المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

من الفزع الأكبر، وسائر أهوال يوم القيامة، إنما يقع قبل - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٥

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: من الفزع الأكبر، وسائر أهوال يوم القيامة، إنما يقع قبل

من الفزع الأكبر، وسائر أهوال يوم القيامة، إنما يقع قبل دخول الجنة، ويقال أجمع العبارات لنعيم الجنة قوله:{وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} وأجمع العبارات لعذاب الآخرة قوله: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} .

وفي "التأويلات النَّجمية": {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ؛ لأنهم تقرّبوا إلى الله تعالى بالاتّقاء به عما سواه، فأوجب الله سبحانه في ذمة كرمه أن يتقرّب إليهم بإعطاء ما يشاؤون من عنده، بحسب حسن استعدادهم. {ذَلِكَ}؛ أي: حصول ما يشاؤونه، وهو مبتدأ، خبره:{جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} ؛ أي: ثواب الذين أحسنوا أعمالهم، بأن عملوها على مشاهدة الحق، وقد ثبت في "الصحيح" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن:"الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه .. فإنه يراك".

‌35

- ثم بين سبحانه ما هو الغاية مما لهم عند ربهم، فقال:{لِيُكَفِّرَ اللَّهُ} سبحانه ويستر، {عَنْهُمْ أَسْوَأَ} وأقبح وأفحش العمل {الَّذِي عَمِلُوا} ، من الذنوب والسيئات، فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم؛ لأنَّ الله سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم .. غفر لهم ما دونه بطريق الأولى، و (اللام) (1): إما متعلقة بـ {الْمُحْسِنِينَ} ؛ يعني الذين أحسنوا رجاء أن يكفّر الله عنهم، أو بالجزاء؛ يعني جزاهم كي يكفّر عنهم، كذا في "كشف الأسرار". وقال أبو السعود رحمه الله:(اللام): متعلق بقوله: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ} ، باعتبار فحواه الذي هو الوعد؛ أي: وعدهم الله تعالى جميع ما يشاؤونه من زوال المضار وحصول المسارّ؛ ليكفر عنهم بموجب الوعد أسوأ الذي عملوا، دفعًا لمضارهم، أو بمحذوف تقديره: يسّر لهم ذلك ليكفر.

وقرأ الجمهور (2): {أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} ، والظاهر أنه اسم تفضيل، وقيل: إنّ أفعل هنا ليس للتفضيل، وهو كقولك: الأشجّ أعدل بني مروان؛ أي: عادل، فكذلك هذا؛ أي: سيّىء الذي عملوا، ويدل على هذا التأويل قراءة ابن مقسم وحامد بن يحيي عن ابن كثير:{أسواء} هنا وفي حم السجدة بألف بين الواو والهمزة بزنة أجمال، جمع سوء، ولا تفضيل فيه.

(1) روح البيان.

(2)

البحر المحيط.

ص: 11

والمعنى (1): لهم من الكرامة عند ربهم ما تشتهيه أنفسهم، وتقرّ به أعينهم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وذلك جزاء من أحسن عملًا، فأخلص لربه في السرّ والنجوى، وراقبه في أقواله وأفعاله، وعلم أنه محاسب على النقير والقطمير والجليل والحقير. {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} وذلك أعظم ما يرجونه من دفع الضرّ عنهم، والنفس: إذا علمت زوال المكروه عنها .. كان لها في ذلك سرور ولذّة تعدل السرور واللذة بجلب المنافع لها.

ولما ذكر سبحانه ما يدلّ على دفع المضارّ عنهم .. ذكر ما يدلّ على جلب أعظم المنافع إليهم، فقال:{وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ} ؛ أي: ويعطيهم ثوابهم {بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ أي: على حسن ما كانوا يعملونه؛ أي: ويثيبهم بمحاسن أعمالهم ولا يجزيهم بمساوئها، فهو معطوف على {يُكَفِّرَ} ، والظاهر: أنّ الأسوأ والأحسن بمعنى السيء والحسن، فأفعل التفضيل ليس (2) على بابه، فبهذا الاعتبار عمّ الأسوأ جميع معاصيهم، والأحسن جميع حسناتهم، ولولا هذا التاوبل .. لاقتضى النظم أنه يكفّر عنهم أقبح السيئات فقط، ويجزيهم على أفضل الحسنات فقط، هذا مراده، والله أعلم بمعاني كتابه. اهـ شيخنا، وقال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوىء، وقدّم تكفير السيئات على إعطاء الثواب؛ لأنّ دفع المضارّ أهمُّ من جلب المسارّ، وفي ذكر تكفير الأسوأ؛ إشارة إلى استعظامم للمعصية مطلقًا، لشدّة خوفهم من الله تعالى، وإلى أنّ الحسن الذي يعملونه هو الأحسن عند الله تعالى لحسن إخلاصهم فيه.

واعلم (3): أنّ سبب اِلتكفير والأجر الأحسن هو الصدق، وهو من المواهب لا من المكاسب في الحقيقة، وإن كان حصول أثره منوطًا بفعل العبد، ويجري في القول والفعل والوعد والعزم.

والصدق: وديعة الله في عباده، ليس للنفس فيه نصيب؛ لأنّ الصدق سبيل إلى الحق، وأبى الله أن يكون لصاحب النفس إليه سبيل.

(1) المراغي.

(2)

الفتوحات.

(3)

روح البيان.

ص: 12