الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
منهج المحدثين:
وأول من تعرّض من المحدثين لهذا في القرآن هو قطب، ولم يفد من منهج ابن جني الذي اعتمد معطيات فقه اللغة في معرفة طبيعة الأصوات، فهو يقف عند الآية: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ «1» ، ويقول:«على أنّ لفظة «الزقّوم» نفسه يصوّر بجرسه ملمسا خشنا شائكا مدبّبا يشوك الأنف بله الحلوق» «2» .
فقد غلّف حكمه بالذوق الشّخصي، ولم يحتكم إلى منهج موضوعي، ولو أنه احتذى حذو ابن جني، لتجنّب هذا التلميح الخفيّ، ولقال بقوة القاف الحرف المجهور الشديد، خصوصا إذا كان مدغما، وهناك الوقوف على الميم الذي «تنطبق الشفتان انطباقا تاما عند النطق به، فيحبس الهواء حبسا تاما في الفم» «3» ، وهذا الحبس يلائم اختناق آكل هذا الطعام، وانسداد حلقومه، ويلائم القاف معالجة اللقمة غير السائغة بشدته وتكرره.
ومثل هذا الإيحاء يلمسه قطب في لفظه «يصطرخون» ، وذلك في قوله تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها «4» ، يقول:«ثم ها نحن أولاء يطرق أسماعنا صوت غليظ محشرج مختلط الأصداء، متناوح من شتّى الأرجاء، إنه صوت المنبوذين، وجرس اللفظ نفسه يلقي في الحسّ هذه المعاني جميعا» «5» .
فهو يكتفي بذكر الأثر النفسي، ولا يذكر الوشائج القائمة بين الصوت والمعنى، وهذا التأمّل الذاتي عادة جارية في كتبه، وقد تطرقنا إلى شيء من هذا لدى حديثنا عن منهجه في الصورة البصرية في مفردات القرآن، وهو على
درس الحديث في بداية حياته ثم أخذ العربية عن الخليل، توفي سنة 180 هـ، صاحب «الكتاب» المشهور، انظر طبقات النحويين للزّبيدي، ص/ 66.
(1)
سورة الواقعة، الآية:52.
(2)
قطب، سيّد، في ظلال القرآن، مج/ 6، ص/ 3465.
(3)
بشر، د. كمال، علم اللغة- الأصوات- ص/ 167.
(4)
سورة فاطر، الآية:37. يصطرخون: يستغيثون بصراخ قوي.
(5)
قطب، سيد، في ظلال القرآن، مج/ 4، ج/ 22، ص 2520 وانظر قطب، سيد، مشاهد القيامة، ص/ 101، ومتناوح: متقابل.
جاري عادته يولع بالعبارات الفضفاضة، والألفاظ الرّنانة التي لا تفيد إلا بكونها مفتاحا لتذوق آخر يعتمد المنهج العلميّ، ولعلّه يريد شدّة الصاد الذي يجاور كلّا من الطّاء والراء، وكذلك الخاء، فيوجد أربعة حروف احتكاكية تقوم بدور حسّي يصوّر معالجة النار لأجسادهم.
ولقطب وقفات كثيرة في هذا المضمار، وذلك لأنّ موسيقا اللفظ في منظوره عنصر من عناصر التصوير، وهذه الموسيقا المصوّرة لا تقتصر على نوعية الحروف، بل تشتمل على التّشكيل الناتج عن الحركات والمدود، فهو يقول في بداية تفسير سورة الواقعة: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ «1» : «ولفظة الواقعة بما فيها من مدّ، ثم سكون، أشبه بسقوط الجسم الذي يرفع، ثم يترك، ليقع فينتظر له الحسّ فرقعة ورجّة» «2» .
فجمالية التصوير باللفظ تعتمد على هذا المدّ الطويل قبل القاف، مما يبعث على تصوّر وقوع جسم بعد ارتفاعه، ونظرة قطب لا تخلو من إثارة هذا التصوّر، على الرغم من أن «واقعة» نفسها تدلّ على السّقوط.
