المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الصحة، والكفاف، وسائر اللذات، والمنافع، فخص الجزاءَ بمثل ما ذكره، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الصحة، والكفاف، وسائر اللذات، والمنافع، فخص الجزاءَ بمثل ما ذكره،

الصحة، والكفاف، وسائر اللذات، والمنافع، فخص الجزاءَ بمثل ما ذكره، وهو حاصلٌ لكل عامل للدنيا، ولو كانَ قليلًا يسيرًا

‌16

- {أُولَئِكَ} الذين لا هَمَّ لهم إلا الدنيا، وزينتَها الموفون فيها جزاءَ أعمالهم هم {الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ} بسبب هذه الأعمال الفاسدة المقرونةِ بالرياء؛ لأنَّ الجزاءَ فيها على الأعمالِ كالجزاءِ في الدنيا، وهم لم يعملوا للآخرة شيئًا، فإنَّ العمل لَهَا يكون بتزكية النفس بالإيمان، وعمل الفضائل، وبالتقوى باجتناب المعاصي، والرذائل، وما صَنَعُوه فيها مِمَّا ظاهِرُه البرُّ والإحسان كالصدقة، وصلة الرحم، ونحو ذلك، لم يكن تزكيةً لأنفسهم تُقربُهم إلى ربهم بَلْ كانَ لأغراض نفسية من شهواتهم كالرياء، والسمعة، والاعتزاز بذوي القرابة على الأعداء، ولو بالباطل فلا أجْرَ له فيها، وقد انقطع أثرهُ الدنيويُّ.

{وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا} ؛ أي: ظهر حُبوطُ ما صنعوه من الأعمال التي كانت صُورَتُها صورةَ الطاعات الموجبة للجزاء الأخروي، لولا أنهم أفسَدُوها بفساد مقاصدهم، وعدم الخلوص فيها، وعدم إرادة ما عند الله في دار الجزاء، بل قَصَرُوا ذَلك على الدنيا وزينتها؛ أي: ظَهَر حبوطُه وبُطْلانهُ {فِيهَا} ؛ أي: في الآخرة، إن قلنا: إن الجار والمجرور متعلق بـ {حبط} فالضميرُ عائد إلى {الْآخِرَةِ} وإن تعلق بـ {صَنَعُوا} فهو عائد إلى {الدُّنْيَا} {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ أي: إنه كان عملهم في نفسه باطلًا غيرَ معتد به، لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاءَ ويترتَّبَ عليه ما يترتَّبُ على العمل الصحيح.

فصل

ويندرج في عموم الآية (1) المُراؤون من أهل القبلة، كما ترى أحدَهم إذا صلّى إمامًا يتنغم بألفاظ القرآن، ويُرتِّلِهُ أحسنَ ترتيل، ويُطيل ركوعَه وسجُودَه، ويتباكَى في قراءته، وإذا صَلّى وَحْدَهُ اختلسها اختلاسًا، وإذا تصدَّقَ أظهَرَ صدقتَه أمَامَ مَنْ يثني عليه، ودَفَعها لمن لا يستحقها، حتى يُثْنِي عليه الناسُ، وأهلُ

(1) البحر المحيط.

ص: 27

الرباط المتصدق عليهم، وأين هذا من رجل يتصدَّقُ خفيةً، وعلى مَنْ لا يعرفه، كما جاء في السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه "ورجلٌ تصدَّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تَعلم شماله ما تنفق يمينه"، وهذه مبالغة في إخفاء الصدقة جدًّا، وإذا تعلَّم علمًا راءى به، وتبجَّح، وطلَبَ بمعظمه يسيرَ حطام من عرض الدنيا، وقد فَشَا الرياء في هذه الأمة فشوًا كثيرًا، حتى لا تكادُ تَرَى مخلصًا لله لا في قول، ولا في فعل، فهؤلاء من أولِ من تسعَّر بهم النار يوم القيامة، والعياذُ بالله تعالى، والرياءُ هو أن يُظْهِرَ الإنسانُ الأعمالَ الصالحةَ ليحمده الناس عليها، أو ليَعْتَقِدُوا فيه الصلاحَ، أو ليقصدوه بالعطاءِ، فهذا العملُ هو الذي لغير الله تعالى، نعوذ بالله تعالى من الخذلان، اهـ من "الخازن".

وقرأ الجمهور (1): {نُوَفِّ} بنون العظمة، وقرأ طلحة بن ميمون:{يُوفِّ} بالياء على الغيبة، وقرأ زيد بن علي:{يُوفِ} مخففًا مضارعُ أوفى، وقرىء:{تُوف} بالتاء مبنيًّا للمفعول، و {أعمالهم} بالرفع، وهو على هذه القراءات مجزوم جوابَ الشرط كما انجزم في قوله:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} .

وقرأ الحسن: {نُوفي} بالتخفيف وإثبات الياء، فاحتمل أن يكون مجزومًا بحذف الحركة المقدرة على لغة مَنْ قال:

أَلَمْ يَأتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِيْ

وهي لغةٌ لبعض العرب، واحتملَ أن يكونَ مرفوعًا.

وقرأ زيد بن علي: {وَبَطَلَ} جعلَه فعلًا ماضيًا، وقرأ أُبيٌّ وابن مسعود، و {باطلًا} بالنصب، وخرَّجه صاحب "اللوامح" على أنه مفعول لـ {يَعْمَلُونَ} فهو معمولُ خبر {كَانَ} متقدمًا، و {ما} زائدة؛ أي: وكانوا يعملون باطلًا، وفي جواز هذا التركيب خلافٌ بَيْنَ النحويين، وهو أن يتقدَّم معمول الخبر على الجملة بأسرها مِنْ كَانَ واسمها وخبرها، ويشهد للجواز قوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا

(1) البحر المحيط.

ص: 28