الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صَبَبٌ، والصَّبَابَةُ: إفراطَ الشوق، كأنه ينْصَب فيما يَهْوَى. وقرأه الجمهور:{أَصْبُ} من صبا إلى اللهو ويصبو صبًا، صبوًا، ويقال: صَبَا يَصْبا صِبًّا والصِّبا بالكسر اللهو واللعبُ.
وفي هذه الجملة الشرطية إيماء إلى أنه ما صَبَا إليهن، ولا أحبَّ أن يَعِيشَ معهن، بل سأَلَ ربه أن يُدِيمَ له ما عوَّده من كشف السوء عنه في قوله:{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} .
34
- {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} ؛ أي: فأجاب له ربُّه دعاءه، الذي تضمنه قوله:{وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} الخ، فإنَّ فيه التجاءً إلى الله تعالى، جَرْيًا على سننِ الأنبياء والصالحينَ في قَصر نيل الخيرات، وطلبِ النجاة من الشرور، على جناب الله تعالى، كقول المستغيث: أدركني وإلا هلكتُ، فكأنه قال: اللهم اصرف عني كَيْدَهن. {فَصَرَفَ} الله سبحانه وتعالى {عَنْهُ} ؛ أي: عن يوسف {كَيْدَهُنَّ} ؛ أي: كيدَ تلك النسوةَ، ومكْرَهُن، وعَصَمُه من الجهل والسفه، باتباع أهوائهن حَسْبَ دعائِه، وثبَّتَهُ على العصمة والعفة حتى وطَّنَ نَفْسَه على مشقة السجن {إِنَّهُ} تعالى {هُوَ السَّمِيعُ} لدعاء مَنْ تَضرَّعَ إليه، وأخلص الدعاءَ له {الْعَلِيمُ} بصدق إيمانهم، وبما يُصْلِح أحوالهم. وفي هذا إرشاد إلى أنَّ ربه حَرَسه بعنايته في جميع أطواره، وشُؤُونه وربَّاه أكْمَلَ تربية، ما خَلاهُ ونَفْسَه في أهون أموره. وهذه الجملةُ تعليلٌ (1) لما قبلها من صرف كيد النسوة عنه؛ أي: إنَّه هو السميع لدعوات الداعينَ له، العلم بأحوال الملتجئينَ إليه.
35
- {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} ؛ أي: ثم ظهر العزيز وامرأته ومَنْ يُهِمُّه أمْرهُمَا من أصحابه المتصدِّين للحل والعقد رأي، أي: ظَهَرَ لهم من الرأي ما لم يظهر لهم من قبلُ. وثُمَّ تدلُّ على تغيُّرِ رأيهم في حقه. {مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ} ؛ أي: منْ بعد أنْ رأوا الآيات، والشواهدَ الدالة على بَراءة يوسفَ وصدقه كشهادة الصبي، وقَدِّ القميص من دُبر، وقطع النساء أيديَهن، وذهاب عقولهن عند رؤيته؛ أي: ظَهَرَ
(1) الشوكاني.
لهم سجنُه بعد هذه الآيات، قائلين: والله {لَيَسْجُنُنَّهُ} ؛ أي: لَيَسْجُنُنَّ يوسُفَ في السجن {حَتَّى حِينٍ} ؛ أي: إلى حين انقطاع مقالة الناس في المدينة، وهذا باديَ الرأي عند العزيز، وخواصِّه، وأمَّا عندها فحتى يُذَلِّلَهُ السجنُ، ويُسَخِّره لها؛ ويَحْسب الناس أنه المجرمَ فلبث في السجن خَمْسَ سنين، أو سبع سنين، ولا دَلالَةَ في الآية على تعيين مدة حبسه؛ لأنَّ الحينَ عند أهل اللغة وقْتٌ من الزمان غير محدود، ويقع على القصير منه والطويل؛ أى (1): إن زليخَا لما أيِسَتْ من يُوسُفَ بجميع حِيَلها كي تحملَه على موافقة مرادها، قالت لزوجها: إنَّ هذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ فَضَحني في الناس، يقول لهم: إنى راودتُه عن نفسه، فإمَّا أنْ تأذَن لي فأخرج وأعتذرَ إليهم، وإما أن تَسْجُنه فسَجَنَه؛ لأنه كان مِطْواعًا لها. وقرأ الحسن:{لتسجننه} بالتاء على خطاب بعضهم، العزيزَ، ومن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم. وقرأ (2) ابن مسعود:{عَتى} بإبدالِ حاءِ حتى عينًا، وهي لغة هذيل، وأقرأ بذلك فكَتَبَ إليه عُمَرُ يَأْمُرُه أن يُقرِىءَ بلغة قريش {حَتَّى} لا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.
والمعنى (3): أي ثُمَّ ظهر للعزيز وامرأتِه، ومَنْ يهمه أمْرَهُمَا كالشاهد الذي شهِدَ عليها من أهلها من الرأي ما لم يكن ظاهرًا لهم من قبلُ. بعد أنْ رأوا من الآيات ما اختبَرُوه بأنفسهم، وشهدوه بأعينهم، ممَّا يدلُّ على أنَّ يوسف لم يكن إنسانًا كالذين عرفوا في أخلاقه، وعفَّتِه، واحتقاره للشهوات، واللذات التي يَتَمتع بها سكانُ القصور.
وفي إيمانه بأنَّ ربه لن يَتْرُكَهُ بل يكلؤه بعين عنايته، ويَحْرُسَه بوافر رعايته، وقد اسْتبَانَ لهم ذلك من وجوه:
1 -
إنَّ افتتانَ سيدته في مراودته وجَذْبها خَلَسات نَظَرِه لم تؤثِّر في ميل قلبه إيها، بل ظلَّ معرِضًا عنها، مُتَجَاهِلًا لها حتى إذا ما صَارَحَتْهُ بما تريد، استعاذَ
(1) المراح.
(2)
البحر المحيط.
(3)
المراغي.
بربه، ورَبِّ آبائه، وعَيَّرَها بالخيانة لزوجها.
2 -
أنها لَمَّا غَضِبَت وهمَّتْ بالبطش به، هَمَّ بمقاومتها، والبطشِ بها، ولم يمنعه إلّا ما رأى في دَخِيلةِ نفسه من برهان ربه، الذي يَدُلُّ على أنَّ ربَّه صارف السوء والفحشاء.
