المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والولد، والقول بأنه لا يقدر على إحياء الموتى، وأنه لا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٥

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: والولد، والقول بأنه لا يقدر على إحياء الموتى، وأنه لا

والولد، والقول بأنه لا يقدر على إحياء الموتى، وأنه لا يبعث البشر رسلًا.

والثاني: إثبات الشركاء والأنداد له تعالى، فالكفر المذكور أولًا مغاير لإثبات الأنداد له؛ ضرورة عطف أحدهما على الآخر.

{ذَلِكَ} العظيم الشأن، الذي فعل ما ذكر من خلق الأرض في يومين، وهو مبتدأ، خبره: قوله: {رَبُّ الْعَالَمِينَ} ؛ أي: خالق جميع الموجودات ومربيها دون الأرض خاصة، فكيف يتصور أن يكون أخس مخلوقاته ندًا له تعالى؟ وعبارة المراغي هنا:{ذَلِكَ} الذي (1) خلق الأرض في نوبتين - نوبةً جعلها جامدةً بعد أن كانت كرةً غازيةً، ومرةً جعلها ستًا وعشرين طبقةً في ستة أطوار، كما بين ذلك علماء طبقات الأرض الجيولوجيا - هو {رَبُّ الْعَالَمِينَ} لا ربها وحدها، فهو مربي المخلوقات جميعًا، فإن رباها في نوبتين .. فقد ربى غيرها في نوبات، يعلم سبحانه عددها، فكيف يكون شيء منها ندًا له، وضريبًا؟

‌10

- ثم بين أحكام ذلك الخلق وحسن تدبيره، فقال:{وَجَعَلَ فِيهَا} ؛ أي: في الأرض {رَوَاسِيَ} ؛ أي: جبالًا ثوابت {مِنْ فَوْقِهَا} ؛ أي: من فوق الأرض، وهو معطوف على {خَلَقَ}: داخل في حكم الصلة؛ أي: كيف تكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، والجعل (2): إبداعي، والمراد: تقدير الجعل، لا الجعل بالفعل، والمراد بالرواسي: الجبال الثابتة المستقرة، و {مِنْ فَوْقِهَا} متعلق بجعل أو بمضمر، هو صفة لـ {رَوَاسِيَ}؛ أي: كائنةً (3) من فوقها، مرتفعة عليها، لتكون منافعها ظاهرةً للطلاب، وليظهر للناظر ما فيها من وجوه الاستدلال، وإلا فالجبال التي أثبتت فوق الأرض لا تمنعها عن الميدان، ولو كانت تحتها كأساطين الغرف، أو مركوزة فيها كالمسامير. لمنعتها عنه.

والمعنى (4): أي كائنةً من فوق الأرض، ليرى الإنسان بعينه، وليتفكر بقلبه أن الجبال أثقال على أثقال، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله تعالى، ولو جعل في الأرض رواسي من تحتها .. لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، وقيل: جملة

(1) المراغي.

(2)

روح البيان.

(3)

روح البيان.

(4)

المراح.

ص: 309

{وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} : مستأنفة غير معطوفة على {خَلَقَ} لوقوع الفصل بينهما بالأجنبي، والأول أولى لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما قبلها، فكانت بمنزلة التأكيد، ومعنى {مِنْ فَوْقِهَا}: أنها مرتفعة عليها، لأنها من أجزاء الأرض، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع، فكانت من هذه الحيثية كالمغايرة لها.

وعبارة المراغي: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} ؛ أي (1): وجعل في الأرض جبالًا ثوابت مرتفعةً عليها، أسسها في الأرض وهي الطبقة الصوانية، وهذه الطبقة هي التي برزت منها الجبال، فالجبال أساسها بعيدة الغور، ضاربة في جميع الطبقات، واصلة إلى أول طبقة وهي الطبقة الصوانية، التي لولاها لم تكن الأرض أرضًا، ولم نستقر عليها، فأرضنا كرة من النار، غطيت بطبقة صوانية فوقها طبقات، ألطف منها تكون فيها الحيوان والنبات على مدى الزمان، والجبال نتوءات نتأت من تلك الطبقة، وارتفعت فوقها عشرات آلاف الكيلومترات، وصارت مخازن المياه والمعادن، وهداية للطرق، وحافظة للهواء والسحاب. انتهى.