وقد اطّردت عنده مثل هذه الإثارة في تفسير أسماء يوم القيامة، الصاخّة والطامّة والقارعة والحاقّة، وكل هذه المفردات مصوّرة بجرسها، يقول في تفسير فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى «3»:«والطّامّة لفظة مصوّرة بجرسها لمعناها، فهي تطمّ وتعمّ وتطغى على السّماء المبنية والأرض المدحورة» «4» .
ويجب أن ننبّه إلى احتكامه إلى الحرف والحركة معا، وإلى أنّ هذه خصوصية المدّ هنا لا تطّرد في كل موضع، فهي توظّف في بعض المواضع، وعلى سبيل المثال نقرأ قوله تعالى حكاية عن ولد نوح عليه السلام: قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ «5» .
(1) سورة الواقعة، الآيتان: 1 - 2.
(2)
قطب، سيد، مشاهد القيامة، ص/ 108.
(3)
سورة النازعات، الآية:34.
(4)
قطب، سيد، مشاهد القيامة، ص/ 189.
(5)
سورة هود، الآية:43.
ويمكن أن تدلّ خصوصية الموقف على تصوير كلمة «سآوي» لمشهد ذلك الابن اللامبالي المتعجرف الذي يردّ على نصيحة أبيه بتراخ وفتور، وهذا بالتأكيد لا يمكن أن يلتمس في مادة الصوت نفسها إذا قرأنا قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ «1» .
وينبّه أحمد بدوي إلى هذه الجمالية قائلا: «وهناك عدد كبير من الألفاظ تصوّر بحروفها، فهذه الظّاء والشّين، في قوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ «2» ، والشين والهاء في قوله تعالى: سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ «3» ، والظّاء في قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى «4» ، والفاء في قوله تعالى: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً «5» ، حروف تنقل إليك صوت النار مغتاظة غاضبة، وحرف الصّاد في قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «6» ، يحمل إليك صوت الريح العاصفة، كما تحمل الخاء في قوله سبحانه: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ «7» إلى أذنك صوت الفلك تشقّ عباب الماء» «8» .
صحيح أن معطيات فقه اللغة هي التجربة الإنسانية المتكررة، فهي تلاحظ من خلال فعلها، ولكن الدارس هو القارئ المثقّف، فيجب أن توضع هذه الأحكام ضمن العلم، أي ضمن دراسات الأسلاف الذين ربطوا بين طبيعة الصوت وبين مظاهر الطبيعة، وإن اقتصروا على بعض المفردات، ودلّوا على يقين يدفع الاحتمال.
والجدير بالذكر هنا أنّ هذه الحروف المصوّرة التي تحدث عنها بدوي هي حروف احتكاكية، يقول كمال بشر في تعريفها: «تتكون الأصوات الاحتكاكية
(1) سورة يوسف، الآية:99.
(2)
سورة الرحمن، الآية: 35، والشّواظ: اللهب.
(3)
سورة الملك، الآية:7.
(4)
سورة الليل، الآية:14.
(5)
سورة الفرقان، الآية:12.
(6)
سورة القمر، الآية:19.
(7)
سورة فاطر، الآية:12.
(8)
بدوي، د. أحمد، من بلاغة القرآن، ص/ 69.
بأن يضيق مجرى الهواء الخارج من الرّئتين في موضع من المواضع بحيث يحدث الهواء في خروجه احتكاكا مسموعا» «1» ، وهذه الأصوات هي الفاء والثّاء والدّال والظّاء والسّين والشّين والزّاي والصّاد والخاء والغين والحاء، والهاء، وإن المفردات التي استشهد بها بدوي ذات سمة وصفية، فالشين والهاء يمثّلان باحتكاكمها زيادة في الحسية، وكذلك الظاء والشين، وكأن النار تلامس الأجساد من خلال الصوت، وقديما أشار فقهاء اللغة إلى مثل هذه المفردات كالزّفير والخرير وصرصر، وبحث.
ويقف أحمد بدوي عند الآية الكريمة: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً «2» فلا يجد الشّدة إلا بوجود الطّاء في الكلمة الأخيرة، ولا يعنى بالتركيب الكلي للمفردة، يقول:«تجد كلمة العبوس قد استعملت أدقّ استعمال لبيان نظرة الكافرين إلى ذلك اليوم، فإنهم يجدونه عابسا مكفهرّا، وما أشدّ اسوداد اليوم .. وكلمة «قمطريرا» بثقل طائها مشعرة بثقل هذا اليوم» «3» .
