المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بمعنى جميعًا، نظير قوله تعالى: {أَكْلًا لَمًّا} فيكون توكيدًا لـ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: بمعنى جميعًا، نظير قوله تعالى: {أَكْلًا لَمًّا} فيكون توكيدًا لـ

بمعنى جميعًا، نظير قوله تعالى:{أَكْلًا لَمًّا} فيكون توكيدًا لـ (كُلًّا)؛ أي: وإن كلًّا جميعًا من الخلائق، والله ليعطينَّهم ربك جزاء أعمالهم، {إنه}؛ أي: إن ربك سبحانه وتعالى {بِمَا يَعْمَلُونَ} ؛ أي: بما يعمل كل فرد من المختلفين من الخير أو الشر {خَبِيرٍ} ؛ أي: عالم بحيث لا يخفى عليه شيء من جلائله ودقائقه، فيجازي كلًّا بحسب عمله، وتوفية جزاءِ الطاعاتِ وعدٌ عظيمٌ، وتوفيةُ جزاء المعاصي وعَيدٍ عظيمٌ، والجملة تعليل لما قبلها، فعلى العاقلِ أن ينتبهَ من الغفلة، ويجانبَ ما يخالفَ أمر الله تعالى، فإن الله سبحانه وتعالى لا يفوته منه شيء. وقرأ (1) الحرمِيَّان نافع وابن كثير، وأبو بكر:{وَإِنَّ كُلًّا} بتخفيف النون ساكنة. وقرأ الباقون بتشديد: (إنَّ). وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة:{لَمَّا} بالتشديد هنا وفي يس والطارق. وأجمعت السبعة على نصب (كُلًّا). فَتُصوَّر في قراءتهم أربع قراءات:

إحداها: تخفيفُ (إنْ) وتخفيف (لمَا) وهي قراءة الحرميان.

والثانية: تشديدهما، وهي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص.

والثالثة: تخفيف (إن) وتشديد لمَّا، وهي قراءة أبي بكر.

والرابعة: تشديد (إنَّ) وتخفيف لما، وهي قراءة الكسائي وأبي عمرو.

وقرأ أبيٌّ والحسن بخلاف عنه، وأبان بن تغلب، و {إنْ} بالتخفيف {كل} بالرفع {لمَّا} مشددًا. وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم:{وَإِن كلًّا لمَّا} بتشديد الميم وتنوينها ولم يتعرضوا لتخفيف (إنْ) ولا تشديدها. وقال أبو حاتم الذي في مصحف أبي: {وإن مِنْ كُلَّ إِلَّا لَيُوفِيَّنَهم} . وقرأ الأعمش: {وإنْ كلُّ إلا} وهو حرف ابن مسعود. فهذه أربعة وجوه في الشاذ.

‌112

- ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه فقال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} ؛ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها في العقائد والأعمال

(1) البحر المحيط.

