الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ النِّكَاحِ
هُوَ لُغَةً الضَّمُّ وَالْجَمْعُ وَمِنْهُ تَنَاكَحَتْ الْأَشْجَارُ إذَا تَمَايَلَتْ وَانْضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَشَرْعًا عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ وَطْءٍ بِلَفْظِ إنْكَاحٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ تَرْجَمَتِهِ وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا، وَلِأَصْحَابِنَا فِي مَوْضُوعِهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
ِ قَدَّمَ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ ثُمَّ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَيْهَا أَهَمُّ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْفَرَائِضَ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ شَهْوَةِ الْبَدَنِ، ثُمَّ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ. وَالنِّكَاحُ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ وَيَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي الْجَنَّةِ أَيْضًا.
وَالْمُرَادُ مِنْ النِّكَاحِ الْعَقْدُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الِاسْتِحْبَابُ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ الْإِبَاحَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ.
وَفَائِدَتُهُ حِفْظُ النَّسْلِ وَتَفْرِيغُ مَا يَضُرُّ حَبْسُهُ وَاسْتِيفَاءُ اللَّذَّةِ وَالتَّمَتُّعُ. وَهَذِهِ، أَعْنِي اسْتِيفَاءَ اللَّذَّةِ، مَعَ التَّمَتُّعِ هِيَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ إذْ لَا تَنَاسُلَ فِيهَا وَلَا احْتِبَاسَ، وَمَا قِيلَ إنَّ الْعَبْدَ يَشْتَهِي فِيهَا الْوَلَدَ فَيَلِدُ فِي الْجَنَّةِ فَيَكُونُ حَمْلُهُ وَرَضَاعُهُ وَفِطَامُهُ فِي سَاعَةٍ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَالْخَصِيِّ وَالْمَمْسُوحِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَهُمْ فِيهَا مَا يَشْتَهُونَ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا فِي الدُّنْيَا كَالْحَرِيرِ وَالْخَمْرِ وَجَمْعِ الْأُخْتَيْنِ، قَالَ م ر: بَلْ صَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُ سَائِرِ الْمَحَارِمِ فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأُمَّ وَالْبِنْتَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هُنَا التَّبَاغُضُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَاكَ، لَا مَا فِيهِ رَذِيلَةٌ كَوَطْءٍ فِي دُبُرٍ وَمِنْهُ وَطْءُ الْأَبْعَاضِ كَبِنْتِهِ وَأُمِّهِ؛ وَقَدْ وَرَدَ:" يُعْطَى أَحَدُكُمْ فِي الْجَنَّةِ ذَكَرًا مِثْلَ النَّخْلَةِ السَّحُوقِ وَفَرْجًا يَسَعُ ذَلِكَ " اهـ بَابِلِيٌّ ع ش.
قَالَ السَّيِّدُ الرَّحْمَانِيُّ: وَيُسَنُّ إظْهَارُ النِّكَاحِ وَإِخْفَاءُ الْخِتَانِ، فَفِي الْحَدِيثِ:«أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا فِيهِ بِالدُّفُوفِ وَلَوْ فِي الْمَسَاجِدِ» اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ حِلُّ الدُّفُوفِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَتَحْرِيمُ الْكُوبَةِ لَعَلَّهُ أَمْرٌ عَرَضٌ.
قَوْلُهُ: (الضَّمُّ وَالْجَمْعُ) أَيْ وَالْوَطْءُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، وَعَطْفُ الْجَمْعِ عَلَى الضَّمِّ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ. وَعِبَارَةُ م ر: لُغَةً الضَّمُّ، وَالْوَطْءُ. وَسُمِّيَ النِّكَاحُ نِكَاحًا لِمَا فِيهِ مِنْ ضَمِّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إلَى آخَرَ.
قَوْلُهُ: (عَقْدٌ إلَخْ) يَسْتَلْزِمُ الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ الْآتِيَةَ، وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ سِتَّةٌ زَوْجٌ وَزَوْجَةٌ وَوَلِيٌّ وَشَاهِدَانِ وَصِيغَةٌ، وَسَتُعْلَمُ كُلُّهَا مِنْ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ مِنْهَا الْمَهْرُ بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ.
فَرْعٌ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ اللَّازِمِ الْمُؤَقَّتِ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَقِيلَ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عَيْنُ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ: مَنَافِعُ الْبُضْعِ؛ اهـ شَوْبَرِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (يَتَضَمَّنُ) أَيْ يَسْتَلْزِمُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَهُ مُقَابِلَ الْمُطَابَقَةِ وَهُوَ مِلْكُ انْتِفَاعٍ لَا مِلْكُ مَنْفَعَةٍ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِلَفْظِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ عَقْدٌ يَحْصُلُ بِلَفْظِ إنْكَاحٍ إلَخْ، أَيْ بِلَفْظٍ مُشْتَقٍّ إنْكَاحٌ أَوْ مُشْتَقٍّ نَحْوِهِ وَهُوَ التَّزْوِيجُ. وَخَرَجَ بَيْعُ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ وَطْءٍ، لَكِنْ لَا بِلَفْظِ إنْكَاحٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَيْ بِلَفْظٍ مُشْتَقٍّ إلَخْ؛ لِأَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ وَالْمَصْدَرُ كِنَايَةً لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ. وَقَوْلُهُ:" أَوْ تَرْجَمَتُهُ " أَيْ الْأَحَدِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ) أَيْ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَلِأَصْحَابِنَا إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ إلَخْ. قَوْلُهُ: (فِي مَوْضُوعِهِ) صَوَابُهُ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ أَيْ مَعْنَاهُ ق ل. وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَوْضُوعَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحُكْمِ وَهُوَ هُنَا ذَاتُ الزَّوْجَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَفْظُ النِّكَاحِ لَهُ شَرْعًا، وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَصْوِيبَ؛؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الشَّرْعِيَّ يَدْفَعُ إرَادَةَ
الشَّرْعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ كَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْأَخْبَارُ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى:{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَقْدُ وَالْوَطْءُ مُسْتَفَادٌ مِنْ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» وَعَقْدُ النِّكَاحِ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ وَكَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهَلْ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ أَوْ الْمَرْأَةُ فَقَطْ؟ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي. وَهَلْ هُوَ مِلْكٌ أَوْ إبَاحَةٌ وَجْهَانِ أَوْجَههمَا الثَّانِي أَيْضًا. وَالْأَصْلُ فِي حِلِّهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَمِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَسِنَّ بِسُنَّتِي وَمِنْ سُنَّتِي النِّكَاحُ» .
ــ
[حاشية البجيرمي]
ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ) وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى النِّكَاحِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْعَقْدِ لَا الْوَطْءِ إلَّا إذَا نَوَاهُ وَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ:(حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ) وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ أَحَدُهُمَا بِقَرِينَةٍ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْوَطْءَ بِالزِّنَا هَلْ يُحَرِّمُ مَا حَرَّمَهُ النِّكَاحُ أَوْ لَا؟ عِنْدَنَا لَا يُحَرِّمُهُ وَعِنْدَ الْحَنَفِيِّ يُحَرِّمُهُ، وَإِذَا عُلِّقَ الطَّلَاقُ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَمَا يُحْمَلُ عَلَى الْعَقْدِ وَعِنْدَهُ عَلَى الْوَطْءِ؛ وَهَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ إبَاحَةٌ؟ وَجْهَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَهُ زَوْجَةٌ وَالْأَصَحُّ لَا حِنْثَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَعَلَى الْأَصَحِّ فَهُوَ مَالِكٌ لَأَنْ يَنْتَفِعَ بِالْبُضْعِ لَا لِلْمَنْفَعَةِ، فَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَالْمَهْرُ لَهَا اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ م ر وزي.
قَوْلُهُ: (مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُسَبَّبٌ عَنْ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا جَاءَ بِهِ) أَيْ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ أَيْ جَاءَ بِالْعَقْدِ أَيْ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ لِلتَّعْلِيلِ وَمَا مَصْدَرِيَّةً أَيْ لِمَجِيءِ الْقُرْآنِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى إلَخْ) وُرُودُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِمَا قَبْلَهَا فِي أَنَّ كُلًّا فِيهِ النِّكَاحُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ الْآيَةِ ثُمَّ يَقُولُ: وَقَضِيَّةُ الْآيَةِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَطْءَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْحَدِيثِ وَهَذَا تَقْرِيرٌ فِي الْآيَةِ، وَفِيهَا تَقْرِيرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النِّكَاحَ بِمَعْنَى الْوَطْءِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُ النِّكَاحِ فِي الْعَقْدِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِيُوَافِقَ الْخَارِجَ مِنْ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا بِالْوَطْءِ لَا بِالْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» الْعَسَلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَعُسَيْلَةٌ تَصْغِيرُ عَسَلٍ عَلَى لُغَةِ التَّأْنِيثِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ
وَاخْتِمْ بِتَا التَّأْنِيثِ مَا صَغَّرْت مِنْ
…
مُؤَنَّثٍ عَارٍ ثُلَاثِيٍّ كَسِنِّ
وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ حَيْثُ شَبَّهَ لَذَّةَ الْجِمَاعِ بِالْعَسَلِ وَاسْتَعَارَهُ لَهَا وَسُمِّيَ الْجِمَاعُ عَسَلًا لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مَا تَسْتَحْلِيهِ عَسَلًا وَأَشَارَ بِالتَّصْغِيرِ إلَى تَقْلِيلِ الْقَدْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي حُصُولِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ مِنْ جِهَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُ دَفْعَهُ بِالطَّلَاقِ، وَأَمَّا فَسْخُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهِ فَلَا يَتَأَتَّى لَا مِنْ الرَّجُلِ وَلَا مِنْ الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْمَرْأَةُ فَقَطْ) وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ أَنَّهَا لَا تُطَالِبُهُ بِالْوَطْءِ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَتُطَالِبُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعْقُودٌ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي حِلِّهِ) لَمْ يَقُلْ فِي طَلَبِهِ مَثَلًا إشَارَةً إلَى أَنَّ أَصْلَهُ الْإِبَاحَةُ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِالنَّذْرِ وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الطَّلَبُ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِمَّا كَانَ أَصْلُهُ الْإِبَاحَةَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى} [النور: 32] جَمْعُ أَيِّمٍ وَهِيَ مَنْ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَهَذَا فِي الْأَحْرَارِ وَالْحَرَائِرِ وَالصَّارِفُ لَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْإِجْمَاعُ.
قَوْلُهُ: «مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي» أَيْ خِلْقَتِي وَطَبِيعَتِي؛ لِأَنَّهُ طُبِعَ عَلَى حُبِّ النِّسَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ» أَوْ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ
وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ) بَعْضِ (الْأَحْكَامِ) كَصِحَّةٍ وَفَسَادٍ (وَ) مِنْ (الْقَضَايَا) الْآتِي ذِكْرُ بَعْضِهَا فِي الْفُصُولِ الْآتِيَةِ.
(وَالنِّكَاحُ) بِمَعْنَى التَّزْوِيجِ (مُسْتَحَبٌّ) لِتَائِقٍ لَهُ بِتَوَقَانِهِ لِلْوَطْءِ إنْ وَجَدَ أُهْبَتَهُ مِنْ مَهْرٍ وَكُسْوَةِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
هُنَا الدِّينُ أَيْ مَنْ أَحَبَّ دِينِي.
