الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي: وعزتي وجلالي .. لقد أرسلنا وبعثنا نوحًا عليه السلام إلى قومه قائلًا لهم: يا قوم {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي: مخوف لكم من عذاب الله تعالى، وبأسه إن خالفتم أمر الله سبحانه وعبدتُم غَيرَه {مبِينٌ}؛ أي: بَيّن الإنذار، أبيِّن لكم موجبات العذاب، ووجه الخلاص منه.
أي: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه قائلًا لهم: إني لكم نذير من الله أنْذركم بأْسَه على كفركم به فآمنوا به، وأطيعوا أمْرَه.
وقرأ النحويان (1) أبو عَمرو، والكسائي، وابن كثير:(أَنَّي) بفتح (الهمزة)؛ أي: بأني وباقي السبعة بكسرها على إضمار القول
26
- ثم فسَّر هذا الإنذار بقوله: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} بدل (2) من {إني لكم ..} إلخ. على قراءة الفتح ومجرور بالباء المقدرة التي للتعدية المتعلِّقة بـ {أَرْسَلْنَا} ؛ أي: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بأن لا تعبدوا إلا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وكانوا أولَ مَنْ أشْركَ بالله، واتخذوا الأندادَ، وكان هو أوَّل رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ثم علل هذا بقوله:{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} ؛ أي: إن لم تخصوه بالعبادة، وتفردوه بالتوحيد، وتخلعوا ما دونه من الأنداد، والأوثان .. أخَف عليكم من الله عذابَ يوم مؤلم عِقَابُه وعذابه، لمن عذب فيه، وهو يوم القيامة أو يوم الطوفان، ووصفَه بالأليم من باب الإسناد المجازي مبالغةً، وقد أجابوه عن مقالته بأربع حجج داحضةٍ ظنًّا منهم أنها تكفي في رد دعوته، وهذا الجواب يتضمَّن الطعنَ منهم في نبوته من ثلاثِ جهات:
27
- الجهة الأولى: ما ذكره بقوله {فَقَالَ الْمَلَأُ} ؛ أي: الأشراف، والرؤساء الذين كفروا من قومه؛ أي: من قوم نوح، ووصفهم بالكفر ذمًّا لهم، وفيه دليلٌ على أنَّ بعضَ أشرافِ قومه لم يكونوا كفرةً {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا}؛ أي: ما نعلمك إلا آدمِيًّا مثلنا، ليس فيك مزية تخصك بوجوب الطاعة علينا؛ أي: نحن وأنت مشتركون في البشرية، فلم يكن لك علينا مزيةٌ تستحق بها النبوةَ دُوننا؟
(1) البحر المحيط.
(2)
المراح.
وهذه هي الجهة الأولى من جهات طعنهم.
والجهة الثانية: ما ذكره بقوله {وَمَا نَرَاكَ} يا نوح {اتَّبَعَكَ} ، وأطاعك في دعوتك {إِلَّا} الأقوام {الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} وأخساؤنا كالحجَّامين والنساجين والأساكفة، ولم يَتْبَعْكَ أحد من الأشراف، فليس لك علينا مزية باتباع هؤلاء الأراذل لك، وانتصاب {بَادِيَ الرَّأْيِ} على الظرفية، والعامل فيه اتبعك؛ أي: اتبعوك في ظاهر رأيهم، وابتداء فكرهم من غير تعمق، ولا تأمل فيه، ولو احتاطُوا في الكفر ما اتبعوك؛ أي: وإنَّا لم نَرَ متبعيك إلّا الأَخساء والفقراء كالزراع والصناع، ومن في حكمهم في المكَانَة الاجتماعية باديَ الرأي قبل التأمل في عواقبه، والنظر في مستنده، وترجيح العقل له، وهذا مما يرجِّح ردَّ الدَّعوة، والتولي عنها.
والجهة الثالثة من جهات طعنهم في نبوته: ما ذكره بقوله: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} ؛ أي: لا نرى لك، ولمن اتَّبعك من الأراذل فضْلًا علينا لا في العقل، ولا في رعاية المصالح العاجلة، ولا في قوة الجَدَل تتميزون به عنا، وتستحقون به ما تدعونه، خاطبوه في الوجهَين الأولَين منفردًا، وفي هذا الوجه خاطبوه مع متبعيه.
والمعنى: وما نَرى لك، ولمن اتبعك أدْنَى امتياز عنا من قوة أو كثرة علم، أو أصالة رَأي يَحْمِلُنا على اتباعكم، ويَجْعَلُنا ننزِل عن جاهِنا ومالِنا، ونكون نحنُ وأنتم سواءَ، ثم أضرَبوا عن الثلاثةِ المَطَاعن، وانتقلوا إلى ظنهم المجرد عن البرهان، الذي لا مستندَ له إلا مجردَ العصبية، والحسد، واستبقاءَ ما هم فيه من الرياسة الدنيوية، وهذا هو الجوابُ الرابعُ فقالوا {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} فيما تدَّعُون؛ أي: بل إنَّا نُرَجِّحُ الحكم عليك، وعليهم بالكذب، فأنت كاذب في دعوى النبوة، وهم كاذبون في تَصْدِيقك؛ أي: بل نَظَنُّك يا نوح كاذبًا في دعوى النبوة، ونظن أصحابكَ كَاذِبينَ في تصديق نبوتك.
وقرأ أبو عمرو، وعيسى الثقفي (1):{بادئ الرأي} من بَدأ يبدأ، ومعناه:
(1) البحر المحيط.