المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قومك، الحزين من أجل إعراض أكثرهم عن إجابة دَعوتك، واتباع - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: قومك، الحزين من أجل إعراض أكثرهم عن إجابة دَعوتك، واتباع

قومك، الحزين من أجل إعراض أكثرهم عن إجابة دَعوتك، واتباع هديك {لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}؛ أي: على دين واحد، بمقتضَى الغريزة والفطرة، لا اختيار لهم فيما يفعلون، فكانوا في حياتهم الاجتماعية، أشبَه بالنمل والنحل، وفي حياتهم الروحية أشبَه بالملائكة، مفطورينَ على طاعة الله، واعتقاد الحق، وعدم الميل إلى الزيغ والجور، لكنه تعالى خلَقهم كاسبِين، لا ملهمين، وعاملين بالاختيار لا مَجْبورين، ولا مضطرينَ وجعلهم متفاوتين في الاستعداد، وكسب العلم، وكانوا في أطْوَارِهم الأولى لا اختلافَ بينهم. ثم لما كثرت وتنوعت حَاجَاتهم، وكثرت مطالبهم، ظَهَرَ فيهم الاستعدادُ للاختلاف، ولكنه لم يشأْ ذلك، ولذلك قال:{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} في ذات بينهم على أديان شتَّى أو لا يزالونَ مختلفينَ في الحق، أو دين الإِسلام.

فقد اختلف أهله فيه اختلافًا كثيرًا. فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنين وسبعينَ فرقةً، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة". المراد بهذه الفرق، أهل البدع، والأهواء كالخوارج، والقدرية، والرافضةِ والمعتزلة، والمرادُ بالفرقة الواحدة: أهل السنة والجماعة، اهـ "خازن". أو لا يزالونَ مُخْتَلِفينَ في الرزق، فهذا غني، وهذا فقير، أو لا يزالون مختلفينَ في شؤونهم الدنيوية، والدينية بحسب استعدادهم الفطري،

‌119

- {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} بالهداية إلى الدين الحق، فإنهم لم يختلفوا، أو إلا مَنْ رحم ربك من المختلفين في الحق، أو دين الإِسلام بهدايته إلى الصواب الذي هو حكم الله تعالى، وهو الحق الذي لا حقَّ غيره، أو إلا مَنْ رحم ربك بالقناعة. والأولى تفسير:{لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} بالمجتمعةِ على الحق، وحكم كتابه فيهم، وهو الذي عليه مدار جمع كلمة الأمة، ووحدتها، حتى يكون معنى الاستثناء في {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} واضحًا غير محتاج إلى تَكَلُّفٍ.

{وَلِذَلِكَ} ؛ أي: ولمشيئته تعالى فيهم الاختلافَ والتفرقَ في علومهم، ومعارفهم، وآرائهم، وما يتبع ذلك من الإرادة والاختيار في الأعمال {خَلَقَهُمْ}؛ أي: خَلَقَ الناسَ كافَّةً، وبهذا كانوا خلفاء في الأرض، ومن ذلك اختلافهم في

ص: 273

الدين والإيمان، والطاعة والعصيان، وبذا كانوا مَظْهرًا لأسرار خلقه الروحية، والجسدية، أو المادية، والمعنوية، فإنه جعل مصيرَ أهل الباطل إلى النار، ومصيرَ أهل الحق إلى الجنَّة. وقال ابن عباس: خَلَقهم في فَرِيقَيْنِ فريق يرحم فلا يختلف، وفريق لا يرحم فيختلفُ، فذلك قوله:{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} .

والخلاصة (1): أن الناس فريقان: فريق اتفقوا في الدين، فجعلوا كتابَ الله حَكَمًا بينهم فيما اختلفوا فيه، فاجتمعت كلمتهم، وكانت أمة وَاحِدَةً فرحمهم الله تعالى، ووقاهم شرَّ الاختلاف في الدنيا، وعذابَ الآخرة. وفريق اختلفوا في الدين كما اختلفوا في منافع الدنيا، فكان بأسهم بَيْنَهم شديدًا، فذاقوا عقابَ الاختلاف في الدنيا، وأعقبه جزاؤهم في الآخرة، فحُرموا من رحمة الله بظلمهم لأنفسهم لا بظلم منه تعالى لهم.

فإن قلت: يعارض ما هنا أعني قوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} ، قولَه تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} .

قلت: لا معارضة بَينَهما، لأنَّ ما هنا خَلَقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف، وقوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ} معناه: ما خلقتهم إلا للأمر بالعبادة، وبهذا يزول الإشكال، تأمل.

{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} ؛ أي: ثبت (2) قول ربك يا محمَّد للملائكة: وعزتي وجلالي {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} ؛ أي: لأجعلنها ملأى حتى تقول قط قط بمعنى يكفي يكفي كما في الحديث. وذلك بعد أن تمد أعناقَهَا، وتطلب الزيادة ليتجلى عليها بصفة الجلال، فتخضع وتذل وتقول: قَطْ قَطْ. {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} ؛ أي: من عصاتهما {أَجْمَعِينَ} لتأكيد العموم للنوعين، وإذا تمت وثَبَتَتْ امتنعَت من التغيير والتبديل؛ أي: قد سبق في قضائه وقَدَرِه وحكمته النافذة أن من خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النارَ، وأنَّ النارَ لا بد أن تملأَ من عالمي الجن

(1) المراغي.

(2)

المراح.

ص: 274