3 -
أنها حين اتهمته بالتعدِّي عليها شَهِدَ شاهدٌ من أهلها، أنَّها كاذبةٌ في اتهامها إياه، وهو صادقٌ فيما ادَّعاه من مراودتها إياه عن نفسه، بدلالة القميص على ذلك. كلُّ هذا أثبتَ لهم أنَّ بَقَاءَه في هذه الدار بَيْنَ رَبَّتِهَا وصَدِيقَاتِهَا مَثارُ فتنة تدرك غَايتها، وأنَّ الحِكْمَة هو تنفيذُ رأيها الأول بسجنه لإخفاء ذكره، وكَفِّ ألسنة الناس عنها في أمره، وأقسموا ليسجننه حتى حين، دُونَ تقييد بزمن معين، ليَرَوا ماذا يكون فيه من تأثير السجن، وحديث الناس عنه.
وفي تنفيذ هذا العزم، دَلالةٌ على ما كان لهذه المرأة الماكرة من سلطان على زوجها، تَقُودُه كيف شاءَتْ، حتى فَقَدَ الغَيْرةَ عليها، فهو يَجري وراءَ هواها، ويستجلب رِضَاها، حتى أنساه ذلك، ما رَأَى من الآيات وعَمِلَ برأيها في سجنه، لإلحاق الهَوَان، والصَّغار به، حتى أيست من طاعته، وطَمِعَتْ في أن يذلِّلَهُ السجنُ لأمرها، ويَقِفَ به عند مشيئتِها، والله أعلم.
الإعراب
{وَقَالَ الَّذِي} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {اشْتَرَاهُ} فعل ومفعول. {مِنْ مِصْر} متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة الفعلية صلة الموصول. {لِامْرَأَتِهِ} جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ {قَالَ}. {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} إلى قوله:{وَكَذَلِكَ} مقول محكي لـ {قَالَ} ، وإن شئتَ قلت:{أَكْرِمِي} فعل وفاعل. {مَثْوَاهُ} مفعول به، ومضاف إليه؛ والجملة في محل النصب مقول
{قَالَ} . {عَسَى} فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على يوسف. {أَنْ يَنْفَعَنَا} ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على يوسف، وجملة {يَنْفَعَنَا} في تأويل مصدر منصوب على كونه خَبَر {عَسَى} ولكنه في تأويل اسم الفاعل تقديرُهُ: عسى نَفْعُه إيانا؛ أي: نَافِعًا لنا، وجملة {عَسَى} مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقولَ القول. {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} فعل ومفعولان معطوف على {يَنْفَعَنَا} وفاعله ضمير يعود على المشترَى، والتقديرُ: عسى نَفْعُهُ إيانا، أو اتخاذُنا إياه ولدًا؛ أي: عسى هو نافعًا لنا، أو مُتخَذًا لنا ولدًا. {وَكَذَلِكَ} {الواو} استئنافية. {كذلك} جار ومجرور صفةٌ لمصدر محذوف، تقديره: تمكينًا مثل ذلك التمكين السابق من اجتبائه، وإنجائه من القَتْل والجُبِّ. {مَكَّنَّا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {لِيُوسُفَ} متعلق بـ {مَكَّنَّا}. وكذلك قوله:{فِي الْأَرْضِ} متعلق به. {وَلِنُعَلِّمَهُ} {الواو} عاطفة على محذوف متعلق بـ {مَكَّنَّا} تقديره: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، لينشأ منه ما جَرَى بينه وبين امرأة العزيز، وليتصرَّفَ فيها بالعَدْل. {لنعلمه} {اللام} حرف جر وتعليل. {نعلمه} فعل، ومفعول أول منصوب بأن مضمرةً جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. {مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} جار ومجرور متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: وكذلك مكنَّا له في الأرض لتصرُّفه فيها بالعدل، ولتعليمنا إياه تأويلَ الأحاديث. {وَاللَّهُ غَالِبٌ} مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. {عَلَى أَمْرِهِ} جار ومجرور متعلق بـ {غَالِبٌ} . {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} ناصب واسمه. وجملة {لَا يَعْلَمُونَ} في محل الرفع خبر {لكنَّ} ، والجملة الاستدراكية معطوفةٌ على الجملة التي قبلها.
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)} .
{وَلَمَّا} {الواو} استئنافية. {لَمَّا} حرف شرط غير جازم. {بَلَغَ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف. {أَشُدَّهُ} منصوب على الظرفية متعلق بـ {بَلَغَ} ، والجملة فعل شرط لـ {لما} . {آتَيْنَاهُ حُكْمًا} فعل وفاعل ومفعولان. {وَعِلْمًا} معطوف على {حُكْمًا} والجملة الفعلية جواب {لمَّا} ، وجملةُ {لما}
مستأنفة. {وَكَذَلِكَ} {الواو} عاطفة. {كذلك} جار ومجرور صفةٌ لمصدر محذوف. {نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والتقدير: ونجزي المحسنين جزاء مثل جزائنا ليوسف، والجملة معطوفة على جملة {لما} .
{وَرَاوَدَتْهُ} {الواو} استئنافية. {راودته} فعل ومفعول. {الَّتِي} فاعل، والجملة مستأنفة. {هُوَ} مبتدأ. {فِي بَيْتِهَا} جار ومجرور، ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. {عَنْ نَفْسِهِ} جار ومجرور متعلق بـ {راودت} . {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة معطوفة على جملة {راودت} . {وَقَالَتْ} فعل ماض والفاعل ضمير يعود على زليخا {هَيْتَ لَكَ} مقول محكي لـ {قَالَ} ، وإن شئت قلت:{هَيْتَ} بفتح الهاء، والتاء اسم فعل أمر بمعنى أقبِلْ وتعَالَ مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا استعماليًّا، وفاعله ضمير يعود على يوسف، وجملة اسم الفعل في محل النصب مقولُ {قَالَ}. {لَكَ} جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الخطاب كائن لك، أو معكَ، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ}. وفي "السمين":{لَكَ} متعلق بمحذوف على سبيل البيان، كأنها قالت: أقول لك أو الخِطابُ لك كهي، في سَقْيًا لك، ورَعْيًا لك، اهـ.