قَوْلُهُ: «فَلْيَسْتَسِنَّ بِسُنَّتِي» أَيْ دِينِي، وَفِي رِوَايَةٍ:«فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ صَرَفَتْ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَرَكَ التَّزْوِيجَ مَخَافَةَ الْعَالَةِ فَلَيْسَ مِنِّي» اهـ، أَيْ فَإِنَّ ضَمَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ وَلَا يَخَافُ الْعُسْرَ وَالْفَقْرَ إذَا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ التَّحْصِينُ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي إلَّا عَشَرَةُ أَيَّامٍ أَحْبَبْت أَنْ أَتَزَوَّجَ حَتَّى لَا أَلْقَى اللَّهَ عَزَبًا " وَرُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: أَلَك زَوْجَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ سَلِيمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إنَّك إذًا مِنْ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ إنَّ أَشْرَارَكُمْ عُزَّابُكُمْ» الْحَدِيثَ. وَتَزَوَّجَ أَحْمَدُ رضي الله عنه فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ وَفَاةِ امْرَأَتِهِ: وَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَبِيتَ عَزَبًا.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا» وَفِي رِوَايَةٍ: «تَكَاثَرُوا» وَأَصْلُهُ " تَتَكَاثَرُوا " وَتَمَامُهُ: «فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ حَتَّى بِالسِّقْطِ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ بِكَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ اللَّازِمِ لَهَا كَثْرَةُ الثَّوَابِ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أُمَّةَ نَبِيِّنَا عليه الصلاة والسلام ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا اسْتَفَادَ الْمَرْءُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ بِمَالِهَا وَنَفْسِهَا» . وَوَرَدَ: " لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَرْخَى عَلَيْهِنَّ الْحَيَاءَ لَبَرَكْنَ تَحْتَ الرِّجَالِ فِي الْأَسْوَاقِ " كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ؛ وَالْحَيَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ انْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ فِعْلِ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ وَأَمَّا شَرْعًا فَهُوَ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ كَمَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) أَيْ مِنْ طَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَفْعُولُ قَوْلِ الشَّارِحِ وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ، فَفِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ لِكَلَامِ الْمَتْنِ. قَوْلُهُ:(بَعْضِ الْأَحْكَامِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ الْمُفِيدَةُ عَدَمُ ذِكْرِ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْأَحْكَامِ جَمْعُ حُكْمٍ وَهُوَ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ) كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: " وَالْقَضَايَا جَمْعُ قَضِيَّةٍ بِمَعْنَى مَقْضِيٍّ بِهَا فَهِيَ النِّسْبَةُ الْمَذْكُورَةُ فَعَطْفُهَا تَفْسِيرٌ، وَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْقَضَايَا الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، أَيْ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ عِنْدَ أَهْلِ الْمِيزَانِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْرَافٍ الْمَحْمُولُ وَالْمَوْضُوعُ وَالنِّسْبَةُ. قَوْلُهُ:(كَصِحَّةٍ) أَيْ كَثُبُوتِ صِحَّةِ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ اللُّغَوِيُّ، وَأَمَّا نَفْسُ الصِّحَّةِ فَحُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (وَفَسَادٍ) أَيْ وَحِلٍّ وَحُرْمَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْقَضَايَا.
قَوْلُهُ: (وَالنِّكَاحُ مُسْتَحَبٌّ إلَخْ) ذَكَرَ الشَّارِحُ لَهُ أَرْبَعَةَ أَحْكَامٍ: الِاسْتِحْبَابُ لِلتَّائِقِ الْوَاجِدِ وَلَيْسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْكَرَاهَةُ لِغَيْرِ الْمُحْتَاجِ الْفَاقِدِ لِلْأُهْبَةِ أَوْ بِهِ عِلَّةٌ وَكَوْنُهُ خِلَافَ الْأَوْلَى إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَفَقْدُ الْأُهْبَةِ وَكَوْنُهُ أَوْلَى إنْ وَجَدَ الْأُهْبَةَ وَلَمْ يَتَخَلَّ لِلْعِبَادَةِ. وَزَادَ الرَّمْلِيُّ الْوُجُوبَ إنْ خَافَ الْعَنَتَ وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا وَوَجَدَ الْأُهْبَةَ وَالْإِبَاحَةَ، كَمَا إذَا أُرِيدَ مُجَرَّدُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ؛ وَلِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا حُرْمَتُهُ فَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَأَمَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَيَحْرُمُ لِمَنْ عَلِمَتْ مِنْ نَفْسِهَا عَدَمَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَلَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى التَّزْوِيجِ) الْأَوْلَى بِمَعْنَى التَّزَوُّجِ وَهُوَ الْقَبُولُ وَإِطْلَاقُ النِّكَاحِ عَلَى الْقَوْلِ فِيهِ شَبَهُ اسْتِخْدَامٍ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ النِّكَاحَ أَوَّلًا فِي التَّرْجَمَةِ بِمَعْنَى الْعَقْدِ ثُمَّ أَعَادَهُ بِلَفْظِهِ بِمَعْنَى التَّزَوُّجِ. قَوْلُهُ: (مُسْتَحَبٌّ إلَخْ) وَقُيِّدَ ذَلِكَ بِقَيْدَيْنِ، وَأُخِذَ مُحْتَرَزُ الثَّانِي أَوَّلًا ثُمَّ أُخِذَ مُحْتَرَزُ الْأَوَّلِ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوِّشِ. قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجِبُ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَا إذَا نَذَرَهُ حَيْثُ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَأَنْ قَصَدَ بِهِ غَضَّ الْبَصَرِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضٌ آخَرُ حَالَةَ خَوْفِ الْعَنَتِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّسَرِّي، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذَا بِمَا إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الزِّنَا؛ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ انْعِقَادِ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ أَنَّهُ إنْ قُصِدَ بِهِ طَاعَةٌ مِنْ وَلَدٍ صَالِحٍ أَوْ
فَصْلِ التَّمْكِينِ وَنَفَقَةِ يَوْمِهِ تَحْصِينًا لِدِينِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ أَمْ لَا، فَإِنْ فَقَدَ أُهْبَتَهُ فَتَرْكُهُ أَوْلَى وَكُسِرَ إرْشَادًا تَوَقَانُهُ بِصَوْمٍ لِخَبَرِ:«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» أَيْ قَاطِعٌ لِتَوَقَانِهِ، وَالْبَاءَةُ بِالْمَدِّ مُؤَنُ النِّكَاحِ، فَإِنْ لَمْ تَنْكَسِرْ بِالصَّوْمِ فَلَا يَكْسِرُهُ بِالْكَافُورِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
إعْفَافٌ فَهُوَ مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَمُبَاحٌ اهـ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي صُورَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ فَظَلَمَ وَاحِدَةً بِتَرْكِ الْقَسَمِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُوفِيَهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا لِيُوفِيَهَا حَقَّهَا بِنَظِيرِ مَا ظَلَمَ بِهِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَحْرُمُ طَلَاقُهَا وَيَكُونُ طَلَاقُهَا بِدْعِيًّا إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ تَوْفِيَةِ حَقِّهَا مِمَّا ظَلَمَهَا بِهِ. وَلَنَا وَجْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْأُمَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ رضي الله عنه وَإِنْ اتَّفَقَ أَهْلُ قَطَرٍ عَلَى تَرْكِهِ أُجْبِرُوا عَلَيْهِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] اهـ ذَكَرَهُ النَّسَّابَةُ.
قَوْلُهُ: (لِتَائِقٍ) أَيْ مُشْتَاقٍ لَهُ أَيْ النِّكَاحِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْبَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَنُ النِّكَاحِ، لَكِنْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِتَوَقَانِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. وَلَمَّا كَانَ. قَوْلُهُ لِتَائِقٍ لَهُ أَيْ النِّكَاحِ يُوهِمُ أَنَّهُ تَائِقٌ لِلنِّكَاحِ بِمَعْنَى الْقَبُولِ أَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ بِتَوَقَانِهِ لِلْوَطْءِ أَيْ وَلَوْ خَصِيًّا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْإِحْيَاءِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَهْرٍ) أَيْ الْحَالِّ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ زَائِدٌ عَنْ مَسْكَنِهِ وَخَادِمِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَمَلْبُوسِهِ.
قَوْلُهُ: (يَوْمِهِ) أَيْ يَوْمِ التَّمْكِينِ. وَقَوْلُهُ: " تَحْصِينًا " عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: " مُسْتَحَبٌّ ".
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَ مُشْتَغِلًا) أَيْ لِوُجُودِ التَّوَقَانِ مَعَ الْأُهْبَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِ التَّائِقِ الْآتِي إذَا وَجَدَ الْأُهْبَةَ وَلَا عِلَّةَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ يَتَخَلَّى لِلْعِبَادَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَهُوَ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (إرْشَادًا) أَيْ أَمَرَهُ الشَّارِعُ أَيْ أَرْشَدَهُ وَدَلَّهُ عَلَيْهِ لَا أَمْرَ وُجُوبٍ، وَالْإِرْشَادُ مَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ النَّفْسِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ امْتَلَأَ الْإِنَاءُ مَاءً أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ الْإِرْشَادِيِّ؛ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ الصَّوْمِ سَوَاءٌ لَاحَظَ امْتِثَالَ الشَّارِعِ أَمْ لَا كَمَا هُوَ شَأْنُ كُلِّ مَا كَانَ رَاجِعًا لِتَكْمِيلٍ شَرْعِيٍّ كَمَا هُنَا لِرُجُوعِهِ إلَى الْعِفَّةِ، أَمَّا مَا لَا يَكُونُ لِتَكْمِيلٍ شَرْعِيٍّ كَالْإِشْهَادِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا قَصَدَ امْتِثَالَ الشَّارِعِ وَإِلَّا فَلَا ثَوَابَ. قَالَ م ر فِي بَابِ الْمِيَاهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ " مَا نَصُّهُ: قَالَ السُّبْكِيُّ: التَّحْقِيقُ أَنَّ فَاعِلَ الْإِرْشَادِ لِمُجَرَّدِ غَرَضِهِ لَا يُثَابُ وَلِمُجَرَّدِ الِامْتِثَالِ يُثَابُ وَلَهُمَا ثَوَابًا أَنْقَصَ مِنْ ثَوَابٍ مِنْ مَحْضِ قَصْدِ الِامْتِثَالِ، اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (بِصَوْمٍ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الصَّوْمُ يُثِيرُ الْحَرَكَةَ وَالشَّهْوَةَ أَوَّلًا، فَإِذَا دَاوَمَ سَكَنَتْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا دَخَلَ لِلصَّوْمِ فِي الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْسِرُ شَهْوَتَهَا. قَالَ سم: فِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ مَا الْمَانِعُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ إذَا كَانَتْ حَاجَتُهَا الشَّهْوَةَ فَتَكْسِرُهَا بِالصَّوْمِ فَلْيُرَاجَعْ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ طِبِّيٌّ لَا دَخْلَ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ فَكَيْفَ يَقُولُ مَا الْمَانِعُ.
قَوْلُهُ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ» أَيْ الرِّجَالِ، وَخَصَّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَكْسِرُ شَهْوَتَهُمْ الصَّوْمُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَلَا يَكْسِرُ شَهْوَتَهَا الصَّوْمُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْمَعْشَرُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمْ وَصْفٌ وَاحِدٌ كَمَا هُنَا. وَإِنَّمَا خُصَّ الشَّبَابُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِيهِمْ أَغْلَبُ وَإِلَّا فَغَيْرُهُمْ مِثْلُهُمْ.
قَوْلُهُ: «فَلْيَتَزَوَّجْ» الْأَمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ إلَخْ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ؛؛ لِأَنَّ عَدَمَ النِّكَاحِ لَيْسَ فِيهِ غَضٌّ لِلْبَصَرِ وَلَا إحْصَانٌ لِلْفَرْجِ.
قَوْلُهُ: «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَالصَّوْمُ مُبْتَدَأٌ وَمَا قَبْلَهُ خَبَرٌ، أَيْ فَالصَّوْمُ عَلَيْهِ. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ اسْمُ فِعْلٍ وَفَاعِلُهُ مُسْتَتِرٌ فِيهِ وَالصَّوْمُ مَفْعُولٌ بِهِ. وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى: فَلْيَلْزَمْ الصَّوْمَ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ إغْرَاءً لِلْغَائِبِ وَهُوَ شَاذٌّ عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ:
وَشَذَّ إيَّايَ وَإِيَّاهُ أَشَذُّ
الْبَيْتَ. أَيْ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ فَعَلَيْكُمْ أَوْ فَعَلَيْك بِالصَّوْمِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إغْرَاءٌ لِلْمُخَاطَبِ فَهُوَ مِنْ الْقَاعِدَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ:" فَعَلَيْهِ " نَظَرًا لِلَفْظِ مِنْ وَمَدْخُولُ مِنْ فِي الْمَعْنَى مُخَاطَبٌ وَهُوَ وَمِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ فَهُوَ
وَنَحْوِهِ بَلْ يَتَزَوَّجُ.
