الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قطيفته واستعداده للاستثقال في النوم كما يفعل من لا يهمّه أمر، ولا يعنيه شأن
…
» «1» .
ويرد عليه الدكتور عتر من منطلق لغوي يقوّم النظرة، ويصحح تقويم الزمخشري للداعية العظيم رسول الله، فقد جاء في كتابه «محاضرات في تفسير القرآن»: قيل: المعنى يا أيها الذي زمّل أمرا عظيما هو أمر النبوة والزّمل: الحمل، ويدلّ على بطلان فهمه هذا- يعني الزمخشري- أمور نذكر منها:
1 -
أن هذا الأسلوب في وصف المخاطب ليس نصا ولا ظاهرا في إفادة ما زعمه الزمخشري، فصيرورته إليه تحكم في النص.
2 -
أنّ الذم أو التهجين إنما يتأتّى لمن توجه إليه الأمر، ولم يعطه الاعتناء اللازم أو الاجتهاد اللازم، وهو غير وارد هنا، لأنه لم يسبق هذا النداء تكليف بقيام الليل، فعلام التهجين» «2» .
فقد أخذ الزمخشري بمعنى المتلفّف بثيابه من كلمة «المزّمّل» ولم يأخذ بمعنى حمل أعباء الدعوة التي تشعر بعلوّ مقام النبوة، ثم أساء في تمكين هذه الكلمة بوصفه لعدم مبالاة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم نجد عند من خصّص دراسة لتفسير الزمخشري مثل مصطفى الجويني أو درويش الجندي إشارة إلى مثل هذا التأويل المتعسّف.
-
الذوق الذاتي عند ابن الأثير:
يعنى ضياء الدين بن الأثير بجمال المفردة في كتابه «المثل السائر» ، إلا أن هذا الجمال النابع من دقة الفروق ومناسبة المقام لا يحظى بالكثير من اهتمامه، ذلك لأنه شغل بالجمال الموسيقى، وجمال الصّيغ والتركيب الداخلي للمفردات، فإذا أعجب بوجود كلمة في القرآن واستقبح وجودها في الشعر، فإن هذا يعود إلى إيقاع الآية، وموقع الكلمة في هذا الإيقاع، ونغمة حروفها.
(1) الزمخشري، محمود بن عمر، الكشّاف: 4/ 507.
(2)
عتر، د. نور الدين، محاضرات في تفسير القرآن، ص 281.
وإذا أنعمنا النّظر في كتابه ألفينا أن معيار الذوق هو الذي يفرّق فيقبل ويرفض، وهذا مرتبط بالفطرة، فهو يقول:«ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء، ولو لم تمسسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ، فيضعها في موضعها، ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدّة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرّق بينهما في مواضع السّبك، وهذا لا يدركه إلا من دقّ فهمه، وجلّ نظره، فمن ذلك قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «1» ، وقوله تعالى: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً «2» ، فاستعمل الجوف في الأولى، والبطن في الثانية، ولم يستعمل الجوف موضع البطن، ولا البطن موضع الجوف، واللفظتان سواء في الدّلالة، وهما ثلاثيتان في عدد واحد، ووزنهما واحد أيضا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف يفعل» «3» .
نلحظ إذن أنّ الجانب الموسيقى يطغى على إحساس ابن الأثير بالفروق، فإذا كان قد تحدّث فيما سبق عن الخفّة والعذوبة، ولذّة السمع، وسهولة النّطق وغيرها، فإنه هنا يحتجّ بشكلية المفردات، فيعدّ الحروف، وينتبه إلى الوزن، ثم يعود إلى الذوق، وكأنه يريد أن الاستعمال القرآني وجود لا يفسّر، ويجب أن يتّبع.
ويخيّل إلينا أن الأمر يعود إلى الدّلالة الإيحائية في الشاهدين، ذلك أن مادة كلّ منهما تختلف كلّ الاختلاف عن مادة اللفظة الأخرى، فمادة «الجوف» توحي بالضّمور والخلوّ والانحسار والعمق، خصوصا بما يرسمه حرف الجيم، وبعده حرف الواو الساكن، ثم حرف الفاء الذي تنضم عنده الشفاه من دلالة إيحائية.
وذلك على عكس «البطن» التي توحي بالنّتوء والبروز والانكشاف،
(1) سورة الأحزاب، الآية:4.
(2)
سورة آل عمران، الآية:35.
(3)
ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 143.