الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْبُيُوعِ
وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ كَقِرَاضٍ وَشَرِكَةٍ وَعَبَّرَ بِالْبُيُوعِ دُونَ الْبَيْعِ الْمُنَاسِبِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] وَلِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ نَظَرًا إلَى تَنَوُّعِهِ وَتَقْسِيمِ أَحْكَامِهِ، فَإِنَّهُ يَتَنَوَّعُ إلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَحْكَامُهُ تَنْقَسِمُ إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، وَالصَّحِيحُ إلَى لَازِمٍ وَغَيْرِ لَازِمٍ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ.
وَالْبَيْعُ لُغَةً مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ قَالَ الشَّاعِرُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ الْبُيُوعِ]
ِ اعْلَمْ أَنَّ الْبَيْعَ مُنْحَصِرٌ فِي أَطْرَافٍ خَمْسَةٍ: الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ، وَعَقَدُوا لَهُ بَابَ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ، وَالْجَوَازُ وَاللُّزُومُ، وَعَقَدُوا لَهُ بَابَ الْخِيَارِ، وَحُكْمُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَعَقَدُوا لَهُ بَابَ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَأَلْفَاظٌ يَتْبَعُهَا غَيْرُ مُسَمَّاهَا لُغَةً، وَعَقَدُوا لَهُ بَابَ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَالْمُرَابَحَةِ وَالْمُحَاطَّةِ وَغَيْرِهَا وَالتَّخَالُفُ وَمُعَامَلَةُ الْعَبِيدِ وَهُوَ آخِرُ الْأَطْرَافِ؛ وَالْمَتْنُ هُنَا لَمْ يَذْكُرْ إلَّا الِاثْنَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَقِيَّةَ إلَّا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ.
وَلَمَّا أَنْهَى رُبْعَ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودُ بِهَا التَّحْصِيلُ الْأُخْرَوِيُّ وَهِيَ أَهَمُّ مَا خُلِقَ لَهُ الْإِنْسَانُ أَعْقَبَهُ بِرُبْعِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّحْصِيلُ الدُّنْيَوِيُّ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْأُخْرَوِيِّ، وَأَخَّرَ عَنْهُمَا رُبْعَ النِّكَاحِ لِأَنَّ شَهْوَتَهُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ، وَأَخَّرَ رُبْعَ الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبًا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ. فَإِنْ قُلْت: الْبَيْعُ مَصْدَرٌ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ. قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّهُ جَمَعَهُ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ. وَأَفْرَدَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ فَقَالَ: كِتَابُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ وَهُوَ بَيْعُ الْأَعْيَانِ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ السَّلَمَ بِكِتَابٍ أَيْضًا. وَقِيلَ: مَحَلُّ كَوْنِهِ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ إنْ كَانَ لِلتَّوْكِيدِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا
…
وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ وَأَفْرِدَا
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ كَالسَّلَمِ وَالرَّهْنِ وَالشَّرِكَةِ وَالْإِجَارَةِ، فَنَحْوُ الْإِقْرَارِ وَالْغَصْبِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْمَالِ مُطْلَقًا فَلَا زِيَادَةَ؛ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِي إطْلَاقِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى نَحْوِ الْإِقْرَارِ وَالْغَصْبِ بَلْ عَلَى نَحْوِ الصُّلْحِ وَالْوَكَالَةِ مِنْ الْبُعْدِ؛ سم قَوْلُهُ:(فِي قَوْله تَعَالَى) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِلْبَيْعِ، أَيْ دُونَ الْبَيْعِ الْوَاقِعِ فِي قَوْله تَعَالَى إلَخْ قَوْلُهُ:(وَلِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " لِلْآيَةِ " قَوْلُهُ:(نَظَرًا) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَعَبَّرَ بِالْبُيُوعِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْبُيُوعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مَعَ مَا زَادَهُ.
قَوْلُهُ: (مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ لِيَخْرُجَ رَدُّ السَّلَامِ فِي مُقَابَلَةِ ابْتِدَائِهِ.
مَا بِعْتُكُمْ مُهْجَتِي إلَّا بِوَصْلِكُمْ
…
وَلَا أُسَلِّمُهَا إلَّا يَدًا بِيَدِ
وَشَرْعًا مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] وَأَحَادِيثُ كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (الْبُيُوعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) أَيْ أَنْوَاعٍ بَلْ أَرْبَعَةٌ كَمَا سَيَأْتِي. الْأَوَّلُ. (بَيْعُ عَيْنٍ مُشَاهَدَةٍ) أَيْ مَرْئِيَّةٍ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ (فَجَائِزٌ) لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ.
(وَ) الثَّانِي (بَيْعُ شَيْءٍ) يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ التَّبَادُلُ لَا نَحْوُ سَلَامٍ بِسَلَامٍ وَقِيَامٍ بِقِيَامٍ وَنَحْوُهُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَإِنْ جَرَى فِي تَدْرِيبِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى بَقَاءُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عَلَى إطْلَاقِهِ بِدَلِيلِ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ؛ وَلِأَنَّ الْفُقَهَاءَ لَا دَخْلَ لَهُمْ فِي تَقْيِيدِ كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ كَقَوْلِهِمْ: بَيْعٌ رَابِحٌ وَبَيْعٌ خَاسِرٌ، وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِي وَصْفِ الْأَعْيَانِ؛ لَكِنَّهُ أُطْلِقَ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازًا لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ اهـ. وَقَوْلُهُ:" مَجَازًا " أَيْ لُغَوِيًّا، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْعَقْدِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ لُغَةً إلَّا عَلَى مُقَابَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:" مَا بِعْتُكُمْ مُهْجَتِي إلَخْ " فَهُوَ مَجَازٌ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُوَلَّدٌ. قَوْلُهُ: (مَا بِعْتُكُمْ مُهْجَتِي إلَخْ) وَبَعْدَهُ: فَإِنْ وَفَيْتُمْ بِمَا قُلْتُمْ وَفَيْت أَنَا وَإِنْ غَدَرْتُمْ فَإِنَّ الرَّهْنَ تَحْتَ يَدِي وَالْمُرَادُ بِالْمُهْجَةِ الرُّوحُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا يَدًا) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ إلَّا مُقَابَضَةً. قَوْلُهُ: (مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ إلَخْ) هُوَ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالْأَعَمِّ الْمُحَالِ عَلَى الْمَجْهُولِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " مُقَابَلَةُ " أَيْ ذُو مُقَابَلَةٍ، أَيْ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ الْمُقَابَلَةَ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ يَشْمَلُ الْعَقْدَ وَالشُّرُوطَ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَلَوْ عَرَفَهُ كَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ:" هُوَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ يَقْتَضِي مِلْكَ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ عَلَى الدَّوَامِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ " لَكَانَ وَافِيًا بِالْمَقْصُودِ، فَخَرَجَ بِالْمُعَاوَضَةِ نَحْوُ الْهِبَةِ وَبِالْمَحْضَةِ نَحْوُ النِّكَاحِ وَبِمِلْكِ الْعَيْنِ الْإِجَارَةُ وَبِغَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ الْقَرْضُ. وَالْمُرَادُ بِالْمَنْفَعَةِ الْمُؤَبَّدَةِ بَيْعُ حَقِّ الْمَمَرِّ ق ل، أَيْ لِلْمَاءِ مَثَلًا بِأَنْ لَا يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَحَلِّهِ إلَّا بِوَاسِطَةِ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَمِثْلُهُ بَيْعُ حَقِّ الْبِنَاءِ وَالْخَشَبِ عَلَى جِدَارٍ.
فَرْعٌ: لَا يَبْعُدُ اشْتِرَاطُ الصِّيغَةِ فِي نَقْلِ الْيَدِ فِي الِاخْتِصَاصِ، كَأَنْ يَقُولَ: رَفَعْت يَدَيَّ عَنْ هَذَا الِاخْتِصَاصِ. وَلَا يَبْعُدُ جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ نَقْلِ الْيَدِ كَمَا فِي النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ.
قَوْلُهُ: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) أَيْ الْمَعْهُودَ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَالْآيَةُ مُتَّضِحَةُ الدَّلَالَةِ لَا مُجْمَلَةٌ بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى:{وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] فَإِنَّهَا مُجْمَلَةٌ وَلَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهَا إلَّا بِكِتَابِ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَسٍ رضي الله عنهما بِالصَّدَقَاتِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مَرْئِيَّةٍ) أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، وَأَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ لِكُلِّ الْمَبِيعِ كَصَاعٍ أَوْ لِبَعْضِهِ كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ بِتَمَامِهَا أَوْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ لِظَرْفِهِ كَالرُّمَّانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ صَوَانِي لَهُ. وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " مَرْئِيَّةٍ " أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ حُكْمًا فِيمَا كَانَ صِوَانًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ) وَهُوَ مَا انْطَوَتْ عَنَّا عَاقِبَتُهُ أَوْ تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَغْلَبُهُمَا أَخْوَفُهُمَا، أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ كَالسَّمَكِ فِي الْبَحْرِ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَيْعُ شَيْءٍ) أَيْ عَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ، فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْبَيْعِ فِي الذِّمَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَهُوَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ أَيْ صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهِ، بَلْ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ كَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا مَثَلًا مَعَ صِفَاتِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلُؤْلُؤٌ كِبَارٌ وَيَاقُوتٌ، فَإِنَّ هَذَا إذَا وُصِفَ وَعُقِدَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ يَصِحُّ وَإِنْ عُقِدَ بِلَفْظِ
بِلَفْظِ السَّلَمِ (فَجَائِزٌ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ) الْمَشْرُوطُ ذِكْرُهَا فِيهِ (عَلَى مَا وُصِفَتْ بِهِ) الْعَيْنُ الْمُسَلَّمُ فِيهَا مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِهِ الْآتِيَةِ فِي بَابِهِ.
(وَ) الثَّالِثُ (بَيْعُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ) عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ حَاضِرَةٍ فِيهِ (لَمْ تُشَاهَدْ) لِلْعَاقِدَيْنِ (فَلَا يَجُوزُ) لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ فِيمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مَا يَعُمُّ الصِّحَّةَ وَالْإِبَاحَةَ، إذْ تَعَاطِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ حَرَامٌ.
وَالرَّابِعُ بَيْعُ الْمَنَافِعِ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَسَيَأْتِي؛
وَلِلْمَبِيعِ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا ثَلَاثَةً:
ــ
[حاشية البجيرمي]
السَّلَمِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ " يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ " لَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ الشَّارِحُ قَصَرَ هَذَا النَّوْعَ الثَّانِي عَلَى السَّلَمِ وَذَلِكَ لَا خَلَلَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قُصُورٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَشْمَلُ غَيْرَ السَّلَمِ مِمَّا بِيعَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يَكُنْ بِلَفْظِ السَّلَمِ؛ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ بِلَفْظِ السَّلَمِ صَوَابٌ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَصَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ السَّلَمِ، فَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ: وَلَوْ بِلَفْظِ السَّلَمِ لَمْ يُوَافِقُ قَصْرُهُ إيَّاهُ عَلَى السَّلَمِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا لِلْقَلْيُوبِيِّ.