وَكُرِهَ النِّكَاحُ لِغَيْرِ التَّائِقِ لَهُ لِعِلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ فَقَدَ أُهْبَتَهُ أَوْ وَجَدَهَا وَكَانَ بِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ وَتَعْنِينٍ لِانْتِفَاءِ حَاجَتِهِ، مَعَ الْتِزَامِ فَاقِدِ الْأُهْبَةِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَخَطَرَ الْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ فِيمَا عَدَاهُ وَإِنْ وَجَدَهَا وَلَا عِلَّةَ بِهِ، فَتَخَلٍّ لِعِبَادَةٍ أَفْضَلُ مِنْ النِّكَاحِ إنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا اهْتِمَامًا بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ لِئَلَّا تُفْضِيَ بِهِ الْبَطَالَةُ إلَى الْفَوَاحِشِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَّلَهُ بِالْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالِاسْتِرْقَاقِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُخَاطَبٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ الصَّوْمَ، وَقَوْلُهُ:" لَهُ " أَيْ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ لِتَوَقَانِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَكْسِرُهُ) أَيْ التَّوَقَانَ بِالْكَافُورِ، أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يُفَتِّرُهَا، وَلَوْ أَرَادَ إعَادَتَهَا بِاسْتِعْمَالِ ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ أَمْكَنَ، وَمَا جُزِمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَطْعِ لَهَا مُطْلَقًا. اهـ. م ر؛ أَيْ فَيَحْرُمُ ذَلِكَ إنْ قَطَعَ الشَّهْوَةَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُكْرَهُ إنْ أَضْعَفَهَا وَقَطْعُ الْحَبْلِ مِنْ الْمَرْأَةِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّسَبُّبِ إلَى إلْقَاءِ النُّطْفَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي الرَّحِمِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: يَجُوزُ إلْقَاءُ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْإِحْيَاءِ فِي مَبْحَثِ الْعَزْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ آيِلَةٌ إلَى التَّخَلُّقِ الْمُهَيَّأِ لِنَفْخِ الرُّوحِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَزْلُ اهـ ابْنُ حَجَرٍ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَتَزَوَّجُ) أَيْ يُبَاحُ لَهُ التَّزَوُّجُ وَيُكَلَّفُ اقْتِرَاضَ الْمَهْرِ إنْ لَمْ تَرْضَ بِذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ النِّكَاحُ لِغَيْرِ التَّائِقِ إلَخْ) لَوْ طَرَأَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَهَلْ يَلْحَقُ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ لَا لِقُوَّةِ الدَّوَامِ؟ تَرَدَّدَ فِيهِ الزَّرْكَشِيّ وَالثَّانِي هُوَ الْوَجْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ ابْنِ حَجَرٍ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ التَّائِقِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِغَرَضٍ الِاسْتِئْنَاسِ لَا تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ عَمِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ النِّكَاحِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْبَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَنُ النِّكَاحِ، لَكِنْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ لِتَوَقَانِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (لِعِلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا) كَاشْتِغَالِهِ بِحُزْنٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ نَحْوِ ظَالِمٍ أَوْ كَانَ لَا يَشْتَهِيهِ خَلْقُهُ؛ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " لِعِلَّةٍ " أَيْ دَائِمَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَعْنِينٍ) أَيْ دَائِمٍ، بِخِلَافِ مَنْ يَعِنُّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ اهـ س ل. وَقَوْلُهُ:" فِيمَا عَدَاهُ " أَيْ وَهُوَ صَاحِبُ الْعِلَّةِ كَالْهَرَمِ وَنَحْوِهِ، وَالْمُرَادُ بِوَاجِبِهِ الْوَطْءُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِهِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِوَاجِبِهِ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا كَانَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ يَكُونُ الْقِيَامُ بِنَفَقَتِهَا وَكُسْوَتِهَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا عِلَّةَ بِهِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ تَائِقٍ.
قَوْلُهُ: (فَتَخَلٍّ لِعِبَادَةٍ) وَفِي مَعْنَاهُ الِاشْتِغَالُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مِنْ النِّكَاحِ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ هُنَا عَلَى بَابِهِ إذَا قُصِدَ بِالنِّكَاحِ نَحْوُ وَلَدٍ صَالِحٍ، وَأَمَّا. قَوْلُهُ بَعْدُ:" أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ " فَلَيْسَ عَلَى بَابِهِ، أَوْ يُقَالُ: قَوْلُهُ: " أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ " أَيْ إنْ فُرِضَ أَنَّ فِي التَّرْكِ فَضِيلَةً فَهُوَ عَلَى بَابِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَالُوهُ فِي الْعَسَلِ أَحْلَى مِنْ الْخَلِّ عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَلِّ حَلَاوَةً، وَصَرِيحُ هَذَا أَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ الْعِبَادَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مِنْهَا إنْ قَصَدَ بِهِ إعْفَافًا أَوْ نَحْوَ وَلَدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تَقْدِيمُ النِّكَاحِ عَلَى التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا تُفْضِيَ) أَيْ تُؤَدِّيَهُ وَتُوقِعَهُ الْبَطَالَةُ فِي الْفَوَاحِشِ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
إنَّ الشَّبَابَ وَالْفَرَاغَ وَالْجِدَّهْ
…
مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيَّ مَفْسَدَهْ
وَالْمُرَادُ بِالْفَوَاحِشِ هُنَا خُصُوصُ الْوَطْءِ لَا مَا يَشْمَلُ التَّمَتُّعَ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ يُمْكِنُ حَتَّى مِنْ الْمُتَخَلِّي لِلْعِبَادَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ) أَيْ بَلْ يُكْرَهُ مَا لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ وَإِلَّا وَجَبَ.
قَوْلُهُ: (الشُّرُوطُ) الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ إذْ الْمُتَقَدِّمُ شَرْطَانِ وَهُمَا التَّوَقَانُ وَوُجُودُ الْأُهْبَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْكُفْرِ) أَيْ بِأَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَهُوَ صَغِيرٌ لَا يُمَيِّزُ وَيَنْبَهِمُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الَّذِي أَسَرَّهُ الْحَالَ، فَرُبَّمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِرْقَاقِ) أَيْ لَوْ
تَنْبِيهٌ: نُصَّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ التَّائِقَةَ يُسَنُّ لَهَا النِّكَاحُ، وَفِي مَعْنَاهَا الْمُحْتَاجَةُ إلَى النَّفَقَةِ وَالْخَائِفَةُ مِنْ اقْتِحَامِ الْفَجَرَةِ. وَيُوَافِقُهُ مَا فِي التَّنْبِيهِ مِنْ أَنَّ مَنْ جَازَ لَهَا النِّكَاحُ إنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَيْهِ اُسْتُحِبَّ لَهَا النِّكَاحُ وَإِلَّا كُرِهَ، فَمَا قِيلَ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ؛
وَيُسَنُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِكْرًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ: «هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك»
ــ
[حاشية البجيرمي]
سُبِيَتْ أُمُّهُ حَامِلًا بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي أَنَّ حَمْلَهَا مِنْ مُسْلِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَعَلَى كَرَاهَةِ التَّسَرِّي أَيْضًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سم.
قَوْلُهُ: (التَّائِقَةَ) أَيْ الْمُشْتَاقَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَائِفَةُ مِنْ اقْتِحَامِ الْفَجَرَةِ) أَيْ يُسَنُّ لَهَا النِّكَاحُ، بَلْ الْوَجْهُ وُجُوبُهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهُمْ لَا يَنْدَفِعُونَ عَنْهَا إلَّا بِهِ وَحُرْمَتُهُ إنْ لَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ وَعَلِمَتْ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهَا لَا تَقُومُ بِوَاجِبِ حَقِّ الزَّوْجِ ابْنُ حَجَرٍ زِيَادِيٌّ. وَقَوْلُهُ:" وُجُوبُهُ " أَيْ عَلَيْهَا بِأَنْ تُطَالِبَ وَلِيَّهَا أَوْ تَرْفَعَ الْأَمْرَ لِحَاكِمٍ، وَمَعْنَى الِاقْتِحَامِ فِي اللُّغَةِ الْمُجَاوَزَةُ وَفِي الْمِصْبَاحِ وَاقْتَحَمَ عَقَبَةً أَوْ وَهْدَةً رَمَى بِنَفْسِهِ فِيهَا وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ اقْتَحَمَ الْفَرَسُ النَّهْرَ إذَا دَخَلَ فِيهِ وَتَقَحَّمَ مِثْلُهُ. وَعِبَارَةُ م ر: وَيُنْدَبُ لِلتَّائِقَةِ وَأُلْحِقَ بِهَا مُحْتَاجَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَخَائِفَةٌ مِنْ اقْتِحَامِ فَجَرَةٍ. وَفِي التَّنْبِيهِ: مَنْ جَازَ لَهَا النِّكَاحُ إنْ احْتَاجَتْهُ نُدِبَ لَهَا وَإِلَّا كُرِهَ، وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ نَقَلَ وُجُوبَهُ عَلَيْهَا إذَا لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهَا الْفَجَرَةُ إلَّا بِهِ، وَبِمَا ذُكِرَ عُلِمَ ضَعْفُ قَوْلِ الزَّنْجَانِيِّ " يُسَنُّ لَهَا مُطْلَقًا " إذْ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِهَا وَسَتْرِهَا، وَقَوْلِ غَيْرِهِ " لَا يُسَنُّ لَهَا مُطْلَقًا "؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا حُقُوقًا خَطِيرَةً لِلزَّوْجِ لَا يَتَيَسَّرُ لَهَا الْقِيَامُ بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ الْوَعِيدُ، الشَّدِيدُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمَتْ مِنْ نَفْسِهَا عَدَمَ الْقِيَامِ بِهَا وَلَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهَا اهـ. وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ.
وَقَوْلُهُ: " عَدَمَ الْقِيَامِ بِهَا " أَيْ بِحَاجَتِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ، كَاسْتِعْمَالِهَا الطِّيبَ إذَا أَمَرَهَا بِهِ وَالتَّزَيُّنِ بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَإِحْضَارِ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ لَهَا، وَلَيْسَ مِنْ الْحَاجَةِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ تَهْيِئَةِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ لِلزَّوْجِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهُ: حَرُمَ عَلَيْهَا وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَفِي الْحَدِيثِ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا تُنَالُ الْمَعِيشَةُ فِيهِ إلَّا بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ حَلَّتْ الْعُزُوبِيَّةُ» وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: «إذَا أَتَى عَلَى أُمَّتِي مِائَةٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً فَقَدْ حَلَّتْ الْعُزُوبِيَّةُ وَالْعُزْلَةُ وَالتَّرَهُّبُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ» وَالْحَدِيثَانِ مَذْكُورَانِ فِي الْكَشَّافِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُهُ فِيهِ: وَرُبَّمَا كَانَ وَاجِبَ التَّرْكِ إذَا أَدَّى إلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
تَزَوَّجْت لَمْ أَعْلَمْ وَأَخْطَأْت لَمْ أُصِبْ
…
فَيَا لَيْتَنِي قَدْ مِتّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ
فَوَاَللَّهِ مَا أَبْكِي عَلَى سَاكِنِ الثَّرَى
…
وَلَكِنَّنِي أَبْكِي عَلَى الْمُتَزَوِّجِ
وَقَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ: التَّزَوُّجُ فَرَحُ شَهْرٍ وَغَمُّ دَهْرٍ وَكَسْرُ ظَهْرٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِكْرًا) هَذَا شُرُوعٌ فِي أَوْصَافِ الزَّوْجَةِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوْصَافِ الزَّوْجِ. وَفِي مَعْنَى الْبِكْرِ مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِنَحْوِ حَيْضٍ، وَفِي مَعْنَى الثَّيِّبِ مَنْ لَمْ تُزَلْ بَكَارَتُهَا مَعَ وُجُودِ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا كَالْغَوْرَاءِ. وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ إلَّا مِنْ بِكْرٍ، وَقِيَاسُهُ نَدْبُ نَظِيرِ الصِّفَاتِ الْآتِيَةِ فِي الزَّوْجِ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ بِأَنْ يَكُونَ دَيِّنًا جَمِيلًا وَلُودًا إلَخْ. قَوْلُهُ:(لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ إلَخْ) وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَطْيَبُ أَفْوَاهًا وَأَضْيَقُ أَرْحَامًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنْ الْجِمَاعِ» وَقَوْلُهُ: «أَنْتَقُ أَرْحَامًا» أَيْ أَكْثَرُ أَوْلَادًا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ الْكَثِيرَةِ الْأَوْلَادِ نَاتِقٌ وَفِي الْبَكَارَةِ ثَلَاثَةُ فَوَائِدَ: إحْدَاهُمَا أَنْ تُحِبَّ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ وَتَأْلَفَهُ وَالطِّبَاعُ مَجْبُولَةٌ عَلَى الْأُنْسِ بِأَوَّلِ مَأْلُوفٍ، وَأَمَّا الَّتِي مَارَسَتْ الرِّجَالَ فَرُبَّمَا لَا تَرْضَى بِبَعْضِ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُخَالِفُ مَا أَلِفَتْهُ فَتَكْرَهُ الزَّوْجَ الثَّانِيَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ فِي مَوَدَّتِهِ لَهَا. الثَّالِثَةُ: لَا تَحِنُّ إلَّا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ. وَلِبَعْضِهِمْ.
