المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الصور البَشِعَةِ الدالة على الميل إلى الفجور، إنما هو من - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الصور البَشِعَةِ الدالة على الميل إلى الفجور، إنما هو من

الصور البَشِعَةِ الدالة على الميل إلى الفجور، إنما هو من فعل زنادقة اليهود، لِيُلَبِّسوا على المسلمين دينهم، ويشوهوا به تفسيرَ كلام ربهم، ولا يَغُرَّنَّك إسناد تلك الروايات إلى بعض الصحابة، والتابعين، فهي موضوعة عليهم، ولا ينبغي أنْ يُعْتَدَّ بها؛ لأن نُصوصَ الدِّين تنبذها إلى أنه من علم الغيب في قصة لم يعلم الله رسولَه غير ما قصه عليه في هذه السورة، وكَفَى بهذا دلالة على وضعها.

ثم قال العزيزُ لزليخا: من أراد بأهلي سوءًا، قالت زُليخا: كنت نائمةً في الفراش، فجَاءَ هذا الغلام العبراني، وكشف عن ثيابي، وراودني عن نفسي، فالتفت العزيز إلى يُوسُفَ وقال: يا غلام هذا جزائي منك حيث أحسنت إليك، وأنت تحزنني

‌26

- {قَالَ} يوسف دَفعًا عن نفسه، وتنزيهًا لعرضه {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي}؛ أي: طالبتني للمواقعة لا أني أردت بها سوءًا كما قالت؛ أي: هي طلبتني فامتنعتُ، وفرَرَتُ كما ترى.

ولم يَقُل هذه ولا تلك لفرط استحيائه، وهو أدبٌ حسن، حيث أتى بلفظ الغيبة، ولم يكن يوسف يريد أن يهتكَ سَتْرَها، ولكن لما لَطَّخَتْ عرضه احتاجَ إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه، فصرَّحَ بالأمر فقال: هي طَالَبَتْنِي لِلمُواتَاة. وكانت الأمارات دالة على صدق يوسف لوجوه:

1 -

أن يوسف كَانَ مولى لها، وفي مَجْرى العادة: أنَّ المولى لا يجرؤ أن يتسلَّط على سيدته، ويَتَشدَّد إلى مثل هذا.

2 -

أنهم رَأوا يُوسُفَ يعدو عَدْوًا شديدًا ليخرجَ، ومن يطلب امراْةً لا يَخْرُجُ على هذا النحو.

3 -

أنهم رأَوا الزينة قد بدَتْ على وجه المرأة، ولم يكن لها من أثر على وجهِ يوسف.

4 -

أنهم لم يشاهدوا من أخلاق يُوسُفَ في تلك الحقبة الطويلة ما يؤيد مثل هذه التهمة، أو يقوِّي الظنَّ عليه بأنه هو الطالبُ لا الهاربُ.

وقد أظهر الله تعالى لبراءته ما يقوِّي تلك الدلائل الكثيرةَ التي تظاهَرَتْ على أن بدء الفتنة كانت منها لا منه، وأنها هي المذنبة لا هو.

ص: 379

فقال العزيز ليوسف: مَا أقبل قولك إلا ببرهان. وفي رواية نظر العزيز إلى ظاهر قول زليخا وتظلمها، فأمر بأن يُسْجَن يوسُفَ، وعند ذلك دعا يوسفَ بإنزال البراءة، وكان لزليخا خال له ابن في المهد ابن ثلاثة أشهر، أو أربعة، أو ستة على اختلاف الروايات، فَهبَط جبريل إلى ذلك الطفل، وأجلسه في مهده، وقال له: اشهد ببراءة يوسف، فقام الطفل من المهد وجعل يَسْعى حتى قام بين يدي العزيز، وكان في حجراته كما قال الله تعالى:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} ؛ أي: ابن خالها الذي كان صبيًّا في المهد، وإنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها ليكونَ أوْجَبَ للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة عنه.

واستدلَّ على أنَّ هذا الشاهدَ كانَ صبيًّا في المهد بما نقل عن ابن عباس، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تكلَّم أربعةٌ وهم صغار، ابنُ ماشطة بنت فرعون، لَمَّا أَسْلَمَتْ، أخبرتَ البنت أباها بإسلامها، فأمر بإلقائها، وإلقاء أولادها في النقرة المتخذة من النحاس المحماة، فلما بلغت النوبة إلى آخر ولدها، وكان مُرْضَعًا قال: اصبري يا أماه فإنك على الحق، وشاهد يوسف، وصاحبُ جُريج، وعيسى بن مريم".

وبما روى عن أبي هريرة قال: عيسى بن مريم، وصاحب يوسف، وصاحب جريجّ، تكَلَّموا في المهد. وهذا موقوف لا يصلح الاحتجاج به، والأول قد ضعفه رجال الحديث، إلا أنه لو نطَقَ الطفل بهذا لكان قولُه كافيًا في تفنيد زعمها دون حاجة إلى الاستدلال بتمزيق القميص؛ لأنه من الدلائل الظنية، وكلامه في المهد من الدلائل اليقينية، وأيضًا لو كانَ كذلك لما كان هناك داعٍ إلى قوله:{مِنْ أَهْلِهَا} الذي ينفي التحاملَ عليها، ويمتنع إرادة الضر بها. وأيضًا، فإن لفَظَ الشاهد لا يقع عُرْفًا إلا على من تقدَّمَتْ معرفته لما يَشْهَدُ وإحاطته به.

أي: وشهد شاهد من أهلها، فقال: أيها العزيز: إن عندي في أمرك هذا ما لَك فيه فرَجٌ ومخرجٌ، انظر إلى قميص الغلام العبرانيِّ {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ}؛ أي: شقَّ من قدام {فَصَدَقَتْ} ؛ أي: فقد صدقت المرأة {وَهُوَ مِنَ

ص: 380