قَوْلُهُ: (مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ) الذِّمَّةُ مَعْنَاهَا لُغَةً الْعَهْدُ وَالْأَمَانُ وَشَرْعًا مَعْنًى قَائِمٌ بِالذَّاتِ يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَالِالْتِزَامِ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِلَفْظِ السَّلَمِ) لَوْ قَالَ: وَلَوْ بِلَفْظِ السَّلَمِ لَكَانَ صَوَابًا؛ قَالَهُ ق ل. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَهُ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ السَّلَمَ لَهُ أَحْكَامٌ وَالْبَيْعُ فِي الذِّمَّةِ لَهُ أَحْكَامٌ، فَأَحْكَامُ السَّلَمِ يُشْتَرَطُ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ وَلَا الْحَوَالَةُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبْضُ الثَّمَنِ فِي الْمَجْلِسِ. قَوْلُهُ:(إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ لَا بِجَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ مُطْلَقًا وُجِدَتْ الصِّفَةُ أَوْ لَا، وَتَقْدِيرُ الْمَحْذُوفِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهُ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُهُ بَلْ لَهُ الْخِيَارُ، أَوْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ أَيْ ذُكِرَتْ الصِّفَةُ أَيْ ذُكِرَتْ فِي الْعَقْدِ عَلَى مَا وُصِفَتْ بِهِ، أَيْ مَعَ مَا وُصِفَتْ بِهِ أَيْ مَعَ مَا وَصَفَهَا بِهِ الْأَئِمَّةُ، أَيْ اعْتَبَرُوهُ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهَا فِي الْعَقْدِ؛ وَحِينَئِذٍ فَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَائِزٍ. قَوْلُهُ:(مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِهِ) كَتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُهُ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عَقْدُ السَّلَمِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُرَادَ عَقْدُ الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُشَاهَدْ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِغَائِبَةٍ، فَشَمِلَ الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي الشَّرْحِ، وَالشَّارِحُ جَعَلَهُ قَيْدًا فِي الثَّانِيَةِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْأُولَى لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا وَإِنْ شُوهِدَتْ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ حُذِفَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِيَةِ أَيْ لَمْ تُشَاهَدْ كُلٌّ مِنْ الْغَائِبَةِ وَالْحَاضِرَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَوْلُهُ " لَمْ تُشَاهَدْ " مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَكَيْفَ يَكُونُ صِفَةً لِحَاضِرَةٍ الْوَاقِعَةِ مِنْ الشَّارِحِ، فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ إنَّ غَائِبَةً يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ لَمْ تُشَاهَدْ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ " بِقَوْلِهِ: أَوْ حَاضِرَةٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مَا يَعُمُّ الصِّحَّةَ) فَقَوْلُهُ " فَجَائِزٌ " أَيْ صَحِيحٌ وَمُبَاحٌ، وَقَوْلُهُ " فَلَا يَجُوزُ " أَيْ فَلَا يَصِحُّ وَلَا يُبَاحُ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِبَاحَةَ) لَوْ أَسْقَطَ هَذِهِ لَكَانَ صَوَابًا لِيَشْمَلَ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ الْحَرَامَ وَالْمَكْرُوهَ كَبَيْعِ الْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ إنْ ظَنَّ الْبَائِعُ ذَلِكَ حَرُمَ أَوْ تَوَهَّمَهُ كُرِهَ لِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِعُمُومِ الْأَحْكَامِ أَوْلَى مِنْهُ بِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ، فَإِنْ أُرِيدَ إبَاحَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَهُوَ مُسْتَدْرِكٌ لِأَنَّ الصِّحَّةَ كَافِيَةٌ عَنْهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَالرَّابِعُ بَيْعُ الْمَنَافِعِ إلَخْ) لَوْ جَعَلَ هَذَا الرَّابِعَ بَيْعَ حَقِّ الْمَمَرِّ كَمَا تَقَدَّمَ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، إذْ الْإِجَارَةُ لَا تُسَمَّى بَيْعًا لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ تَعْرِيفِهِ وَتَسْمِيَتُهَا بَيْعًا تَجَوُّزٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْمَبِيعِ إلَخْ) لَوْ قَالَ: وَلِلْعِوَضِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ لِشُمُولِهِ لِلثَّمَنِ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ مُرَادُهُ بِالْمَبِيعِ مَا يَشْمَلُ الثَّمَنَ، فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مُثَمَّنًا كَانَ أَوْ ثَمَنًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الثَّمَنَ النَّقْدُ وَالْمَبِيعَ مُقَابِلُهُ وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبَاءُ، وَإِنْ كَانَا نَقْدَيْنِ أَوْ عَرْضَيْنِ فَالثَّمَنُ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبَاءُ وَالْمَبِيعُ مُقَابِلُهُ، فَالثَّمَنُ فِي قَوْلِنَا: بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِحِمَارِ الدِّينَارِ، وَفِي قَوْلِنَا: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِحِمَارِ الْحِمَارِ اهـ م د.
وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّارِحَ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الْمَبِيعِ غَيْرِ
الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَيَصِحُّ بَيْعُ كُلِّ) شَيْءٍ (طَاهِرٍ) عَيْنًا أَوْ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى نَجِسِ الْعَيْنِ، وَكَذَا الدُّهْنُ كَالزَّيْتِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَمَا أَمَرَ بِإِرَاقَةِ السَّمْنِ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ» أَمَّا مَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ وَالْآجُرِّ الْمَعْجُونِ بِمَائِعٍ نَجِسٍ كَبَوْلٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِإِمْكَانِ طُهْرِهِ. وَسَيَأْتِي مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: طَاهِرٍ فِي كَلَامِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (مُنْتَفَعٍ بِهِ) شَرْعًا وَلَوْ فِي الْمَآلِ كَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ. وَسَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ فِي كَلَامِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (مَمْلُوكٍ) أَيْ أَنْ يَكُونَ لِلْعَاقِدِ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الثَّمَنِ بِدَلِيلِ أَمْثِلَةِ الشَّارِحِ الْآتِيَةِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ مِمَّا يَشْمَلُ الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ لِأَنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ الشَّارِحِ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (خَمْسَةٌ) وَيَزِيدُ الرِّبَوِيُّ بِمَا يَأْتِي فِيهِ ع ش م ر.
قَوْلُهُ: (كُلِّ طَاهِرٍ) وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ فِي مُشْتَبَهَيْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَتِهِ ش م ر. فَلَوْ اشْتَرَى مُجْتَهَدًا فِيهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ الْأَوَّلِ سم، وَمِثْلُهُ مَائِعٌ إذَا وَقَعَ فِيهِ مَيْتَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ، وَيَنْبَغِي ثُبُوتُ الْخِيَارِ عِنْدَ الْجَهْلِ اهـ ز ي. قَوْلُهُ:(أَوْ يَطْهُرُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ " عَيْنًا " لِأَنَّ مَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ عَيْنُهُ طَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُتَنَجِّسِ) أَيْ بَيْعُهُ اسْتِقْلَالًا لَا تَبَعًا لِمَا هُوَ كَالْجُزْءِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَبَيْعُ أَرْضٍ بُنِيَتْ بِلَبِنٍ أَوْ آجُرٍّ عُجِنَ بِنَجِسٍ صَحِيحٌ ح ل. وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ حَذْفُ هَذَا فَإِنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ مَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الدُّهْنُ) فَصَلَهُ بِكَذَا لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهِ عِنْدَنَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) وَمُقَابِلُهُ قَوْلٌ صَحِيحٌ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْمَاءِ بِأَنْ يُوضَعَ الْمَاءُ عَلَيْهِ وَيُدَارُ بِآلَةٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ الْمَاءَ وَصَلَ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، ثُمَّ تَصْبِرُ حَتَّى يَطْفُوَ الدُّهْنُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَتَثْقُبَ أَسْفَلَ الْإِنَاءِ حَتَّى يَنْزِلَ الْمَاءُ وَيَبْقَى الدُّهْنُ.
قَوْلُهُ: «فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا» زَادَ بَعْدَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ. وَكُلُوهُ، أَيْ الْبَاقِي.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ) أَيْ بِالْغَسْلِ؛ خَرَجَ مَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِالِاسْتِحَالَةِ كَجِلْدٍ قَبْلَ دَبْغِهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَإِمْكَانُ طُهْرِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُتَغَيِّرِ بِالْمُكَاثَرَةِ وَإِمْكَانِ طُهْرِ الْخَمْرِ بِالتَّخَلُّلِ فَالْغَسْلُ قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْآجُرِّ) أَيْ الطُّوبِ الْمُحْرَقِ، أَيْ لِإِمْكَانِ طُهْرِهِ لِأَنَّ الْآجُرَّ إذَا نُقِعَ فِي الْمَاءِ يَطْهُرُ لِتَشَرُّبِهِ الْمَاءَ فَيَصِلُ الْمَاءُ إلَى بَاطِنِهِ وَظَاهِرُهُ.
قَوْلُهُ: (بِمَائِعٍ نَجِسٍ) مَفْهُومُهُ أَنَّ الْمَعْجُونَ بِجَامِدٍ نَجِسٍ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْمَعْجُونِ بِالزِّبْلِ إذَا هُوَ فِي مَعْنَى نَجِسِ الْعَيْنِ، إلَّا دَارًا بُنِيَتْ بِهِ وَأَرْضًا سُمِّدَتْ بِهِ وَقِنًّا عَلَيْهِ وَشْمٌ وَإِنْ وَجَبَتْ إزَالَتُهُ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِوُقُوعِ النَّجِسِ تَابِعًا، ش م ر. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّجَاسَةَ إنْ كَانَتْ مُسْتَهْلِكَةً بِأَنْ أَمْكَنَ طُهْرُهُ كَالْآجُرِّ الْمَذْكُورِ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَهْلَكَةٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ طُهْرُهُ إلَّا بِاسْتِهْلَاكِ عَيْنِهِ كَاللَّبَنِ الْمَعْجُونِ بِالنَّجِسِ مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخُبْزَ الْمَخْبُوزَ بِالنَّجَاسَةِ إذَا كَثُرَ الدُّخَانُ وَتَخَلَّلَ بِأَجْزَائِهِ كَذَلِكَ، أَيْ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. اهـ. م د. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ.
قَوْلُهُ: (مُنْتَفَعٍ بِهِ) أَيْ وَلَوْ فِي الْآخِرَةِ كَالْعَبْدِ الزَّمِنِ لِلْعِتْقِ، بِخِلَافِ الْحِمَارِ الزَّمِنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فِي الْمَآلِ) أَيْ فِيمَا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّفْعُ حَالًا، فَلَا يَرِدُ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ دَارٍ دُونَ مَمَرِّهَا إذَا كَانَ يُمْكِنُ اتِّخَاذُ مَمَرٍّ لَهَا؛ شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ:(كَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ) أَيْ إنْ مَاتَتْ أُمُّهُ أَوْ اسْتَغْنَى عَنْ اللَّبَنِ. وَالضَّابِطُ أَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَيْهِ تَفْرِيقُ مُحَرَّمٍ ش م ر.
قَوْلُهُ: (مَمْلُوكٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِعَيْنِهِ كَالْوَكِيلِ وَالْوَلِيِّ. قَوْله:(أَنْ يَكُونَ لِلْعَاقِدِ إلَخْ) إنَّمَا فُسِّرَ بِذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ قَاصِرٌ عَلَى الْمِلْكِ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْوِلَايَةِ بِمِلْكٍ أَوْ وَكَالَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ مَثَلًا، أَوْ أُذِنَ مِنْ الشَّارِعِ كَالْمُلْتَقِطِ فِيمَا يُخَافُ فَسَادُهُ فَلَهُ بَيْعُهُ، وَالظَّافِرُ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ بَيْعُهُ بِجِنْسِ حَقِّهِ ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ. وَقَوْلُهُ " لِلْعَاقِدِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ " أَيْ وَلَوْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، وَإِنْ ظَنَّ الْعَاقِدُ خِلَافَهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ " وَيَصِحُّ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ " لَكِنَّ إقْدَامَهُ
وِلَايَةٌ، فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ فُضُولِيٍّ وَإِنْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ ظَاهِرًا إنْ بَانَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّهُ لَهُ كَأَنْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ مِلْكُهُ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ قُدْرَةُ تَسَلُّمِهِ فِي بَيْعٍ غَيْرِ ضِمْنِيٍّ لِيُوثَقَ بِحُصُولِ الْعِوَضِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نَحْوِ ضَالٍّ كَآبِقٍ وَمَغْصُوبٍ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ لِعَجْزِهِ عَنْ تَسَلُّمِهِ حَالًا بِخِلَافِ بَيْعِهِ لِقَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ. نَعَمْ إنْ احْتَاجَ فِيهِ إلَى مُؤْنَةِ الْمَطْلَبِ فَفِيهِ يَنْبَغِي الْمَنْعُ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ تَنْقُصُ بِقَطْعِهِ قِيمَتُهُ أَوْ قِيمَةُ الْبَاقِي كَجُزْءِ إنَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ نَفِيسٍ يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ مَا ذُكِرَ لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ ذَلِكَ شَرْعًا لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِيهِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْكَسْرِ أَوْ الْقَطْعِ، وَفِيهِ نَقْصٌ وَتَضْيِيعُ مَالٍ بِخِلَافِ مَا لَا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ مَا ذُكِرَ كَجُزْءٍ غَلِيظٍ كِرْبَاسٍ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ.
