الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
كل بدعة ضلالة من العام المخصوص
قال أحد الفقهاء: إن حديث: «كل بدعة ضلالة» قال: هذا من العام المخصوص خُصِّص بحديث ..
الشيخ: أي حديث؟
مداخلة: «كل بدعة ضلالة» هذا الحديث قال: هذا عام مخصوص بحديث: «من سن سنة حسنة» يا شيخ! نحن نعرف أن ما تذهب إليه مخالف للقول هذا، فما هو ردك على العالم هذا طبعاً جزاك الله خير؟
الشيخ: امبارح رددنا عليه هذا القول ..
مداخلة: ماكنت هنا.
الشيخ: وايش نسوي لك ..
مداخلة:
…
الشيخ: نعم، عندنا أخي أشرطة حول هذا الحديث بعضها مطول جداً مبسط وبعضها مختصر كالأمس، إذا تذكرنا المناسبة التي جاء الحديث فيها اتضح بطلان تخصيص عموم قوله عليه السلام:«كل بدعة ضلالة» بهذا الحديث، لكني أشعر بأن المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل وأنا أستريح إلى مثل هذا
التفصيل ولو أنه غيري يمل من تكراره .. أستريح لمثل هذا التفصيل لما فيه من فائدة لغيري إذا كان غيري يتحملني فإذا عندك استعداد للتفصيل حتى أفصل لك ما هو رأيك؟
الشيخ: طيب! أولاً: مناسبة الحديث كما جاء في المصدر الذي يعزى إليه الحديث دائماً وأبداً وهو في صحيح مسلم يرويه بإسناده الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا جالسين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمعر وجهه أي: أسفاً وحزناً على فقرهم ثم خطب الصحابة فقال: «{وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10]» ثم قال عليه السلام: «تصدق رجل - أي: ليتصدق - بدرهمه .. بديناره .. بصاع بره .. بصاع شعيره» وذكر أشياء أخرى حضاً للصحابة على الصدقة فقام رجل من الحاضرين فرجع وهو يحمل في طرف ثوبه ما تيسر له من الصدقة ووضعها أمام الرسول عليه السلام، فلما رأى أصحابه عليه السلام الذين حوله ما فعل صاحبهم قام كل منهم ليعود بما تيسر له من الصدقة فاجتمع لرسول الله عليه السلام كأكوام الجبال من الصدقات فلما رأى ذلك عليه الصلاة والسلام تنور وجهه كأنه مذهبة كالفضة المطلية بالذهب فرحاً وسروراً باستجابة أصحابه عليه السلام لأمره إياهم بالصدقة، ثم قال بهذه المناسبة:«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجرهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء» .
الآن المناسبة بعد أن سمعتموها تتأكدون معي بأنه ليس هناك بدعة حدثت حتى يفسر الحديث بمن ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، كل ما في الأمر أن الرسول أمرهم بالصدقة، وقد كانت الصدقة مأمور بها قبل هذه الحادثة؛ لأن الآية كانت نزلت، فإذاً: هذا الرجل الأول ما ابتدع في الإسلام بدعة حسنة ولكنه فتح طريقاً كان مغلقاً عملياً .. كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم متجاوبين معه عليه السلام في موعظته، ولكنهم لم ينتبهوا إلى أن هذا التجاوب يجب أن يقترن معه العمل ففتح باب العمل ذلك الرجل الأول، فلما تبعه من اتبعه قال عليه السلام:«من سن في الإسلام سنة حسنة» ما هي السنة الحسنة هنا؟ هي الصدقة بالنسبة لهؤلاء الأعراب الفقراء.
فإذاً: إذا نظرنا فقط إلى هذه المناسبة بطل تفسير الحديث بمن ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؛ لأنه ليس في الحادثة بدعة وقعت.