فائدة في لغات {هيت} : وفي "الفتوحات": {هَيتَ} بفتح الهاء، والتاء ككيف ولَيْت و {هِيْتَ} بكسر الهاء وفتح التاء كقِيلَ وغِيضَ، و {هَيْتُ} بفتح الهاء وضم التاء، كحيثُ و {هئْتُ} بكسر الهاء وبالهمزة الساكنة وفتح التاء أو ضمها. وهذه خمسُ قراءات، وكلها سبعية، وكلُّها لغات في هذه الكلمة، وهي في كلها اسم فعل أمر بمعنى هَلُمَّ؛ أي: أقبل وتعال، اهـ شيخنا. فمن فَتَحَ التاء بناها على الفتح للتخفيف نحو: أيْنَ وكيف، ومن ضمَّها كابن كثير، فقد شَبَّهَها بحيثُ. ومَنْ كَسَرَها فعلى أصل التقاء الساكنين، اهـ "سمين". وذكر فيها قراءات أربعٌ أُخَرُ شاذة كما مرَّتْ في مبحث القراءة.
{قَالَ} فعل ماض وفاعله ضمير يعود على يوسفَ، والجملة مستأنفة. {مَعَاذَ اللَّهِ} منصوب على المصدرية بفعل محذوف وجوبًا تقديره: أعوذ بالله معاذًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول {قَالَ} . {إِنَّهُ رَبِّي} ناصب واسمه وخبره، والضمير يعود على الباري جَلَّ وعلا ، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} على كونِها تعليلًا لما قبلَها. {أَحْسَنَ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {رَبِّي} . {مَثْوَايَ} مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال لازمة من ربي. {إِنَّهُ} ناصب واسمه، والضمير للشأن. وجملة:{لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} في محل الرفع خبر {إنَّ} ، وجملة إنَّ في محل النصب قول {قَالَ} .
{وَلَقَدْ} {الواو} استئنافية. {اللام} موطئة للقسم. {قد} حرف تحقيق. {هَمَّتْ} فعل ماض، وفاعلُه يعود على زليخا. {بِهِ} متعلق به، والجملة الفعلية جوابُ القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القَسمِ مستأنفة. {وَهَمَّ} فعل ماض. {بِهَا} متعلق به، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة معطوفة على جملة {هَمَّتْ} . {لَوْلَا} حرف امتناع لوجود. {أن} حرف نصب ومصدر. {رَأَى} فعل ماض وفاعله ضمير على يوسف، {رَأَى} بصرية. {بُرْهَانَ رَبِّهِ} مفعول به، ومضاف إليه، وجملة {رَأَى} في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، تقديره: لولا رؤيته برهانَ ربه، والخَبرُ محذوف وجوبًا، تقديره: موجودة، وجوابُ {لولا} محذوف تقديره: لولا رؤيته برهانَ ربه موجودةٌ لقَدْ همَّ بها، وجملةُ {لولا} مستأنفةٌ، والمعنى: انتفَى وامتنع جماعه لها لوجود رؤية برهان ربه. {كَذَلِكَ} جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: أريناه برهانَ ربه، {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} . {لِنَصْرِفَ} {اللام} حرفُ جر وتعليل. {نصرف} فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. {عَنْهُ} متعلق به. {السُّوءَ} مفعول به. {وَالْفَحْشَاءَ} معطوف عليه، والجملة
في تأويل مصدر مجرور باللام، و {اللام} متعلقة بذلك المحذوف، والتقدير: أرَيناه كذلك لصرفنا عنه السوءَ والفحشاءَ. {إِنَّهُ} ناصب واسمه. {مِنْ عِبَادِنَا} جار ومجرور خبر {إن} . {الْمُخْلَصِينَ} صفة لـ {عِبَادِنَا} ، وجملة {إن} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} .
{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} {استبقا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {الباب} منصوب بنزع الخافض؛ أي: إلى الباب أو ضمن استبقَ معنى ابتدر. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ} فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة معطوفة على جملة {استبقا} . {مِنْ دُبُرٍ} جار ومجرور متعلق بـ {قدت} . {وَأَلْفَيَا} فعل وفاعل، وهو من أخوات ظن. {سَيِّدَهَا} مفعول أول. {لَدَى الْبَابِ} ظرف، ومضاف إليه، والظرف في محل المفعول الثاني لألْفَى تقديره: وألفيَا سيدها كائنًا لدى الباب، والجملةُ الفعلية معطوفة على جملة {استبقا} .
{قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
{قَالَتْ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة مستأنفة. {مَا جَزَاءُ} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قَالَتْ} وإن شئت قلت:{مَا} اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. {جَزَاءُ} خبره، والجملة في محل النصب مقول {قَالَتْ} . ويجوز أن تكون {مَا} نافية. {جَزَاءُ} مبتدأ {جَزَاءُ} مضاف. {مَنْ} اسم موصول في محل الجر، مضاف إليه. {أَرَادَ} فعل ماض وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} . {بِأَهْلِكَ} متعلق به. {سُوءًا} مفعول به، والجملة صلةُ {من} الموصولة. {إِلَّا} أداة استثناء. {أَنْ يُسْجَنَ} ناصب وفعل مغير، ونائب فاعله ضمير يعود على {مَنْ} ، والجملة في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء إن قلنا:{ما} استفهامية، أو مرفوع على الخبر إن قلنا:{ما} نافية، تقدير ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءًا إلّا السِّجْن. {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} معطوف على المصدر المؤول من الفعل على كونه خَبَرَ المبتدأ فـ (أو) للتنويع.
{قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ
قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26)}.
{قَالَ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} مقول محكي لـ {قَالَ} ، وإن شئت قلت:{هِيَ} مبتدأ {رَاوَدَتْنِي} فعل ومفعول، و {نون} وقاية. {عَنْ نَفْسِي} متعلق به، وفاعله ضمير يعود على زليخَا، والجملة الفعلية في محل الرفع خَبرِ المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالَ} . {وَشَهِدَ شَاهِدٌ} فعل وفاعل معطوف على {قَالَ} . {مِنْ أَهْلِهَا} جار ومجرور صفة لـ {شَاهِدٌ} . {إن} حرف شرط. {كَانَ قَمِيصُهُ} فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ {إن} على كونه فِعل شرط لها. {قُدَّ} فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على قميص. {مِنْ قُبُلٍ} متعلق بـ {قد} ، وجملة {قد} في محل النصب خبر {كَانَ} . {فَصَدَقَتْ} الفاء رابطة الجواب جوازًا، وقيل: إنه على تقدير: قد؛ أي: فقد صدقت لِيَكُونَ من المواضع التي تَجِبَ فيها الفاء. {صدقت} فعل ماض في محل الجزم على كونه جوابَ الشرط، وفاعله ضمير يعود على زليخَا، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب مقول لقول محذوف حال من {شَاهِدٌ} ، تقديره: وشهد شاهد من أهلها حَالةَ كونه قائِلًا: إن كانَ قميصه قد من قبل .. فصدقت. {وَهُوَ} مبتدأ. {مِنَ الْكَاذِبِينَ} جار ومجرور خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم معطوفة على جملة {صدقت} .