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ الْعِلْمُ بِهِ لِلْعَاقِدَيْنِ عَيْنًا وَقَدْرًا وَصِفَةً عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ حَذَرًا مِنْ الْغَرَرِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ: أَنَّهُ «صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
حِينَئِذٍ حَرَامٌ صَغِيرَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (عَقْدُ فُضُولِيٍّ) بِالْإِضَافَةِ، وَهُوَ مَنْ لَيْسَ مَالِكًا وَلَا وَكِيلًا وَلَا وَلِيًّا، وَمِثْلُ الْعَقْدِ الْحِلُّ كَطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ؛ فَلَوْ عَبَّرَ بِالتَّصَرُّفِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ. وَعَقْدُ الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ غَيْرِنَا مَوْقُوفٌ إنْ أَجَازَهُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ) هِيَ لِلرَّدِّ، وَعِبَارَةُ ش م ر: وَفِي الْقَدِيمِ وَحُكِيَ عَنْ الْجَدِيدِ أَنَّ عَقْدَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى رِضَا الْمَالِكِ إنْ أَجَازَهُ نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا، وَالْمُعْتَبَرُ إجَازَةُ مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عِنْدَ الْعَقْدِ؛ فَلَوْ بَاعَ مَالَ الطِّفْلِ فَبَلَغَ وَأَجَازَ لَمْ يَنْفُذْ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْمَالِكُ، فَلَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ اهـ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرًا) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ فِي الظَّاهِرِ. وَهُوَ صِفَةٌ لِمَالٍ، أَيْ الْمَالِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَيَكُونُ فِي الْوَاقِعِ مِلْكًا لَهُ. وَإِنَّمَا صَحَّ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ م د. قَوْلُهُ:(أَنَّهُ لَهُ) لَيْسَ قَيْدًا، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، فَيَشْمَلُ مَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَكِيلٌ بِبَيْعِ الْعَيْنِ أَوْ أَنَّهُ وَلِيٌّ عَلَى الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ لِلْبَيْعِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ) أَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَبَانَ إذْنُهُ لَهُ فِيهِ ح ل.
قَوْلُهُ: (ظَانًّا حَيَاتَهُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ إذَا لَمْ يَظُنَّ بِالْأَوْلَى
قَوْلُهُ: (قُدْرَةُ تَسَلُّمِهِ) وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قُدْرَةُ التَّسْلِيمِ، وَالْمُرَادُ قُدْرَةُ تَسَلُّمِهِ يَقِينًا حَالًّا بِلَا مُؤْنَةٍ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ، فَقَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ احْتَمَلَ قُدْرَتَهُ وَعَدَمَهَا لَمْ يَجُزْ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ ضِمْنِيٍّ) أَمَّا الضِّمْنِيُّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قُدْرَةُ التَّسَلُّمِ؛ فَإِذَا قُلْت لِمَالِكِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِكَذَا، فَقَالَ: أَعْتَقْته عَنْك، صَحَّ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْ غَاصِبِهِ؛ وَإِنَّمَا كَانَ بَيْعًا ضِمْنِيًّا لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ: بِعْنِيهِ وَأَعْتِقْهُ عَنِّي، فَإِذَا أَعْتَقَهُ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِعْته لَك وَأَعْتَقْته عَنْك كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. وَمِثْلُ الضِّمْنِيِّ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْعِتْقُ كَشِرَاءِ مَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ شَهِدَ بِهَا وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، أَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا، ز ي.
قَوْلُهُ: (حَالًا) أَيْ حَالَةَ الْعَقْدِ. قَوْلُهُ: (لِقَادِرٍ) أَيْ حَالًا وَمَآلًا، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ تَخْلِيصِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ بَطَلَ، وَيَصْدُقُ فِي عَدَمِ قُدْرَتِهِ ق ل. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعَجْزَ إذَا طَرَأَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (إلَى مُؤْنَةِ) أَيْ لَهَا وَقْعٌ وَإِنْ تَحَمَّلَهَا الْبَائِعُ، شَوْبَرِيٌّ. وَمِثْلُ الْمُؤْنَةِ الْكُلْفَةُ أَيْ الْمَشَقَّةُ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ السَّمَكِ فِي الْبِرْكَةِ الْوَاسِعَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (جُزْءٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ بِالشَّخْصِ كَمِنْ هُنَا إلَى هُنَا. أَمَّا الْمُعَيَّنُ بِالْقَدْرِ وَالنِّصْفِ وَنَحْوِهِ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ شَرِيكًا.
قَوْلُهُ: (نَفِيسٍ) لَمْ يَقُلْ نَفِيسَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِنَاءَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النَّفَاسَةُ، لِأَنَّ كَسْرَهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ:(عَنْ تَسْلِيمِ) الْمُنَاسِبُ تَسَلُّمِ كَمَا فِي خَطِّهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ " لِلْعَجْزِ إلَخْ " صِحَّةُ بَيْعِ جُزْءِ إنَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَلَوْ مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّ كَسْرَهَا وَاجِبٌ فَالنَّقْصُ مِنْ حَيْثُ الصِّفَةِ الْمُحَرَّمَةِ م د.
قَوْلُهُ: (وَفِيهِ) أَيْ فِي كُلِّ نَقْصٍ. قَوْلُهُ: (كِرْبَاسَ) أَيْ قُطْنٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وع ش. وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (الْعِلْمُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ وَإِنْ لَمْ
الْغَرَرِ» . وَيَصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَإِنْ جُهِلَتْ صِيعَانُهَا لِعِلْمِهِمَا بِقَدْرِ الْمَبِيعِ مَعَ تَسَاوِي الْأَجْزَاءِ فَلَا غَرَرَ. وَيَصِحُّ بَيْعُ صُبْرَةٍ وَإِنْ جُهِلَتْ صِيعَانُهَا كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمِ. وَلَا يَضُرُّ فِي مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ الْجَهْلُ بِجُمْلَةِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالتَّفْصِيلِ، وَبَيْعُ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ إنْ خَرَجَتْ مِائَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ لِعُذْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ جُمْلَةِ الثَّمَنِ وَتَفْصِيلِهِ، لَا بَيْعَ أَحَدِ ثَوْبَيْنِ مَثَلًا مُبْهَمًا. وَلَا بَيْعَ بِأَحَدِهِمَا وَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا، أَوْ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ بُرًّا أَوْ بِزِنَةِ ذِي الْحَصَاةِ ذَهَبًا وَمِلْءُ الْبَيْتِ وَزِنَةُ الْحَصَاةِ مَجْهُولَانِ، أَوْ بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ فِي الْأُولَى وَبِعَيْنِ الثَّمَنِ فِي الثَّانِيَةِ وَبِقَدْرِهِ فِي الْبَاقِي. فَإِنْ عَيَّنَ الْبُرَّ كَأَنْ قَالَ: بِعْتُك مِلْءَ ذَا الْبَيْتِ مِنْ ذَا الْبُرِّ صَحَّ لِإِمْكَانِ أَخْذِهِ قَبْلَ تَلَفِهِ فَلَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
يُطَابِقْ الْوَاقِعَ، بِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ الزُّجَاجَةِ الَّتِي ظَنَّهَا جَوْهَرَةً؛ بَلْ يَكْتَفِي بِرُؤْيَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَظُنَّ مِنْ أَيِّ الْأَجْنَاسِ هُوَ ح ل.
قَوْلُهُ: (عَيْنًا) أَيْ فِي الْمُعَيَّنِ غَيْرِ الْمُخْتَلِطِ، وَقَدْرًا فِي الْمُعَيَّنِ الْمُخْتَلِطِ كَصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَصِفَةً أَيْ مَعَ الْقَدْرِ فِيمَا فِي الذِّمَّةِ؛ شَوْبَرِيٌّ. وَلِذَا قَالَ " عَلَى مَا يَأْتِي " فَقَوْلُهُ " وَقَدْرًا " الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ ". وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا غَيْرَ مُخْتَلِطٍ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ تَحْقِيقًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَلَا ذَرْعٍ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ كَصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ، فَالشَّرْطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ لَا عَيْنِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَاءُ الشُّرْبِ مِنْ السِّقَاءِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ بِعِوَضٍ مَعَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الشُّرْبِ. اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَلِمَا رَوَى مُسْلِمٌ) عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ) الْمُنَاسِبُ التَّفْرِيعُ، فَكَانَ الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي فُرُوعٍ ثَمَانِيَةٍ: الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مُفَرَّعَةٌ عَلَى مَنْطُوقِ الشَّرْطِ، وَالْخَمْسَةُ بَعْدَهَا عَلَى الْمَفْهُومِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صُبْرَةٍ) هِيَ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُجْتَمِعَةٍ مِنْ الْحُبُوبِ أَوْ غَيْرِهَا وَالْمُرَادُ هُنَا مَا تَسَاوَتْ أَجْزَاؤُهُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ فَخَرَجَ مَا إذَا بَاعَ رُمَّانَةً أَوْ لَيْمُونَةً مِنْ صُبْرَةِ الرُّمَّانِ وَاللَّيْمُونِ فَلَا يَصِحُّ وَعُلِمَ مِنْ لَفْظِ مِنْ أَنَّ الصُّبْرَةَ أَكْثَرُ مِنْ صَاعٍ وَإِلَّا فَبَاطِلٌ ق ل.
قَوْلُهُ: (مَعَ تَسَاوِي الْأَجْزَاءِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ تَسْلِيمُ الصَّاعِ مِنْ بَاطِنِهَا وَتَسْلِيمُهُ مِنْ بَاطِنِهَا لَا يَصِيرُ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا لِأَنَّهَا مُتَسَاوِيَةُ الْأَجْزَاءِ، أَيْ فَتَسَاوِي الْأَجْزَاءِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْيِينِ، فَصَحَّ الْبَيْعُ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَيْعِ الْمُعَيَّنَاتِ لَا مِنْ بَيْعِ الذِّمَمِ، وَلَا يُرَدُّ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ شَاةٍ مِنْ شِيَاهٍ لِعَدَمِ تَسَاوِي الشِّيَاهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ جُهِلَتْ) أَيْ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ: (كُلَّ صَاعٍ) بِنَصْبِ كُلَّ عَلَى الْحَالِيَّةِ مِنْ صُبْرَةٍ، أَيْ حَالَةَ كَوْنِهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ أَيْ مُسَعَّرَةً بِذَلِكَ. وَأَمَّا رَفْعُهُ فَيُوهِمُ الِاسْتِئْنَافُ، فَيَكُونُ لَيْسَ مِنْ الصِّيغَةِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ مِنْهَا، وَجَرُّهُ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَدَلًا مِنْ صُبْرَةٍ فَيَصِيرُ الْبَيْعُ وَاقِعًا عَلَى كُلِّ صَاعٍ لَا عَلَى الصُّبْرَةِ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ، ح ل وَشَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ جُمْلَةِ الثَّمَنِ) وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَقَوْلُهُ " وَتَفْصِيلِهِ " وَهُوَ كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ.
قَوْلُهُ: (لَا بَيْعَ إلَخْ) مُحْتَرَزُ الْعِلْمِ فِيمَا مَرَّ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْمُبْهَمَ وَالْمَجْهُولَ مَعًا، وَأَشَارَ إلَى عُمُومِهِ فِي الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ جَمِيعًا ق ل.
قَوْلُهُ: (بُرًّا) أَيْ فِي الذِّمَّةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ تَنْكِيرُهُ ش م ر. قَوْلُهُ: (وَمِلْءَ الْبَيْتِ) حَالٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ) أَيْ وَلَمْ يُعَيِّنْ مِقْدَارَ كُلٍّ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَلَوْ عَيَّنَ كَأَنْ قَالَ بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ الدَّرَاهِمُ خَمْسُمِائَةٍ وَالدَّنَانِيرُ خَمْسُمِائَةٍ مَثَلًا صَحَّ. قَوْلُهُ:(فِي الْأُولَى) أَيْ بَيْعُ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ، وَقَوْلُهُ " فِي الثَّانِيَةِ " أَيْ قَوْلُهُ: وَلَا بَيْعَ بِأَحَدِهِمَا. قَوْله: (وَيُقَدِّرُهُ فِي الْبَاقِي) الْمُرَادُ بِالْجَهْلِ بِقَدْرِهِ فِي قَوْلِهِ " بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ " الْجَهْلُ بِقَدْرِ الدَّرَاهِمِ وَقَدْرِ الدَّنَانِيرِ هَلْ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الْأَلْفِ أَوْ ثُلُثُهَا مَثَلًا؟ وَإِلَّا فَالْعِلْمُ بِجُمْلَةِ قَدْرِهِ حَاصِلٌ لِأَنَّهُ أَلْفٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَيَّنَ إلَخْ) فَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ الْعِلْمِ قَدْرًا.