وكنت أقول ولا أزال أقول: يستحي رجل أعجمي مثلي ألباني أن يقول بمناسبة مثل هذه الحادثة حيث لا بدعة فيها أن يقول: ليس لفظ الرسول وإنما اللفظ الذي هم ينحرفون إليه في التأويل للحديث أستحي أنا وأنا رجل ألباني أعجمي أن أقول: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؛ لأن الجمهور سيقولون: يا شيخ! ما الذي تقوله .. أين البدعة هنا؟ ! هنا لا بدعة، إذاً: أنت مخطئ حينما تقول: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة ولكنني إذا نطقت بلفظ الرسول لا أحد يجرؤ على تخطئتي لأن السنة الحسنة تنطبق على فعل هذا الرجل لماذا؟ لأن الصدقة حسنة بلا شك معروف حسنها شرعاً فهو لم يأت بشيء، كل ما في الأمر أنه انطلق قبل أي إنسان آخر فاقتدى ناس آخرون بهداه فكان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، وحينئذ يكون هذا الحديث مطابقاً بهذا المعنى أو بهذا
التفسير الصحيح للحديث الآخر وهو إضافة ..
(انقطاع في الصوت)
«كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة» إلى آخر الحديث، إذاً: ليس من دعا إلى بدعة وإنما دعا إلى سنة حسنة أو إلى هدىً هدانا الرسول عليه السلام إليه، هذا إذا وقفنا عند سبب ورود الحديث.
وأنا أذكر بهذه المناسبة فائدة علمية: يقول علماء التفسير: إذا عرف سبب نزول الآية فهم نصف معنى الآية والنصف الثاني يفهم من الأسلوب العربي، أنا اقتباساً من هذا القول التفسيري أقول: إذا عرفنا سبب ورود الحديث انكشف لنا نصف معناه ثم علينا باللغة أن نتمم الفهم للمعنى الآخر.
هذا المعنى للفهم الآخر الآن أنا أسألك فيه، فأقول: الحديث له شطران فيمن سن سنة حسنة وفيمن سن سنة سيئة، ما هو طريق معرفة السنة الحسنة، ومعرفة السنة السيئة؟ أهو العقل أم الشرع؟ لا شك أن الجواب إنما سيكون إنما هو الشرع، إذاً: فلا يستقل العقل أن يقول في أمر حادث: إنها سنة حسنة إلا بدليل من الشرع كما أنه لا يستقل العقل ولا يستطيع أن يحكم في أمر حادث بأنه سنة سيئة إلا بدليل الشرع، إذاً: مرجعنا أولاً وآخراً إلى الشرع، فقال في هذا الحديث:«من سن في الإسلام سنة حسنة» نفترض أن هذا الشيء حدث فعلاً ما كان في زمن الرسول لكن وصفنا لهذا الأمر بأنه حسن أو سيء لا بد له من دليل في الشرع يساعدنا على أن نعمل مراجحة يا ترى هذا حسن أم سيء؟ الشرع إذاً هو الحكم.
وهنا لا بد من وقفة بسيطة: مجرد حدوث الشيء بعد أن لم يكن في الزمن الأول لا يلزم منه أن يكون حسناً في ذاته ضرورة أو أن يكون سيئاً فقد يكون
مباحاً ككثير من الوسائل التي جدت في العصر الحاضر ولم تكن في زمن الرسول عليه السلام فنحن ما نقول عنها قولاً عاماً إنها حسنة أو إنها سيئة وإنما نزنها بميزان الشرع، ودعنا نضرب بعض الأمثلة لما وقع قديماً بعد الرسول وما يقع اليوم ..
فيما بعد الرسول عليه السلام وهذه من شبهات المبتدعة أن الصحابة جمعوا القرآن في زمن أبي بكر ثم عمر ثم عثمان هذا الجمع لم يكن في عهد الرسول عليه السلام ولا شك، فإذاً: هذا الجمع هو أمر حادث هل يشك في ذلك؟ جمع القرآن في صحف أمر حدث بعد وفاة الرسول عليه السلام فهل نقول: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، نقول: ابتداءً ما نقوله لكن ننظر إلى الحديث السابق: «من سن في الإسلام سنة حسنة» فنحن علينا الآن أن نزن هذا الحادث بميزان الشرع فإن أعطانا الشرع الجواب أنه حسن قلنا: إنه حسن، وقلنا لمن ابتدع هذه الحسنة: له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة إلى آخره.