إلَّا لِعُذْرٍ كَضَعْفِ آلَتِهِ عَنْ الِافْتِضَاضِ، أَوْ احْتِيَاجِهِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَى عِيَالِهِ، دَيِّنَةً لَا فَاسِقَةً جَمِيلَةً وَلُودًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ:«تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» أَيْ افْتَقَرْت إنْ لَمْ تَفْعَلْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
نَقِّلْ فُؤَادَك حَيْثُ شِئْت مِنْ الْهَوَى
…
مَا الْحُبُّ إلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ
كَمْ مَنْزِلٍ فِي الْأَرْضِ يَأْلَفُهُ الْفَتَى
…
وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ
اهـ
قَوْلُهُ: «هَلَّا بِكْرًا» إلَخْ هِيَ حَرْفُ تَنْدِيمٍ أَيْ إيقَاعٍ فِي النَّدَمِ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مَاضٍ؛ فَالْمَعْنَى هُنَا: وَقَعْت فِي النَّدَمِ يَا جَابِرُ؛ فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى مُضَارِعٍ تَكُونُ لِلتَّحْضِيضِ وَهُوَ الطَّلَبُ بِحَثٍّ وَإِزْعَاجٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ الِافْتِضَاضِ) بِالْفَاءِ أَوْ الْقَافِ، وَهُوَ إزَالَةُ الْبَكَارَةِ.
قَوْلُهُ: (دَيِّنَةً) أَيْ بِحَيْثُ يُوجَدُ فِيهَا وَصْفُ الْعَدَالَةِ لَا الْعِفَّةِ عَنْ الزِّنَا فَقَطْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَا فَاسِقَةً. وَإِذَا تَعَارَضَ عَلَى الْعَارِفِ الزَّوَاجُ بِالْكِتَابِيَّةِ وَتَارِكَةِ الصَّلَاةِ قَدَّمَ الْكِتَابِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَهْدِيهَا إلَى الْإِسْلَامِ وَغَيْرِ الْعَارِفِ يُقَدِّمُ تَارِكَةَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَةَ رُبَّمَا تَجُرُّهُ إلَى دِينِهَا. وَقَوْلُهُ قَدَّمَ الْكِتَابِيَّةَ؛ لِأَنَّ تَارِكَةَ الصَّلَاةِ مُرْتَدَّةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَنَا ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ:(جَمِيلَةً) أَيْ بِاعْتِبَارِ طَبْعِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَوْ سَوْدَاءَ مَثَلًا وَإِنْ قُلْنَا الْجَمَالُ عُرْفِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى الْعِفَّةِ وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِجَمَالٍ بِحَسْبِ طَبْعِهِ، لَكِنْ تُكْرَهُ بَارِعَةُ الْجَمَالِ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَزْهُوَ أَيْ تَتَكَبَّرَ لِجَمَالِهَا أَوْ تُمَدُّ الْأَعْيُنُ إلَيْهَا زِيَادِيٌّ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَالْمُرَادُ بِالْجَمَالِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِالذَّاتِ الْمُسْتَحْسَنُ لِذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ رضي الله عنه: مَا سَلِمَتْ ذَاتُ جَمَالٍ قَطُّ أَيْ مَا سَلِمَتْ مِنْ التَّكَلُّمِ فِيهَا أَيْ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ تَطَلُّعِ فَاجِرٍ إلَيْهَا أَوْ تَقَوُّلِهِ عَلَيْهَا كَمَا فِي ع ش. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْحُسْنُ فِي الْعَيْنَيْنِ وَالْجَمَالُ فِي الْأَنْفِ وَالْخَدِّ وَالْمَلَاحَةُ فِي الْفَمِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالْمَلَاحَةِ كَمَا فِي ح ل. قَوْلُهُ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ» هُوَ بَيَانٌ لِمَا هُوَ حَالُ النَّاسِ مِنْ الرَّغْبَةِ فِيهَا لَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، ق ل؛ أَيْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ لِمَالِهَا غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَالنِّكَاحُ لِبَاقِي الْأَرْبَعَةِ مَطْلُوبٌ. وَيُسَنُّ أَيْضًا أَنْ لَا تَكُونَ صَاحِبَةَ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِك، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: لَا تَتَزَوَّجْ خَمْسًا: شَهْبَرَةً وَهِيَ الزَّرْقَاءُ الْبَذِيَّةُ وَلَا لَهْبَرَةً وَهِيَ الطَّوِيلَةُ الْمَهْزُولَةُ وَلَا نَهْبَرَةً وَهِيَ الْعَجُوزُ الْمُدْبِرَةُ وَلَا هَنْدَرَةً وَهِيَ الْقَصِيرَةُ الدَّمِيمَةُ وَلَا لَفُوتًا وَهِيَ ذَاتُ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِك» زِيَادِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " وَهِيَ الزَّرْقَاءُ " أَيْ فِي الْعَيْنِ الْبَذِيَّةُ أَيْ فِي اللِّسَانِ، وَقَوْلُهُ: وَهِيَ الْقَصِيرَةُ الدَّمِيمَةُ أَوْ الْمُكْثِرَةُ لِلْهَذْرِ أَيْ الْكَلَامِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. وَالدَّمِيمَةُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْقَبِيحَةُ الصُّورَةِ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: " كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ حَتَّى يَسْتَشِيرَ مِائَةَ نَفْسٍ وَأَنَّهُ اسْتَشَارَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَجُلًا، وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَقَالَ بَقِيَ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَطْلُعُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَآخُذُ بِقَوْلِهِ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ طَلَعَ رَجُلٌ رَاكِبٌ قَصَبَةً فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّتِهِ فَقَالَ لَهُ: النِّسَاءُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدَةٌ لَك وَوَاحِدَةٌ عَلَيْك وَوَاحِدَةٌ لَا لَك وَلَا عَلَيْك فَالْبِكْرُ لَك وَذَاتُ الْوَلَدِ عَلَيْك وَالثَّيِّبُ لَا لَك وَلَا عَلَيْك. ثُمَّ قَالَ: أَطْلَقَ الْجَوَادَ؛ فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي بِقِصَّتِك، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ مَاتَ قَاضٍ فَرَكِبْت هَذِهِ الْقَصَبَةَ وَتَبَالَهْتُ لِأَخْلُصَ مِنْ الْقَضَاءِ " اهـ خ ط.
وَعَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ يُكْرَهُ نِكَاحُ خَمْسَةٍ: أَنَّانَةٌ وَحَنَّانَةٌ وَحَدَّاقَةٌ وَشَدَّاقَةٌ وَبَرَّاقَةٌ، أَمَّا الْأَنَّانَةُ فَهِيَ كَثِيرَةُ الْأَنِينِ وَالتَّشَكِّي وَتُعَصِّبُ رَأْسَهَا كُلَّ سَاعَةٍ فَنِكَاحُ الْمَرِيضَةِ وَالْمُتَمَرِّضَةِ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَالْحَنَّانَةُ الَّتِي تَحِنُّ إلَى زَوْجٍ آخَرَ كُلَّ سَاعَةٍ وَهَذِهِ مِمَّا يَنْبَغِي اجْتِنَابُهَا، وَالْحَدَّاقَةُ هِيَ الَّتِي تَرْمِي بِحَدَقَتِهَا إلَى كُلِّ شَيْءٍ وَتُكَلِّفُ زَوْجَهَا شِرَاءَهُ؛ وَالْبَرَّاقَةُ لَهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ طُولَ النَّهَارِ فِي تَصْقِيلِ وَجْهِهَا وَتَزْيِينِهِ وَالثَّانِي تَغْضَبُ عَلَى الطَّعَامِ وَلَا تَأْكُلُ إلَّا وَحْدَهَا وَتَشْتَغِلُ بِنَفْسِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَالشَّدَّاقَةُ الْمُتَشَدِّقَةُ الْكَثِيرَةُ الْكَلَامُ. وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَنْكِحَ أَعْلَى مِنْهُ قَدْرًا وَنَسَبًا وَمَالًا وَجَاهًا وَأَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرَفُّعِهَا عَلَى الزَّوْجِ وَاسْتِقْلَالِهَا بِهِ وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى النُّشُوزِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ وَعَدَمِ تَمْكِينِهِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى قَطْعِ الْعِشْرَةِ؛ بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ مِثْلَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَدُونَ ذَلِكَ لِيَعْظُمَ عِنْدَهَا قَدْرُهُ وَتَرَى مَا يُحْضِرُهُ إلَيْهَا مِنْ مَأْكَلٍ وَمَلْبَسٍ حَسَنًا عَظِيمًا؛ قَالَ تَعَالَى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: " وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ أَعْلَى مِنْهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْغِنَى "؛ لِأَنَّهَا قَدْ
وَاسْتَغْنَيْت إنْ فَعَلْت. وَخَبَرِ: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَيُعْرَفُ كَوْنُ الْبِكْرِ وَلُودًا بِأَقَارِبِهَا، نَسِيبَةً أَيْ طَيِّبَةَ الْأَصْلِ لِخَبَرِ:«تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ» غَيْرَ ذَاتِ قَرَابَةٍ قَرِيبَةٍ بِأَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً، أَوْ ذَاتَ قَرَابَةٍ بَعِيدَةٍ لِضَعْفِ الشَّهْوَةِ فِي الْقَرِيبَةِ فَيَجِيءُ الْوَلَدُ نَحِيفًا.