قَوْلُهُ (بِعْتُك مِلْءَ ذَا الْبَيْتِ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ لِمَا سَبَقَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك بِمِلْءِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا سَبَقَ جَعَلَ الْمِلْءَ ثَمَنًا وَجَعَلَهُ هُنَا مَبِيعًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ذَا الْبُرِّ) وَكَذَا بِعْتُك بِزِنَةِ هَذِهِ الْحَصَاةِ مِنْ هَذَا الذَّهَبِ. قَوْلُهُ: (لِإِمْكَانِ أَخْذِهِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْجَهْلَ بِقَدْرِهِ مَوْجُودًا أَيْضًا حَالَةَ الْبَيْعِ، وَعِبَارَةُ م ر: أَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَصِحُّ وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُهُ لِإِحَاطَةِ التَّخْمِينِ بِرُؤْيَتِهِ مَعَ إمْكَانِ الْأَخْذِ قَبْلَ تَلَفِهِ فَلَا غَرَرَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ تَلَفِهِ) أَيْ
غَرَرَ. وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
ثُمَّ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ فِي مُحْتَرَزِ قَوْلِهِ ظَاهِرٍ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ عَيْنٍ نَجِسَةٍ) سَوَاءٌ أَمْكَنَ تَطْهِيرُهَا بِالِاسْتِحَالَةِ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ أَمْ لَا، كَالسِّرْجِينِ وَالْكَلْبِ وَلَوْ مُعَلَّمًا وَالْخَمْرِ وَلَوْ مُحْتَرَمَةً لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ:«أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» وَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ» وَقِيسَ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا.
ثُمَّ أَخَذَ فِي مُحْتَرَزِ قَوْلِهِ مُنْتَفَعٍ بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالًا، فَأَخْذُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَتِهِ مُمْتَنِعٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَعَدَمِ مَنْفَعَتِهِ إمَّا لِخِسَّتِهِ كَالْحَشَرَاتِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا كَالْخُنْفِسَاءِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يُذْكَرُ مِنْ مَنَافِعِهَا فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
تَلَفِ الْبَيْتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْبَاطِلَةِ أَنَّ الْبَائِعَ هُنَا عَيَّنَ الْبُرَّ ثُمَّ أَبْهَمَهُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحِيطَا بِجَوَانِب الْبَيْتِ وَيَعْرِفَا تَخْمِينًا أَنَّهُ يَأْخُذُ كَذَا وَبِمِلْءِ الْبَيْتِ مِنْ الْبُرِّ الْمُعَيَّنِ حَالًا قَبْلَ تَلَفِ الْبَيْتِ، فَقَلَّ الْجَهْلُ هُنَا بِخِلَافِهِ ثُمَّ؛ لِأَنَّ الْبُرَّ مُبْهَمٌ وَيُمْكِنُ تَلَفُ الْبَيْتِ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالْبُرِّ فَكَثُرَ الْجَهْلُ، وَلَوْ تَلِفَ الْبَيْتُ هُنَا فَالظَّاهِرُ انْفِسَاخُ الْبَيْعِ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَأَيْضًا الْبُرُّ الْمُعَيَّنُ يَكْفِي فِيهِ التَّخْمِينُ كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ الْغَيْرِ الْمَكِيلَةِ؛ بِخِلَافِ الْمُبْهَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ عَيْنٍ نَجِسَةٍ) أَيْ اسْتِقْلَالًا لَا تَبَعًا لِمَا هُوَ كَالْجُزْءِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَبَيْعُ أَرْضٍ بُنِيَتْ بِلَبِنٍ أَوْ آجُرٍّ عُجِنَ بِنَجِسٍ صَحِيحٌ وَالْبَيْعُ وَاقِعٌ عَلَى الْجَمِيعِ م ر. وَقَالَ سم: الْوَجْهُ أَنَّ الْبَيْعَ وَاقِعٌ عَلَى الظَّاهِرِ؛ وَإِنَّمَا دَخَلَ غَيْرُهُ تَبَعًا بِنَقْلِ الْيَدِ فَرَاجِعْهُ. وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْعَ الْخَزَفِ الْمَخْلُوطِ بِالرَّمَادِ النَّجِسِ وَالسِّرْجِينِ صَحِيحٌ كَالْأَزْيَارِ وَالْقُلَلِ وَالْجُرُرِ وَالْمَوَاجِيرِ وَغَيْرِهَا، وَيُعْفَى عَمَّا يُوضَعُ فِيهَا مِنْ الْمَائِعَاتِ فَلَا يَتَنَجَّسُ م د. قَوْلُهُ:(كَالسِّرْجِينِ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا. قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُعَلَّمًا) لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ كَمَا قَالَهُ الْإِطْفِيحِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَمْرِ) فِيهِ أَنَّ الْخَمْرَ يَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ طُهْرَهُ لَيْسَ مَعَ بَقَاءِ كَوْنِهِ خَمْرًا، بَلْ انْتَقَلَ لِكَوْنِهِ خَلًّا بِخِلَافِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ مَعَ كَوْنِهِ جِلْدًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُحْتَرَمَةً) وَهِيَ مَا عُصِرَتْ، أَيْ عُصِرَ أَصْلُهَا لَا بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي عُصِرَتْ بِقَصْدِ الْخَلِيَّةِ. وَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ بَيْعِ الْمُحْتَرَمَةِ، هَذَا إنْ كَانَ الْعَاصِرُ لَهَا مُسْلِمًا، أَمَّا خَمْرَةُ الْكَافِرِ فَمُحْتَرَمَةٌ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا مُطْلَقًا وَلَوْ لِكَافِرٍ مِثْلِهِ وَإِنَّ اعْتَقَدَ الْحِلَّ.
قَوْلُهُ: «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» وَالنَّهْيُ عَنْ ثَمَنِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهِ ع ش.
فَرْعٌ: لَا تَدْخُلُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَهَلْ لَا تَدْخُلُ وَإِنْ جَازَ اقْتِنَاؤُهُ أَوْ وَجَبَ كَمَا لَوْ عُلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لَوْلَا اقْتِنَاؤُهُ لِحِرَاسَتِهِ؟ قَالَ الرَّمْلِيُّ: ظَاهِرُ مَا وَرَدَ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ حَائِضٌ مَعَ أَنَّهَا مَعْذُورَةٌ لَا صُنْعَ لَهَا فِي الْحَيْضِ عَدَمُ الدُّخُولِ هُنَا، سم عَلَى الْمَنْهَجِ ع ش عَلَى م ر. وَأَيْضًا لَا تُدَخِّلُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ أَوْ أَوَزٌّ أَوْ بَوْلٌ مَنْقُوعٌ أَيْ مَخْزُونٌ أَوْ فِيهِ صُورَةٌ. وَسَبَبُ عَدَمِ دُخُولِهَا أَنَّ إبْلِيسَ لَمَّا بَصَقَ عَلَى آدَمَ حِينَ كَانَ مُلْقًى عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ هَبَطَ جِبْرِيلُ وَكَشَطَ مِنْ الْبَزْقَةِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَأَلْقَاهَا فَخُلِقَ مِنْهَا الْكَلْبُ الْمَعْرُوفُ، وَثَانِي كَشْطَةٍ خُلِقَ مِنْهَا كَلْبُ الصَّيْدِ، فَهُمَا مَخْلُوقَانِ مِنْ أَثَرِ بَصْقَةِ إبْلِيسَ؛ وَالْمَلَكُ النَّازِلُ بِالرَّحْمَةِ وَإِبْلِيسُ لَا يَجْتَمِعَانِ.
قَوْلُهُ: (كَالْحَشَرَاتِ) وَأَصْلُهَا صِغَارُ دَوَابِّ الْأَرْضِ، وَيُسْتَثْنَى نَحْوُ يَرْبُوعٍ وَضَبٍّ مِمَّا يُؤْكَلُ وَنَحْلٍ وَدُودِ قَزٍّ وَعَلَقٍ لِمَنْفَعَةِ امْتِصَاصِ الدَّمِ م ر. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ مَنْفَعَةَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْخَوَاصِّ فَمَا وَجْهُ اسْتِثْنَائِهَا دُونَ غَيْرِهَا؟ قُلْت: أَجَابَ شَيْخُنَا بِأَنَّ هَذِهِ لَمَّا اشْتَهَرَتْ وَعَلِمَهَا غَالِبُ النَّاسِ اُسْتُثْنِيَتْ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا لِاخْتِصَاصِهَا بِحُذَّاقِ الْأَطِبَّاءِ أج.