فالآن هل من مسلم يعتقد أن ترك القرآن كما كان في أول أمره موزعاً في الصحف وفي العظام في كل وسيلة كانت متيسرة يومئذ أن يكتبوا [على] ورقة الشجر أو مثلاً جلد غزال أو غنم أو أي شيء المهم أن يكتب بأي وسيلة للمحافظة على القرآن الكريم فالصحابة بعد أن وجد المقتضي لجمع القرآن كما هو مذكور في صحيح البخاري، وأظنكم تذكرون ذلك جيداً حينما استحر القتل بالقراء في معركة اليمامة بين الصحابة وبين جيش مسيلمة الكذاب جاء بعض الأصحاب ليقول .. يتحدث مع عمر بن الخطاب أظن أول ما جاء ليقول: إن القتل قد استحر أي: اشتد في القراء فقتل منهم عدد وفير فنخشى أن يذهب القرآن بذهاب حملته وهم القراء ولذلك فأنا أقترح أن يجمع القرآن قبل أن نفقد
القرآن بموت حملة القرآن.
فعمر ابن الخطاب اقتنع بهذا الاقتراح وإذا عمر بن الخطاب .. هذه أول خطبة تنبه الإنسان لكون هذا العمل ليس فقط بدعة بل هو أمر واجب ولو أنه حدث بعد الرسول، فشرح الله صدر عمر لهذا الرأي فنقله بدوره إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فشرح الله أيضاً صدر أبي بكر الصديق لما شرح الله له صدر عمر الخطاب، أي: اتفقا الخليفتان الصحابيان الجليلان على الجمع بسبب المناسبة من اشتداد القتل في الصحابة القراء منهم يجب جمع القرآن حتى لا يضيع.
كان هناك زيد بن ثابت رضي الله عنه من القراء الذين كانوا يكتبون القرآن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلوا خلفه، وعرضوا عليه هذه الفكرة التي اتفق عليها أبو بكر وعمر، فقال لهم .. وهنا العبرة على المبتدعة الضالين هؤلاء .. قال لهم: كيف تفعلون شيئاً ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. الله أكبر .. جمع القرآن يخشى هذا الرجل أن يكون إحداثاً في الدين؛ لأن الرسول عليه السلام لم يفعل ذلك، قال: فما زالا بي .. يعني: أخذوا وأعطوا معه هذا الشيء ضروري إذا ما فعلنا ضاع القرآن .. ضاع الدين .. ضاع الإسلام .. إلى آخره فما زالا حتى شرح الله صدري لما شرح الله له صدر أبي بكر وعمر.
وبدأ يجمع القرآن يلتقي مع الصحابة: ما هو عند فلان .. ما هو عند فلان؟ فإلى آخره، فجمعوا القرآن .. هذا الجمع لا شك أنه أمر حادث ما كان في زمن الرسول فهل هو بدعة وبدعة ضلالة؟ الجواب: لغة: هو بدعة، شرعاً هو واجب وليس ببدعة ضلالة لماذا؟ لما هو معلوم عند العلماء من قولهم: ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب المحافظة على دين الإسلام لا يمكن إلا بالمحافظة على القرآن، وأنتم تعلمون الآن في هذا الزمان، دندنة المبشرين والكفار جمعياً
حول إبعاد المسلمين عن قرآن ربهم، حتى أحد كبار البريطانيين قال ناصحاً لدولة بريطانيا: ما دام هذا القرآن بين ظهراني المسلمين فلن تستطيعوا أن تنحرفوا بهم عن دينهم، هذه حقيقة.