فلا يستمد إيحاء ثقل هذا اليوم إلا من الطّاء وحدها، ولا شكّ في أن ثقل الكلمة أو الأصح قوّة تعبيرها يستمد من مجاورة الطّاء للميم الساكنة والرائين، ومثل هذا التركيب لا يرد في مفردة أخرى في القرآن، وإلا لكان الطّاء قد أثقل مئات الكلمات القرآنية من غير أن توحي بمعنى الثّقل أو العنف مثل: الطّير، طالوت، طلع، وغيرها، وربّما كان يريد في كلامه أهمية إضافة الطاء إلى مجموعة خاصة تتألف من الميم والقاف والرائين.
ولم يقف بدوي إلا عند هذه المفردات، فهو مقلّ كمّا، وأكثر معيارية من قطب، وذلك لأنّه عقد فصلا واحدا لجمال المفردات ضمّنه معظم وجوه الحسن في المفردة، وهو كما رأينا لا يضيف الطاقة النفسية أو الإسقاط الشخصي، كما صنع قطب.
(1) بشر، د. كمال، علم اللغة العام- الأصوات- ص/ 118.
(2)
سورة الإنسان أو (الدهر)، الآية:10.
(3)
بدوي، د. أحمد، من بلاغة القرآن ص/ 58، وانظر شرف، د. حفني محمد، الإعجاز البياني، ص/ 223
لم يلتفت الرافعي إلى هذه الناحية في جماليات المفردة القرآنية، على الرغم من عنايته الفائقة بموسيقية الألفاظ، واهتمامه بجزئياتها من الحروف والحركات معتمدا الموروث الجمالي في علم التجويد، محكّما الذوق الشخصي، والتأمل الرفيع.
وقد أشار الرافعي إلى العلاقة القريبة بين المعنى في النفس، وبين تجلّيه في الحروف والحركات، يقول:«ليس يخفى أنّ مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، وأنّ هذا الانفعال بطبيعته، إنما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مدّا أو غنّة أو لينا أو شدّة، وبما يهيّئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النّفس من أصولها» «1» .
ويتّضح لنا أنه يركّز اهتمامه على الحركات من غير الحروف، وهذا المعنى متكرر في بحثه، وهو يرى أن الحركات تصوّر الحالات النفسية في جميع مظاهرها، ولم يذكر الطبيعة، وكذلك لم يترجم مثل هذا الكلام إلى تطبيق تحليلي لمفردات القرآن.
ويترجّح أسلوب محمد المبارك بين غموض قطب، وبين تقديم آراء شفافة بعض الشيء، ويتّصل به في هذه الوجهة صبحي الصالح، وكذلك يقترنان في كون كلّ منهما قد وضع كتابا في فقه اللغة، ولصبحي الصالح فصل مطوّل حول تصوير الحروف للمعاني عرض فيه آراء كلّ العلماء «2» .
وقد خصّص المبارك فقرة في دراسة كل سورة للجمال الموسيقى، وذلك في كتابه الذي فسّر فيه بعض قصار السور، ويقول عن سور العاديات:«يلاحظ أن لبعض ألفاظ السورة جرسا موسيقيا واضحا مناسبا لمعناها، مثل «قدحا ونقعا» المناسبة لوقع حوافر الخيل، و «بعثر» المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض، ومثل «حصّل» الدالة بصادها المشدّدة على شدّة التقصّي والجمع» «3» .
(1) الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن، ص/ 215.
(2)
انظر كتابه «دراسات في فقه اللغة» ص 180 وما بعدها.
(3)
المبارك، د. محمد، دراسات أدبية، ص 19، 40.
ويبدو جليّا أن هذا الاحتمال لم يوفّق فيه الباحث، فهل يستشفّ القارئ في «نقعا» - فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً «1» - إلا دلالتها على الغبار الكثيف؟ ومن الواضح أن أصوات المفردة هنا في حالة اعتباطية قطعت صلتها بالمعنى، وصارت رمزا خالصا.
