الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعالى، ونجَّاني منها، فجعَلْتُ على نفسي أنْ أعبد الله تعالى ههنا إلى الموت، وقد أنْبَتَ اللَّهُ لي شجَرةُ رُمَّانٍ، وأَظْهَرَ عَيْنَ ماء، آكُل من الرمان وأشرب من ماء العَينِ، وأتوضَّأ منه، فذهب صالح، وانتهى إلى قريةٍ كان أهلها كفارًا كُلُّهم غَيْر أخَوين مُسْلِمَين، يعملان عملَ الخَوص - فضَرَبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مثَلًا فقال: لو أن مؤمنًا دَخَلَ قريةً فيها ألف رجل، كلهم كفارٌ، وفيهم مؤمنٌ واحد، فلا يسكن قلبه مع أحدٍ حتى يجد المؤمنَ، ولو أنَّ منافقًا دَخَل قرية فيها ألفُ رجل كلهم مؤمنون، وفيهم منافق واحد .. فلا يسكُن قَلْبُ المنافق مع أحد ما لم يجد المنافقَ - فدَخَل صالح، وانتهى إلى الأَخوين، فَمَكَثَ عِندهما أيامًا، وسألَ عن حالهما فأخبرا أنهما يصبران على أذى المشركين، وأنهما يعملان عملَ الخوص، ويمسكان قُوتَهُما، ويتصدَّقان بالفَضْلِ، فقال صالح: الحمد لله الذي أرَاني في الأرض منْ عبادِهِ الصالحين، الذين صَبَرُوا على أذَى الكفار، فأنا أرْجِعُ إلى قومي، وأصبرُ على أذاهم، فرجع إليهم، وقد كانوا خرجوا إلى عيد لهم، فدَعَاهم إلى الإيمان، فسألوه آيةً، فقال: أَيَّة آية تريدون؟ فأشارَ سيِّدهم جندع بن عَمرو إلى صخرة منفردة، يقال لها: الكَاثِبةُ، وقال له: أخْرِجْ من هذه الصخرة ناقةً واسعةَ الجوف كثيرةَ الوبر عشراء؛ أي: أتت عليها من يوم أرْسَل الفحل عليها عشرة أشهر، فإن فَعَلْتَ صَدَّقْنَاكَ، فأخذ عليهم مواثقَهم لئنْ فعلت ذلك لتؤمِنُنَّ فقالوا: نَعَمْ فصَلَّى، ودَعا ربه، فتمخضت الصخرةُ تمخض النتوج بولدها، فانشقَّتْ عن ناقة عشراء جَوْفَاء، وبراء كما وصفوا فقال:{وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} فكانت تَرْعَى الشجرةَ، وتشرب الماءَ ثم تفرِّج بين رجليها، فيحلبون ما شاؤوا، حتى تَمْتَلِىءَ أوانيهم، فيشربون ويَدَّخِرُون، وهم تسع مئة أهل بيت، وقيل: ألْفٌ وخَمسُ مئة، ثُمَّ إنه عليه السلام لمَّا خَافَ عليها منهم قال: ولا تمسُّوها بسوء، فيأخُذَكم عذاب قريب، فعقروها، أي: عقرها قُدَارُ - بوزن غراب - بن سالف فقال: تمتَّعُوا في داركم ثَلاثَةَ أيام ذلك وَعْدُ غيرُ مكذوب.
66
- ثُمَّ ذَكَرَ وقوعَ ما أوعِدوا به، فقال:{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} ؛ أي: جَاءَ ثمودَ
عذابنَا، {نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} والظرف (1) متعلق بـ {نَجَّيْنَا} أو بـ {آمَنُوا} ، وهو الأظهر؛ إذ المراد {آمَنُوا} كما {آمن} صالحٌ، واتبعوه في ذلك، لا أنَّ أزمانَ إيمانهم مقارن لزمان إيمانه، فإن إيمان الرسول مقدَّم على إيمان من اتبعه من المؤمنين {بِرَحْمَةٍ}؛ أي: متلبسينَ بمجرد رحمة عظيمة {مِنَّا} ، وفضل لا بأعمالهم، كما هو مذهبُ أهل السنة، وهِيَ بالنسبة إلى صالح: النبوة، وبالنسبة إلى المؤمنين الإيمان {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} عطف على {نجينا}؛ أي: ونجيناهم من خزي يومئذ؛ أي: من ذلته ومَهَانته وفَضِيحَته، ولا خِزْيَ أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه وكرر نَجَّيْنَا لبيان مَا نَجَّاهُم منه، وهو هلاكُهم يومئذ؛ أي: يَوْم، إذ جاء أمرنا فإنَّ إذ مضافة إلى جملة محذوفة، عوِّض عنها التنوين؛ أي: ونجيناهم من عذاب يوم إذ جاء أمرنا وعذابُنا. قيل (2): الواوُ زائدة في {وَمِنْ خِزْيِ} ؛ أي: من خزي يومئذ فيتعلَّق من بِنَجَّيْنا، وهذا لا يجوز عند البصريين، لأن الواو لا تزاد عندهم، بل تتعلق (من) بمحذوف؛ أي: ونجيناهم من خِزْيِ؛ أي: وكانت التنجية من خزي يومئذ، ولكون الإخبار بتنجية الأولياء، لا سيما عند الإنباء بحُلول العذاب أهم ذَكَرَها أولًا، ثم أخْبَر بهلاك الأعداء، وقَرَأ طلحةُ وَأبانُ بن تغلب، {ومن خزيٍ} بالتنوين، ونصب (يومَئذ) على الظرف معمولًا لخزي، وقرأ الجمهور بالإضافة، وفَتَح المِيمَ الكسائي ونافع في رواية ورش وقالون هنا وفي المعارج، وهيَ فتحة بناءٍ لإضافته إلى إذ، وهو غيرُ متمكن، وقرأ باقي السبعة بكسر الميم فيهما، وهي حركة إعراب، والتنوين في إذ تنوين عوض من الجملة المحذوفة المتقدمة الذكر؛ أي: ومن فضيحة يوم إذ جاء الأمر، وحَلَّ بهم، فلما قطِعَ المضاف إليه عن إذْ نُوِّنَ؛ ليدلَّ التنوين على ذلك، ثم كسرت الذال لسكونها، وسكون التنوين، ولم يلزم من إضافة يوم إلى المبني، أن يكون مبنيًّا؛ لأنَّ هذه الإضافة غيرُ لازمة.
ثم بين عظيم قدرته على التنكيل بأمثالهم من المشركين، فقال:{إِنَّ رَبَّكَ} يا محمَّد الذي فَعَلَ هذا بقوم صالح، {هُوَ الْقَوِيُّ}؛ أي: القادر على أنْ
(1) روح البيان.
(2)
البحر المحيط والمراح.