فإذاً: قام الصحابة الأولين بإجماعهم على جمع القرآن وإن كان هو لغة حدث بعد أن لم يكن ولكنه ليس حدثاً وبدعة شرعية وهذا يجرنا أيضاً إلى أن نذكر بكلمة عمر بن الخطاب بمناسبة إحياء صلاة الجماعة في صلاة القيام التراويح حين قال: نعمت البدعة هذه لا يعني البدعة الشرعية؛ لأنه يعلم أن الرسول عليه السلام شرع أو سن للناس إحياء صلاة القيام جماعة بفعله وبقوله عليه السلام؛ ولذلك فهو يعني: أن هذه بدعة بسبب انقطاع الصحابة بعد الرسول وفي زمن أبي بكر سنتين ونصف خلافته، وما ندري كم مضى عمر وهو ملتهي أيضاً في التمكين للخلافة .. هذه البرهة كان الصلاة هذه قد أميتت بعد الرسول عليه السلام فهو أحياها.
فإذاً: هذه بدعة لغوية وليست بدعة شرعية، فهذا الجمع للقرآن هو صحيح حادث ولكن ليس بدعة ضلالة، من أين عرفنا هذا؟ من الأدلة الشرعية.
هنا نقف قليلاً نقول لهؤلاء المبتدعة حينما يقولون: هذه البدعة يا أخي! بدعة حسنة .. لا بأس ممكن تكون بدعة حسنة بمعنى: سنة حسنة مثل جمع القرآن .. ما هو الدليل؟ يقول لك: يا أخي! ماذا في الأمر؟ ! هذا معناه ألقى سلاحه ليس عنده دليل؛ لأنه لجأ إلى عكازة العاجز يقول لك: ماذا في الأمر؟ ! قولك: ماذا فيها تحكي بالعقل أو بالنقل؟ ! ماذا سيكون لو صلينا المغرب أربع ركعات والصبح أربع أو ثلاث؟ ! لا، هذا لا يجوز، لماذا لا يجوز؟ السبب نفسه يمنعك أن تقول هناك: ما فيها، كيف ما فيها؟ ! فيها استدراك على الشارع الحكيم، فإذاً:
هل كل إنسان يريد أن يقول في أمر حدث بعد أن لم يكن وهو قربة إلى الله عز وجل لا بد أن يأتي بالدليل من الشرع يثبت بهذا الدليل أن هذا الحادث قربة وعبادة وحينئذ نتسامح معه ونقول: هذه بدعة حسنة لماذا؟ لأنه قام الدليل الشرعي على ذلك كما أتينا نحن بالدليل الشرعي على جمع القرآن.
مثال آخر، وهذا مهم بالنسبة لبعض إخواننا الذين قد يأخذون المبدأ مبدأً عاماً فيظنوا أن كل شيء حدث بعد الرسول يكون بدعة مثل المدارس مثلاً التي يعلم فيها الناس علوم الشريعة بل والعلوم الأخرى التي تحتاج إليها الأمة كأمة إلى آخره، فهذا كله يدخل تحت هذا الباب: ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب.
مثال آخر مما وقع قديماً: نعرف أيضاً من سيرة السلف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخرج اليهود من خيبر، هذا الإخراج ظاهره ينافي إقرار الرسول إياهم على خيبر على شرط المناصفة شطرين شطر لهم مما يحصل من الثمار وشطر للرسول عليه السلام، ومات الرسول وهم هكذا، وجاء أبو بكر وهم هكذا وعمر يا الله كما يقولون عندنا في سوريا: قال لليهود يا الله، (ظهرك بالك) اخرجوا من خيبر خذوا ما تستطيعون أن تحملوا ويا الله فأخرجهم، هذا الإخراج كجمع القرآن تماماً حدث بعد الرسول عليه السلام هل هذا الحادث هو سنة حسنة أم سنة سيئة؟ ننظر فنجد الأمر هنا كالأمر هناك في جمع القرآن تماماً، أي: كما أننا وجدنا هناك دليلاً بل أدلة أنا ضربت صفحاً عن ذكرها اختصاراً نجد هنا الأمر كذلك؛ ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما أقر اليهود على خيبر بعد أن فتحها عنوة بالسيف بشروط: كان من شرطه عليه السلام عليهم في ذلك قوله: «نقركم فيها ما نشاء» .
