المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

السابقة عليه، كالتوراة والإنجيل والزبور {وَلَا} وَلَا يأتي {مِنْ خَلْفِهِ}؛ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٥

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: السابقة عليه، كالتوراة والإنجيل والزبور {وَلَا} وَلَا يأتي {مِنْ خَلْفِهِ}؛

السابقة عليه، كالتوراة والإنجيل والزبور {وَلَا} وَلَا يأتي {مِنْ خَلْفِهِ}؛ أي: من بعده كتاب يكذّبه وينسخه. قاله سعيد بن جبير والكلبي، صفة أخرى لـ {كِتَابٌ} أو المعنى: لا يتطرّق إليه الباطل، ولا يجد إليه سبيلًا من جة من الجهات الست، حتى يصل إليه ويتعلق به؛ أي: متى راموا إبطالًا له لم يصلوا إليه، ذكر أظهر الجهات وأكثرها في الاعتبار وهو جهة القدّام والخاف، وأريد الجهات بأسرها، فيكون قوله: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ

} إلخ، استعارةً تمثلية، شُبّه الكتاب في عدم تطرّق الباطل إليه بوجه من الوجوه، بمن هو محمي بحماية غالب قاهر يمنع جاره من أن يتعرض له العدو من جهة من جهاته، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، بأن عبّر عن المشبّه بما عبّر به عن المشبّه به، فقال: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ

} إلخ. أو المعنى: لا يأتيه الباطلُ فيما أخبر عما مضي، ولا فيما أخبر عن الأمور الآتية، أو الباطل هو الشيطان؛ أي: لا يستطيع أن يزيد فيه ولا ينقص منه. وقال الزجاج: معناه: إنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه، فيأتيه الباطل من خلفه. وبه قال قتادة والسدّي.

قصارى ذلك: أَنَّ الباطل لا يتطرّق إليه، ولا يجد إليه سبيلًا من جهة من الجهات حتى يصل إليه، فكل ما فيه حق وصدق، وليس فيه ما لا يطابق الواقع، {تَنْزِيلٌ}؛ أي: هو تنزيل، أو (1) صفة أخرى لـ {كِتَابٌ} مفيدة لفخامته الإضافية بعد إفادة فخامته الذاتيه، وكل ذلك لتأكيد بطلان الكفر بالقرآن {مِنْ حَكِيمٍ}؛ أي: حكيم مانع عن تبديل معانيه بإحكام مبانيه {حَمِيدٍ} ؛ أي: حميد مستحق للتحميد بإلهام معانيه، أو يحمده كل خلق في كل مكان بلسان الحال والمقال بما وصل إليه من نعمه، أو المعنى: هو تنزيل من عند ذي الحكمة بتدبير شؤون عباده، المحمود على ما أسدى إليهم من النعم التي منها تنزيل هذا الكاتب، بل هو أجلّها.

‌43

- ثم سلّى سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم عن ما كان يتأثر له، من أذيّة الكفار، فقال:{مَا يُقَالُ لَكَ} ؛ أي: ما يقال في شأنك وفي شأن ما أنزل إليك من القرآن من جهة كفّار قومك {إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} من جهة قومهم؛ أي: إلا مثل ما قد قيل في حقهم وفي حق الكتاب السماوية المنزّلة عليهم، مما لا خير فيه، من الساحر

(1) روح البيان.

ص: 380

والكاهن والمجنون والأساطين ونحوها؛ أي (1): ما يقول لك هؤلاء المشركون المكذبون ما جئتهم به من عند ربّك، إلا مثل ما قالته الأمم التي كذبت رسلها من قبلهم، فاصبر على ما نالك منهم من أذًى كما صبر أولو العزم من الرسل. وقد يكون المعنى: ما يقال لك من التوحيد، وإخلاص العبادة له إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، فإن الشرائع كلها متفقة على ذلك التوحيد، وإن اختلفت في غيره تبعًا للزمان والمكان. وقيل (2): هو استفهام؛ أي: أيُّ شيء يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك؟ ونحو الآية على المعنى الأول قوله: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)} وعلى المعنى الثاني قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} .

ثمَّ ذكر علة أمره بالصبر فقال: {إِنَّ رَبَّكَ} يا محمد {لَذُو مَغْفِرَةٍ} لأنبيائه ومن آمن بهم {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} لأعدائهم الذين لم يؤمنوا بهم. وبما أنزل إليهم، والتزموا الأذيّة بهم، وقد نصر من قبلك من الرسل، وانتقم من أعدائهم، وسيفعل مثل ذلك بك وبأعدائك أيضًا، أو المعنى:{إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} لمن يستحق مغفرته من الموحّدين، الذين بايعوك وبايعوا من قبلك من الأنبياء {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} للكفار المكذّبين، المعادين لرسل الله تعالى. أو المعنى (3): إن ربك لذو مغفرة للتائبين إليه من ذنوبهم، بالصفح عنهم، وذو عقاب مؤلم لمن أصرّ على كفره، ومات على ذلك قبل التوبة.

وفي الآية (4): إشارة إلى حال العلماء والدعاة، فإنهم ورثة الأنبياء، فلهم أعداء وحسّاد يطلقون ألسنتهم في حقهم باللوم والطعن بالجنون والجهل ونحو ذلك، ولكنهم يصبرون على الجفاء والأذى، فيظفرون بمراداتهم كما صبر الأنبياء فظفروا وفي آية أخرى:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} ؛ أي: ظاهرًا بهلاك قومهم، أو بإجابة الدعوة وباطنا بالتخلق بالأخلاق الإلهية مثل الصبر، فإنه نصر أيُّ نصر، إذ به يحصل المرام، وبالصبر ينقلب الإنسان

(1) المراغي.

(2)

الشوكاني.

(3)

المراغي.

(4)

روح البيان.

ص: 381