قَوْلُهُ: (كَالْخُنْفِسَاءِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مَمْدُودَةٌ، وَالْأُنْثَى خُنْفَسَاءَةٌ بِالْهَاءِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَقْرَبِ صَدَاقَةٌ. وَمِنْ مَنَافِعِهَا، أَيْ الْخُنْفُسَاءِ، أَنَّهُ
الْخَوَاصِّ، وَلَا بَيْعَ كُلِّ سَبُعٍ أَوْ طَيْرٍ لَا يَنْفَعُ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ، وَلَا نَظَرَ لِمَنْفَعَةِ الْجِلْدِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا لِمَنْفَعَةِ الرِّيشِ فِي النَّبْلِ، وَلَا لِاقْتِنَاءِ الْمُلُوكِ لِبَعْضِهَا لِلْهَيْبَةِ وَالسِّيَاسَةِ. أَمَّا مَا يَنْفَعُ مِنْ ذَلِكَ كَالْفَهْدِ لِلصَّيْدِ وَالْفِيلِ لِلْقِتَالِ وَالنَّحْلِ لِلْعَسَلِ وَالطَّاوُوسِ لِلْأُنْسِ بِلَوْنِهِ فَيَصِحُّ، وَإِمَّا لِقِلَّتِهِ كَحَبَّتَيْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَلَا أَثَرَ لِضَمِّ ذَلِكَ إلَى أَمْثَالِهِ أَوْ وَضْعِهِ فِي فَخٍّ وَمَعَ هَذَا يَحْرُمُ غَصْبُهُ وَيَجِبُ رَدُّهُ، وَلَا ضَمَانَ فِيهِ إنْ تَلِفَ إذْ لَا مَالِيَّةَ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ آلَةِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ كَالطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ وَالرَّبَابِ وَإِنْ اتَّخَذَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ نَقْدٍ إذْ لَا نَفْعَ بِهَا شَرْعًا. وَيَصِحُّ بَيْعُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُمَا الْمَقْصُودَانِ. وَلَا يُشْكِلُ بِمَا مَرَّ مِنْ مَنْعِ بَيْعِ آلَاتِ الْمَلَاهِي الْمُتَّخَذَةِ مِنْهُمَا لِأَنَّ آنِيَتَهُمَا يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهَا لِلْحَاجَةِ بِخِلَافِ تِلْكَ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ كُتُبِ الْكُفْرِ وَالتَّنْجِيمِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالْفَلْسَفَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَا بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ إلَّا إذَا كَانَ فِي بِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ لَا يَمْنَعُ الْمَاءُ رُؤْيَتَهُ وَسَهُلَ أَخْذُهُ فَيَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ كَانَتْ الْبِرْكَةُ كَبِيرَةً لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
إذَا قُطِعَ مُؤْخِرُهَا وَغُمِسَ فِيهِ مِيلٌ وَاكْتُحِلَ بِرُطُوبَتِهِ قَوِيَ الْبَصَرُ وَمَنَعَ مِنْ الْإِغْشَاءِ، وَإِذَا طُبِخَتْ فِي زَيْتٍ وَقُطِّرَ فِي الْأُذُنِ الْوَجِعَةِ نَفَعَهَا، وَإِذَا أُدِيمَ ذَلِكَ نَفَعَ مِنْ الصَّمَمِ الْحَادِثِ، وَإِذَا دُهِنَ بِهِ قُرُوحَ السَّاقَيْنِ أَوْ الْبَوَاسِيرِ النَّاتِئَةِ فِي الْمَقْعَدَةِ نَفَعَهَا نَفْعًا جَيِّدًا عَجِيبًا وَإِذَا شُدِخَتْ وَرُبِطَتْ عَلَى لَسْعَةِ الْعَقْرَبِ نَفَعَتْهَا اهـ مِنْ مُخْتَصَرِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلسُّيُوطِيِّ. وَإِنْ كَانَ فِي تَشْدِيخِهَا تَعْذِيبٌ لَهَا جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَيَّةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ حَيَاتِهَا جِدًّا. قَوْلُهُ: (وَالْعَقْرَبِ) وَهِيَ كَثِيرَةُ الْوَلَدِ لَهَا ثَمَانِيَةُ أَرْجُلٍ وَعَيْنَاهَا فِي ظَهْرِهَا وَأَشَرُّ مَا تَكُونُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا؛ سُيُوطِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بَيْعُ كُلِّ سَبُعٍ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْمَتْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ الْمَأْكُولِ) خَرَجَ الْمَأْكُولُ كَغُرَابِ الزَّرْعِ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَهُوَ الْغُدَافُ الصَّغِيرُ وَالزَّاغُ، أَمَّا الْغُدَافُ الْكَبِيرُ وَكَذَا الْعَقْعَقُ وَالْأَبْقَعُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهَا م ر. وَقَوْلُهُ " الْعَقْعَقُ " أَيْ الَّذِي صَوْتُهُ الْعَقْعَقَةُ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ غَاقْ غَاقْ وَقَوْلُهُ " وَالزَّاغُ " وَهُوَ مُحْمَرُّ الْمِنْقَارِ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْفَعَةِ الْجِلْدِ) يَرْجِعُ لِلْأَسَدِ وَالذِّئْبِ. وَقَوْلُهُ " وَلَا لِمَنْفَعَةِ الرِّيشِ " يَرْجِعُ لِلْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ قَوْلُهُ: (لِلْهَيْبَةِ) أَيْ هَيْبَةِ الْخَلْقِ لَهُمْ بِسَبَبِ اقْتِنَائِهِمْ لَهَا وَالسِّيَاسَةِ بِإِصْلَاحِ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ بِامْتِثَالِهِمْ لَهُمْ؛ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: يُقَالُ سَاسَ النَّاسَ أَصْلَحَ أُمُورَهُمْ، فَهُوَ عَطْفٌ مُسَبَّبٌ عَلَى سَبَبٍ أَوْ عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. قَوْلُهُ (لِلْأُنْسِ بِلَوْنِهِ) وَكَذَا الْعَنْدَلِيبُ لِصَوْتِهِ، وَكَذَا الْقِرْدُ لِلْحِرَاسَةِ وَالْهِرَّةُ الْأَهْلِيَّةُ لِدَفْعِ الْفَأْرِ. وَأَمَّا الْوَحْشِيَّةُ فَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّبَادُ صَحَّ بَيْعُهَا وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا الْيَرْبُوعُ وَالضَّبُّ وَالْعَلَقُ لِمَصِّ الدَّمِ وَالدُّودُ لِلْقَزِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَثَرَ لِضَمٍّ ذَلِكَ) أَيْ حَبَّتَيْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَانَيْ الرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ اتِّفَاقًا، وَأَغْرَبَ الْمُتَوَلِّي فَحَكَى وَجْهًا بِجَوَازِ بَيْعِهِمَا. اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَضْعِهِ) أَيْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِي فَخٍّ أَيْ أَوْ شَرَكٍ، وَهُمَا آلَتَانِ يُصَادُ بِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَمَعَ هَذَا) أَيْ مَعَ عَدَمِ نَفْعِهِ لِقِلَّتِهِ أَوْ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا) أَيْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الْمَقْصُودَانِ، أَيْ بِجَعْلِهِمَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَلَيْسَتْ الْآنِيَةُ مَقْصُودَةً.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ تِلْكَ) فَإِنَّهَا لَا يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهَا لِلْحَاجَةِ بَلْ لِلضَّرُورَةِ فِيمَا إذَا أَخْبَرَهُ الطَّبِيبُ الْعَدْلُ بِأَنَّ هَذَا الْمَرَضَ يَزُولُ بِسَمَاعِهَا كَمَا فِي سم.
قَوْلُهُ: (وَالتَّنْجِيمِ) أَيْ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى عِلْمِ النُّجُومِ، بِأَنْ كَانَ فِيهَا إذَا طَلَعَ نَجْمٌ كَذَا حَصَلَ كَذَا؛ قَالَ ق ل: مَا لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى تَجْرِبَةٍ أَوْ عَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالشَّعْبَذَةِ) فِي نُسْخَةٍ. " وَالشَّعْبَثَةِ " بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَدَلُ الذَّالِ: نَوْعٌ مِنْ السِّحْرِ وَالْفَلْسَفَةِ مِنْ كُتُبِ الْكُفْرِ، فَعَطْفُهَا خَاصٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بَيْعُ السَّمَكِ) هَذَا خَارِجٌ بِقَوْلِهِ
إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَبَيْعُ الْحَمَامِ فِي الْبُرْجِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَلَوْ حَمَامًا اعْتِمَادًا عَلَى عَادَةِ عَوْدِهَا عَلَى الْأَصَحِّ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِعَوْدِهَا إلَّا النَّحْلَ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ طَائِرًا عَلَى الْأَصَحِّ فِي الزَّوَائِدِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ. تَبَعًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْيَعْسُوبُ فِي الْخَلِيَّةِ فَارِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَمَامِ بِأَنَّ النَّحْلَ لَا يُقْصَدُ بِالْجَوَارِحِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الطُّيُورِ فَإِنَّهَا تُقْصَدُ بِهَا. وَيَصِحُّ بَيْعُهُ فِي الْكُوَّارَةِ إنْ شَاهَدَ جَمِيعَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الْغَائِبِ فَلَا يَصِحُّ.
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ سِتَّةٌ: عَاقِدٌ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ وَمَعْقُودٌ عَلَيْهِ ثَمَنٌ وَمُثَمَّنٌ وَصِيغَةٌ وَلَوْ كِنَايَةً، وَهِيَ إيجَابٌ كَبِعْتُكَ وَمَلَّكْتُك، وَاشْتَرِ مِنِّي وَكَجَعَلْتُهُ لَك بِكَذَا نَاوِيًا الْبَيْعَ.
وَقَبُولٌ كَاشْتَرَيْتُ وَتَمَلَّكْت وَقَبِلْت وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِيجَابِ كَبِعْنِي بِكَذَا لِأَنَّ الْبَيْعَ مَنُوطٌ بِالرِّضَا لِخَبَرِ: «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
عَيْنًا فِي قَوْلِهِ عَلِمَ بِهِ عَيْنًا، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " لَا بَيْعُ " بِأَحَدِ الثَّوْبَيْنِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ) أَيْ فَيَصِحُّ إنْ كَانَ الْبُرْجُ صَغِيرًا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ فِيهِ وَسَهُلَ أَخْذُهُ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَمَامًا) لِلرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (الْيَعْسُوبُ) أَيْ أُمُّهُ. قَالَ السُّيُوطِيّ: الْيَعْسُوبُ هُوَ مَلِكُ النَّحْلِ وَأَمِيرُهَا الَّذِي لَا يَتِمُّ لَهَا أَمْرٌ إلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تُقْصَدُ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ، فَإِنَّهُ أَيْ الْغَيْرُ؛ لَكِنَّهُ أُنِّثَ نَظَرًا لِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْكُوَّارَةِ) فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ: ضَمُّ الْكَافِ وَفَتْحُهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْوَاوِ فِيهِمَا، وَضَمُّ الْكَافِ وَكَسْرُهَا مَعَ تَخْفِيفِ الْوَاوِ أج مُلَخَّصًا. وَهِيَ الْخَلِيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَغَايَرَ التَّعْبِيرَ لِلتَّفَنُّنِ.
قَوْلُهُ: (سَكَتَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ عَنْ التَّصْرِيحِ وَإِلَّا فَهِيَ مَعْلُومَةٌ ضِمْنًا مِنْ قَوْلِهِ " بَيْعُ عَيْنٍ إلَخْ " لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يَتَضَمَّنُ الْعَاقِدَيْنِ وَالْعِوَضَيْنِ وَالْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ) أَيْ التَّفْصِيلِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ كِنَايَةً) وَلَوْ مِنْ سَكْرَانَ مُتَعَدٍّ بِسُكْرِهِ إذَا أَقَرَّ بِالنِّيَّةِ، خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ. اهـ. ز ي. وَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِعَدَمِ انْعِقَادِهِ بِالْكِنَايَةِ. لَا يُقَالُ إنَّ الشُّهُودَ لَا اطِّلَاعَ لَهُمْ عَلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالْكِنَايَةُ كِنَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (هِيَ إيجَابٌ إلَخْ) وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا أَيْ الصِّيغَةِ أَنْ يُذْكَرَ الْمُبْتَدِي بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا كُلًّا مِنْ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ. وَأَمَّا الْمُجِيبُ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَهُمَا وَلَا أَحَدَهُمَا، فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك كَذَا بِكَذَا، فَقَالَ: قَبِلْت، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت مِنْك كَذَا بِكَذَا، فَقَالَ: بِعْتُك؛ كَفَى فِيهِمَا. فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُبْتَدِي مِنْهُمَا الْعِوَضَيْنِ مَعًا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
قَوْلُهُ: (كَبِعْتُكَ إلَخْ) أُتِيَ بِالْكَافِ إشَارَةً لِعَدَمِ الْحَصْرِ فِي الْأَمْثِلَةِ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا.
قَوْلُهُ: (وَاشْتَرِ مِنِّي) هُوَ اسْتِقْبَالٌ، أَيْ طَلَبُ الْقَبُولِ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِيجَابِ ح ل؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: اقْبَلْ مِنِّي كَذَا بِكَذَا.
قَوْلُهُ: (وَكَجَعَلْتُهُ لَك إلَخْ) أُتِيَ بِالْكَافِ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ وَمَا قَبْلَهُ صَرِيحٌ؛ وَلِذَا قَالَ نَاوِيًا الْبَيْعَ أَيْ نِيَّةً مُقْتَرِنَةً بِجَمِيعِ اللَّفْظِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر، خِلَافًا لِلزِّيَادِيِّ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ. وَأَشَارَ بِالْكَافِ فِي الْكِنَايَةِ إلَى عَدَمِ الْحَصْرِ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهَا: بَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهِ بِكَذَا، وَبَاعَك اللَّهُ بِكَذَا، أَوْ سَلَّطْتُك عَلَيْهِ بِكَذَا، وَتَمَلَّكْهُ بِكَذَا. وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَالصِّيغَةُ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَإِلَى كِنَايَةٍ، فَمِنْ الصَّرِيحِ: بِعْتُك وَمَلَّكْتُك وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْكِنَايَةُ كَأَنْ يَقُولَ: خُذْهُ بِعَشَرَةٍ، أَوْ بَاعَهُ اللَّهُ لَك بِعَشَرَةٍ، وَفِي الْإِقَالَةِ: كَأَقَالَك اللَّهُ مِنْهُ. وَقَالُوا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ: لَوْ قَالَ " طَلَّقَك اللَّهُ " أَوْ " أَعْتَقَك اللَّهُ " كَانَ صَرِيحًا فَحَصَلَ التَّنَاقُضُ. قَالَ الشَّيْخُ الْبُلْقِينِيُّ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا أُضِيفَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَقَلَّ بِهِ الْعَبْدُ كَانَ صَرِيحًا، وَإِلَّا فَكِنَايَةٌ. اهـ. عَنَانِيٌّ. وَنَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
مَا فِيهِ الِاسْتِقْلَالُ بِالْإِنْشَاءِ
…
وَكَانَ مُسْنَدًا لِذِي الْآلَاءِ
فَهْوَ صَرِيحٌ ضِدُّهُ كِنَايَهْ
…
فَكُنْ لِذَا الضَّابِطِ ذَا دِرَايَهْ
قَوْلُهُ: (كَبِعْنِي بِكَذَا) هَذَا اسْتِيجَابٌ قَائِمٌ مَقَامَ الْقَبُولِ أَيْ مَعَ صِيغَةِ الْأَمْرِ، بِخِلَافِ صِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْمَلْفُوظِ بِهِ أَوْ
تَرَاضٍ» وَالرِّضَا خَفِيٌّ فَاعْتُبِرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ اللَّفْظِ، فَلَا بَيْعَ بِمُعَاطَاةٍ وَيَرُدُّ كُلَّ مَا أَخَذَهُ بِهَا أَوْ بَدَلَهُ إنْ تَلِفَ.