وخلفاء الرسول عليه السلام هم الذين ينفذون أحكامه فرأى عمر ونعم ما
رأى أن يخرج اليهود من خيبر فنفذ هذا الشرع فأخرجهم ولم يكن مناقضاً للشرط بل هو منفذ لشرط من تلك الشروط وبخاصة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان من وصاياه في آخر رمق من حياته عليه السلام كما جاء في الأحاديث الصحيحة «لعن الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد وأخرجوا اليهود من جزيرة العرب» فإذاً: هو نفذ أمراً نبوياً عاماً وشرطاً كريماً كان الرسول عليه السلام قد شرطه على اليهود.
إذاً: هذا الأمر الحادث ليس بدعة منكرة بل هي سنة حسنة سنها؛ لأنه أحيا أمراً نبوياً وعلى ذلك فقس، وعلى العكس فقف .. على ذلك فقس، بمعنى: كل ما رأيت أمراً حادثاً وقام الدليل الشرعي على شرعيته سواء كان في حدود الواجب أو ما دون ذلك فهو شرع وهو سنة حسنة؛ لأنه قام الدليل الشرعي على حسنه، وعلى العكس كما قلت آنفاً فقف، أي: كل بدعة حدثت بعد الرسول عليه السلام ويراد زيادة التقرب بها إلى الله ولا دليل في الشرع يحسنها فحينئذ اضرب بها عرض الحائط فإنها تدخل في المبدأ العام: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» .
وعلى ذلك نقول لهؤلاء المبتدعة الذين يضربون عموم الحديث كل بدعة ضلالة بما يظنون من خصوص حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» نقول: أبداً الحديث الأول لا يزال على عمومه والحديث الثاني لا يناقضه بل هو التشريع .. الشرع يقول: هذا حسن فهو حسن، والشرع يقول: هذا قبيح فهو قبيح، والقول الذي ينحو إليه المبتدعة حينما يقولون: يا أخي! ماذا في الأمر؟ هذا مذهب اعتزالي لو كانوا يعلمون ما يقولون وما يخرج من أفواههم؛ ذلك لأن من المعلوم أن هناك اختلافاً جذرياً بين أهل السنة وبين المعتزلة، أهل السنة يقولون:
الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، المعتزلة يقولون: لا، يقولون كما هو منقول عنهم في كتب الكلام والفرق: بالتحسين والتقبيح العقليين .. ما حسنه العقل فهو حسن وما قبحه العقل فهو قبيح، إذاً: هؤلاء معتزلة وهم يدعون أنهم يحاربون الاعتزال وهم يمشون مشية المعتزلة تماماً حينما يقولون: يا أخي! ماذا في هذا؟ ! إذاً: هو حسن بعقله.
المسلمون ليسوا على هذا .. المسلمون حسن ما حسنه الشارع؛ لذلك نحن نقول: كل من ادعى بأن هذه بدعة حسنة، نقول لهم:{هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] فإن جاء بالبرهان كما جئنا نحن آنفاً بالدليل على المثالين السابقين أن أبا بكر وعمر من جهة لما جمعوا القرآن وعمر لما أخرج اليهود من جزيرة العرب ما أتوا ببدعة ضلالة وإنما نفذوا حكماً شرعياً فإن فعل هؤلاء وأتوا على ما يدعونه بأنه بدعة بدليل شرعي نقول لهم: بارك الله لكم في بدعتكم هذه، لكن ننكر عليكم استعمالكم اللفظة لفظة البدعة عليها؛ لأن الرسول يقول:«كل بدعة ضلالة» فأنتم تتناقضون حينما تطلقون عليها بدعة ما دام أن الشرع قام بدليل أنها مشروعة فهل نحن نقول: ما فعله أبو بكر وعمر من جمع القرآن وما فعله عمر نفسه من طرد اليهود من جزيرة العرب هذه بدعة حاشا لله.