وقد غاب عن ذهن المبارك هنا، أن صيغة الفواصل في السورة بسكون الوسط والتنوين «ضبحا قدحا نقعا جمعا» ما يناسب مقام الغضب، ومعاني الزّجر والوعيد، فكأن الكلمات قذائف تختم بها الآيات قصيرة المدى:
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً «2» .
وهذا المشهد العنيف لا يصوّره لنا الفنّ الزّمني، وربما يستعصي على الفن المكاني، والجدير بالذّكر أنّ الفاصلة لا تقف على المدّ كما هي الحال في سورة مريم، بل على قوة التنوين، ولعلّه يريد من تكرار قوّة التنوين في الفواصل تكرار وقع الحوافر.
أما كلمتا «بعثر» و «حصّل» في الآيتين: إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ «3» ، فإنّ ماهية جرس الحروف لا تكفي وحدها لهذه المناسبة، بل تواكبها الحركات، وهذا ما قد لحظه الباحث، فالصيغة الصّرفية تؤدي دورا مهمّا، فكلمة «بعثر» لولا ضمّ الباء فيها التي تنطبق عندها الشّفاه للضم أيضا، وكسر الثاء اللّثوي مما يتطلّب تراخي الشّفتين وانفراجهما لولا هذا لما شممنا رائحة المعنى في أصوات المفردة، فالضّم يتبعه انفراج الشّفتين، ثم يتبع هذا الفتح على الرّاء، فهذا يمثّل في رأيه مشهد الانتشار بعد الخروج من القبور، ولكن ما أكثر الكلام الذي نجد فيه الضّم ثم انفراج الشّفتين، وعلى هذا نقول إن الصّوت والصّويت لا يوظفان في كل موضع لتصوير الحدث، وكان على الباحث أن ينتبه إلى ذلك.
(1) سورة العاديات، الآية:4.
(2)
سورة العاديات، الآيات: 1 - 5. الضّبح: صوت أجواف الخيل وأنفاسها.
(3)
سورة العاديات: الآيتان: 9 - 10.
ويمكن أن نقول مثل هذا في «حصّل» ، ونخلص إلى أن المبارك على الرغم من كونه ملمّا بفقه اللغة لم يتزحزح كثيرا عن منهج قطب، ووقفاته على قلّتها في حاجة ماسّة إلى تبرير ما يجعل الشّكل الصوتي مصوّرا.
ويجب أن نكون حذرين في هذا المقام لأن هذا الأمر أصلا فرضيّة متحقّقة في بعض المفردات، ولأن الاحتمال يخطئ ويصيب.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن ابن جني قد رصد الكلمات التي أدخلت حرفا ما فاشتركت في معنى واحد، كأن تدخل الفاء على الدّال، والتّاء والطاء والراء واللام والنون فتشكّل كلمات كلها تدلّ على الضّعف والوهن، مثل فتور، فرد، الفارط، الرّديف، الطّفل وغيرها «1» .
ويتحدث صبحي الصالح عن جمال المفردة في فصل الإعجاز من كتابه «مباحث في علوم القرآن» ، ويخصّص صفحات ثلاثا للمفردات المصوّرة بأصواتها، إذ يقول:«تكاد تستقلّ بجرسها ونغمها بتصوير لوحة كاملة يكون فيها اللون زاهيا أو شاحبا، والظّلّ شفيفا، فحين تسمع همس السين المكررة تكاد تستشفّ نعومة ظلّها، مثلما تستريح إلى خفّة وقعها في قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» «2» ، بينما تقع الرهبة في صدرك وأنت تسمع لاهثا مكروبا صوت الدال المنذرة المتوعدة مسبوقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة «تحيد» بدلا من تنحرف أو تبتعد، في قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ «3» .
وهو ينتقل مباشرة إلى الأثر النفسي، ولا يتغلغل في صفات الحروف بما يرضينا، خصوصا أنّه ذو ثقافة متخصّصة باللغة، ومن هذا القبيل عند ما يورد الآية الكريمة: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ، وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ «4» ،
(1) انظر ابن جني، الخصائص: 2/ 145.
