المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والثبور، بنحو قولهم: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٥

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: والثبور، بنحو قولهم: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا

والثبور، بنحو قولهم:{مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا من الجنة والنعيم المقيم حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم من عذاب النار حقًا؟ قالوا: نعم، ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله.

وقرأ الجمهور (1): {التَّنَادِ} بتخفيف الدال وحذف الياء، والأصل: التنادي، وهو التفاعل من النداء، يقال: تنادى القوم؛ أي: نادى بعضهم بعضًا، وقرأ الحسن وابن السميفع ويعقوب وابن كثير ومجاهد: بإثبات الياء على الأصل، وقرأ ابن عباس والضحَّاك وعكرمة: بتشديد الدال؛ أي: يوم فرار بعضهم من بعض، قال بعض أهل اللغة: هو لحن؛ لأنه من ند يندّ: إذا مرّ على وجهه هاربًا، قال النحاس: وهذا غلط، والقراءة حسنةٌ على معنى التنافي، قال الضحاك: معناه: أنهم إذا سمعوا بزفير جهنم .. ندّوا هربًا فلا يأتون قطرًا من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفًا من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى:{يَوْمَ التَّنَادِ} .

والمعنى على قراءة الجمهور: يوم ينادي بعضهم بعضًا، أو ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، أو ينادى فيه بسعادة السعداء، وشقاوة الأشقياء، أو يوم ينادى فيه: كل أناس بإمامهم، ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني.

‌33

- وقوله تعالى: {يَوْمَ تُوَلُّونَ} بدل من يوم التناد، أي: إني أخاف عليكم عذاب يوم يولّي بعضكم بعضًا دبره، حال كونكم {مُدْبِرِينَ}؛ أي: منصرفين من الموقف إلى النار، أو فارّين منها، لأنهم إذ سمعوا زفير النار .. ندّوا هاربين، فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا ملائكةُ صفوفًا، فبينما هم يموج بعضهم في بعض .. إذا سمعوا مناديًا: أقبلوا إلى الحساب، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، وحال كونكم {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}؛ أي: ما لكم من عاصم يعصمكم من عذابه تعالى، ويحفظكم في فراركم حتى تعذَّبوا في النار، والجملة: حال أخرى من ضمير {تُوَلُّونَ} .

(1) الشوكاني.

ص: 176

والمعنى: أي إني أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، حين ينادي بعضكم بعضًا ليستغيث به من شدّة الهول، أو حين ينادي أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ قالوا: نعم، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله، قالوا: إن الله حرّمهما على الكافرين يوم تولّون مدبرين هربًا من زفير النار وشهيقها، فلا يُجْديكم ذلك شيئًا، ولا تجدون من يعصمكم من العذاب فتردّون إليه، ونالكم منه ما قدّر لكم وكتب عليكم.

ولما يئس الرجال المؤمن من إيمانهم .. نبّه إلى شدّة ضلالتهم وعظيم جهالتهم، فقال:{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} ؛ أي: ومن يخذله الله ولا يلهمه رشده {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه إلى طريق النجاة، ويوفّقه إلى الخلاص، وفي هذا إيماء إلى أنه يئس من قبولهم نصحه.

وفي الآيات (1): إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى إذا شاء بكمال قدرته إظهارًا لفضله ومنته، يخرج الحيّ من الميّت، كما أخرج من آل فرعون مؤمنًا حيًّا قلبه بالإيمان، من بين كفارٍ أموات قلوبهم بالكفر، ليتحقق قوله تعالى:{وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} وإذا شاء إظهارًا لعزته وجبروته يعمي ويصمّ الملوك، والعقلاء مثل: فرعون وقومه، لئلا يبصروا آيات الله الظاهرة، ولا يسمعوا الحجج الباهرة، مثل: ما ناصحهم با مؤمن آل فرعون ليتحقّق قوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} قوله: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي

} الآية. كما في "التأويلات النجمية".

وأسند الإضلال إلى الله تعالى؛ لأنه خالق الضلالة، وإنما الشيطان ونحوه من الوسائط، فالجاهل يرى القلم مسخّرًا للكاتب، والعارف أنه مسخر في يده لله تعالى؛ لأنه خالق الكاتب والقلم وكذا فعل الكاتب.

وفي قوله تعالى: {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} إشارة (2) إلى أنّ التوفيق والاختيار للواحد القهار، فلو كان لآدم .. لاختار قابيل، ولو كان لنوح .. لاختار كنعان، ولو كان لإبراهيم .. لاختار آزر، ولو كان لموسى .. لاختار فرعون، ولو كان لمحمد صلى الله عليه وسلم ..

(1) روح البيان.

(2)

روح البيان.

ص: 177