فإذاً: هذا الحديث حجة عليهم من جوانب عديدة:
أولاً: سبب الورود كما ذكرنا وهم يجهلونه.
ثانياً: نقول لهم: الحديث يحمل في طواياه الحجة عليكم؛ لأنه يقول: من سن في الإسلام سنة حسنة كيف نعرف البدعة الحسنة بالدليل الشرعي، هاتوا الدليل وانتهى الأمر، ومن سن في الإسلام سنة سيئة بالدليل أو أيضاً هكذا بالعقل كما فعلوا بالسنة الحسنة، بالدليل انتهى الأمر و {قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ
تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41].
لعلي أجبتك إن شاء الله عن سؤالك.
مداخلة: يا شيخ! هل اكتفاء البحث حتى يكون جامع مانع كما يقال هناك نقطتين يعني: يتردد ذكرهم في هذا الباب، النقطة: قضية العموم الوارد في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» بعضهم يستدل بدليل آخر على نقد هذا العموم وهو قول الله تعالى في وصف الريح: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] فيقولون: هي ما دمرت كل شيء فهذا يدل على أنه ليس عموماً مطلقاً وإنما مخصص، هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية: وهي الشيء أستاذي الذي استفدناه منكم ودائماً ترددوه وتذكروه وهو شيء حق ولله الحمد الذي هي قضية: الدليل العام وضع الدليل العام الذي لم يجر عليه عمل السلف وسبق في الكلام في الفتوى أو الجواب قولكم: إن قيام الدليل الشرعي على الفعل الحادث يدل على مشروعيته فهذا بحاجة إلى توضيح زائد إذا كان ..
الشيخ: بالنسبة لكلامك الأخير أظن الذي ذكرناه فيه الخير والبركة.
مداخلة: قضية فعل السلف شيخنا يعني ..
مداخلة: ما جرى عليه رجال السلف ..
مداخلة: فعل السلف على الدليل العام العموم؛ لأن أهل البدع لا يخفاكم شيخنا معظم استدلالاتهم يستدلوا، لكن يستدلوا بعمومات لم يجر عليها عمل السلف، نعم.
الشيخ: أنا ذهب ذهني إلى غير هذا الذي وضحته أخيراً.
أما بالنسبة للعموم والآية التي ذكرتها أنها ليست تعني العموم المطلق فهذا ممكن أن يقال بالنسبة لبعض النصوص العامة أنها من النص العام الذي أريد به الخصوص، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] بالنسبة للريح بلا شك الدنيا الأرض بقيت .. باقية لكن {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] مما هو أمام الناس مثلاً من الخيام والبيوت وإلى آخره، لكن هذا أولاً حينما يدعي مدع في نص شرعي عام إنه عام مخصص فمعلوم عند علماء الأصول جميعاً أنه لا يجوز ادعاء مثل هذه الدعوى إلا بالإتيان بالدليل المخصص، ونحن لنقل الآن مثالاً كنت أذكره بالنسبة لمثل هذه الكلمة التي ألقيتها آنفاً حول قوله عليه السلام:«كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» فالمبتدعة يعارضون هذه الكلية النبوية بقولهم: ليس كل بدعة ضلالة، ونحن نقول، وهذا مما كنا استفدناه من بيانات ابن تيمية رحمه الله: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكرر هذه الكلية في مناسبات كثيرة وكثيرة جداً في خطبه وما كان كذلك فلا يصح أن يكون من العام المخصوص؛ لأن تكرار الجملة بهذا العموم مع عدم وضع بجانبها قيد ليحفظ الناس أن يقعوا في سوء الفهم لهذا النص أنه عام والشارع الحكيم يعني: أنه ليس عاماً فلا بد أن يأتي ولو ببعض الأحيان بقيد يقيد هذا النص العام، لكن الواقع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يوجد في كل خطبه وفي كل افتتاحياته لكلماته إلا هذا النص العام:«وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» فإذاً: هذا العموم يستحيل أن يدعى فيه أنه عام مخصوص؛ لأن تكرار الرسول عليه السلام بهذه الجملة دائماً وأبداً دون أن يضع بجانبها ولو في بعض الأحيان ما يقيده هذا دليل عملي من الرسول عليه السلام أنه يريد أن يرسخ في أذهان السامعين لهذه الجملة أنها على عمومها وشمولها المطلق الذي لا قيد فيه.