(2)
سورة التكوير، الآيات: 15 - 18.
(3)
الصالح، د. صبحي، مباحث في علوم القرآن، ص/ 385، سورة ق/ 19.
(4)
سورة إبراهيم، الآيتان: 16 - 17.
يقول عن لفظة «يتجرّعه» : «وما أحسب شفتيك إلا منقبضتين استقباحا واستهجانا لحال الكافر الذي يتجرع صديده، ولا يكاد يسيغه، فتستشعر في لفظة التجرّع ثقلا وبطءا يدعوان إلى التّقزّز والكراهية» «1» .
والباحث لا يدّعي تصوير المشهد بالصّوت، بل يكتفي بلفتة الزمخشري النّفسية، وهذا الثّقل أو الشّدة موطنه في قوة الجيم والرّاء، والأخير متكرر بطبعه، وهو مضعّف هنا، وتعطي العين الاحتكاكية شيئا من مظهر التقزّز الحسي، فهذا التشكيل الصوتي يجسّد صعوبة دخول الصّديد، وليس في المفردة حرف ليّن أو هامس.
والجديد عند صبحي الصالح أن عملية التجسيم هذه لا تقتصر على معاني القوة والبطش والتهديد، فقد رأيناه يتحدث في المكان نفسه عن همس السين التي ناسبت موقف تصوير الصبح في سورة التكوير.
وهنالك وقفات متناثرة لعبد الكريم الخطيب حول هذه الجمالية، وهو لا يجمعها تحت عنوان معيّن، بيد أنّها غنيّة المضمون، غزيرة في استكشاف الإيحاءات، وكما قلنا سابقا إنه لا يقف عند مفردة واحدة، بل يفتّش عن معنى الآية المتجسّد في توالي أصوات مناسبة، ولا يدّعي أكثر من المناسبة كما هي الحال عند صبحي الصالح، فالأمور ظنّية وليست قطعية غامضة، كما ورد في أسلوب قطب.
لقد ذكرنا شاهدين في الفقرة السابقة للخطيب في سياق إبعاد ما يسمّى بالثّقل الصّوتي، وهاهنا نورد ما ذكره حول الآية الكريمة: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ «2» ، فنقرأ في كتابه: «استمع إلى هذه الموسيقا المتدفّقة منها تدفّق السّيل الهادر في لجّة البحر العميق، إنها لو صيغ منها لحن موسيقي يجري مع مقاطعها ومخارجها، لكان منه أروع نغم تسمعه الأذن، فالتاء من الحروف المتفجّرة، وإذا كانت مفتوحة اتسعت رقعة انفجارها، فإذا وقع بعدها سكون كان هو القرار الذي يمسك هذا الدّويّ الحادث من التفجير (تل- تف- تذ)،
(1) الصالح، د. صبحي، مباحث في علوم القرآن، ص/ 336.
(2)
سورة يوسف، الآية:85.
ولا تجد في الكلام أوضح وأصدق من هذه الصورة التي التقطتها هذه الكلمات الثلاث للموقف المتأزّم الخانق بين يعقوب وأبنائه، وبعد أن فعلوا فعلتهم بيوسف» «1» .
ولم تحظ الكلمات المصوّرة لمعناها بمثل هذه الطريقة الصوتية التحليلية عند كلّ الباحثين، وهذه السّمة الفنية في الوقت نفسه، لم تدرس كثيرا، وإن درست فلا نقع على منهج واضح موضوعي بل نقع على منهج ذاتي شأن قطب، ومن اقتفى أثره، فقد سار الكثير في تيار واحد من الإجمال، وقد مررنا ببعض الشّذرات التي ابتعدوا فيها عن مسار الغموض، فكثيرا ما ترد التعبيرات على شكل تسبيحات، ولا نستطيع أن نربط بين هذا التّسبيح وبين الشاهد الصّوتي في المفردة القرآنية، وربّما لم تدرس هذه الجمالية كثيرا خشية هذا المزلق أو الانفعال إن صحّ التعبير.