ــ
[حاشية البجيرمي]
لَا تَجِدُ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ تَجِدُ عِنْدَ أَهْلِهَا فَلَا يَحْصُلُ الْوِفَاقُ وَرُبَّمَا يَحْصُلُ الشِّقَاقُ؛ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ النَّسَّابَةُ. وَيُزَادُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي حَمْلِهَا خِلَافٌ كَأَنْ زَنَى أَوْ تَمَتَّعَ بِأُمِّهَا أَوْ بِهَا أَصْلُهُ أَوْ فَرْعُهُ أَوْ شَكٌّ بِنَحْوِ رَضَاعٍ، اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلِحَسَبِهَا) أَيْ لِشَرَفِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ النَّسَبُ الطَّيِّبُ. وَلَوْ تَعَارَضَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ فَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ ذَاتِ الدِّينِ مُطْلَقًا ثُمَّ الْعَقْلِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ ثُمَّ النَّسَبِ ثُمَّ الْبَكَارَةِ ثُمَّ الْوِلَادَةِ ثُمَّ الْجَمَالِ ثُمَّ مَا الْمَصْلَحَةُ فِيهِ أَظْهَرُ بِحَسْبِ اجْتِهَادِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ ابْنِ حَجَرٍ الْوِلَادَةَ عَلَى النَّسَبِ وَالْبَكَارَةِ فَتَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَاظْفَرْ) جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ إذَا تَحَقَّقْت أَمْرَهَا وَفَضِيلَتَهَا فَاظْفَرْ بِهَا تَرْشُدْ فَإِنَّك تَكْتَسِبُ مَنَافِعَ الدَّارَيْنِ اهـ شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ:(تَرِبَتْ يَدَاكَ) مَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ الْتَصَقَتَا بِالتُّرَابِ وَمَنْ لَازَمَهُ الْفَقْرُ فَفَسَّرَهُ هُنَا بِاللَّازِمِ وَالْقَصْدُ مِنْهُ اللَّوْمُ لَا الدُّعَاءُ الْحَقِيقِيُّ ع ش وَمَا قِيلَ إنَّ مَعْنَى تَرِبَتْ اسْتَغْنَتْ بِأَنْ صَارَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ لِكَثْرَتِهِ كَالتُّرَابِ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ افْتَقَرَتْ لَقَالَ أُتْرِبَتْ فَاسِدٌ مَنَابِذُ لِلْمُرَادِ مِنْ الْحَدِيثِ إلَّا إنْ حُمِلَ عَلَى مَعْنَى إنْ فَعَلْتَ أَيْ ظَفِرْتَ بِذَاتِ الدِّينِ اهـ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ الْعِمَادِ مَا نَصُّهُ يُقَالُ تَرِبْت إذَا افْتَقَرَتْ وَأُتْرِتَبْ إذَا اسْتَغْنَتْ يَعْنِي إنْ ظَفِرْتَ بِهَا اسْتَغْنَتْ يَدَاك وَالتُّرَابُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَالِ كَقَوْلِهِمْ مَالُ فُلَانٍ عَدَدُ التُّرَابِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَفِي لُغَةِ الْقِبْطِ ثَرِبَتْ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَمَعْنَاهَا امْتَلَأَتْ يَدُك شَحْمًا إنْ ظَفِرْت بِذَاتِ الدِّينِ مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّرْبِ وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُحِيطُ بِالْكَرِشِ وَقِيلَ اسْتَوَتْ يَدَاك فِي الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ إذَا ظَفِرْت بِذَاتِ الدِّينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة: 37] يَعْنِي مُتَسَاوِيَاتِ السِّنِّ وَالْقَدِّ حَكَاهُ فِي الْوَافِي
وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ بِالْيَدَيْنِ نِعْمَتَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] أَيْ نِعْمَتَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمَعْنَى إنْ ظَفِرْت بِذَاتِ الدِّينِ ظَفِرْت بِنِعْمَتَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اهـ قَوْلُهُ إنْ لَمْ تَفْعَلْ أَيْ إنْ لَمْ تَفْعَلْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ قَوْلُهُ «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ» وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «سَوْدَاءُ وَلُودٌ خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيمٍ» قَوْلُهُ أَيْ طَيِّبَةَ الْأَصْلِ أَيْ لَا مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَيِّبَةَ الْأَصْلِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُلِ بِأَرْبَعٍ وَإِلَّا اسْتَحْقَرَتْهُ بِالسِّنِّ وَالطُّولِ وَالْمَالِ وَالْحَسَبِ وَأَنْ تَكُونَ فَوْقَهُ بِأَرْبَعٍ بِالْجَمَالِ وَالْأَدَبِ وَالْخُلُقِ وَالْوَرَعِ قَوْلُهُ «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ» وَوَرَدَ «إيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ قَالُوا مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِي الْمَنْبَتِ السُّوءِ» فَشَبَّهَ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَصْلُهَا رَدِيءٌ بِالْقِطْعَةِ الزَّرْعِ الْمُرْتَفِعَةِ عَلَى غَيْرِهَا الَّتِي مَنْبَتُهَا مَوْضِعُ رَوْثِ الْبَهَائِمِ قَوْلُهُ أَوْ ذَاتَ قَرَابَةٍ بَعِيدَةٍ بَلْ هِيَ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ زَيْنَبَ مَعَ أَنَّهَا بِنْتُ عَمَّتِهِ صلى الله عليه وسلم» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا صلى الله عليه وسلم لِبَيَانِ جَوَازِ نِكَاحِ زَوْجَةِ الْمُتَبَنَّى لِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ زَيْدٍ وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ أَيْضًا بِتَزَوُّجِ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَاطِمَةَ رضي الله عنها لِأَنَّهَا بَعِيدَةٌ فِي الْجُمْلَةِ إذْ هِيَ بِنْتُ ابْنِ عَمِّهِ لَا بِنْتُ عَمِّهِ اهـ زي
قَالَ السَّيِّدُ النَّسَّابَةُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مِنْ أَقَارِبِهِ الْبُعْدَى فَهِيَ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْبَيَانِ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْكِحَ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ أَحْمَقَ قَالَ وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً تَزَوَّجُوا مِنْ أَقَارِبِهِمْ فَجَاءَتْ أَوْلَادُهُمْ حُمُقًا لَكِنْ قَدْ تَزَوَّجَ عَلِيٌّ بِفَاطِمَةَ وَهِيَ مِنْ الْأَقَارِبِ تَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا عَلِيٌّ رضي الله عنه فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ وَوَلَدَتْ لَهُ الْإِمَامَ السِّبْطَ الْحَسَنَ وَهُوَ أَوَّلُ أَوْلَادِهَا وَلَدَتْهُ بِالْمَدِينَةِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَمَّا وُلِدَ وَأُعْلِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِ أَخَذَهُ وَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ وَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَوُلِدَ لَهُ أَيْضًا مِنْهَا الْحُسَيْنُ وَزَيْنَبُ
(وَيَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ) فِي نِكَاحٍ (بَيْنَ أَرْبَعِ حَرَائِرَ) فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]«وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِغَيْلَانَ وَقَدْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَإِذَا امْتَنَعَ فِي الدَّوَامِ فَفِي الِابْتِدَاءِ أَوْلَى.
فَائِدَةٌ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عليه السلام الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ الرِّجَالِ،
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْكُبْرَى وَأُمُّ كُلْثُومَ الْكُبْرَى فَكَانَتْ جُمْلَةُ أَوْلَادِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا الذُّكُورِ أَرْبَعَةَ عَشَرَةَ ذَكَرًا وَأَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ سَبْعَ عَشْرَةَ اهـ بِحُرُوفِهِ وَفِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ وَخُصَّ أَنَّ آلَهُ لَا يُكَافِئُهُمْ فِي النِّكَاحِ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ وَأَمَّا تَزْوِيجُ فَاطِمَةَ لِعَلِيٍّ فَقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ كُفُؤًا لَهَا سِوَاهُ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ أَبَاهُ كَافِرٌ وَأَبُوهَا سَيِّدُ الْبَشَرِ وَزُوِّجَتْ لَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ لَمَّا خَطَبَهَا مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَدَّهُمَا وَقَالَ إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ» وَزَوَّجَهَا لَهُ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ وَكَّلَ وَاحِدًا فِي قَبُولِ نِكَاحِهِ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ رَضِيت وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ نِكَاحَ الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ لَيْسَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَلِيًّا قَرِيبٌ بَعِيدٌ إذْ الْمُرَادُ بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ مَنْ هُوَ فِي أَوَّلِ دَرَجَاتِ الْخُؤُولَةِ وَالْعُمُومَةِ وَنِكَاحُهَا أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ اهـ وَتَزْوِيجُهُ صلى الله عليه وسلم لِزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ مَعَ كَوْنِهَا بِنْتَ عَمَّتِهِ لِمَصْلَحَةِ حِلِّ نِكَاحِ زَوْجَةِ الْمُتَبَنَّى وَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم تَبَنَّى زَيْدًا هَذَا وَلَمَّا تَزَوَّجَهَا وَقَعَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ عَابُوا عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فَقَالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهَانَا أَنْ نَتَزَوَّجَ بِحَلَائِل أَبْنَائِنَا وَهُوَ يَفْعَلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] إعْلَامًا بِأَنَّ الْمَنْعَ فِي وَلَدِ النَّسَبِ وَكَذَا فِي وَلَدِ الرَّضَاعِ وَتَزْوِيجُهُ زَيْنَبَ بِنْتَهُ لِأَبِي الْعَاصِ مَعَ أَنَّهَا بِنْتُ خَالَتِهِ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَاقِعَةَ حَالٍ فِعْلِيَّةٍ فَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ بِمَصْلَحَةٍ يُسْقِطُهَا
قَوْلُهُ: (لِلْحُرِّ) أَيْ كَامِلِ الْحُرِّيَّةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي: وَالْمُبَعَّضُ كَالْقِنِّ.
قَوْلُهُ: (وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِغَيْلَانَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ قَبِيلَةِ ثَقِيفٍ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّةِ رِجَالٍ مِنْ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ أَسْلَمَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ؛ وَبَاقِيهِمْ: مَسْعُودُ بْنُ مُصْعَبٍ وَمَسْعُودُ بْنُ عَامِرٍ وَمَسْعُودُ بْنُ عُمَرَ وَعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَخُصَّ غَيْلَانُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: كَمَا قَالَهُ ق ل. وَقَالَ الْمَدَابِغِيُّ: إنَّمَا نُصَّ عَلَى غَيْلَانَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِي شَأْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ) وَهَلْ أَسْلَمْنَ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ تَحِلُّ، اهـ رَاجِعْهُ. قَوْلُهُ:«أَمْسِكْ أَرْبَعًا» اخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ أَمْسِكْ لِلْوُجُوبِ وَفَارِقْ لِلْإِبَاحَةِ وَاعْتَمَدَهُ م ر، وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ عَكْسَهُ. وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاخْتَارَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وُجُوبَ أَحَدِهِمَا إذْ بِوُجُوبِهِ يَتَعَيَّنُ الْآخَرُ. وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ نَظَرٌ، إذْ لَا مَعْنَى لِتَعَيُّنِ لَفْظِ أَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا أَوْ مُبْهَمًا وَإِبَاحَةُ الْآخَرِ كَذَلِكَ، فَالْوَجْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُودُ فِي ضِمْنِ أَيِّهِمَا وُجِدَ وَهُوَ تَمْيِيزُ مُبَاحِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدٌ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الْجَوَازُ) أَيْ جَوَازُ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ الرِّجَالِ) وَهِيَ كَثْرَةُ التَّمَتُّعِ بِالنِّسَاءِ. وَقَوْلُهُ: " لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ " وَهِيَ الْغَيْرَةُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُحِبُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَتَمَتَّعَ بِغَيْرِهَا، وَفِي مَصْلَحَةِ النَّوْعَيْنِ يَكُونُ فِي كِلَيْهِمَا مَصْلَحَةٌ دُونَ الْمَصْلَحَةِ الْمُفْرَدَةِ فِيمَا قَبْلَهُ فَالتَّمَتُّعُ يَقِلُّ وَالْغَيْرَةُ تَقِلُّ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي رِعَايَةِ شَرِيعَةِ سَيِّدِنَا مُوسَى لِلرِّجَالِ وَشَرِيعَةِ سَيِّدِنَا عِيسَى لِلنِّسَاءِ؟ قُلْت: يُحْتَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا ذَبَحَ الْأَبْنَاءَ وَاسْتَضْعَفَ الرِّجَالَ نَاسَبَ أَنْ يُعَامِلَهُمْ سَيِّدُنَا مُوسَى بِالرِّعَايَةِ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ ذَلِكَ الْجَبَّارِ بِهِمْ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِنَا عِيسَى فِي الرِّجَالِ أَبٌ وَكَانَ أَصْلُهُ امْرَأَةً نَاسَبَ أَنْ يُرَاعِيَ جِنْسَ أَصْلِهِ رِعَايَةً لَهُ؛ تَأَمَّلْ وَافْهَمْ ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد ثَلَثُمِائَةِ جَارِيَةٍ سِوَى
وَفِي شَرِيعَةِ عِيسَى عليه السلام لَا يَجُوزُ غَيْرُ وَاحِدَةٍ تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ، وَرَاعَتْ شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مَصْلَحَةَ النَّوْعَيْنِ. قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْحُرِّ بِالْأَرْبَعِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْأُلْفَةُ وَالْمُؤَانَسَةُ، وَذَلِكَ يَفُوتُ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَلِأَنَّهُ بِالْقَسْمِ يَغِيبُ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَهِيَ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ اهـ. وَقَدْ تَتَعَيَّنُ الْوَاحِدَةُ لِلْحُرِّ وَذَلِكَ فِي كُلِّ نِكَاحٍ تَوَقَّفَ عَلَى الْحَاجَةِ كَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ، وَقَالَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تِسْعٍ مَثْنَى بِاثْنَيْنِ. وَثُلَاثَ بِثَلَاثٍ، وَرُبَاعَ بِأَرْبَعٍ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ تِسْعٌ. وَبَعْضٌ مِنْهُمْ قَالَ: تَدُلُّ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَثْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَثُلَاثَ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ وَرُبَاعَ أَرْبَعَةٍ أَرْبَعَةٍ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ مَا ذُكِرَ. وَهَذَا خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
تَنْبِيهٌ اُسْتُفِيدَ مِنْ تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ بِالْحَرَائِرِ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِمَاءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، سَوَاءٌ كُنَّ مَعَ الْحَرَائِرِ أَوْ مُنْفَرِدَاتٍ وَهُوَ كَذَلِكَ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] .
(وَ) يَجُوزُ (لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتْبَةَ نَقَلَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
السَّرَارِيِّ، وَقِيلَ: كَانَ لِدَاوُدَ عليه السلام مِائَةُ امْرَأَةٍ.