وكنت أضرب وأقرب هذا العموم الذي لا خصوص فيه بمثل قوله عليه السلام: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» فلا يصح لأحد من المسلمين أن يقول: لا، ليس كل مسكر خمر وليس كل خمر حراماً، هذا يأتي كالمشاقاة لله وللرسول فيدخل في الآية السابقة الذكر:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] إلى آخر الآية، فهذه الكلية في الحديث الثاني كذلك الكلية في الحديث الأول.
«كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» فهذا عام مطلق لا يدخله التخصيص كقوله: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» .
أما المسألة الأخرى التي أشرت إليها في سؤالك، وهي بلا شك ليس لها علاقة ببحثنا السابق؛ ولذلك أنا ذهبت أفسر ما علاقة السؤال بالسؤال السابق ثم تبين لي أنه يعني بمناسبة ذكر نص عام ورد على خاطر الأخ السائل شيء مهم جداً وإن كان ليس له صلة بالبدعة وبالكلية السابقة هي أن هناك نصوص عامة يدخل فيها جزئيات من الطاعة والعبادة، هذه الجزئيات جرى العمل ببعضها في زمن السلف الصالح لكن لم يجر العمل ببعض أجزائها الأخرى مع أن هذا الجزء داخل في النص العام لكن لم يجر عليه عمل المسلمين فيدخل حين ذلك هذا الجزء في عموم قوله عليه السلام:«كل بدعة ضلالة» ولا يدخل في عموم النص الذي يحض عليه، هذا كمبدأ لكن قد يحتاج إلى شيء من التوضيح والبيان، مثلاً: من أشهر الأحاديث التي لها علاقة بالتحذير من الابتداع في الدين: «يد الله على الجماعة» «عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» أحاديث كثيرة تأمر بالجماعة وبخاصة الجماعة في الصلاة حيث قال عليه السلام في الحديث المعروف: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين جزء» أو سبع وعشرين .. طيب! وهناك حديث آخر تقدر تكشفه لنا؟
في فضيلة صلاة الجماعة اثنين .. ثلاثة .. أربعة .. خمسة ..
مداخلة: «صلاة الاثنين أفضل من صلاة الواحد، وصلاة الثلاثة أفضل من .. » .
الشيخ: جميل جداً .. فلنفرض الآن دخلنا في المسجد في صلاة الظهر بعدما أذن وكل واحد منا انتحى ناحية يريد أن يصلي السنة، وواحد خطر في باله أن يسن سنة حسنة فماذا قال؟ يا جماعة! لماذا تصلون وحداناً تعالوا نصلي جماعة، قال عليه السلام:«صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس بسبع .. » «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين .. » إلى آخره.
الآن دعنا متبسطين متوسعين في البحث: هذه الجزئية ألا يدخل في عموم قوله عليه السلام: «صلاة الرجلين أزكى من صلاته وحده» ؟ يدخل، إذا كان يدخل فهل يجوز أن نسن هذه السنة الحسنة؛ لأن هذا عندنا حديث، ألم نقل آنفاً أنه إذا جاء المدعي بالبدعة أنها بدعة حسنة جاء بدليل؟ هانحن الآن أتينا بمثال كثيراً ما نطرقه، ولعل هذا هو الذي كان أخونا أبو الحارث يدندن حوله بسؤاله؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: جاءنا بالدليل: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته» هل نسلم له؟ الجواب: لا، لماذا؟ للقاعدة التي ذكرتها أخيراً وقلت: إنها بحاجة إلى توضيح وإلى بيان.