{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)} .
{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ} جازم وفعل ناقص واسمه. وجملة {قُدَّ} في محل النصب خبر {كَانَ} . {مِنْ دُبُر} متعلق بـ {قُدَّ} . وجملة {فَكَذَبَتْ} جواب الشرط، والجملة الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة الشرط الأولى. {وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} مبتدأ وخبر معطوف على جملة {كذبت} .
{فَلَمَّا} {الفاء} فاء الفصيحة؛ لأنها أفْصَحَت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتَ ما شَهِدَ الشاهدُ وأردتَ بيانَ ما قال العزيز. فأقولُ لك.
{لَمَّا} حرف شرط غير جازم. {رَأَى قَمِيصَهُ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على العزيز. {قُدَّ} فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على قميصه، والجملة في محل النصب حال من قميصه؛ لأنَّ {رَأَى} بصرية، والجملة الفعلية فعل شرط لـ {لَمَّا} لا محل لها من الإعراب. {مِنْ دُبُر} متعلقا بـ {قُدَّ} {قَالَ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على العزيز، وجملة {قَالَ} جواب لمَّا، وجملةُ {لَمَّا} في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ} مقول محكي، وإن شئت قلت: إنه ناصب واسمه. {مِنْ كَيْدِكُنَّ} خبره، وجملة إنَّ في محل النصب مقول {قَالَ} . {إِنَّ كَيْدَكُنَّ} ناصب واسمه ومضاف إليه. {عَظِيمٌ} خبره، وجملة {إِنَّ} في محل النصب مقول {قَالَ} .
{يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)} .
{يُوسُفُ} منادى مفرد العلم حُذِف منه حرف النداء للتخفيف، وجملةُ النداء في محل النصب مقولُ {قَالَ} . {أَعْرِضْ} فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على يوسف. {عَنْ هَذَا} متعلق به، وجملة {أَعْرِضْ} في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها جوابَ النداء. {وَاسْتَغْفِرِي} فعل وفاعل. {لِذَنْبِكِ} متعلق به، والجملة معطوفة على جملة {أَعْرِضْ} . {إِنَّكِ} ناصب واسمه. {كُنْتِ} فعل ناقص واسمه. {مِنَ الْخَاطِئِينَ} خبره، وجملة (كان) في محل الرفع خبر {إِنَّ} وجملة (إن) في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها تعليلًا لما قبلَها.
{وَقَالَ نِسْوَةٌ} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {فِي الْمَدِينَةِ} جار ومجرور صفة لـ {نِسْوَةٌ} . {امْرَأَتُ الْعَزِيزِ} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت:{امْرَأَتُ الْعَزِيزِ} مبتدأ، ومضاف إليه. {تُرَاوِدُ فَتَاهَا} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المرأة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالَ} . {عَنْ نَفْسِهِ} متعلق بـ {تُرَاوِدُ} . {قَدْ} حرف
تحقيق. {شَغَفَهَا} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الفتى. {حُبًّا} تمييز محول عن الفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال عن الفتى. {إِنَّا} ناصب واسمه. {لَنَرَاهَا} {اللام} حرف ابتداء. {نرى} فعل مضارع. (ها) مفعوله، وفاعله ضمير يعود على النسوة. {فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} متعلق بـ {نرى} وهو في محل المفعول الثاني، وجملة {لَنَرَاهَا} في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة (إن) مستأنفة في محل النصب مقول {قَالَ} .
{فَلَمَّا} {الفاء} عاطفة. {لما} حرف شرط غير جازم. {سَمِعَتْ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرأة العزيز. {بِمَكْرِهِنَّ} جار ومجرور متعلّق به ، والجملة فعل شرط لـ {لَمَّا} . {أَرْسَلَتْ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرأة العزيز. {إِلَيْهِنَّ} متعلق بـ {أرسل} ، والجملة جواب {لَمَّا} ، وجملةُ لَمَّا معطوفة على جملة قوله:{وَقَالَ نِسْوَةٌ} . {وَأَعْتَدَتْ} فعل ماض. {لَهُنَّ} متعلق به. {مُتَّكَأً} مفعول به، وفاعله ضمير يعود على امرأة العزيز، والجملة معطوفة على جملة {أَرْسَلَتْ} . {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ} فعل، ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على امرأة العزيز، والجملة معطوفة على جملة {أَرْسَلَتْ} . {مِنْهُنَّ} صفة لـ {واحدة} . {سِكِّينًا} مفعول ثان. {وَقَالَتِ} فعل ماض معطوف على {أَرْسَلَتْ} ، وفاعله ضمير يعود على المرأة. {اخْرُجْ} فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على يوسف. {عَلَيْهِنَّ} تعلق به، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} .
{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} .
{فَلَمَّا} (الفاء) عاطفة. {لما} حرف شرط. {رَأَيْنَهُ} فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ {لما} . {أَكْبَرْنَهُ} فعل وفاعل ومفعول، والجملة جوابُ {لَمَّا} والجملة معطوفة على جملة {لمَّا} الأولى. {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنّ} فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة {أَكْبَرْنَهُ} .
{وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} .
{وَقُلْنَ} فعل وفاعل معطوف على {أَكْبَرْنَهُ} . {حَاشَ لِلَّهِ} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت:{حَاشَ} فعل ماض بمعنى بعد وتنزَّه، ويتصرَّفُ منه المضارع أحاشِي، وفاعله ضمير يعود على يوسف. {لِلَّهِ} جار ومجرور متعلق بـ {حَاشَ} و (اللام) فيه للتعليل، والمعنى: بَعُدَ يوسفُ عن المعصية لأجل طاعة الله تعالى، وخَوْفِه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول {قُلْنَ} . {مَا} نافية تعمل عمل {ليس} . {هَذَا} اسمها. {بَشَرًا} خبَرُها، والجملة في محل النصب مقول {قلن} . {إِنْ} نافية. {هَذَا} مبتدأ. {إلا} أداة استثناء مفرغ. {مَلَكٌ} خبر المبتدأ. {كَرِيمٌ} صفة {مَلَكٌ} ، والجملة الاسمية في حل النصب مقول {قُلْنَ} .