وَشَرْطٌ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَوْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إشَارَةِ أَخْرَسَ أَنْ لَا يَتَخَلَّلَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ، وَلَا سُكُوتٌ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمُقَدَّرِ نَحْوُ أَتَبِيعُنِيهِ أَوْ بِعْتنِيهِ ح ل.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْبَيْعَ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الصِّيغَةُ لِأَنَّ الْبَيْعَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ اللَّفْظِ) أَيْ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ مِنْ الرِّضَا أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْقَرَائِنِ عَلَيْهِ، فَلَا يُقَالُ إنَّ الْقَرَائِنَ قَدْ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا. وَمِثْلُ اللَّفْظِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ. وَالْمُرَادُ بِاللَّفْظِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً فَخَرَجَ الْمُعَاطَاةُ حَيْثُ اقْتَرَنَ بِهَا لَفْظٌ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةً.
قَوْلُهُ: (وَيَرُدُّ كُلَّ مَا أَخَذَهُ) أَيْ وُجُوبًا وَلَوْ بِلَا طَلَبٍ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ فَلَا عِقَابَ فِي الْآخِرَةِ إنْ كَانَ عَنْ رِضًا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، لِطِيبِ النَّفْسِ بِهَا وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا، نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ. اهـ. رَوْضٌ وَشَرَحَهُ. وَالْمُعَاطَاةُ مِنْ الصَّغَائِرِ عَلَى الرَّاجِحِ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهَا، وَكَذَا كُلُّ بَيْعٍ فَاسِدٍ؛ قَالَهُ ع ش. وَقَوْلُهُ:" فَلَا عِقَابَ " أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ يُعَاقِبُ مِنْ حَيْثُ تَعَاطِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مُكَفِّرٌ كَمَا فِي شَرْحِ م ر؛ وَلَوْ اخْتَلَفَ اعْتِقَادُهُمَا كَمَالِكِيٍّ وَشَافِعِيٍّ عُومِلَ كُلٌّ بِاعْتِقَادِهِ فَيَجِبُ عَلَى الشَّافِعِيِّ الرَّدُّ دُونَ الْمَالِكِيِّ، فَإِذَا رَدَّ الشَّافِعِيُّ أَتَى فِيهِ الظُّفْرُ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ أَوْ يَرْفَعُ الْمَالِكِيُّ لِلْحَاكِمِ. وَفِي ع ش عَلَى م ر: فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ وَقَعَ بَيْعٌ بِمُعَاطَاةٍ بَيْنَ مَالِكِيٍّ وَشَافِعِيٍّ، هَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِيِّ ذَلِكَ لِإِعَانَتِهِ الشَّافِعِيَّ عَلَى مَعْصِيَةٍ فِي اعْتِقَادِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْأَقْرَبَ الْحُرْمَةُ كَمَا لَوْ لَعِبَ الشَّافِعِيُّ مَعَ الْحَنَفِيِّ الشِّطْرَنْجَ حَيْثُ قِيلَ يَحْرُمُ عَلَى الشَّافِعِيِّ لِإِعَانَتِهِ الْحَنَفِيَّ عَلَى مَعْصِيَةٍ فِي اعْتِقَادِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَدَلُهُ إنْ تَلِفَ) أَيْ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَأَقْصَى الْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوِّمِ، وَكَذَا كُلُّ مَقْبُوضٍ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ سم ع ش عَلَى م ر؛ أَيْ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَغْصُوبِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَتَخَلَّلَهُمَا إلَخْ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي الْحَاضِرِ، أَمَّا الْغَائِبُ فَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ الْكَلَامِ مِنْ الْكَاتِبِ وَلَا مِنْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْكِتَابِ ع ش.
قَوْلُهُ: (أَجْنَبِيٌّ) بِأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ كَالْقَبْضِ وَالِانْتِفَاعِ وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ، وَلَا مِنْ مَصَالِحِهِ كَشَرْطِ الرَّهْنِ وَالْإِشْهَادِ، وَلَا مِنْ مُسْتَحَبَّاتِهِ كَالْخِطْبَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخِطْبَةَ تُسْتَحَبُّ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ كَمَا قَالَهُ ح ل وم ر. فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَضُرُّ، وَالْكَلَامُ الْأَجْنَبِيُّ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ بِقَدْرِ مَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ وَلَوْ حَرْفًا مُفْهِمًا أَوْ حَرْفَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُفْهِمَا. نَعَمْ يُغْتَفَرُ الْيَسِيرُ لِنِسْيَانٍ أَوْ جَهْلٍ إنْ عُذِرَ كَالصَّلَاةِ، وَيُغْتَفَرُ لَفْظُ قَدْ لِأَنَّهَا لِلتَّحْقِيقِ شَرَحَ م ر. وَيُغْتَفَرُ لَفْظُ: وَاَللَّهِ اشْتَرَيْت، وَيَضُرُّ: وَأَنَا اشْتَرَيْت؛ قَالَهُ ق ل. وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ شُرُوطِ الصِّيغَةِ خَمْسَةٌ، وَذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُغَيِّرَ الْأَوَّلُ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ مَا أُتِيَ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُك ذَا الْعَبْدَ بَلْ الْجَارِيَةَ فَقَبِلَ لَمْ يَصِحَّ، أَوْ: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا حَالًّا بَلْ مُؤَجَّلًا لَمْ يَصِحَّ لِضَعْفِ الْإِيجَابِ بِالتَّغْيِيرِ. الثَّانِي: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ بِقُرْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ صَاحِبُهُ بِأَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَوْرًا أَوْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ إلَيْهِ فَقَبِلَ. الثَّالِثُ: بَقَاءُ الْأَهْلِيَّةِ إلَى وُجُودِ الشِّقِّ الثَّانِي، فَلَوْ جُنَّ الْأَوَّلُ قَبْلَ وُجُودِ الْقَبُولِ لَمْ يَصِحَّ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مِمَّنْ صَدَرَ مَعَهُ الْخِطَابُ، فَلَوْ قَبِلَ غَيْرُهُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَصِحَّ. وَبَقِيَ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَنْ يَذْكُرَ الْمُبْتَدِئُ مِنْهُمَا الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ. وَأَنْ يَأْتِيَ بِكَافِ الْخِطَابِ، وَأَنْ يُضِيفَ الْبَيْعَ لِجُمْلَتِهِ؛ فَلَوْ قَالَ: بِعْت يَدَك لَمْ يَصِحَّ إلَّا إنْ أَرَادَ التَّجَوُّزَ عَنْ الْجُمْلَةِ وَأَنْ يَقْصِدَ اللَّفْظَ لِمَعْنَاهُ، فَلَوْ سَبَقَ بِهِ لِسَانُهُ أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا لَا يُعْرَفُ مَعْنَى الْبَيْعِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا قَالَهُ م ر. وَقَوْلُهُ " بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ بِقُرْبِهِ " فَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ بِقُرْبِهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ سَمِعَهُ صَاحِبُهُ لِحِدَّةِ سَمْعِهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ كُلًّا لَفْظٌ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ ع ش اط ف. فَيَكُونُ شُرُوطُ الصِّيغَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَرْطًا. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَغْتَفِرُ مِنْ الْعَامِّيِّ فَتْحُ التَّاءِ فِي التَّكَلُّمِ وَضَمُّهَا فِي التَّخَاطُبِ لِأَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ إبْدَالُ الْكَافِ أَلِفًا وَنَحْوَهُ سم.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَافِ مِنْ الْعَامِّيِّ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهَا مِنْ غَيْرِ الْعَامِّيِّ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى النُّطْقِ بِالْكَافِ؛. اهـ. ع ش عَلَى م ر.
طَوِيلٌ وَهُوَ مَا أَشْعَرَ بِإِعْرَاضِهِ عَنْ الْقَبُولِ، وَأَنْ يَتَوَافَقَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعْنًى، فَلَوْ أَوْجَبَ بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ فَقَبِلَ بِصَحِيحَةٍ أَوْ عَكْسِهِ لَمْ يَصِحَّ. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا عَدَمُ التَّعْلِيقِ وَالتَّأْقِيتِ، فَلَوْ قَالَ: إنْ مَاتَ أَبِي فَقَدْ بِعْتُكِ هَذَا بِكَذَا أَوْ بِعْتُكَهُ بِكَذَا شَهْرًا لَمْ يَصِحَّ.
وَشَرْطٌ فِي الْعَاقِدِ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا إطْلَاقُ تَصَرُّفٍ، فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا أَشْعَرَ بِإِعْرَاضِهِ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ بِقَدْرِ مَا يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ فِي الْفَاتِحَةِ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ، أَوْ الْقَصِيرُ إذَا قَصَدَ بِهِ الْإِعْرَاضَ بِخِلَافِ السُّكُوتِ الطَّوِيلِ لِعُذْرِ مَنْ جَهِلَ أَوْ نِسْيَانٍ فَيَضُرُّ كَالْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَتَوَافَقَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعْنًى) وَإِنْ لَمْ يَتَوَافَقَا لَفْظًا كَأَنْ قَالَ: بِعْتُك بِقِرْشٍ فَقَبِلَ بِثَلَاثِينَ نِصْفِ فِضَّةٍ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَأَنْ يَتَوَافَقَا مَعْنًى بِأَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْعَدَدِ وَالْحُلُولِ وَالْأَجَلِ وَإِنْ اخْتَلَفَ لَفْظُهُمَا صَرِيحًا وَكِنَايَةً اهـ. وَقَالَ ع ش عَلَيْهِ: قَوْلُهُ " مَعْنًى " أَيْ لَا لَفْظًا، حَتَّى لَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَهُ بِكَذَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت أَوْ عُكِسَ صَحَّ مَعَ اخْتِلَافِ صِيغَتِهِمَا لَفْظًا اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَوْجَبَ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ تُسَاوِهِ قِيمَةُ الصِّحَاحِ قِيمَةَ الْمُكَسَّرَةِ، أَمَّا إذَا تَسَاوَيَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ كَذَا قِيلَ، لَكِنْ فِي الْبِرْمَاوِيِّ وَالْحَلَبِيِّ: وَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا، وَاعْتَمَدَ كَلَامَهُمَا شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ.
قَوْلُهُ: (مُكَسَّرَةً) وَهِيَ قِطَعُ نَقْدٍ مَضْرُوبَةٍ لَا نَحْوُ أَنْصَافِ الْقُرُوشِ وَأَرْبَاعِهَا، وَقَالَ ق ل عَلَى الْمُحَلَّى: الْمُرَادُ بِالْمُكَسَّرَةِ قِطَعٌ صِغَارٌ تُقْرَضُ مِنْ نَحْوِ الدَّنَانِيرِ لِشِرَاءِ الْحَوَائِجِ الصَّغِيرَةِ وَهُوَ الْوَجْهُ لِإِخْرَاجِ نَحْوِ الْقُرُوشِ.
قَوْلُهُ: (فَقَبِلَ بِصَحِيحَةٍ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَوْجَبَ بِأَلْفٍ فَقِيلَ بِأَلْفٍ مِنْ نَقْدٍ آخَرَ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ فِي السِّكَّةِ دُونَ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ بَرْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ (أَوْ عَكْسَهُ) بِالنَّصْبِ، أَيْ أَوْ كَانَ عَكْسَهُ أَوْ بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوْ حَصَلَ عَكْسُهُ، وَالْجُمْلَةُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى " أَوْجَبَ ".
