الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولعلّ الرمانيّ لحظ أن اللغة المستعملة تكاد تخلو من الثّقيل، وما يحمد له أنّه فتح بابا لجمال المفردة الصوتي من حيث بيانه لتلاؤم المخارج في مفردات القرآن، ولعله تأثّر بدراسة الخليل الصوتية في معجمه «العين» ، ليصل بنا إلى أن جمال النّطق يكمن في سهولته، وهذا ما يشهد به علم الجمال في عصرنا، إذ يردّ قيمة الجمال الصوتي في الكلمة إلى رشاقة الحركات، والاقتصاد في الجهد العضلي عند النّطق «1» .
ومما يضاف أنّه لم ينس علاقة النّفس بالشيء المسموع، فالأذن منفذ إلى النّفس، وما يثقل سمعه تنفر منه الأذن ثم النفس.
ويبدو أن الوحشي كان ثقيلا على الأذن، فرفضه الذوق اللغوي، ثم صار هذا الذوق قانونا ينفّر من الغريب، لعدم استعماله في المجتمع، ولاتّصافه بالثقل مثل كلمة جلفاط بمعنى لوح، وبعاق: أي بمعنى مزنة وهنا لا بد من شرطين:
1 -
تلاؤم المخارج من حيث تلاؤم صفات هذه الحروف الناتجة عن المخارج.
2 -
سلامة المفردة من الثّقل من خلال تشكيلها الداخلي، إضافة إلى طبيعة حروفها. وكل هذا نحتكم فيه إلى معيار حسّي هو السّمع، وسيتضح في عرضنا لنظرات الدارسين.
نظرة ابن سنان:
وضع ابن سنان الخفاجي أسسا فنية لفصاحة المفردة، وبالغ في تعميمها، وذلك في بداية كتابه، فكان الأساس الأول تباعد المخارج، ويبدو أثر الفلسفة الفنية جليا في عبارته، يقول: «الأول أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج، وعلّة هذا واضحة، وهي أن الحروف التي هي أصوات تجري في السّمع مجرى الألوان من البصر، ولا شكّ أن الألوان المتباينة إذا جمعت كانت
(1) انظر سلام، د. محمد زغلول، أثر القرآن في تطور النقد العربي، ص/ 240.
في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة» «1» .
وفكرة الوحدة في التنوع واضحة هنا، لكنه لا يستشهد بالقرآن، بل يربط هذا الأساس بشيء آخر، وهو ترتيب الحروف في الكلمة بما يناسب جهاز النطق بدءا من الحلق حتى الشّفاه، ويستشهد لهذا بكلمات جذرها عذب، إذ يقول:«فإنّ السامع يجد لقولهم العذيب اسم مكان، وعذيبة اسم امرأة، وعذب وعذب وعذبات وليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط، ولكنّه تأليف مخصوص مع البعد، ولو قدّمت الذّال أو الباء لم تجد الحسن على الصّفة الأولى في تقديم العين» «2» .
وكأن الأمر مجرّد استحسان «عذب» لبدء الحلق بنطق العين، ثم نطق الذّال بين الأسنان وبين الثّنايا، ثم نطق الباء في الشفاه، وهذا النظام لا يطّرد بالتأكيد في كل المفردات، فكلمة «جمع» فيها عودة من الشّفاه إلى الحلق.
وإذا كان استشهاده جزئيا، وكانت نظرته مبتورة في مجال الكلمة العامّة، فإن المفردة القرآنية لا تحظى بتحليل، بل يكتفي بأن يعترف لها بالتلاؤم والسّهولة، كما اعترف بهذا للسان العربي القديم، ويظنّ أنّه خشي مزالق نظرته إن طبّقها على المفردة القرآنية، فتنكشف له تمحّكاتها، وفذلكتها.
ومما يستغرب هنا أن يظنّ شوقي ضيف أنّ ابن سنان نهل من علم التّجويد هذه اللمسات الصوتية الرائعة، وبالرغم من ذلك فإننا لا نجد خاصية بالصوت القرآني، أو معيارا لغويا صحيحا، يقول شوقي ضيف:«وأكبر الظّن أنه انتفع في ذلك كلّه مما كتبه علماء تجويد القرآن من مباحث قيّمة» «3» .
ومما يؤكد عدم استفادته من علم التجويد، أنه لم يدرك تماثل مخرجين وتقاربهما في حالة إدغام حرف بحرف، ونحن لا نتصور أن ابن سنان يجهل تقارب المخارج بل تماثلها في الإدغام، لكنه تجاوز هذا الواقع اللغوي لإقرار الجميع بعدم ثقله.
(1) ابن سنان الخفاجي، سرّ الفصاحة، ص/ 66.
(2)
المصدر نفسه، ص/ 152.
(3)
ضيف، د. شوقي، البلاغة تطور وتاريخ، ص/ 152.