{قَالَتْ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة مستأنفةٌ. {فَذَلِكُنَّ} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت:{فَذَلِكُنَّ} {الفاء} فاء الفصيحة؛ لأنها أَفْصَحَتْ عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا رأيتن ما رأيتن، وأردتُنَ بَيَانَ ما شغلني فأقولُ لَكُنَّ {ذَلِكُنَّ} . {ذلكن} مبتدأ. {الَّذِي} خبره. {لُمْتُنَّنِي} فعل وفاعل، وفعول ونون وقاية. {فِيهِ} متعلق به، وهو العائد على الموصول، والجملة الفعلية صلة الموصول، والجملة الاسمية في محل النصب، مقولٌ لجواب إذا المقدرة، وجملة إذَا المقدرة في محل النصب مقولُ {قَالَتْ} . {وَلَقَدْ} {الواو} عاطفة. {اللام} موطئة للقسم. {قد} حرف تحقيق. {رَاوَدْتُهُ} فعل وفاعل ومفعول. {عَنْ نَفْسِهِ} هو متعلق به، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم في محل النصب معطوفة على جملة قوله {فَذَلِكُنَّ} . {فَاسْتَعْصَمَ} {الفاء} عاطفة. {استعصم} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف ، والجملة معطوفة على جملة قوله:{وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ} {وَلَئِنْ} {الواو} عاطفة. {اللام} موطئة للقسم. {إن} حرف شرط جازم. {لَمْ يَفْعَلْ} جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على يوسف والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {إن}
على كونِها فِعْلَ شرطِ لها. {مَا} موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. {آمُرُهُ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة صلة لـ {ما} أو صفة لها، وجواب الشرط محذوف دَلَّ عليه جواب القسم تقديره: ولئن لم يفعل ما آمره يسجن، وجملة الشرط معترضة بين القسم وجوابه. {لَيُسْجَنَنَّ} (اللام) موطئة للقسم مؤكدةً للأولى. {يسجنن} فعل مضارع مغير الصيغة في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونائب فاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة جوابُ القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب معطوفة على جملة القسم الأول، على كونه مقولًا لـ {قالت} . {وَلَيَكُونًا} {الواو} عاطفة. {اللام} موطئة للقسم. {يكونا} فعل مضارع ناقص في محل الرفع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألِفًا للتخفيف، واسمها ضمير يعود على يوسف. {مِنَ الصَّاغِرِينَ} جار ومجرور خبرها، والجملة جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم في قوله {لَيُسْجَنَنَّ} .
{قَالَ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. {رَبِّ السِّجْنُ} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قَالَ} ، وإن شئت قلت:{رَبِّ} منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ} . {السِّجْنُ أَحَبُّ} مبتدأ، وخبر، والجملة في محل النصب مقول القولِ على كونها جَوابَ النداءِ. {إِلَيَّ} جار ومجرور متعلق بـ {أَحَبُّ} . {مِمَّا} جار ومجرور متعلق بـ {أَحَبُّ} أيضًا. {يَدْعُونَنِي} فعل وفاعل و (نون) وقاية ومفعول به؛ لأنه فعل مضارع مبني على سكون الواو، والنون الأولى للنسوة فاعل، والثانية: نون وقاية، وهو مثل النسوة يَعْفُون، فالواو ليست ضميرًا بل لام كلمة. {إِلَيْهِ} متعلق به، وهو العائد على {ما} الموصولة، والجملة صلة لـ {ما} أو صفة لها. {وَإِلَّا} {الواو} عاطفة. {إلا} {إِنْ} حرف شرط جازم مبني
بسكون على النون المدغمة في لام {لا} لا نافية. {تَصْرِفْ} فعل مضارع مجزوم بـ {إن} الشرطية على كونها فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على يوسف. {عَنِّي} متعلق بـ {تصرف} . {كَيْدَهُنَّ} مفعول به. {أَصْبُ} فعل مضارع مجزوم بـ {إن} الشرطية على كونها جوابًا لها، وعلامةُ جزمه حذفُ حرف العلة. {إِلَيْهِنَّ} متعلق به، وفاعله ضمير يعود يوسف، وجملة الشرط في محل النصب معطوفة على جملة قوله:{السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} على كونها مقول {قَالَ} . {وَأَكُنْ} فعل مضارع ناقص معطوف على {أَصْبُ} واسمها ضمير يعود على يوسف. {مِنَ الْجَاهِلِينَ} خبرها.
{فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)} .
{فَاسْتَجَابَ} (الفاء) حرف عطف وتفريغ. {استجاب} فعل ماض. {لَهُ} متعلق به. {رَبُّهُ} فاعل، والجملة معطوفة على جملة قال. {فَصَرَفَ} (الفاء) حرف عطف وتفريع. {صرف} فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله. {عَنْهُ} متعلق به. {كَيْدَهُنَّ} مفعول به، والجملة معطوفة على جملة {استجاب} . {إِنَّهُ} ناصب واسمه. {هُوَ} ضمير فصل. {السَّمِيعُ} خبره الأول. {الْعَلِيمُ} خبر ثان، وجملة {إنَّ} مستأنفة مسوقةٌ لتعليل ما قبلها.
{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)} .
{ثُمَّ} حرف عطف وترتيب. {بَدَا} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على السجن المعلوم من قوله:{لَيَسْجُنُنَّهُ} كما في "البحر". {لَهُمْ} جار ومجرور متعلق به. {مِنْ بَعْدِ} جار ومجرور متعلق به أيضًا، وجملة {بَدَا} معطوفة على جملة محذوفة، تقديرها: تَشَاوَرُوا في شأن يوسف، ثمَّ بدا لهم السجن من بعد ما رأوا الآيات. {مَا} مصدرية. {رَأَوُا الْآيَاتِ} فعل وفاعل ومفعول، والجملةُ في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد رؤيتهم الآيات الدالة على صدق يوسف. {لَيَسْجُنُنَّهُ} (اللام) موطئة للقسم. {يسجننه} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، و {الواو} المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة. {حَتَّى
حِينٍ} جار ومجرور متعلق بـ {يسجنن} ، والجملة الفعلية جوابُ القسم المحذوف، وجملة القسم في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: ثم بدا لهم السجن حالَةَ كونهم قائلين: ليسجننه حتى حين.
