الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إهداء المصحف لكافر
مداخلة: رجل كافر له رغبة في دخول الإسلام فأحب أن يقرأ القرآن فهل يجوز إهداؤه المصحف؟
الشيخ: لا شك في ذلك حينما لا يتبين لنا أن ذاك الكافر لا يريد أن يمس القرآن بسوء، فنحن إذا امتنعنا من عرض كتاب رَبِّنا على الكفار فكيف ندعوهم إلى الإسلام؟ ! لذلك صح عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه نهى أن يُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو، وفي لفظ لمسلم: لا تسافروا بالمصحف إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو، نال فلان فلاناً معناه: سبه وطعن فيه، فنهى الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن أن يسافر المسلم بالمصحف إلى أرض العدو إذا كان يخشى أنه إذا وقع في يد العدو أن يصاب كلام الله عز وجل بشيء من الإهانة ونحو ذلك.
وكما هو معلوم من علم أصول الفقه أن دِلَالة المفهوم في الكتاب والسنة حجة كدلالة المنطوق إلا إذا عارض المفهومَ منطوقٌ ما فدلالة المنطوق أصوليًا أقوى من دلالة المفهوم، فإذا تعارض منطوق ومفهوم قُدِّم المنطوق على المفهوم، أما إذا كان هناك مفهوم ما لم يعارضه منطوق فهو حجة، وهذه قاعدة تُيَسِّر لطالب العلم أن يفهم شيئًا من الفقه يخفى على من لا علم عنده بأن المفهوم حجة، إذا كان الأمر كذلك نعود إلى قوله:«مخافة أن يناله العدو» فهذا مفهومه: أنه إذا لم يكن هناك خوف أن ينال العدو المصحف بإهانة ما فلا
ينهى الرسول عليه الصلاة والسلام المسلم أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو.
وكأني ألاحظ بأن في نفوس بعض الحاضرين تشوقًا إلى معرفة الدليل على حجية المفهوم؛ لأن الواقع أن المسألة يوجد فيها خلاف بين الحنفية من جهة والأئمة الآخرين من جهة أخرى، فالحنفية يصرحون فيقولون: بأن المفهوم لا يؤخذ به، ومن عجب أنهم يقيدون ولا يطلقون فيقولون: مفاهيم الكتاب والسنة ليست بحجة، أما مفاهيم كتبنا فهي حجة، هذا من الأشياء التي ينبغي على طالب العلم أن يكون على انتباه وحذر منها حتى لا يقع في شيء من الإفراط أو التفريط .. أو أن يفضل كلام المخلوق على كلام الخالق سبحانه وتعالى، فالدليل على أن المفهوم حجة بالقيد السابق، أي: إن لم يخالف منطوقًا هو أن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه فقال: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] هذا شرط مفهومه: أنه عليكم جناح أن تقصروا إن لم تخافوا، وهذا ما ألقي في بال بعض الصحابة لما سمع هذه الآية، فتوجه بسبب هذا الذي ألقي في نفسه بالسؤال إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلًا: يا رسول الله! ما لنا نقصر وقد أمنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» أين الدليل؟ الدليل أن الصحابي العربي فهم أن هذا الشرط منه مفهوم، ولولا ذلك ما كان به من حاجة إلى أن يتوجه بالسؤال الذي يدفع عنه الشبهة والإشكال، ما كان به حاجة أن يتوجه بذلك إلى الرسول عليه السلام ليقول له: ما لنا نقصر وقد أمنا؟ هو كأنه يقول: يا رسول الله! ربنا اشترط علينا في رفع المؤاخذة
…
في القصر إذا ضربنا في الأرض، أي: سافرنا إذا كنا خائفين، ونحن الآن وقد وطد الله للإسلام في الأرض توطيدا، ولم يبق هنا منا خوف من المشركين بل قضى الله على المشركين فأمنا فما بالنا نقصر؟
أنتم تعلمون جميعًا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حج حجة الوداع وليس في طريقه شيء من الخوف إطلاقًا، ومع ذلك من ساعة خروجه من المدينة ظل يقصر هو والصحابة حتى رجع إليها، وكما يقول عثمان بن عفان: ونحن مطمئنون غير خائفين، فجاء هذا السؤال.
هذا الحديث مما يتعلق بموضوع سابق كنت طرقته لكم فيه أيضًا تنبيه إلى طريق من طرق الاستنباط للفقه، لما ذكرت لكم قول أبو بكر: مزامير الشيطان في بيت رسول الله! وعطفت على ذلك أحاديث أخرى، فقلت: وبنيت على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا سمع شيئًا وأقره ولم ينكره فكأنه هو قال ذلك؛ لأنه أقره، هنا لما سمع الصحابي يقول: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ لا شك وضح لكم أن الصحابي اعتد هنا بالمفهوم، بالتالي ما قال له الرسول أنت تحتج بالمفهوم والمفهوم لا حجة فيه، بمعنى لا سمح الله: لو كان منطق النبي وفهمه لهذه النقطة بالذات على ما يذهب إليه الحنفية، أي: من أن المفهوم ليس به حجة، أو بعبارة أخرى: لو أن الحنفي المتمذهب بالمذهب هذا أورد عليه هذا السؤال من أحدهم، ماذا يكون جوابه؟ سيخطئه سيقول له: أنت تحتج بالمفهوم والمفهوم لا حجة فيه، هل كان هذا هو موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ كلا، وإنما سكت عن سؤاله مقرًا له ثم أزال إشكاله بقوله هذا
…
هو الأمر كما تقول .. الفهم كما تفهم لكن انتبه هناك شيء خفي عليك، فالأمر كما تقول ولكن الله تفضل على عباده وتصدق عليهم فأنتم من عباده فاقبلوا صدقته.
فالمفهوم حجة بنص هذه الآية التي فهمها الصحابي، وأقر الرسول عليه السلام فهمه، وأزال إشكاله بقوله:«صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» .
ومن تمام الحجة في هذه الرواية أن أحد التابعين قال أمام عمر فيما يغلب
على ظني: لو أني أدركت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسألته، قال له عمر: عما تسأله؟ قال: عن هذه الآية: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] وهانحن اليوم
…
يقول هذا الكلام، لا نزال نقصر وليس هناك خوف فالإسلام هو الحاكم؟ قال: لقد سألت رسول الله .. الصحابي
…
عمر يقول: لقد سألت رسول الله عما كنت تريد أن تسأله فأجابني بقوله: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» .
(أسئلة وفتاوى الإمارات - 6/ 00: 54: 27)