المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَنَضْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أَرِقَانِ وذكر غيره أنها لغة لبني كلاب، وعُقيل، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: وَنَضْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أَرِقَانِ وذكر غيره أنها لغة لبني كلاب، وعُقيل،

وَنَضْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أَرِقَانِ

وذكر غيره أنها لغة لبني كلاب، وعُقيل، وقرأ السدي:{ابناهْ} بألف وهاء السكت، قال أبو الفتح: ذلك على النداء، وذهبَتْ فرقة إلى أنه على الندبة والرثاءِ.

وقرأ علي وعروة وعلي بن الحسين وابنه أبو جعفر وابنُه جعفر (1): {ابنه} بفتح الهاء من غير ألف، أي: ابنها مضافًا لضمير امرأته، فاكتفي بالفتحة عن الألف، قال ابن عطية: وهي لغةٌ ومنه قول الشاعر:

إِمَّا تَقُوْدُ بِهَا شَاةً فَتَأْكُلُهَا

أَوْ أنْ تَبِيْعَهَ فِيْ بَعْضِ الأَرَاكِيْبِ

يريد تَبِيعَها، وقرأ أيضًا علي وعروة:{ابنها} بفتح الهاء وألف.

وقرأ عاصم: {يا بنيَّ اركب معنا} بفتح الياء، ووجه على أنه اجتزأَ بالفتحة عن الألف، وأصله يا بُنيا، كيا غلامًا ثُمَّ حذفت، وبقيت الفتحة لِتَدُلَّ عليه، أو على أنَّ الألِفَ انحذفت لالتقائها مع راءِ اركب، وقرأ باقي السبعة بكسر الياء اجتزاءً بالكسرة عن ياء الإضافة، أو حذِفَت لالتقاء الساكنين.

وقرأ أبو عمرو والكسائي وحفص (2): {ارْكَبْ مَعَنَا} بإدغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج، وقَرأَ الباقون بعدم الإدغام.

والمعنى: ونادَى نوحٌ ابنه حينَ الركوب في السفينة، وقبل أنْ تجرِيَ بهم، وكان في مكان منعزل بعيد عن أبيه وإخوته ومَنْ آمن من قومه يا بنيَّ اركب معنا الفلك، ولا تكن مع الكافرين الذين قضي عليهم بالهلاك، نَهَاه عن الكون مع الكافرين؛ أي: خَارجَ السفينةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بالكون معهم الكونَ على دينهم.

‌43

- ثمَّ حكى الله سبحانه وتعالى ما أجاب به ابن نوح على أبيه، فقال:{قَالَ} ابن نوح جوابًا لأبيه، ظانًّا أنَّ ذلك المطرَ والتَّفْجِيرَ على العادة {سَآوِي} وألتجىء من وصول الماء إليَّ {إِلَى جَبَلٍ} أتحصن به من الماء {يَعْصِمُنِي} أي

(1) البحر المحيط.

(2)

الشوكاني.

ص: 97

فيحفظني ذلك الجبل {مِن} الغرق بـ {الْمَاءِ} وهذا يدل على عادته في الكفر، وعدم وثوقه بأبيه فيما أخبر به، قيل: والجبل الذي عَناه طُورُ زيتا، فلم يمنعه فَأجَابه نوح مبينًا له خطأَه بما ذكره الله سبحانه وتعالى {قال} نوح لابنه {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ}؛ أي: لا شيء يعصِم أحدًا في هذا اليوم العصيب، زاد اليومَ تنبيهًا على أنه ليس كسائر الأيام التي تقع فيها الوقائع التي ربما يخلص منها بالالتجاء إلى بعض الأسباب، اهـ "روح البيان".

{مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} سبحانه وتعالى؛ أي: مِن عذاب الله الذي قضاه على الكافرين، فليس الأمر أمر ماء يتقى بالأسباب العادية، وإنما هو انتقامٌ من أشرار العباد الذين أشركوا بالله، وظلموا أنْفُسَهم، وظلموا الناسَ بطغيانهم في البلاد. والاستثناء في قوله:{إِلَّا مَنْ رَحِمَ} منقطع بمعنى لكن؛ أي: لا عاصم اليومَ من أمر الله لكن من رحمه الله تعالى فهو المعصوم، لأنَّ المستثنى هو المعصوم، والمستثنى منه هو العاصم؛ أي: لكن مَنْ عصمه الله سبحانه وتعالى ورحمه، فهو المعصومُ المرحوم، وقد اختص بهذه الرحمة والعصمةِ مَنْ حَمَلَهُم في السفينة.

والمعنى: لا مانِعَ (1) من أمر الله وعذابه اليومَ فإنه يوم قد حق فيه العذاب، وجف القلم بما هو كائن فيه، نفى جنسَ العاصم، فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجًا أوليًّا، وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيمًا لشأنه، وتهويلًا لأمره، والاستثناء هنا قال الزجاج: هو منقطعٌ؛ أي: لكن مَنْ رحمه الله فهو يعصمه فيكون {مَنْ رَحِمَ} في مَوْضع نصب، ويجوز أن يكونَ الاستثناء متصلًا على أن يكون عاصم بمعنى معصوم؛ أي: لا مَعْصُومَ اليومَ من أمر الله إلّا مَنْ رحمه الله مثل: {مَاءٍ دَافِقٍ} بمعنى مدفوق و {عيشة راضية} بمعنى مَرْضِيَّةٍ، وقول الشاعر:

بَطِيْءُ الْقِيَامِ رَخِيْمُ الْكَلَامْ

أَمْسَى فُؤَادِيْ بِهِ فَاتِنَا

أي مفتونًا، واختارَ هذا الوجه ابن جرير، وقيل: العاصم بمعنى ذي

(1) الشوكاني.

ص: 98