{وَبَارَكَ فِيهَا} ؛ أي: في الأرض؛ أي: أنزل البركة والخير فيها، بشق الأنهار وخلق الأشجار والثمار، وأصناف الحيوانات، وكل ما يحتاج إليه من الخيرات؛ أي: وجعلها مباركةً كثيرة الخيرات، بما خلق فيها من المنافع، فجعل جبالها مبدأ لجريان الأنهار، ومخازن للمعادن، كالذهب والفضة والحديد والنحاس {وَقَدَّرَ فِيهَا}؛ أي: وأوجد في الأرض {أَقْوَاتَهَا} ؛ أي: أقوات أهلها وأرزاقهم، من الأنواع المختلفة المناسبة لها على مقدار معين، تقتضيه الحكمة البالغة؛ أي: قدر لأهلها من الأقوات ما يناسب حال كل إقليم، من مطاعم وملابس ونبات، ليكون بعض الناس محتاجًا إلى بعض، فتروج المتاجر بينهم، وتنتقل المحصولات والمنتوجات من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، وفي هذا عمار للأرض، وانتظام أمور العالم.

وأضاف (2) الأقوات إلى الأرض من حيث هي فيها وعنها برزت. قاله السدي.

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

ص: 310

وقُرِىء (1): {وقسم فيها أقواتا} ؛ أي (2): قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم. وقيل: قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى، ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة، وقيل: قدر البر لأهل قطر من الأرض، والتمر لأهل قطر آخر، والذرة لأهل قطر، والسمك لأهل قطر، وكذلك سائر الأقوات، وقيل: إن الزراعة أكثر الحرف بركةً، لأن الله تعالى وضع الأقوات في الأرض، قال تعالى:{وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} ؛ أي: مع اليومين الأولين من أيام الآخرة (3)، أو من أيام الدنيا، فخلق الأرض في يومين، وقدر الأقوات في يومين، وهما يوم الثلاثاء والأربعاء، فصارت أربعة أيام، رد الآخر على الأول في الذكر؛ أي: أن خلق الأرض وجعل الرواسي فيها في يومين، وإكثار خيراتها وتقدير أقواتها في يومين، فيكون ذلك في أربعة أيام. كما يقول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يومًا؛ أي: في تتمة خمسة عشر يومًا.

وقصارى ذلك: أن حصول جميع ما تقدم من خلق الأرض وخلق الجبال الرواسي فيها، وتقدير الأقوات في أربعة أيام، حالة كون تلك الأيام الأربعة {سَوَاءً}؛ أي: مستويةً كاملة تامة بلا زيادة ولا نقصان.

وقرأ الجمهور: {سَوَاءً} بالنصب على الحال من {أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} لتخصصه بالإضافة، أو من الأرض، أو من الضمائر الراجعة إليها، أو على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة لـ {الأَيَّامٍ}؛ أي: استوت تلك الأيام وتمت سواءً؛ أي: استواءً وتمامًا، وقرأ أبو جعفر؛ برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي سواء؛ أي: تلك الأربعة مستوية تامة، وقرأ زيد بن علي والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب وعمرو بن عبيد: بخفضه، على أنه صفة لـ {أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ}؛ أي: في أربعة أيام مستوية تامة كاملة.

وقوله: {لِلسَّائِلِينَ} : متعلق بمحذوف، تقديره: هذا الحصر في الأربعة للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، القائلين: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ فالسؤال استفتائي، و {اللام}: للبيان أو متعلق بقدر. قال في "بحر العلوم" وهذا هو الظاهر؛ أي: قدر فيها أقواتها لأجل السائلين؛ أي: لأجل الطالبين لها،

(1) المراح.

(2)

الخازن.

(3)

روح البيان.

ص: 311