وَمَاتَ صلى الله عليه وسلم عَنْ تِسْعٍ، وَهُنَّ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَجُوَيْرِيَةُ وَصْفِيَّةُ وَمَيْمُونَةُ، هَذَا تَرْتِيبُ تَزْوِيجِهِ إيَّاهُنَّ رضي الله عنهن. وَمَاتَ وَهُنَّ فِي عِصْمَتِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي رَيْحَانَةَ هَلْ كَانَتْ زَوْجَةً أَوْ سُرِّيَّةً وَهَلْ مَاتَتْ قَبْلَهُ أَوْ لَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ عَنْ قَتَادَةَ:«تَزَوَّجَ صلى الله عليه وسلم خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً وَدَخَلَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ وَجَمَعَ بَيْنَ إحْدَى عَشْرَةَ وَتُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ» . وَسَرَدَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي السِّيرَةِ مَنْ دَخَلَ بِهَا صلى الله عليه وسلم أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ خَطَبَهَا وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا ثَلَاثِينَ؛ وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ
…
إلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمُكْرَمَاتُ وَتُنْسَبُ
فَعَائِشَةُ مَيْمُونَةُ وَصْفِيَّةُ
…
وَحَفْصَةُ تَتْلُوهُنَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ
جُوَيْرِيَةُ مَعَ رَمْلَةَ ثُمَّ سَوْدَةُ
…
ثَلَاثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ مُهَذَّبُ
قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الزِّيَادَةِ الْغَيْرَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى فَسَادِ الْعِشْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْحُرِّ بِالْأَرْبَعِ إلَخْ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَحِكْمَةُ تَخْصِيصِ الْأَرْبَعِ كَمَا قِيلَ إنَّ غَالِبَ أُمُورِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّثْلِيثِ وَتَرْكِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الطَّهَارَاتِ وَإِمْهَالِ مُدَّةِ الشَّرْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَوْ زِيدَ هُنَا عَلَى الْأَرْبَعِ لَكَانَتْ نَوْبَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ لَا تَعُودُ إلَّا بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ. وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا مَرَّ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ مُرَاعَاةُ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْإِنْسَانِ الْمُتَوَلِّدِ عَنْهَا أَنْوَاعُ الشَّهْوَةِ. وَرَدَّ بَعْضُهُمْ هَذِهِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا فِي الرَّقِيقِ مَعَ تَمَامِ الْأَخْلَاطِ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحِكْمَةَ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهَا.
قَوْلُهُ: (مَثْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ) وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ أَمْرَانِ الْعَدْلُ وَالْوَصْفُ؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُبَاحَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ لَا مَجْمُوعُهَا الَّذِي هُوَ تِسْعَةٌ وَلَا اثْنَانِ مِنْهَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَدْفُوعٌ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: أَمْسِكْ إلَخْ. فَهَذَا الْحَدِيثُ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنْ يَنْكِحَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً وَلَا يَجْمَعُ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ. وَالْوَاوُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى أَوْ وَالتَّكْرَارُ فِيهَا غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ أَوْ بِمَنْزِلَةِ وَاوِ النَّسَقِ جَازَ هُنَا أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَنْزِلَةِ أَوْ.
وَقِيلَ: إنَّ الْوَاوَ أَفَادَتْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ قِسْمًا مِنْ هَذِهِ بِحَسْبِ حَالِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى نِكَاحِ اثْنَيْنِ فَاثْنَيْنِ إلَخْ لَا أَنَّهُ يَضُمُّ عَدَدًا. وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ.
قَوْلُهُ: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] أَيْ أَوْ اقْتَصِرُوا عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
الْحُرِّ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ بَابِ الْفَضَائِلِ، فَلَمْ يَلْحَقْ الْعَبْدُ فِيهِ بِالْحُرِّ كَمَا لَمْ يَلْحَقْ الْحُرُّ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ. وَالْمُبَعَّضُ كَالْقِنِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَلَوْ نَكَحَ الْحُرُّ خَمْسًا مَثَلًا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ الْعَبْدُ ثَلَاثًا كَذَلِكَ بَطَلْنَ إذْ لَيْسَ إبْطَالُ نِكَاحِ وَاحِدَةٍ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَبَطَلَ الْجَمِيعُ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ أَوْ مُرَتِّبًا فَالْخَامِسَةُ لِلْحُرِّ وَالثَّالِثَةُ لِلْعَبْدِ يَبْطُلُ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ حَصَلَ بِهَا.
(وَلَا يَنْكِحُ الْحُرُّ أَمَةً) لِغَيْرِهِ (إلَّا بِشَرْطَيْنِ) بَلْ بِثَلَاثَةٍ وَإِنْ عَمَّ الثَّالِثُ الْحُرَّ وَغَيْرَهُ. وَاخْتَصَّ بِالْمُسْلِمِ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ (عَدَمُ) قُدْرَتِهِ عَلَى (صَدَاقِ الْحُرَّةِ) وَلَوْ كِتَابِيَّةً تَصْلُحُ تِلْكَ الْحُرَّةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، أَوْ قَدَرَ عَلَى صَدَاقِهَا وَلَمْ يَجِدْهَا، أَوْ وَجَدَهَا وَلَمْ تَرْضَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتْبَةَ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَمُوَحَّدَةٍ تَحْتِيَّةٍ. قَوْلُهُ: (بَطَلْنَ) أَيْ الْخَمْسُ أَيْ بَطَلَ عَقْدُهُنَّ، إذْ لَا مَعْنَى لِبُطْلَانِ الذَّوَاتِ إلَّا إنْ كَانَ فِيهِنَّ نَحْوُ مَجُوسِيَّةٍ مِمَّنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا فَيَخْتَصُّ بِهَا الْبُطْلَانُ، أَوْ كَانَ فِيهِنَّ نَحْوُ أُخْتَيْنِ فَيَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِهِمَا ق ل. وَقَوْلُهُ:" أَوْ كَانَ فِيهِنَّ " أَيْ الْخَمْسِ، وَمِثْلُهُنَّ السِّتُّ فِي الْحُرِّ أَوْ الثَّلَاثُ أَوْ الْأَرْبَعُ فِي الْعَبْدِ، بِخِلَافِهِمَا فِي سَبْعٍ فِي الْحُرِّ أَوْ خَمْسٍ فِي الْعَبْدِ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي الْجَمْعِ سم مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْكِحُ الْحُرُّ) أَيْ كَامِلُ الْحُرِّيَّةِ وَلَوْ عِنِّينًا وَمَجْنُونًا بِالنُّونِ وَعَقِيمًا آيِسًا مِنْ الْوَلَدِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ بِمَنْ فِيهَا رِقٌّ، وَمِثْلُهَا الْمُوصِي يَحْمِلُهَا أَبَدًا إذَا أَعْتَقَهَا الْوَارِثُ. وَعِبَارَةُ سم: اُنْظُرْ هَلْ يَصِحُّ تَزْوِيجُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْمُوصَى لَهُ بِأَوْلَادِهَا؛ لِأَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ بِمِلْكِ أَبِيهِمْ لَهُمْ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُمْ يَنْعَقِدُونَ أَرِقَّاءَ ثُمَّ يُعْتَقُونَ فَفِي هَذَا النِّكَاحِ إرْقَاقُ أَوْلَادِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ؟ الْمُتَّجَهُ الثَّانِي اهـ رَحْمَانِيٌّ. وَيُلْغَزُ بِهَا، فَيُقَالُ: لَنَا حُرَّةٌ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِشُرُوطِ الْأَمَةِ وَيُقَالُ فِي أَوْلَادِهَا أَرِقَّاءُ بَيْنَ حُرَّيْنِ اهـ كَمَا فِي زي.
قَوْلُهُ: (أَمَةً) وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ مُبَعَّضَةً، وَلَوْ قَالَ مَنْ بِهَا رِقٌّ لَكَانَ أَوْلَى. وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نِكَاحُ الْحُرِّ الْأَمَةَ إلَّا بِالشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إرْقَاقَ الْوَلَدِ وَهُوَ مَحْذُورٌ شَرْعًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ حِلُّ نِكَاحِهَا إذَا انْتَفَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ عَقِيمَةً أَوْ هُوَ عَقِيمٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ عَمَّ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ الْمُجْتَهِدُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّقِيقَ الْمُسْلِمَ يُشْتَرَطُ لَهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَهُوَ إسْلَامُهَا، وَالرَّقِيقُ الْكَافِرُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَيْءٌ، وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ يُشْتَرَطُ لَهُ الثَّلَاثَةُ، وَالْحُرُّ الْكَافِرُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْأَوَّلَانِ.
قَوْلُهُ: (لِغَيْرِهِ) إنَّمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَمَةَ نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا مَعَ بَقَاءِ الرِّقِّ وُجِدَتْ الشُّرُوطُ أَوْ لَا، أَيْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى مَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا وَإِنْ قَلَّ وَلَوْ مُسْتَوْلَدَةً وَمُكَاتَبَةً فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ لِتَعَاطِيهِ عَقْدًا فَاسِدًا؛؛ لِأَنَّ وَطْأَهَا جَائِزٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى، بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ فَهِيَ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى؛ وَلِذَلِكَ لَوْ وَطِئَ أَمَةً بِالْمِلْكِ ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أَيْ الْحُرَّةَ حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ دُونَ الْأُخْرَى. قَوْلُهُ:(بَلْ بِثَلَاثَةٍ) بَلْ بِأَكْثَرَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ. قَوْلُهُ آخِرَ السِّوَادَةِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَخْ. قَوْلُهُ: (عَدَمُ قُدْرَتِهِ إلَخْ) فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِسَبَبِ وُجُوبِ الْإِعْفَافِ عَلَى فَرْعِهِ امْتَنَعَتْ الْأَمَةُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ إرْقَاقِ وَلَدِهِ أَوْ بَعْضِهِ؛ سم. فَالْمُرَادُ قَدَرَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ مُوسِرٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعْفَافُهُ وَقَوْلُهُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ إرْقَاقِ الْوَلَدِ، أَيْ إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً، وَقَوْلُهُ:" أَوْ بَعْضِهِ " إنْ كَانَتْ مُبَعَّضَةً.
قَوْلُهُ: (عَلَى صَدَاقِ الْحُرَّةِ) وَالْمُرَادُ بِهِ مَا تَرْضَى بِهِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَأَقَلَّ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَسْكَنِهِ وَخَادِمِهِ وَلِبَاسِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَنَحْوِهَا سم، أَيْ فَاضِلًا عَمَّا تَحْتَاجُهُ فِي الْفِطْرَةِ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ فَرْعِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ لَا بِنَحْوِ هِبَةٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ هِبَةِ مَهْرٍ أَوْ أَمَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ كَمَا فِي ح ل. قَوْلُهُ:(تَصْلُحُ إلَخْ) هَلْ الْمُرَادُ صَلَاحِيَتُهَا بِاعْتِبَارِ مَيْلِ طَبْعِهِ أَوْ الرُّجُوعُ لِلْعُرْفِ الثَّانِي أَرْجَحُ. اهـ. م ر. قَالَ ح ل: وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعِفُّ سَائِرَ النَّاسِ وَلَا تُعِفُّهُ وَخَشِيَ الزِّنَا لَا يُزَوَّجُ الْأَمَةَ. وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَقَدْ يُقَالُ: لَا بُعْدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَكْذِبُ حِينَئِذٍ فِي دَعْوَاهُ خَوْفَ الزِّنَا؛ لِأَنَّ مَعَ وُجُودِ مَنْ ذُكِرَ لَا يَخَافُ الزِّنَا اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَدَرَ عَلَى صَدَاقِهَا إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَتْنِ، وَهُوَ.
قَوْلُهُ: " عَدَمُ قُدْرَتِهِ " وَالتَّقْدِيرُ عَدَمُ قُدْرَتِهِ أَوْ قُدْرَتُهُ. وَقَوْلُهُ: " أَوْ وَجَدَهَا " عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَمْ يَجِدْهَا ". وَقَوْلُهُ: " أَوْ لَمْ تَرْضَ بِهِ " عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَمْ تَرْضَ إلَخْ ".
قَوْلُهُ: (إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا) أَيْ وَإِنْ قُلْت وَقَدَرَ عَلَيْهَا سم وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَجِبُ شِرَاءُ مَاءِ الطُّهْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ اهـ. قَالَ ح ل: قَيَّدَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ بِمَا إذَا كَانَ الزَّائِدُ قَدْرًا يُعَدُّ بَذْلُهُ إسْرَافًا وَإِلَّا حَرُمَتْ الْأَمَةُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَاءِ الطُّهْرِ بِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَاءِ تَتَكَرَّرُ، وَجَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي تَنْقِيحِهِ
مِثْلِهَا، أَوْ لَمْ تَرْضَ بِنِكَاحِهِ لِقُصُورِ نَسَبِهِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ تَحْتَهُ مَنْ لَا تَصْلُحُ لِلِاسْتِمْتَاعِ كَصَغِيرَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ، أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ أَوْ هَرِمَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ غَائِبَةٍ عَنْ بَلَدِهِ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ إنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي قَصْدِهَا. وَضَبَطَ الْإِمَامُ الْمَشَقَّةَ بِأَنْ يُنْسَبَ مُحْتَمِلُهَا فِي طَلَبِ الزَّوْجَةِ إلَى الْإِسْرَافِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، أَوْ خَافَ زِنًا مُدَّةَ قَصْدِ الْحُرَّةِ وَإِلَّا فَلَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ. وَيَجِبُ السَّفَرُ لِلْحُرَّةِ لَكِنَّ مَحَلَّهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ إذَا أَمْكَنَ انْتِقَالُهَا مَعَهُ إلَى وَطَنِهِ وَإِلَّا فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ الْمَقَامَ مَعَهَا هُنَاكَ مِنْ التَّغَرُّبِ وَالرُّخَصُ لَا تَحْتَمِلُ هَذَا التَّضْيِيقَ. وَلَا يَمْنَعُ مَالُهُ الْغَائِبُ نِكَاحَ الْأَمَةِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ بِبَيْعِ مَسْكَنِهِ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ، وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً تَرْضَى بِمُؤَجَّلٍ وَلَمْ يَجِدْ الْمَهْرَ، أَوْ تَرْضَى بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ وَاجِدُهُ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ تَصِيرُ مَشْغُولَةً فِي الْحَالِ وَقَدْ لَا يَجِدُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ دُونَ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ، وَالْمِنَّةُ فِي ذَلِكَ قَلِيلَةٌ إذْ الْعَادَةُ الْمُسَامَحَةُ فِي الْمُهُورِ. وَلَوْ رَضِيَتْ حُرَّةٌ بِلَا مَهْرٍ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ أَيْضًا لِوُجُوبِ مَهْرِهَا بِالْوَطْءِ.