ومثل هذا جاء عند ضياء الدين عتر عند إشادته بهذه الجمالية واستشهاده بأوائل سورة الحج «2» ، وكذلك ما جاء عند البوطي حول كلمة «أغطش» ، من قوله تعالى: وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها «3» .
كانت غايتنا في هذه العجالة أن نقتصر على ما هو واضح مبرّر في أكثره لدى الباحثين، فلا نحب أن نحمّل المفردة ما لا تحمل، ولا أن نحمّل الباحث أيضا ما لا يحمل، لأننا لا نريد ضربا من التّخمين.
ولا شكّ أن مما يزيد إجلالنا لهذه الجمالية في مفردات القرآن الكريم معرفتنا أن هذا الانتقاء الصّوتي لا يراعي ظاهرة تجسيم المعاني فحسب، بل هناك ترابط للأفكار، وتمكّن المفردة من المعنى المرتجى، فلا تكون عنصرا جماليا مخلّا بالسياق إذا راعت قضية شكلية، وكذلك هناك مراعاة النّسق الموسيقى، وهي رمزية شفّافة لا تعسّف فيها ولا افتعال.
(1) الخطيب، د. عبد الكريم، إعجاز القرآن للخطيب: 2/ 273، ونرى أن التاء من حروف الانفتاح لوجود فتحة بين اللسان والحنك عند النطق بها.
(2)
عتر، د. حسن ضياء الدين، بيّنات المعجزة الخالدة، ص/ 313.
(3)
البوطي، محمد سعيد رمضان، من روائع القرآن، ص/ 142، سورة النازعات/ 29.
لقد حاولنا تقديم مصداق لوجود هذه الجمالية من خلال ما هو صادق مبرّر عند الباحثين، وقد حاولنا تقديم التبرير من خلال طبيعة الأصوات، وهناك ما كان متوهّما تمخّض عن إسقاط نفسي لدى الباحثين مما يحدو بهم إلى المبالغة أو الاستكناه، وهذا ما نرفضه في دراسة القرآن دراسة علمية منهجية.
إن المفردات القرآنية المصوّرة بأصواتها بحاجة شديدة إلى دراسة صوتية معيارية، فإذا كانت مستورة خفيّة، فإن الذوق العادي يمرّ بها عابرا، وتحتاج إلى ذوق ودربة وثقافة صوتيّة.
ويطيب لنا في ختام هذه الفقرة أن نورد رأي درويش الجندي الذي يعضد رأينا في شفافية رمز الموسيقا القرآنية، فقد قال:«وإذا علمنا أيضا أن موسيقا القرآن الكريم أحد عوامل البيان والوضوح في تصوير المعاني، وإبراز الأفكار، عرفنا الفرق الشاسع بين هدف الموسيقا هنا، وبين هدفها في الرمزية الأوروبية، إذ كانت تهدف من وراء الموسيقا الإيحاء المبهم الغامض الذي يتحقق في جو موسيقي تكون فيه الأنغام هي الناطقة فقط، مع تعمّد كتم أنفاس الوسائل الأخرى التي تعين على الإبانة والإفصاح، لتحقيق الغموض المنشود» «1» .
فالقصد في القرآن ليس فنا خالصا، كما هي الحال في بعض الأدب إذ تكون الكلمات غمغمات وتأوّهات فارغة، ذلك لأن الغموض فيه رغبة منشودة، وهذا أدعى إلى العبث والفوضى، وتعالت كلمات الله عن هذا الإسفاف، فالقرآن كتاب أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «2» .
وفيه تتكاتف الجزئيات لأجل الوضوح والتأثير الأقوى.
ولم تستعص كلمات هذا الكتاب على كل من قدّم جهدا فكريا في تفسير معانيه، كما لم تتخفّ معالمه الجمالية على كل متذوّق عالم، قال تعالى:
(1) الجندي، د. درويش، 1958، الرمزية في الأدب العربي، ط/ 1، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ص/ 193.
(2)
سورة هود، الآية:1.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ «1» ، وقال: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «2» .