هذا الحديث لو كان يشمل هذه الجزئية أكان يخفى ذلك على السلف؟ على الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين؟ لا يخفى عليهم، إذاً: حينما وجدنا المسلمين تتابعوا على عدم التجمع في هذه الجزئية كانت هذه الجزئية إذا تجمع المسلمون عليها بدعة ولو كانت تدخل في عموم النص؛ لأن العموم في هذه
الجزئية لم يجر العمل عليه، واضح هذا؟ فإذا ضممنا هذا إلى ما يبق بيانه نستقيم على الجادة ونكون تماماً على بصيرة في موضوع السنة الحسنة والسنة السيئة.
فإذاً: هذا التجمع على أداء السنة القبلية جماعةً إذا أردنا نطبق حديث: من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة بأي شطرين ندخل هذه الجزئية .. بالشطر الأول أم بالشطر الآخر؟
مداخلة: بالشطر الآخر.
الشيخ: آخر الآن هذه ستكون سنة سيئة، وهنا يقول العلماء: لو كان خيراً لسبقونا إليه.
فحينما نفهم الإسلام بهذا الوضوح وبهذا البيان المتعلق بهذا الحديث فيكون المسلم على هدى من ربه، ولا يقع فيما ابتدع الناس كثيراً من العبادات؛ لأن كل عبادة في الواقع .. أو كل بدعة لنقل يسمونها عبادة اليوم لا تعدم أن تجد نصاً عاماً، فالجواب حينئذ حينما يأتوننا بالنص العام أن نربطهم بالسلف، هذا النص العام أخي! أنت تطبقه على هذه الجزئية .. هذا السلف كانوا يفهمه أم يجهله؟ لا بد من جواب من جوابين: إما أن يقول: كان يفهمه أو كان يجهله فإن كانت الأخرى فهو جاهل؛ لأنه يدعي بأن السلف جاهل وهو عالم، وهذا منتهى الجهل والغباوة، وإن كانت الأولى وهو الصواب لفهموه، طيب! طبقوه كما أنت تطبقه إذاً: الجواب لا، إذاً: ما فهموه بفهمك ففهمك هو عين الخطأ؛ لذلك يقال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.
مداخلة: نفس الموضوع شيخنا للفائدة: بعض الإخوة ذكر حول الآية السابقة التي ذكرتها ذكر وجه طيب فأريد أن أعرف رأيكم به.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: قال: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] مما أذن لها به فهي على عمومها، فلا داعي أن نقول: عام مخصوص أو إلى آخره، هي فعلاً على عمومها {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] مما أذن لها بتدميره.
الشيخ: نعم لكن هذا يعني: أشبه بالتلاعب بالألفاظ؛ لأنه من أين عرفنا أنها مما أمر، ليس من الواقع؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب!
مداخلة: وهذا هو الدليل أنها على عمومها.
الشيخ: هذا ليس دليل، هذا تأويل، هذا تأويل مما يؤول غيره أن هذا عام مخصوص، هو قال: بما ما أذن به ربها أو كما قال، طيب! هذه الجملة غير مذكورة في الآية، لكن فهم ..
مداخلة: في: {كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] ..
الشيخ: فهمت، لكن بأمر ربها محدود في النص؟
مداخلة: لا، ما في.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: جزاك الله خير.
(الهدى والنور /309/ 45: 00: 00)
(الهدى والنور /309/ 45: 02: 00)
(الهدى والنور /309/ 58: 30: 00)
(الهدى والنور /309/ 22: 37: 00)