التصريف ومفردات اللغة
{مَثْوَاهُ} المثوى: اسم لمكان الثواء والإقامة، يقال: ثويَ بالمكان من باب: رِضي إذا أقام به؛ أي: أحْسَن تعهدَه. {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} ؛ أي: جعلنا له مَكَانةً رفيعةً، ودرجة عاليةً في أرض مصر؛ أي: جَعَلْنَاهُ على خزائنها، ومَكَّنَ يَتَعَدَّى بنفسه على حد قوله:{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ} و (باللام) كما هنا، والمراد نعطيه مكانةً ورتبةً عاليةً في الأرض. {مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}؛ أي: بعض تعبير الرؤيا التي عَمَدَتْها رؤيا الملك، وصاحبي السجن. {غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}؛ أي: لا يمنع عما يشاء، ولا يُنازَع فيما يريد. {أَشُدَّهُ} والأشُدُّ: هو وقت رشده، وكمال قوته، باستكمال نموه الجسمانيِّ، والعَقْلِيِّ، ثم يكون بعده النقصانُ، قيل: هو ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: ثماني عشرة، وقيل غير ذلك. وفي "الفتوحات": في الأشد ثلاثةُ أقوال:
أحدُها: وهو قول سيبويه أنه جمعٌ مفرده شدَّةُ نحو: نعمة وأَنْعُم.
والثاني: قول الكسائي أنَّ مفرده شُدّ بزنة قُفل.
الثالث: أنه جمعٌ لا واحِدَ له من لفظه قاله أبو عبيدة، وخَالَفه الناس في ذلك، وهو من الشدِّ، وهو الرَّبْطُ على الشيء والعَقْدُ عليه. قال الراغب: وفيه تنبيه على أنَّ الإنسان إذا بلغ هذا القَدْرَ يتقوَّى خلقه الذي هو عليه، فلا يكادُ يُزايله، اهـ "سمين".
ولم يَقُلْ هنا: واستوى كما قال في شأن موسى في سورة القصص؛ لأنَّ موسى كان قد بلغ أربعين سنة، وهي مدة النبوة، فقدِ استوى وتهيأ لحمل أسرار النبوة. وأما يُوسُفُ فلم يكن يوسف إذ ذاك قد بلَغَ هذا السن، اهـ شيخنا، اهـ "فتوحات". {حُكْمًا وَعِلْمًا} والحكم: هو ما كان يقع منه من الأحكام في سلطان
مصر. والعلم: هو العلم بالحكم الذي يحكمه. وقيل: العقل والفهم والنبوة. وقيل: الحكم هو النبوة، والعلم هو العلم بالدين. وقيل: علم الرؤيا.
{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} المراودة: الإرادةُ والطلبُ برفق ولين. وقيل: هي مأخوذةٌ من الرَّود؛ أي: الرفق، والتأني، ويقال: أَرْوِدْنِي بمعنى أمهلني. وقيل: المراودة مأخوذة من راد يَرُود إذا جَاءَ، وذهب، كأن المعنى أنها فعلَتْ في مراودتها له فعل المخادع، ومنه الرائد لِمَنْ يطلُب الماءَ والكلأ. وقد يُخَصُّ بمحاولة الوقاع، فيقال: راود فلان جَارِيتَهُ عن نفسها، وراودته هي عن نفسه، إذا حاول كُلُّ واحد منهما الوطء والجماع، وهي مفاعلة، وأصلها أن تَكونَ من الجانِبَيْنِ فجعل السبب هنا في أحد الجانبين قَائِمًا مقام المسبَّب، فكأنَّ يُوسُفَ عليه السلام لما كان ما أعطيه من كمال الخَلْقِ والزيادة في الحسن سببًا لمراودة امرأة العزيز له - مراود. ويجوز أن يُرادَ بصيغة المفاعلة مجردُ المبالغَةِ. وقيل (1): الصِّيغَةُ على بابها بمعنى أنَّها طلبت منه الفعلَ، وهو طَلَب منها الترْك، وقال الراغب: المراودة أن تنازعَ غيرك في الإرادة، فتريد منه غيرَ ما يريد، كما قالَ إخوة يوسف {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ}؛ أي: نحتالُ عليه، ونخدعه عن إرادته، ليرسل بنيامين معنا، اهـ.
{وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} ، وفي هذه (2) الصيغة ما يدل على التكثير، فيقال: غلق الأبوابَ، ولا يقال: غلَّق البابَ، بل يقال: أغلق البابَ، وقد يقال: أغلق الأبوابَ، ومنه قول الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء:
مَا زِلْتُ أُغْلِقُ أَبْوَابًا وَأَفْتَحُهَا
…
حَتَّى أَتَيْتُ أبَا عَمْرِو بْنَ عَمَّارِ
قيل: وكانت الأبواب سبعةً. {هَيْتَ لَكَ} بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وضمها وكسرها، اسمُ فعل بمعنى هَلُمَّ وأقبل وبَادِرْ. قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاث، فالفتحُ للخفة، والكسر لالتقاء الساكنين، والضم تشبيهًا يحيثُ، وإذا بين باللام نحو: هَيْتَ لك، فهو صوتٌ قائمٌ مَقامَ المصدر، كأفّ
(1) الفتوحات.
(2)
الشوكاني.
له؛ أي: لَكَ أقول هذا، وإن لم يبين باللام فهو صوت قائم مَقَامَ مصدر الفعل، فيكون اسمَ فعل، إما خبر؛ أي: تهيأت، وإما أمرٌ؛ أي: أقْبلْ. وقال في "الصحاح": يُقال: هوت به، وهيت به إذا صَاحَ به، ودَعاهُ، ومنه قول الشاعر:
يَحْدُوْ بِهَا كُلُّ فَتَى هَيَّاتُ
وقد روي عن ابن عباس، والحسن، أنَّها كلمةٌ سريانية معناها، أنها تَدْعُوه إلى نفسها. قال أبو عبيدة: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حورانَ، وقعت إلى أهل الحجاز، معناها: تَعَالَ. قال أبو عبيدة: فسألت شَيْخًا عَالِمًا منْ حورانَ فذكر أنها لُغَتُهم. {مَعَاذَ اللَّهِ} مصدر منصوب بفعل محذوفٍ، وجوبًا على أنه نائب عن فعله مضاف إلى اسم الله سبحانه؛ أي: أعوذ بالله مَعاذًا ممَّا تدعونني إليه، كسبحانَ الله بمعنى أسبِّح اللهَ، ويقال: عَاذ يعوذ عِيَاذًا، وعياذةً ومعاذًا، وعوذًا، اهـ "سمين".