ص: 258

والأخلاق، فإنَّ الاستقامةَ في العقائد اجتناب التشبيه، والتعطيل، وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة، والنقصان، وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط، وهذا في غاية العسر؛ أي؛ إذا تبين عندك يا محمَّد أحوال القرون الأولى، وأن إخوانَك الأَنبياء، ومؤمنيهم تحملوا من قومهم الأذى، وصبروا، واستقاموا على طريقتهم المثلى إلى أن يأتِيَ أمر الله تعالى، فأقولُ لك دُم أنت أيضًا على الاستقامة على التوحيد، والدعوة إليه كما أمركَ اللَّهُ تعالى فيَدْخُلْ في ذِلك جميع ما أمره به، وجميع ما نهاه عنه؛ لأنه قد أَمَره بِتَجَنُّبِ ما نهاه عنه كما أَمَره بفعل ما تعبّده بفعله، وأمته أسوة في ذلك. ولهذا قال:{وَمَن تَابَ مَعَكَ} ؛ أي: رَجَعَ من الكفر إلى الإِسلام، وشاركَكَ في الإيمان، وهو معطوف على الضمير في {فَاسْتَقِمْ} لأنَّ الفَصَل بين المعطوف والضمير المرفوع المعطوف عليه يقوم مقامَ التأكيد؛ أي: وليستَقِمْ مَنْ تاب معك. ومَا أعظمَ مَوْقِعَ هذه الآية، وأشدَّ أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهَّرةُ والذواتُ المقَدَّسة. ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"شيبتنِي هود"؛ أي (1): ومَنْ تاب من الشرك، والكفر، وشارَكَك في الإيمان، هو المعني بالمعية، وإلا فليس لهم مصاحبة له في التوبة عما ذكر؛ إذ الأنبياء مَعْصُومون عن الكفر، وكذا عن تعمد الكبائر قبل الوحي، وبعده بالإجماع. {وَلَا تَطْغَوْا}؛ أي: ولا تَنْحَرِفوا عما حدَّ لكم بإفراط، وتفريط، فإنَّ كِلَا طرفي قصد الأمور ذميم، وإنما سمِّي ذلك طغيانًا، وهو تجاوز الحد، تغليظًا أو تغليبًا لحال سائر المؤمنين على حاله صلى الله عليه وسلم. والطغيان (2) مجاوزة الحد. ولَمَّا أمَرَ الله سبحانه بالاستقامة المذكورة بَيَّن أن الغلوَّ في العبادة، والإفراطَ في الطاعة، على وجه تخْرج به عن الحد الذي حدَّه، والمقدار الذي قدَّره ممنوع منه منهي عنه، وذلك كمن يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلالَ الذي أَذِنَ الله به، ورغَّب فيه. ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه:"أمَّا أَنَا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساءَ فمَن رَغِبَ عن سنتي فليس مني". والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولأمته تغليبًا لحالهم على

(1) روح البيان.

(2)

الشوكاني.

ص: 259

حاله، أو النهي عن الطغيان خاص بالأمة. {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}؛ أي: عالم بأعمالكم لا يخفَى عليه شيء منها، فيجازِيكم على ذلك، فاتقوه في المحافظة على حدوده، وهو في معنى التعليل للأمر والنهي السابقين في الآية. وقرأ الحسن والأعمش:{بما يعملون} بالياء على الغيبة، ورُويت عن عيسى الثقفي.

وحاصل معنى الآية (1): أي فالزم الصراطَ المستقيمَ الذي لا عوج فيه، واثبت عليه، وكذلك فليستقم من تاب من الشرك وآمن معك، ولا تنحرفوا عما رُسِمَ لكم بتجاوز حدوده غلوًا في الدين، فإن الإفراط فيه كالتفريط، كلاهما زيغ عن الصراط المستقيم.

وفي هذا إيماء إلى وجوب اتباع النصوص في الأمور الدينية من عقائد، وعبادات، واجتناب الرأي، وبطلان التقليد فيها، وإيضاح هذا أنَّ تحكيمَ العقل البشري في الخوض في ذات الله وصفاته، وفيما دون ذَلك من عَالَم الغيب كالملائكة، والعرش، والجنة، والنار تجاوز لحدوده، فإن أكبرَ العلماء والفلاسفة عقولًا عجزوا إلى اليوم عن معرفة كنه أنفسهم، وأنفس ما دونَهم من المخلوقات صغيرها وكبيرها، حتى الحشرات منها كالنحل والنمل، فأنَّى لهم أن يعرفوا كنهَ ذات الله تعالى وصفاته، أو معرفة حقيقة ملائكته وغيرهم من جند الله تعالى.

ولما خرج متأخروا الأمة عن هدي سلفهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان زَاغُوا فكانوا {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)} . فسَقَطَ بعضهم في خيال التشبيه، وبعضهم في خيال التعطيل، ولو كانوا قد نهجوا نهج السابقين، لتجنبوا أسباب الخلاف والتفرق في الدين الذي أوعد الله أهله بالعذاب العظيم، وبرأ رسولَه منهم.

والواجب التزام كتاب الله تعالى، وما فسرته به سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من

(1) المراغي.

ص: 260