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) أَيْ لِقَبُولِهِ مَا لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ؛ قَالَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (عَدَمُ التَّعْلِيقِ) أَيْ الَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ ك " إنْ كَانَ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهُ " أَوْ " بِعْتُك إنْ شِئْت " كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّأْقِيتِ) وَلَوْ بِمَا يُبْعِدُ بَقَاءَ الدُّنْيَا إلَيْهِ كَأَلْفِ سَنَةٍ ح ل، وَعِبَارَةُ ز ي: وَعَدَمُ تَأْقِيتٍ وَلَوْ بِنَحْوِ حَيَاتِك أَوْ أَلْفِ سَنَةٍ عَلَى الْأَوْجَهِ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ عَلَى مَا فِيهِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْتَهِي بِالْمَوْتِ لِانْتِقَالِهِ لِلْوَارِثِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطٌ فِي الْعَاقِدِ) أَيْ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: اثْنَانِ لِلْعَاقِدِ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا وَهُمَا الْأَوَّلَانِ، وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ خَاصَّانِ بِالْمُشْتَرِي؛ فَلِذَا أَظْهَرَ فِي مَحِلِّ الْإِضْمَارِ فِي قَوْلِهِ " وَإِسْلَامُ مَنْ يَشْتَرِي " حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَإِسْلَامُهُ، أَيْ الْعَاقِدِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَحَاصِلُ شُرُوطِهِ أَنَّ بَعْضَهَا عَامٌّ وَهُوَ الْأَوَّلَانِ، وَمِثْلُهُمَا فِي الْعُمُومِ الْإِبْصَارُ إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا. أَمَّا قَوْلُهُ " وَإِسْلَامُ " فَهُوَ مِنْ الْخَاصِّ. وَمِنْهَا عَدَمُ إحْرَامِ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ صَيْدَ بَرِّيٍّ وَحْشِيٍّ، وَعَدَمُ حِرَابَةِ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ عِدَّةَ حَرْبٍ.
وَخَرَجَ بِالْعَاقِدِ الْمُتَوَسِّطُ كَالدَّلَّالِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فِيهِمَا بَلْ الشَّرْطُ فِيهِ التَّمْيِيزُ فَقَطْ كَمَا قَالَهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (إطْلَاقُ تَصَرُّفٍ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبَ وَالْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْوَكِيلِ، فَإِنَّ كُلًّا غَيْرُ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ لِأَنَّ كُلًّا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ وَلَا أَنْ يَتَصَدَّقَ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ. اهـ. ح ل. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: الْمُرَادُ بِإِطْلَاقِ التَّصَرُّفِ صِحَّتُهُ وَلَوْ بِالْبَيْعِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ " إطْلَاقُ تَصَرُّفٍ دُونَ الرُّشْدِ " لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهِ لَا عَلَى الرُّشْدِ فَيَدْخُلُ مَنْ بَلَغَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ وَدَيْنِهِ ثُمَّ بَذَّرَ وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَهُوَ السَّفِيهُ الْمُهْمَلُ، فَهُوَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ رَشِيدًا. وَدَخَلَ الْمُفْلِسُ إذَا عَقَدَ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً فَيَصِحُّ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَقَدَ عَلَى الْعَيْنِ. دَخَلَ بَيْعُ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ جَرَيَانَ الْعَقْدِ مَعَهُ كَالْإِذْنِ لَهُ، وَهُوَ إذَا أَذِنَ لَهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ صَبِيٍّ إلَخْ) ثُمَّ إنْ تَلِفَ أَوْ أَتْلَفَ مَا قَبَضَهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ قَبَضَهُ مِنْ رَشِيدٍ ضَاعَ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ مُضَيِّعٌ لِمَالِهِ وَيَلْزَمُ الرَّشِيدَ رَدُّ الثَّمَنِ لِلْوَلِيِّ، وَأَمَّا إنْ قَبَضَ مِنْ غَيْرِ رَشِيدٍ فَيَضْمَنُ كُلٌّ مَا أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ إنْ كَانَ بِغَيْرِ
وَعَدَمُ إكْرَاهٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ مُكْرَهٍ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِعَدَمِ رِضَاهُ، وَيَصِحُّ بِحَقٍّ كَأَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ بَيْعُ مَالِهِ لَهُ وَفَاءَ دَيْنٍ فَأَكْرَهَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. وَلَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِإِكْرَاهِهِ عَلَيْهِ صَحَّ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ. وَإِسْلَامُ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ وَلَوْ بِوَكَالَةِ مُصْحَفٍ أَوْ نَحْوِهِ كَكُتُبِ حَدِيثٍ أَوْ كُتُبِ عِلْمٍ فِيهَا آثَارُ السَّلَفِ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ مُرْتَدٍّ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِمَا فِي مِلْكِ الْكَافِرِ لِلْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْإِهَانَةِ وَلِلْمُسْلِمِ مِنْ الْإِذْلَالِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141]
ــ
[حاشية البجيرمي]
إذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَّطَهُ. قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ إكْرَاهٍ) أَيْ إنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ، فَإِنْ وُجِدَتْ صَحَّ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ ز ي. وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ: وَعَدَمُ إكْرَاهٍ إلَخْ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: الِاخْتِيَارُ وَالْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فَيَصِحُّ مِنْهُ الْعَقْدِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ مُكْرَهٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ إيقَاعَ الْبَيْعِ، وَإِلَّا صَحَّ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِ طَلَاقٍ فَقَصَدَ إيقَاعَهُ صَحَّ الْقَصْدُ، سم. فَالصَّرِيحُ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ كِنَايَةٌ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الطَّلَاقِ. قَوْلُهُ:(فِي مَالِهِ) مِثْلُهُ وَكِيلٌ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ، شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ (فَأَكْرَهَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ الْمُتَغَلِّبُ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ، وَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْمُتَغَلِّبِ لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ بِنَفْسِهِ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنْ لَمْ تَبِعْنِي شَيْئًا مِنْ بَهَائِمِك وَإِلَّا قَتَلْتُك، فَبَاعَهُ شَيْئًا مِنْهَا صَحَّ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، كَذَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا ز ي. أَيْضًا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَرِّ الَأُجْهُورِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُصَادَرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ مِنْ أُلْجِئَ إلَى دَفْعِ دَرَاهِمَ فَبَاعَ بَعْضَ مَالِهِ وَدَفَعَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ، وَكَذَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِيلَةِ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ الْفَلَاحُ بَعْضَ دَوَابِّهِ مَثَلًا بِثَمَنٍ يَسِيرٍ خَوْفًا مِنْ الْمُلْتَزِمِ. وَيَكُونُ الشَّرْطُ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا، لَكِنْ لَمَّا يَخْرُجُ الْمُلْتَزِمُ آخُذُهُ مِنْك. فَإِنَّ هَذَا صَحِيحٌ إنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْعَقْدِ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَصِحُّ عَقْدُ السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ الَّذِي هُوَ خِطَابُ الْوَضْعِ، شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَإِسْلَامُ مَنْ يَشْتَرِي إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْمُصْحَفِ مَا فِيهِ قُرْآنٌ وَإِنْ قَلَّ، وَذَلِكَ يَشْمَلُ التَّمِيمَةَ؛ وَهُوَ مُتَّجَهٌ. وَخَرَجَ بِالْمُصْحَفِ جِلْدُهُ الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ، فَيَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْكَافِرِ وَإِنْ لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ عَنْهُ سم. نَعَمْ يُتَسَامَحُ بِتَمْلِيكِ الْكَافِرِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الَّتِي عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَيُلْحَقُ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ شِرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الدُّورَ وَقَدْ كُتِبَ فِي سَقْفِهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ مُغْتَفَرًا لِلْمُسَامَحَةِ بِهِ غَالِبًا إذْ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقُرْآنِيَّةُ كَمَا وَسَمَّوْا نَعَمْ الْجِزْيَةُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَتَمَرَّغُ فِي النَّجَاسَةِ. وَمِثْلُ الْقُرْآنِ الْحَدِيثُ وَلَوْ ضَعِيفًا فِيمَا يَظْهَرُ إذْ هُوَ أَوْلَى مِنْ آثَارِ السَّلَفِ. بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَتْ عَنْ الْآثَارِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالشَّرْعِ كَكُتُبِ نَحْوِ فِقْهٍ خَلَا عَنْ اسْمِ اللَّهِ. وَيُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْمُصْحَفِ لِتَجْلِيدِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ، بِخِلَافِ تَمْكِينِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِمَا فِي تَمْكِينِهِ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ مِنْ الْإِهَانَةِ شَرْحِ م ر وع ش.
قَوْلُهُ (آثَارَ السَّلَفِ) أَيْ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ كَطَبَقَاتِ الشَّعْرَانِيِّ، أَمَّا الْخَالِيَةُ كَكُتُبِ نَحْوٍ وَلُغَةٍ فَيَصِحُّ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالشَّرْعِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ؛ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ:(أَوْ مُسْلِمٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " مُصْحَفٍ ". قَوْلُهُ: (أَوْ مُرْتَدٍّ) خَرَجَ بِهِ الْمُتَنَقِّلُ مِنْ دِينٍ إلَى آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ لِلْكَافِرِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ عَلَيْهِ لِيَشْمَلَ مَنْ أُقِرَّ بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ شُهِدَ بِهَا ز ي. وَقَوْلُهُ. " لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ " رَاجِعٌ لِلِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِي مِلْكِ الْكَافِرِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَهُ لِمَا إلَخْ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْإِهَانَةِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا اسْتَفْتَاهُ ذِمِّيٌّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ لَفْظَ الْجَلَالَةِ، فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا الْخَطَأُ فِيهِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْإِذْلَالِ) عَبَّرَ بِالْإِذْلَالِ فِي جَانِبِ الْمُسْلِمِ وَالْإِهَانَةِ فِي الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِيقَةِ الْإِذْلَالِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُذِلِّ شُعُورٌ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ فِي الْجُمْلَةِ ع ش؛ وَلِأَنَّهُ يُقَالُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُصْحَفِ فِي يَدِ
وَلِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ فِي الْمُرْتَدِّ بِخِلَافِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ كَأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، فَيَصِحُّ لِانْتِفَاءِ إذْلَالِهِ بِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ.
فَائِدَةٌ: يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فِي مَسَائِلَ نَحْوِ الْأَرْبَعِينَ صُورَةً، وَقَدْ ذَكَرْتهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَأَفْرَدَهَا الْبُلْقِينِيُّ بِتَصْنِيفٍ دُونَ الْكُرَّاسَةِ وَالشَّامِلِ لِجَمِيعِهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: الْأَوَّلُ الْمِلْكُ الْقَهْرِيُّ. الثَّانِي: مَا يُفِيدُ الْفَسْخَ. الثَّالِثُ: مَا اسْتَعْقَبَ الْعِتْقَ. فَاسْتَفِدْهُ فَإِنَّهُ ضَابِطٌ مُهِمٌّ، لِبَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ نَظْمٌ وَهُوَ:
وَمُسْلِمٌ يَدْخُلُ مِلْكَ كَافِرْ
…
بِالْإِرْثِ وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ ظَاهِرْ
إقَالَةٌ وَفَسْخُهُ وَمَا وَهَبْ
…
أَصْلٌ وَمَا اسْتَعْقَبَ عِتْقًا بِسَبَبْ
وَتَقَدَّمَتْ شُرُوطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ مَثَلًا وَثَمَّ نَقْدٌ غَالِبٌ تَعَيَّنَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُمَا لَهُ، أَوْ نَقْدَانِ مَثَلًا وَلَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَنْ لَا يُعَظِّمُهُ أَهَانَهُ وَلَا يُقَالُ أَذَلَّهُ وَالْمُسْلِمُ بِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (سَبِيلًا) أَيْ مِلْكًا م د.
قَوْلُهُ: (وَلِبَقَاءِ عُلْقَةِ الْإِسْلَامِ إلَخْ) أَيْ وَفِي تَمْكِينِ الْكَافِرِ مِنْهُ إزَالَةً لَهَا؛ شَرْحُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْكُرَّاسَةِ) بِضَمِّ الْكَافِ قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ) وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فِي بَيْتٍ فَقَالَ:
مَا اسْتَعْقَبَ الْعِتْقَ وَمِلْكَ قَهْرِيٍّ
…
وَمَا يُفِيدُ الْفَسْخَ فَاحْفَظْ وَادْرِي
قَوْلُهُ: (مَا اسْتَعْقَبَ الْعِتْقَ) كَأَنْ اشْتَرَى الْكَافِرُ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ الْمُسْلِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الشِّرَاءَ صَحِيحٌ وَيُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ. وَقَدْ اشْتَمَلَ هَذَا النَّظْمُ عَلَى الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ: فَالْأَوَّلَانِ لِلْمِلْكِ الْقَهْرِيِّ، وَالثَّلَاثَةُ بَعْدَهُمَا لِلْفَسْخِ وَالْأَخِيرُ لِاسْتِعْقَابِ الْعِتْقِ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّدُّ بِعَيْبٍ) بِأَنْ كَانَ الْعَبْدُ ثَمَنًا لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ وَفَسْخِهِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ شَامِلٌ لِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَإِنَّ لِلْبَائِعِ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَشَامِلٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ.