والمعنى: أعُوذ وأتحصَّن بالله من أن أكونَ من الجاهلينَ الفاسِقِينَ. وقال في "روح البيان": هو من جملة المصادر التي ينصبُها العربُ بأفعال مضمرة، ولا يستعمل إظهارُها كقولهم: سبحانَ اللهِ، وغفرانَكَ وعونك، اهـ. {وَلَقَدْ هَمَّتْ}؛ أي: هَمَّتْ (1) وقصدت لتبطش به لعصيانه أمرها، وهم بها ليقهرها في الدفع عما أرادته، ويَرُدَّ عنفها بمثله. وفي "الشهاب" قال الإِمام: المراد بالهمِّ؛ أي: بهم يوسفَ في الآية: خطور الشيء بالبال، أو ميل الطبع كالصائم، يَرَى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه، وطلب شربه، ولكنه يَمْنَعُه دينُه عنه، اهـ. {المخلِصين} بكسر اللام؛ أي: مُخْلصين أعمالهم لله تعالى، وبفتحها هم الذين أخلصهم الله تعالى، واجتباهم واخْتَارَهم لطاعته. {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ}؛ أي: تَسَابَقَا إلى الباب، وقصد كل منهما سَبْقَ الآخر إليه، فهو ليخرج، وهي لِتَمْنَعَه من الخروج. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ}؛ أي: قطعته، وشقته طولًا من خلف، فهو من المضاعف المعدى من باب شدَّ. {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا}؛ أي: وَجداه، والسيد (2):
(1) المراغي.
(2)
البحر المحيط.
فيعل من سَادَ يسودُ يطلق على المالك، وعلى رئيس القوم، وفَيْعَل: بناء مختص بالمعتل، وشذ بيئس وصيقل اسم امرأة. {وَقَالَ نِسْوَةٌ} والنسوة (1): اسمُ جمع لا واحد له من لفظه، بل من معناه، وهو امرأةٌ وتأنيثها غير حقيقي، بل باعتبار الجماعةِ، ولذلك لم يَلْحَقْ فعلَها تاء التأنيث، والمشهور كسر نونها. ويجوز ضمها في لغة ونقلها أبو البقاء قراءة ولم أحفظه وإذا ضُمَّت نونه كان اسمَ جمعَ بلا خِلاف. والنساء: جمع كثرة أيضًا، ولا واحدَ له من لفظه، اهـ "سمين". {تُرَاوِدُ فَتَاهَا} وألف الفتى منقلبة عن ياءٍ، لقولهم: فَتَيانِ، والفتوة شاذ؛ أي: رَقِيقَها وعَبْدَها. {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} والشِّغَافُ: الغلاف المحيط بالقلب، ويقال: شَغَفْتُ فلانًا إذا أَصَبْتَ شِغَافَ قلبه كما يقال: كبدته إذا أصبتَ كبده. وفي "المصباح": شَغَفَ الهوى قَلْبَه شغفا من باب نَفَع، والاسم الشَّغَفُ بفتحتين بلَغَ شغافه بالفتح، وهو غشاؤه، وشغفه المال زين له فأحَبَّهُ فهو مشغوف به، اهـ.
{ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، والضلال: الحيدة عن طريق الرشد، وسنَنِ العَقل. {بِمَكْرِهِنَّ}؛ أي: بِقَوْلِهِنّ وسمِّي ذلك مكرًا لأنهن كن يردن إغْضَابَها كي تعرض عَليهنَّ يُوسُفَ لتبديَ عُذْرَهَا فَيَفُزْنَ بمشاهدته. {وَأَعْتَدَتْ} ؛ أي: أعدَّتْ وهيَّأتْ. {مُتَّكَأً} والمتكأ: ما يجلس عليه من كراسي، وأرائك. وأصل (2) الكلمة: موتكأ لأنه من توكأت، فأبدلت الواو تاءً وأدغمت. ويجوز أن يكون من أوكيت السِّقَاءَ: فتكونُ الألفُ بدلًا من الياءِ، ووزنُه مفتعل من ذلك ذكره أبو البقاء. {أَكْبَرْنَهُ}؛ أي: أعظمنَه ودَهِشْن من جماله الرائع. {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ؛ أي: جَرَحْنَها.
{حَاشَ لِلَّهِ} ؛ أي: تنزيهًا لله أن يكون هذا المخلوقُ العجيبُ من جنس البشر، قال أبو البقاء:{حَاشَ لِلَّهِ} يقرأ بألفين، وهو الأصل، والجمهور على أنه هنا فعل ماض، وقد صُرِّفَ منه أحاشي، وأيَّدَ ذلك دخول اللام على اسم الله تعالى، ولو كان حرفَ جر لَمَا دَخَل على حرف جر، وفاعلُه مضمر تقديره: حَاشَى يوسفُ؛ أي: بَعُدَ من المعصية لخوفِ الله تعالى. وأصل الكلمة: حاشَيْتُ
(1) الفتوحات.
(2)
العكبري.
الشيءَ، فَحَاشَا صَارَ في حاشيةٍ أي ناحيةٍ. وقال بعضهم: هي حرف جر، و (اللام) زائدة، وهو ضعيف، لأنَّ موضعَ مثلِ هذا ضرورةُ الشعر، اهـ. {استعصم}؛ أي: اعتصَمَ وامتنعَ، فالسين فيه زائدة، أو المعنى: استمسك بعروة عصمتِه التي ورثها عمَّن (نَشَؤُا) عليها. {رَبِّ السِّجْنُ} بكسر السين اسمٌ للمكان، والمحبوبُ له، دخوله لا ذاته؛ أي: دخول السجن. {أَحَبُّ إِلَيَّ} ؛ أي: عندي. {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} الصبوة الميلُ إلى الهوى، ومنه ريح الصَّبَا لأن النَّفْسَ تستطِيبُها، وتميل إليها، اهـ "بيضاوي". وفي "المصباح": صَبَا يَصْبُو صَبْوًا من باب قعد، وصَبْوةً أيضًا مثل شَهْوَةٍ إذا مَالَ. {فَاسْتَجَابَ لَهُ}؛ أي: أجاب دُعاءَه فالسين والتاء زَائِدتان.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآياتُ أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الكناية في قوله: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} لأنه كناية عن إحسان تعهده.
ومنها: التشبيه المجمل في قوله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} .
ومنها: إطلاق العامّ وإرادةُ الخاصِّ في قوله: {الْأَرْضِ} لأنَّ المرادَ أرض مصر.
ومنها: الكناية في قوله: {أَشُدَّهُ} لأنّه كناية عن استكمالِ زمان قوته ورُجولته.
