالجَزمِ جَوابُ الأمرِ في قَولِه:{أَرِنَا} يعني: إن أَريتَنا إيَّاهما: {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} ، يَقولُ المُفسِّرُ رحمه الله:[في النَّارِ]، ولا شكَّ أنَّ الَّذي يَجعَلَه الإنسانُ تحتَ قدمِه قد أذلَّه أعظَمَ الإذلالِ، ولهذا مِن الأمثالِ السَّائرَةِ أنَّ الإنسانَ إذا أرادَ إعزازَ شَخصٍ قال: أنت مِنِّي على الرَّأسِ، وإذا أَرادَ إذلالَه قال: أنت تَحتَ قَدَمي.

فهم يَقولونَ: {أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} . يَقولُ المُفسِّرُ رحمه الله: [أي: أَشَدَّ عذابًا منَّا] كما كانا عالِيَينِ علينا مِن قَبلُ فلْنَجْعَلْهما نحنُ الآنَ تَحتَ أقدامِنا؛ ليَكونا مِن الأسفَلينَ.

فإِنْ قال قائلٌ: الدُّعاءُ في قولِهِ تعالَى: {رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا} ، هل هو خاصٌّ

ص: 163