قَوْلُهُ: (إقَالَةٍ) بِالْجَرِّ عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ الْعَطْفِ. وَهِيَ وَالْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ تَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مَا يُفِيدُ الْفَسْخَ. وَصُورَةُ الْإِقَالَةِ أَنْ يُقِيلَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْمَبِيعِ بَعْدَ إسْلَامِ الْعَبْدِ، فَهِيَ فَسْخٌ بِلَفْظِ الْإِقَالَةِ. وَصُورَةُ الْفَسْخِ أَنْ يَخْتَلِفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَلَا بَيِّنَةَ ثُمَّ يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَيَرْجِعَ الْعَبْدُ لِلْبَائِعِ. وَصُورَةُ الْهِبَةِ أَنْ يَهَبَ الْأَصْلُ لِفَرْعِهِ عَبْدًا ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ، فَيَأْخُذَهُ وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا.
قَوْلُهُ: (وَمَا وُهِبَ) اُنْظُرْ هَذَا دَاخِلٌ فِي أَيِّ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي الثَّانِي. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: قَوْلُهُ " وَمَا وَهَبَ " أَيْ مَا وَهَبَهُ الْأَصْلُ لِفَرْعِهِ، أَيْ رُجُوعُ الْأَصْلِ فِيمَا وَهَبَهُ لِفَرْعِهِ. وَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْفَسْخِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالصِّفَةِ الشَّامِلَةِ لِلْجِنْسِ، أَيْ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالصِّفَةِ؛ يَعْنِي يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالصِّفَةِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَوْلُهُ:(مَثَلًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " بَاعَ ".
قَوْلُهُ: (بِنَقْدٍ) كَدِينَارٍ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْمَحْبُوبَ وَالْجَنْزِيرَ وَالْفُنْدُقْلِيَّ.
قَوْلُهُ: (وَثُمَّ نَقْدٍ غَالِبٍ) أَيْ فِي مَكَانِ الْبَيْعِ، قَالَ فِي التُّحْفَةِ: سَوَاءٌ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ أَهْلِهَا أَيْ بَلَدِ الْبَيْعِ وَيَعْلَمُ نَقُودَهَا أَوْ لَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ اهـ. وَفِيهِ وَقْفَةٌ لِمُنَافَاتِهِ لِلتَّعْلِيلِ الْآتِي، وَلِأَنَّهُ إذَا جَهِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَقُودَ الْبَلَدِ كَانَ الثَّمَنُ مَجْهُولًا لَهُمَا وَالْوَجْهُ عَدَمُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ، شَوْبَرِيٌّ. وَكَلَامُ الْحَلَبِيِّ يُوَافِقُ التُّحْفَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ وَلَوْ مَعَ جَهْلِهِمَا بِهِ.
قَوْلُهُ: (نَقْدٍ غَالِبٍ) أَيْ نَوْعٍ مِنْهُ. وَعُلِمَ بِقَوْلِهِ " غَلَبَ " أَنَّ هُنَاكَ نَقْدًا آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ، إذْ لَا أَغْلَبِيَّةَ مَعَ الِانْفِرَادِ لِأَنَّهُ مُتَعَيَّنٌ قَطْعًا،
صَحِيحًا وَمُكَسَّرًا وَلَا غَالِبَ اُشْتُرِطَ التَّعْيِينُ لَفْظًا إنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا، فَإِنْ اسْتَوَتْ لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْيِينٌ
وَتَكْفِي مُعَايَنَةُ عِوَضٍ عَنْ الْعِلْمِ بِقَدْرِهِ اكْتِفَاءً بِالتَّخْمِينِ الْمَصْحُوبِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَتَكْفِي رُؤْيَةٌ قَبْلَ عَقْدٍ فِيمَا لَا يَغْلِبُ تَغَيُّرُهُ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ ذَاكِرًا لِلْأَوْصَافِ عِنْدَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ مَا يَغْلِبُ تَغَيُّرُهُ كَالْأَطْعِمَةِ.
وَتَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِ مَبِيعٍ إنْ دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ كَظَاهِرِ صُبْرَةٍ نَحْوِ بُرٍّ كَشَعِيرٍ أَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى بَاقِيهِ بَلْ كَانَ صِوَانًا لِلْبَاقِي لِبَقَائِهِ كَقِشْرِ رُمَّانٍ وَبَيْضٍ وَقِشْرَةٍ سُفْلَى لِجَوْزٍ أَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ النَّوْعَانِ جِنْسًا أَوْ نَوْعًا أَوْ اخْتَلَفَا ق ل.
قَوْلُهُ: (تَعَيَّنَ) أَيْ الْغَالِبُ وَإِنْ أَبْطَلَهُ السُّلْطَانُ، أَوْ كَانَ نَاقِصًا، أَوْ نَوَيَا خِلَافَهُ ق ل. قَوْلُهُ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ أَرَادَا غَيْرَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِمُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ بِاللَّفْظِ؛ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَتَكْفِي مُعَايَنَةُ عِوَضٍ) وَلَا خِيَارَ لَهُ إذَا ظَهَرَ مَعِيبًا لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الْبَحْثِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا لَا يَغْلِبُ) بِأَنْ غَلَبَ عَدَمُ تَغَيُّرِهِ، أَيْ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالْفِعْلِ كَأَرْضٍ وَإِنَاءٍ وَحَدِيدٍ، أَوْ اسْتَوَى تَغَيُّرُهُ وَعَدَمُهُ كَالْحَيَوَانِ ق ل. وَقَوْلُهُ " كَالْحَيَوَانِ " قَالَ الزِّيَادِيُّ: الْكَافُ لِلتَّنْظِيرِ لَا لِلتَّمْثِيلِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَغْلِبُ فِيهِ التَّغَيُّرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ إنَّ الْحَيَوَانَ يَتَغَذَّى فِي الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَتُحَوَّلُ طِبَاعُهُ فَقَلَّمَا يَنْفَكُّ عَنْ عَيْبٍ خَفِيٍّ أَوْ ظَاهِرٍ اهـ. وَقَوْلُهُ " لِلتَّنْظِيرِ " أَيْ نَظِيرِ مَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ، أَيْ وَإِنْ غَلَبَ فِيهِ التَّغَيُّرُ وَجَعَلَهَا سُلْطَانًا لِلتَّمْثِيلِ؛ وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ وَعِبَارَتُهُ: الْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه: الْحَيَوَانُ يَتَغَذَّى فِي الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَتُحَوَّلُ طِبَاعُهُ فَقَلَّمَا يَنْفَكُّ عَنْ عَيْبٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " لَا يَنْفَكُّ عَنْ عَيْبٍ " لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ غَلَبَةَ تَغَيُّرِهِ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي رُئِيَ عَلَيْهَا. لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعِيبًا، وَتَسْتَمِرُّ تِلْكَ الصِّفَةُ الْمَرْئِيَّةُ مَعَ حُصُولِ الْعَيْبِ فِيهِ إلَى الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (ذَاكِرًا لِلْأَوْصَافِ) الَّتِي رَآهَا حِينَ الرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: (رُؤْيَةُ بَعْضِ مَبِيعٍ) أَيْ لَا مِنْ وَرَاءِ زُجَاجٍ أَوْ مَاءٍ صَافٍ كَمَا لَا يُكْتَفَى بِهِمَا فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْبَابَيْنِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالرُّؤْيَةِ إذَا وُجِدَتْ مِنْ وَرَاءِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى مُرَادِ مُطْلَقِهَا وَقَدْ وُجِدَ وَهُنَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ التَّامَّةِ فَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، رَحْمَانِيٌّ. وَانْظُرْ هَلْ يُكْتَفَى بِالْمَعْرِفَةِ وَالرُّؤْيَةِ بِوَاسِطَةِ الْآلَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْعُيُونِ؟ وَحَرِّرْهُ، قَالَ خ ض: نَعَمْ يَصِحُّ بَيْعُ السَّمَكِ وَالْأَرْضِ الْمَسْتُورَيْنِ بِالْمَاءِ الصَّافِي لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهِمَا؛ هَكَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَضِيَّتُهُ امْتِنَاعُهُ مَعَ الْكُدُورَةِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صِحَّةِ إيجَارِ الْأَرْضِ مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ أَوْسَعُ لِأَنَّهَا تَقْبَلُ التَّأْقِيتَ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهَا عَلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ،. اهـ. مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (كَظَاهِرِ صُبْرَةٍ) مَبِيعَةٍ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا عَلَى الْإِشَاعَةِ. وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " كَظَاهِرِ صُبْرَةِ " نَحْوِ بُرٍّ، أَيْ مِنْ كُلِّ مَا اسْتَوَتْ أَجْزَاؤُهُ، وَكَذَا تَكْفِي رُؤْيَةُ السَّمْنِ فِي ظَرْفِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْبَلَّاصَ فِيهِ غِلَظٌ وَرِقَّةٌ بِأَنْ عَلِمَ الِاسْتِوَاءَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا، وَكَذَا إذَا كَانَ الْبُرُّ فِي ظَاهِرِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ فِيهَا انْعِطَافٌ وَانْخِفَاضٌ بِأَنْ ظَنَّ التَّسَاوِي أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ اعْتِمَادًا عَلَى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: (نَحْوُ بُرٍّ كَشَعِيرٍ) مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ غَالِبًا، بِخِلَافِ صُبْرَةِ بِطِّيخٍ وَرُمَّانٍ وَسَفَرْجَلٍ وَنَحْوِهَا. قَوْله:(صِوَانًا) بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا، أَيْ حِفْظًا لِبَقَائِهِ أَيْ لِأَجْلِ بَقَائِهِ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " صِوَانًا ". وَيُقَالُ " صِيَانٌ " بِالْيَاءِ أَيْ وِعَاءٌ. اهـ. دَمِيرِيٌّ. وَقَوْلُهُ " لِلْبَاقِي " مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَلَامُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، فَاخْتَلَفَ مَعْنَى الْحَرْفَيْنِ فَلَا اعْتِرَاضَ.
قَوْلُهُ: (كَقِشْرِ رُمَّانٍ إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ أَمْثِلَةٌ لِلصِّوَانِ خِلْقَةً، وَلَوْ ذَكَرَ غَيْرَ الْخِلْقِيِّ مَعَهُ لَكَانَ أَوْلَى كَالْخُشْكَنَانِ وَالْجُبَّةِ الْمُحَشِّيَةِ وَالطَّاقِيَّةِ الْمُحَشِّيَةِ وَالْمُجَوَّزَةِ، بِخِلَافِ اللُّحُفِ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ بَعْضِ قُطْنِهَا ق ل. وَقَوْلُهُ " كَالْخُشْكَنَانِ " كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ لِأَنَّ خشن اسْمٌ لِلْيَابِسِ وكنان اسْمٌ لِلْعَجِينِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَجِينٌ يَابِسٌ بِتَقْدِيمِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ. وَقَالَ شَيْخُنَا: قَوْلُهُ (خُشْكَنَانَ) الْخُشْكَنَانُ اسْمٌ لِقِطْعَةٍ عَجِينَةٍ يُضَافُ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ السُّكَّرِ وَاللَّوْزِ وَالْجَوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَفَطِيرَةٌ رَقِيقَةٌ وَيُجْعَلُ الْمَجْمُوعُ فِي هَذِهِ الْفَطِيرَةِ وَيُسَوَّى بِالنَّارِ، فَالْفَطِيرَةُ الرَّقِيقَةُ هِيَ قِشْرَةٌ فَتَكْفِي رُؤْيَتُهَا عَنْ رُؤْيَةِ مَا فِيهَا لِأَنَّهَا صَوَانِي لَهُ. وَقَوْلُهُ " رُمَّانٍ " رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: كُلُوا الرُّمَّانَ بِشَحْمِهِ فَإِنَّهُ دِبَاغُ الْمَعِدَةِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَقَطَتْ مِنْهُ