المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بعد هذا القول سبعَ سِنين، وقَبْلَه خمسًا، فالجملة اثنتا عشرةَ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: بعد هذا القول سبعَ سِنين، وقَبْلَه خمسًا، فالجملة اثنتا عشرةَ

بعد هذا القول سبعَ سِنين، وقَبْلَه خمسًا، فالجملة اثنتا عشرةَ سنةً. وهذه الجملة تؤيِّدَ (1) عَوْدَ الضمير في أنساه إلى يوسف، ويؤيِّد عوده إلى الذي نجا منهما قوله فيما سيأتي:{وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أي سنة.

والمعنى: وقال يوسف (2) للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند سيدك الملك، بما رأيتَ مني، وما سمعتَ، وعلمت من أمري عَلَّه ينصفني ممَّنْ ظلمني، ويخرجني من ضائقة السجن، ومما هو جدير أن يذكره به من دَعْوَتِهِ إياهم إلى التوحيد، وتأويله للرؤيا، وإنبائهم بكل ما يأتيهم من طعام وشراب، وغيرهما، قبل إتيانه، وفُتْيَاه التي أفتى بها {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ}؛ أي: فأنسى الشيطانُ ذلك الساقيَ النَّاجيَ تذكر إخبار ربه؛ أي: أن يَذْكُرَ يوسف للملك {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} منسيًّا مظلومًا. والبضع من ثلاث إلى تسع، وأكثرُ ما يطلق على السبع، وعليه الأكثرون في مدة سجن يوسف. وقيل: ثنتا عشرة سَنَةً. وقيل: أربع عشرةَ سنةً. وقيل: خَمس سنينَ.

رؤيا ملك مصر وتأويل يوسف عليه السلام لها

‌43

- ولما دنا فرج يوسف عليه السلام، وأراد الله عز وجل إخراجَه من السجن رأى مَلِكَ مِصْرَ الأكبر رُؤيا عجيبةً هالته، وذلك أنه رَأَى في منامه سَبعَ بقرات سمان، قد خَرَجْنَ من البحر، ثُمَّ خَرَجَ عَقِيبَهن سبع بقرات عجاف، في غاية الهزال، فابتلع العِجافُ السمانَ، ودَخَلْن في بطونهن، ولم ير منهن شيء، ولم يتبين على العجاف منها شيء، ورأى سنبلات خضرًا قد انعَقَد حبها، وسبعَ سنبلات أخر اليابسات، قد استحصدت، فالتوت يابسات على الخُضْر، حتى علون عليهن، ولم يبقَ من خضرتها شيء، فجَمَع السحرة والكهنة والمعبّرين، وقص عليهم رؤياه التي رآها فذلك قوله تعالى:{وَقَالَ الْمَلِكُ} ؛ أي: ملك مصر الأكبرُ، وهو الريَّانُ بن الوليد الذي كَانَ العزيز، وزيرًا له، {إِنِّي أَرَى} في المنام عَبَّر بالمضارع حكايةً للحال الماضية، وكذلك قوله الآتي:{يَأْكُلُهُنَّ} ؛ أي:

(1) الشوكاني.

(2)

المراغي.

ص: 429

قال: إني رأي فيما يَرَى النائم رُؤْيا جَلِيَّةً كأني أراها الآن {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} جمع سمين، وسمينة خرجن من نهر يابس في إثرهن سبع عجاف؛ أي: مهازيلُ {يَأْكُلُهُنَّ} ؛ أي: يأكل تلك السمان {سَبْعٌ عِجَافٌ} ؛ أي: فابتلعت العجاف السمان. والعجاف: جمع عجفاءَ على غير قياس. وقياس جمعه: عُجْفٌ؛ لأنَّ فَعْلَاءَ وأفْعل لا يجمع على فعال كما سيأتي في مبحث الصرف إن شاء الله تعالى، ولكنه عَدَلَ عن القياس حَمْلًا على سمان. {و} إني رأيت {سبع سنبلات} جمع سنبلة، وهي ما يكون فيه الحب كسنبلة الحنطة {خُضْرٍ} قد انعَقَدَ حبها جمع خضراء، وهي التي لم تبلغ أوانَ الحصاد {و} رأيت سبعًا {أُخَرَ يابسات} قَدْ أدركت، وبلغت أوانَ الحصاد جمع يابسة، واليابس من السنبل ما آن حصاده، فالْتَوَتْ اليابساتُ على الخضر، حتى غلبن عليها، واستغنى عن بيان حالها، بما قصَّ مِنْ حال البقرات.

فلما (1) استيقظ من منامه، اضطرب بسبب أنَّهُ شاهَدَ أنَّ الناقص الضعيفَ، استولى على الكامل القوي، فشهدت فطرته بأنَّ هذه الرؤيا صورة شر عظيم، يقع في المملكة إلا أنه ما عَرَفَ كَيفية الحال فيه، فاشتاقَ ورغِبَ في تحصيل المعرفة بتعبير رؤياه، فجمع أعْيَانَ مملكته من العلماء والحكماء، وكذا الكهنة والمنجمين، وأخْبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها فأعجزهم الله تعالى عن تأويل هذه الرؤيا؛ ليكون ذلك سببًا لخلاص يُوسُفَ من السجن، وذلك قوله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ} والأشراف من قومي المعبرون للرؤيا فهو خطاب للأشراف من العلماء، والحكماء، أو للسحرة، والكهنة، والمنجمين، وغيرهم {أَفْتُونِي} وأجيبوا لي {فِي} تأويل {رُؤْيَايَ} هذه؛ أي: عبِّروها لي وبيِّنوا حكمَها، وما تؤول إليه من العاقبة {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}؛ أي: إن كنتم تعلمون تعبيرَ جنس الرؤيا، وتفسيرَ المنام؛ أي: عبروها (2) لي إنْ كنتم تعبرون الرؤيا، وتبينونَ المعنى الحقيقيَّ المرادَ من المعنى المثاليّ، فيكون حالكم حالَ

(1) روح البيان.

(2)

المراغي.

ص: 430