ومنها: التشبيهُ في قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} .
ومنها: العدول (1) عن ذكر اسمها في قوله: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} للمحافظة على الستر، أو للاستهجان بذكره.
(1) الفتوحات.
ومنها: إيراد الموصول لتقرير المراودَةِ، فإنَّ كونَه في بيتها مما يَدْعُو إلى ذلك. قيل لواحدة: ما حَمَلَكِ على ما أنت عليه ممّا لا خَيْرَ فيه؟ قالت: قُرْبُ الوِسَادِ وطُولُ السَّوَادِ، ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام، فإنَّ عَدَمَ ميله إليها مع دوام مشاهدته لِمَحَاسِنِها، واستعصائِه عليها مع كونه تحت مِلكها، ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة والنزاهة، اهـ أبو السعود.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام اهتمامًا بشأنه في قوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} .
ومنها: الحَصْرُ في قوله: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
ومنها: الطباق بين قوله: {قُبُلٍ} و {دبر} ، وبين {صدقت} و {كذبت} ، وبين {الْكَاذِبِينَ} و {الصَّادِقِينَ} .
ومنها: جناس الاشتقاق بين {صدقت} و {الصَّادِقِينَ} ، وبين {كذبت} و {الْكَاذِبِينَ} .
ومنها: تغليبُ الذكور على الإناث في قوله: {مِنَ الْخَاطِئِينَ} ومقتضَى السياق أن يقال من الخاطئات.
ومنها: الاستعارة التصريحيةُ الأصلية في قوله: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} حيث استعار المكر للغِيْبة بجامع الاختِفاءِ في كل منهما.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} شبَّهَ الجُرْحَ بالقطع بجامع الإيلام في كلٍّ، فاستعارَ لفظ القطع للجرحِ، ثمَّ اشتقَّ من القطع بمعنى الجرح، قطَّعْنَ بمعنى جَرَحْنَ على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الحصْرُ في قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} .
ومنها: التأكيد في قوله: {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا} .
ومنها: الجناس المغاير بين {يسجنن} و {السِّجْنُ} .
ومنها: التشنيع، والتقبيحُ في قوله:{امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا} لأن في إضافتها إلى العزيز مبالغة في التشنيع؛ لأنَّ النفوسَ أميل لسماع أخبار ذوي الجاه.
ومنها: الإتيانُ بالمضارع في قوله: {تُرَاوِدُ فَتَاهَا} للدلالة على أنَّ ذلك سَجيَّةٌ لها؛ لأنَّ المضارعَ يفيد التجدد، والاستمرارَ.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: {إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} شبه يوسفَ بالملك، بجامع الحُسن، والجمال في كل ثمَّ استعار له اسم الملك على طريقة الاستعارة التصريحية الأصلية.
ومنها: الإشارة إلى القريب باسم إشارة البعيد في قوله: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} تنزيلًا لبُعْدِ مرتبته عن غيره منزلة البعد الحسِّي.
ومنها: الدلالة على فَخَامَةِ شأن المشار إليه في قوله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} ؛ لأنَّ ذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعل المؤخر، على أن يكونَ عبارة عن التمكين، في قلب العزيز، أو في منزله، وكون ذلك تَمْكينًا في الأرض بملابسة أنه عزيز فيها، لا عن تمكين آخر يشبه به، فالكاف مقحم للدلالة على فَخَامة شأنِ المشار إليه، إقحامًا، لا يترك في لغة العرب، ولا في غيرها، ومن ذلك قولهم: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ؛ أي: مثل ذلك التمكين البديع، مكنا ليوسف في الأرض، وجعلناه محبًّا في قلب العزيز، ومكْرمًا في منزله، ليترتَّب عليه ما ترتب بما جرى بينه وبين امرأة العزيز، ذكره في "روح البيان".
ومنها: الحَذْفُ والزيادةُ في عدَّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
لما قبلها: أن الله سبحانه (1) وتعالى لمَّا ذكر مكْر النسوة بامرأة العزيز لتريهن يوسف، ثم مكر امرأةِ العزيز بهن حتى قَطَعْنَ أيدِيَهُنَّ، وقلنَ في يوسف ما قلنَ من وصف جماله، ثم إظهارُ امرأة العزيز المعذرةَ لنفسها، فيما فعلتْ وعزمَها على سجنه إن لم يكن مطواعًا لها، ثمَّ حمايةُ الله له من كيدها بعد دعائه إياه، ثم تدبيرُ مُؤَامرة بين العزيز وامرأته وأهلها على إدخاله السجن، مع كل ما رَأوا من الآياتِ حتى ينسَى الناس هذا الحديث، وتَسكُن تلك الثائرة في المدينة .. ذَكَرَ هنا تَنْفِيذهم لما عزموا عليه من إدخالهم إياه السجن، وما كان من لطف الله به، إذ آتاه من علم تعبير الرؤيا ما يستطيع به أن يُعَبِّرَ لكل حالمٍ عمّا يراه، ويُخْبرَ كلَّ أحد عما يسأله عنه، مما لم يكن حاضرًا لديه، وما سيأتي له من طعام، وشراب، ونحوِ ذلك. ثمَّ ذكَر قولَ يُوسُفَ إنَّ هذا كلَّه نعمة من نعم الإيمان بالله عليه وعلى آبائه إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.
قوله تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن (2) يوسف لمّا ذَكَرَ ما هو عليه من الدين الحنيفي .. تلطَّفَ في حُسْنِ الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفَتَيين من عبادة الأصنام فَنَاداهما باسم الصحبة في المكانِ الشَّاقِّ الذي تَخْلُص فيه المودةُ، وتتمحض فيه النصيحةُ.
وعبارة المراغي هنا (3): بعد أن أبطلَ يوسف عليه السلام ما هما عليه من الشرك فيما سَلَفَ، وذكر أنه قد اتبعَ ملةَ آبائه إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وبيَّن أنَّ هذا فضلٌ من الله تعالى، ومنة منه عليهم، وعلى سائر الناس، وكثير من الناس لا يشكرون الخالقَ، لهذه النعم، فيعبدوه وحده دون أن يشركوا به شيئًا .. دَعَاهُما إلى التوحيد الخالص، وأيدَهُ يالبرهان الذي لا يَجدُ العقل محيصًا من التسليم به، والإقرار بصحته قال:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)} الآيتين.
(1) المراغي.
(2)
البحر المحيط.
(3)
المراغي.