ولا بد من إبعاد حتمية الأونوماتوبيا كما يتصوّر بعض الدارسين، فإنّ صفات الحروف تختلف من مكان إلى آخر، ولكلّ حرف خمس صفات من الصّفات المتضادّة، ومن الصّفات القوية: الجهر والشّدة والانطباق والقلقلة، ومن الصفات الضعيفة: الهمس والرخاوة والاذلاق واللين، وأقوى الحروف هو الطاء، لأنه يضم ست صفات قوية.
لذلك يجب أن نكتفي بمناسبة الأصوات للمواقف ومساعدتها على تجلّي المعاني، وليس المطابقة الكلية كما في نظرية المحاكاة، وعلى الدارسين أن يحذوا حذو ابن جني الذي أطلق على هذه الظاهرة الإمساس والمصاقبة أي المقاربة، وأن يكتفوا بمعرفة صفات الحروف، وقدر ملاءمتها للموقف في الآية، وخصوصية الصّفة النّغميّة للحرف لارتباطه بحركة ما، واتصاله بحروف معيّنة، فالكاف مثلا من حروف الهمس، وكذلك من حروف الشّدة، وتبرز صفة معيّنة لاعتبارات خاصّة «3» ، ولقد مرّ بنا كيف دلّ بعض الدارسين على مواطن تساعد على إبراز الشّدة أو اللين في التشكيل اللغوي في المفردات، وهذا كان يعني النظر في طبيعة الحروف وكذلك المدود والحركات، مما جعل مشاركة الشّكل للمضمون واضحة.
ولا بد من أن نختم هذا الفصل بالاستنتاجات الآتية:
1 -
إن الانسجام بين أصوات القرآن يحتكم إلى سهولة تلقّيها في السمع، وسهولة نطقها، وهذا يحتكم أيضا إلى صفات الحروف، لا إلى مخارجها في جهاز النطق.
2 -
يعتمد جمال المفردات الطويلة على التشكيل الداخلي فيها، وتوزع الحركات والمدود، وملاءمة الموقف بهذا الطول، وهذا ما لفت النظر إليه
(1) سورة القمر، الآية:17.
(2)
سورة مريم، الآية:97.
(3)
انظر مثلا ابن عبد الفتاح القارئ، قواعد التجويد، ص 40 - 50.
وابن جني، عثمان أبو الفتح، سرّ صناعة الإعراب: 1/ 58 وما بعدها.
الرافعي.
3 -
إن مفهوم الخفّة لا يعني وجود مفردات ثقيلة، بل هناك شدّة ولين، وهذا يتفق مع الموقف الذي تتحدث عنه المفردات، وإن إجمال القدامى في هذا المضمار لا يتنافى مع فهمهم للتشكيل الصوتي، بيد أن كشفهم للمفردات الخفيفة كان أكثر من البحث عن مفردات تلائم الشدّة في الموقف، كالترهيب والوعيد.
4 -
لم يسهب الأسلاف في الجمالية الموسيقية، لأن غاية المفسّر القديم كانت تتحدّد في جلاء المعنى وتوصيله إلى القارئ، وهذا أهم شيء عندهم، وكانوا إذا تحدثوا عن الجمال الموسيقى يحتذرون من الخطل والتعميم.
5 -
لم يكن ما ذكره القدامى حول جمال التشكيل الداخلي للمفردات مغالطا لمفهومنا المعاصر، بل إن ما جاء به الرافعي وغيره يعتمد على ما ذكروه ويكمله بكشف واضح.
6 -
على الدارس أن يتسلّح بمعطيات علمية واضحة يكتسب من خلالها أسس فن الموسيقا، كما جاء في علم التجويد، فيحصل على صفات الحروف، ليفسّر الجمال الموسيقى بما يوائم مضمون الآيات، وعليه ألا يعتمد التخمين في ربط الصوت بالمعنى.
ولا بد من أن نوضح هنا أن ابن سنان استقبح شكل مفردات وردت في شعر المتنبي، وقلّده ابن الأثير في هذا الرأي ووضّحه، وهذا لا يعني كثرة إسفاف أسلوب شاعرنا الكبير المتنبي، ولا يعني أننا ننكر شاعريته وإمتاعه للعقل والوجدان، فهو شاعر يتجاوز شعره عصره، لأنه شاعر الإنسانية بحقّ.