(وَ) ثَانِي الشُّرُوطِ (خَوْفُ الْعَنَتِ) وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الزِّنَا بِأَنْ تَغْلِبَ شَهْوَتُهُ وَتَضْعُفَ تَقْوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ. وَفِي ع ش مَا يُوَافِقُ الْأَوَّلَ فَحُرِّرَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) كَدَنَاءَةِ حِرْفَتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ تَحْتَهُ مَنْ لَا تَصْلُحُ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى جَعْلَهُ غَايَةً، أَيْ تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْحُرَّةِ وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَصَغِيرَةٍ إلَخْ) وَهَلْ الْمُتَحَيِّرَةُ كَاَلَّتِي تَصْلُحُ أَوْ لَا؟ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: نَعَمْ، وَقَالَ الرَّمْلِيُّ: إنْ كَانَتْ نَفْسُهُ تَعَافُهَا فَهِيَ كَالْعَدَمِ وَإِلَّا فَكَالَّتِي تَصْلُحُ، وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ م ر أَنَّهَا تَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ مَا لَمْ يَخَفْ الزِّنَا زَمَنَ تَوَقُّعِ الشِّفَاءِ، وَعِبَارَتُهُ: وَالْمُتَحَيِّرَةُ صَالِحَةٌ فَتَمْنَعُ الْأَمَةَ لِتَوَقُّعِ شِفَائِهَا، وَمَحَلُّهُ إنْ أَمِنَ الْعَنَتَ زَمَنَ تَوَقُّعِ الشِّفَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْمَنْ فَلَا تَمْنَعُهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ ابْتِدَاءً نِكَاحُهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً نَظَرًا لِلْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ اهـ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا ذَكَرَهُ ح ل بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا الْآنَ غَيْرُ صَالِحَةٍ وَتَوَقُّعُ شِفَائِهَا لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ ضَعِيفٌ فَاحْذَرْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ) أَيْ وَطْأَهُ، وَإِنْ احْتَمَلَتْهُ مِنْ غَيْرِهِ اهـ س ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ هَرَمَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ أَوْ كَانَتْ زَانِيَةً كَمَا أَفْتَى بِهِ جَمَاعَةٌ فَيَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ أَوْ مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مِنْهُ فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، إنْ كَانَتْ بَائِنًا فَلَا يُشْتَرَطُ انْقِضَاؤُهَا كَمَا فِي ح ل. قَوْلُهُ:(فَلَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ غَائِبَةٍ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحُرَّةِ الْحَاضِرَةِ، أَمَّا الْغَائِبَةُ فَمَا حُكْمُهَا؟ فَقَالَ: فَلَوْ قَدَرَ إلَخْ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُنْسَبَ. . . إلَخْ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غُرْمُ مَالٍ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِسْرَافِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ لَوْمٌ وَتَعَيُّرٌ مِنْ النَّاسِ بِقَصْدِهَا ق ل. فَقَوْلُهُ:" وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ " أَيْ الْعَادَةُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَمْ يَخَفْ الزِّنَا مُدَّةَ السَّفَرِ فَلَا تَحِلُّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إذَا أَمْكَنَ انْتِقَالُهَا مَعَهُ) أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ السَّفَرُ، فَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ كَمَا قَالَهُ الْمَدَابِغِيُّ؛ لَكِنْ الْأَوَّلَانِ أَحَدُهُمَا يَكْفِي فَهُوَ شَرْطٌ مُرَدَّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالرُّخَصُ) أَيْ الَّتِي مِنْهَا نِكَاحُ الْأَمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَعُ مَالُهُ الْغَائِبُ) وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ لَا يَجِدُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ) أَمَّا إذَا عُلِمَ قُدِّرَتْ عِنْدَ الْمَحَلِّ فَلَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِهِ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ تَحْرِيمِ الْأَمَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِي الزَّوْجَةِ كُلْفَةً أُخْرَى وَهِيَ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ فَإِنَّهُمَا يَجِبَانِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ عَرْضِهَا عَلَيْهِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمَاءِ اهـ زي.
قَوْلُهُ: (لِوُجُوبِ مَهْرِهَا بِالْوَطْءِ) وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهَا قَدْ تُنْذَرُ لَهُ بِإِسْقَاطِهِ إنْ وَطِئَ لِلْمِنَّةِ الَّتِي لَا تُحْتَمَلُ حِينَئِذٍ اهـ م ر. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْوُقُوعُ) فِيهِ أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الْعَنَتَ اسْمٌ لِلزِّنَا لَا الْوُقُوعِ فِيهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ الْوُقُوعُ إلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي الْمَتْنِ، أَيْ خَوْفَ وُقُوعِ الزِّنَا؛ وَلَيْسَ مُرَادُهُ تَفْسِيرَ الْعَنَتِ بِالْوُقُوعِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَتَسْمِيَةُ الزِّنَا بِالْعَنَتِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا سَبَبٌ وَالْمُسَبَّبَ الْمَشَقَّةُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَغْلِبَ شَهْوَتُهُ) وَلَوْ عِنِّينًا وَخَصِيًّا. وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّ الْعِنِّينَ كَالْمَمْسُوحِ لَا يَخْشَى الْعَنَتَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِوُجُودِ آلَةِ الزِّنَا فِيهِ كَالْخَصِيِّ بِخِلَافِ
وُقُوعُ الزِّنَا بَلْ تَوَقُّعُهُ لَا عَلَى نُدُورٍ، فَمَنْ ضَعُفَتْ شَهْوَتُهُ وَلَهُ تَقْوَى أَوْ مُرُوءَةٌ وَحَيَاءٌ يُسْتَقْبَحُ مَعَهُ الزِّنَا، أَوْ قَوِيَتْ شَهْوَتُهُ وَتَقْوَاهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الزِّنَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرِقَّ وَلَدَهُ لِقَضَاءِ وَطَرٍ أَوْ كَسْرِ شَهْوَةٍ. وَأَصْلُ الْعَنَتِ الْمَشَقَّةُ، سُمِّيَ بِهِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا بِالْحَدِّ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ. وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 25] إلَى قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] وَالطَّوْلُ السَّعَةُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ الْحَرَائِرُ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَبِالْعَنَتِ عُمُومِهِ لَا خُصُوصِهِ حَتَّى لَوْ خَافَ الْعَنَتَ مِنْ أَمَةٍ بِعَيْنِهَا لِقُوَّةِ مَيْلِهِ إلَيْهَا وَحُبِّهِ لَهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلطَّوْلِ؛ لِأَنَّ الْعِشْقَ لَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ هَذَا تَهْيِيجٌ مِنْ الْبَطَالَةِ وَإِطَالَةِ الْفِكْرِ، وَكَمْ مِنْ إنْسَانٍ اُبْتُلِيَ بِهِ وَسَلَاهُ اهـ. وَالْوَجْهُ تَرْكُ التَّقْيِيدِ بِوُجُودِ الطَّوْلِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ نِكَاحِهَا عِنْدَ فَقْدِ الطَّوْلِ فَيَفُوتُ اعْتِبَارُ عُمُومِ الْعَنَتِ مَعَ أَنَّ وُجُودَ الطَّوْلِ كَافٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ نِكَاحِهَا، وَبِهَذَا الشَّرْطِ عُلِمَ أَنَّ الْحُرَّ لَا يَنْكِحُ أَمَتَيْنِ، وَأَنَّ الْمَمْسُوحَ وَالْمَجْبُوبَ ذَكَرُهُ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَجْبُوبِ وَالْمَمْسُوحِ اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ) غَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِالْحَدِّ فِي الدُّنْيَا) أَيْ إنْ حُدَّ وَالْعُقُوبَةُ فِي الْآخِرَةِ إنْ لَمْ يُحَدَّ؛ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ. فَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَيَصِحُّ بَقَاؤُهَا عَلَى بَابِهَا، وَيُرَادُ بِالْعُقُوبَةِ عُقُوبَةُ الْإِقْدَامِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْحَدِّ بَلْ بِالتَّوْبَةِ أَوْ مَحْضِ عَفْوِ اللَّهِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: لِأَنَّهُ سَبَبُهَا بِالْحَدِّ أَوْ الْعَذَابِ اهـ. فَعَبَّرَ بِ " أَوْ " بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَرَاءَ الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عُقُوبَاتٌ أُخْرَوِيَّةُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: ظَوَاهِرُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي سُقُوطَ الْمُطَالَبَةِ فِي الْآخِرَةِ إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا. وَجَمَعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ. وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ سُئِلَ النَّوَوِيُّ عَمَّنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً فَأُقِيمَ الْحَدُّ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ فِي الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: ظَاهِرُ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ تَابَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ فِي الدُّنْيَا سَقَطَ عَنْهُ عِقَابُ الْآخِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ عُوقِبَ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ اهـ. فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ إلَّا إذَا وُجِدَ الْحَدُّ وَالتَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبِ الْإِقْدَامِ أَوْ التَّوْبَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الذَّنْبِ حَدٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الشَّرْطَيْنِ. قَوْلُهُ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا} [النساء: 25] غِنًى. وَقَوْلُهُ: {أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} [النساء: 25] فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ صِفَةٍ لِطَوْلًا، أَيْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ غِنًى يَبْلُغُ بِهِ نِكَاحَ الْمُحْصَنَاتِ يَعْنِي الْحَرَائِرَ لِقَوْلِهِ:{فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 25] الْآيَةَ اهـ بَيْضَاوِيٌّ بِاخْتِصَارٍ. وَقَوْلُهُ " نِكَاحَ " مَأْخُوذٌ مِنْ أَنْ وَالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ.
قَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنَاتِ) جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ، بَلْ لَوْ وَجَدَ حُرَّةً كِتَابِيَّةً امْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّزْوِيجُ بِالْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَبِالْعَنَتِ عُمُومُهُ) أَيْ وَالْمُرَادُ بِالْعَنَتِ، أَيْ الَّذِي فِي الْآيَةِ. وَلَوْ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالزِّنَا إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى لِيَكُونَ تَفْسِيرًا لِكَلَامِهِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا آثَرَ مَا فِي الْآيَةِ لِقُرْبِهِ وَشَرَفِهِ فَكَانَ بِالتَّفْسِيرِ أَحْرَى وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَفْسِيرُ مَا فِي كَلَامِهِ؛ وَلَعَلَّ هَذَا مَلْحَظُ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ:(عُمُومُهُ) بِأَنْ خَافَ الزِّنَا بِأَيِّ امْرَأَةٍ كَانَتْ. وَعِبَارَةُ ح ل: لَيْسَ الْمُرَادُ عُمُومَهُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ حَتَّى الرَّدِيئَةِ وَنَحْوِهَا، بَلْ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِوَاحِدَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ تَحْتَهُ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلتَّمَتُّعِ يَخْشَى الْعَنَتَ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَجْهُ تَرْكُ التَّقْيِيدِ) أَيْ بِقَوْلِهِ أَيْ الرُّويَانِيِّ إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلطَّوْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ ق ل.
قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّ وُجُودَ الطَّوْلِ) أَيْ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ عُمُومِ الْعَنَتِ.
قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا الشَّرْطِ) أَيْ خَوْفِ الْعَنَتِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَنْكِحُ أَمَتَيْنِ) أَيْ صَالِحَتَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ، خِلَافًا لِلْحَلَبِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ صَالِحَةٍ اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا يَنْكِحُ أَمَتَيْنِ أَيْ فِي عَقْدٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي عَقْدَيْنِ سَوَاءٌ انْتَفَتْ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِوَاحِدَةٍ إلَّا فِي غَائِبَةٍ مَثَلًا فَلَهُ التَّزَوُّجُ وَلَوْ بِأَرْبَعِ
الزِّنَا. وَلَوْ وَجَدَتْ الْأَمَةُ زَوْجَهَا مَجْبُوبًا وَأَرَادَتْ إبْطَالَ النِّكَاحِ وَادَّعَى الزَّوْجُ حُدُوثَ الْجَبِّ بَعْدَ النِّكَاحِ وَأَمْكَنَ حُكِمَ بِصِحَّةِ نِكَاحِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حُدُوثُهُ بِأَنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مُنْدَمِلًا وَقَدْ عُقِدَ النِّكَاحُ أَمْسِ حُكِمَ بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ إسْلَامُهَا لِمُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ فَلَا تَحِلُّ لَهُ كِتَابِيَّةٌ أَمَّا الْحُرُّ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] وَأَمَّا غَيْرُ الْحُرِّ فَلِأَنَّ الْمَانِعَ نِكَاحَهَا كُفْرُهَا، فَسَاوَى الْحُرَّ كَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَمَنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مِنْ الْإِمَاءِ كَأَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ فَتَزَوَّجَ أَمَةً بِمِصْرٍ ثُمَّ خَلَّفَهَا فِيهَا وَذَهَبَ إلَى الْحِجَازِ فَخَافَ الْعَنَتَ وَلَحِقَهُ مَشَقَّةٌ فِي الذَّهَابِ إلَى زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ فَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ أُخْرَى وَخَلَّفَهَا فِيهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الْيَمَنِ وَهَكَذَا إلَى أَرْبَعٍ، وَلَهُ جَمْعُهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ؛؛ لِأَنَّ طُرُوُّ الْيَسَارِ لَا يَضُرُّ وَإِنْ أَمِنَ الزِّنَا وَقَدَرَ عَلَى الْحُرَّةِ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ الْمَمْسُوحَ إلَخْ) خَرَجَ بِهِمَا الْخَصِيُّ وَالْعِنِّينُ فَلَهُمَا نِكَاحُ الْأَمَةِ بِشَرْطِهِ. وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمَجْبُوبِ الذَّكَرِ مُطْلَقًا إذْ لَا يُخْشَى الزِّنَا، وَمِثْلُهُ الْعِنِّينُ وَحُلَّ لِلْمَمْسُوحِ. وَقَوْلُهُ " مُطْلَقًا " سَوَاءٌ وُجِدَتْ بَقِيَّةُ الشُّرُوطِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَأَرَادَتْ إبْطَالَ النِّكَاحِ) أَيْ بِدَعْوَاهَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مَجْبُوبٌ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْعَنَتَ. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ فَحْلٌ وَأَنَّ هَذَا الْجَبَّ عَارِضٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يَدُلَّ الْحَالُ عَلَى كَذِبِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
فَائِدَةٌ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ: خُصَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُقَيَّدٌ بِخَوْفِ الْعَنَتِ وَهُوَ مَعْصُومٌ وَبِفِقْدَانِ مَهْرِ الْحُرَّةِ وَنِكَاحُهُ غِنًى عَنْ الْمَهْرِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَبِرِقِّ الْوَلَدِ وَمَنْصِبُهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وَلَوْ قُدِّرَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ كَانَ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ قُلْنَا بِجَرَيَانِ الرِّقِّ عَلَى الْعَرَبِ. وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي بِخِلَافِ وَلَدِهِ الْمَغْرُورِ بَحْرِيَّة أَمَةٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ فَاتَ الرِّقُّ بِظَنِّهِ، وَهُنَا الرِّقُّ مُتَعَذِّرٌ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ خَوْفُ الْعَنَتِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ لِعِصْمَتِهِ وَلَا فَقْدُ الطَّوْلِ. وَلَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَمَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ أُمَّتِهِ، فَإِنَّ جَوَازَ تَزْوِيجِهِمْ بِالْأُمَّةِ خَوْفُ الْعَنَتِ. وَفِقْدَانُ الطَّوْلِ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى وَاحِدَةٍ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: وَلَوْ قُدِّرَ نِكَاحُ غَرُورٍ فِي حَقِّهِ لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ لَا يَنْعَقِدُ رَقِيقًا، فَمَعَ الْجَهْلِ بِهِ أَوْلَى. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ: وَفِي تَصَوُّرِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ نَظَرٌ إذَا قُلْنَا إنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ حَرَامٌ مَعَ كَوْنِهِ لَا إثْمَ فِيهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُصَانَ جَانِبُهُ عَنْهُ وَأَنْ يُقَالَ بِجَوَازِهِ لِفَقْدِ الْإِثْمِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ قَطُّ اضْطِرَارٌ إلَى نِكَاحِ الْأَمَةِ، بَلْ لَوْ أَعْجَبَتْهُ أَمَةٌ وَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا بَذْلُهَا إلَيْهِ هِبَةً قِيَاسًا عَلَى الطَّعَامِ، أَيْ عَلَى وُجُوبِ بَذْلِهِ. وَكَانَ إذَا خَطَبَ امْرَأَةً فَرُدَّ لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا أَيْ إلَى خِطْبَتِهَا، وَهَذَا مِنْ شَرَفِ النَّفْسِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:«كَانَ إذَا خَطَبَ فَرُدَّ لَمْ يَعُدْ فَخَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَتْ حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أَبِي فَاسْتَأْمَرَتْهُ: فَأَذِنَ فَلَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ لَهُ فَقَالَ: قَدْ الْتَحَفْنَا لِحَافًا غَيْرَك» . فَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: فَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ وَالْكَرَاهَةَ قِيَاسًا عَلَى إمْسَاكِ كَارِهَتِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ ثُمَّ إنَّ هَذَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ بِوَجْهٍ فَإِثْبَاتُهَا بِهِ مِنْ قَبِيلِ الرَّجْمِ بِالْغَيْبِ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَلَعَلَّهُ كَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا كَمَا هُوَ عَادَتُهُ، وَلِكَوْنِهِ يَكُونُ تَقْيِيدًا لِكَلَامِ الْمَتْنِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (إسْلَامُهَا) أَيْ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِكَافِرٍ فَلَا يُؤَثِّرُ كُفْرُ سَيِّدِهَا لِحُصُولِ صِفَةِ الْإِسْلَامِ فِيهَا. وَاسْتَشْكَلَ تَصْوِيرُهَا. وَيُجَابُ بِتَصْوِيرِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ أَوْ الْمُدَبَّرَةِ فَإِنَّهَا تَقِرُّ فِي يَدِ الْكَافِرِ وَفِي مُكَاتَبَةٍ أَسْلَمَتْ اهـ م ر.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ كِتَابِيَّةٌ) أَيْ أَمَةٌ، أَيْ بِخِلَافِ التَّسَرِّي فَإِنَّهُ يَجُوزُ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ بِأَنَّ الْوَلَدَ رَقِيقٌ فِي النِّكَاحِ وَحُرٌّ فِي التَّسَرِّي لِكَوْنِهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ:{فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 25] وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهَا نُقْصَانٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَثَّرَ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ وَهُمَا الْكُفْرُ وَالرِّقُّ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا كَالْحُرَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ لِاجْتِمَاعِ نَقْصِ الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْكِتَابِ.
بَعْضُهَا رَقِيقٌ وَبَاقِيهَا حُرٌّ حُكْمُهَا كَرَقِيقٍ كُلِّهَا فَلَا يَنْكِحُهَا الْحُرُّ إلَّا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ إرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ مَحْذُورٌ. وَفِي جَوَازِ نِكَاحِ أَمَةٍ مَعَ تَيَسُّرِ مُبَعَّضَةٍ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ إرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ أَهْوَنُ مِنْ إرْقَاقِ كُلِّهِ، وَعَلَى تَعْلِيلِ الْمَنْعِ اقْتَصَرَ الشَّيْخَانِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ الْمُرَجَّحُ. أَمَّا غَيْرُ الْمُسْلِمِ مِنْ حُرٍّ وَغَيْرِهِ كَكِتَابِيَّيْنِ فَتَحِلُّ لَهُ أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدِّينِ؛ وَلَا بُدَّ فِي نِكَاحِ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ مِنْ أَنْ يَخَافَ الزِّنَا وَيَفْقِدَ الْحُرَّةَ كَمَا فَهِمَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْحُرِّ مُطْلَقًا نِكَاحُ أَمَةِ وَلَدِهِ وَلَا أَمَةِ مُكَاتَبَةٍ وَلَا أَمَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَيْهِ وَلَا مُوصًى لَهُ بِخِدْمَتِهَا
(وَنَظَرُ الرَّجُلِ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَعِبَارَةُ ح ل: قَوْلُهُ {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 25] إلَخْ أَيْ فَانْكِحُوا مِمَّا مَلَكَتْ، فَالْكَلَامُ فِيمَنْ يَمْلِكُ وَهُمْ الْأَحْرَارُ؛ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي حُرِّيَّةَ النَّاكِحِ بَلْ حُرِّيَّةَ الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ) أَيْ كَمَا حُرِّمَتَا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْحُرِّ وَالرَّقِيقِ. قَوْلُهُ: (كَرَقِيقٍ كُلِّهَا) بِالْإِضَافَةِ.
قَوْلُهُ: (مَحْذُورٌ) أَيْ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ: (تَرَدُّدٌ) وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ إرْقَاقَ إلَخْ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: وَعَلَى تَعْلِيلِ الْمَنْعِ إلَخْ. وَلَوْ وَجَدَ أَمَةَ الْأَصْلِ وَغَيْرَ أَمَتِهِ تَعَيَّنَتْ أَمَةُ الْأَصْلِ لِلتَّزَوُّجِ إذْ إرْقَاقُ الْوَلَدِ لَا يَدُومُ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا فِي س ل. قَوْلُهُ: (وَعَلَى تَعْلِيلِ الْمَنْعِ) أَيْ مَنْعِ كَامِلَةِ الرِّقِّ مَعَ تَيَسُّرِ مُبَعَّضَةٍ، اقْتَصَرَ الشَّيْخَانِ، وَاقْتِصَارُهُمَا عَلَيْهِ مُشْعِرٌ بِتَرْجِيحِ الْمُعَلَّلِ بِهِ وَتُقَدَّمُ قَلِيلَةُ الرِّقِّ عَلَى كَثِيرَتِهِ وَمَنْ عُلِّقَ حُرِّيَّةُ أَوْلَادِهَا عَلَى غَيْرِهَا ق ل.
وَالْقُدْرَةُ عَلَى أَمَةٍ أَصْلُهُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ نِكَاحِ أَمَةِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَوْلَادُهُ يُعْتَقُونَ عَلَى أَصْلِهِ، وَنَظَرَ فِيهِ حَجّ بِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِ الْأَصْلِ إلَى الْعُلُوقِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ وَدَلَالَةُ الِاسْتِصْحَابِ هُنَا ضَعِيفَةٌ وَفِي حَجّ أَنَّ أَوْلَادَهُ يَنْعَقِدُونَ أَحْرَارًا. وَفِي شَرْحِ م ر مَا يُوَافِقُهُ. وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى نِكَاحِ أَمَةِ أَصْلِهِ تَمْنَعُ صِحَّةَ نِكَاحِ أَمَةِ غَيْرِهِ، فَقِيَاسُهُ أَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى نِكَاحِ مَنْ عَلَّقَ سَيِّدُهَا حُرِّيَّةَ أَوْلَادِهَا عَلَى وِلَادَتِهِمْ تَمْنَعُ صِحَّةَ نِكَاحِ أَمَةٍ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اهـ حَلَبِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ عَزْوُهُ لِلسُّبْكِيِّ وَإِلَّا فَقَدْ عُلِمَ هَذَا مِنْ أَوَّلِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ لِلْكِتَابِيِّ، وَمِثْلُ الْكِتَابِيِّ الْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ فِي حِلِّ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ لَهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ أَيْضًا إذَا حَكَمْنَا بِحِلِّ نِكَاحِ الْمَجُوسِيِّ لِلْمَجُوسِيَّةِ اهـ س ل وم ر.
قَوْلُهُ: (وَبِفَقْدِ الْحُرَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ، قَالَ تَعَالَى:{مَاذَا تَفْقِدُونَ} [يوسف: 71]{قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} [يوسف: 72] .
قَوْلُهُ: (كَمَا فَهِمَهُ السُّبْكِيُّ) أَيْ مِنْ كَلَامِهِمْ أَيْ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا وَإِلَّا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ اهـ حَجّ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ خَافَ زِنًا أَمْ لَا فَقَدَ الْحُرَّةَ أَمْ لَا. وَقَوْلُهُ " نِكَاحُ أَمَةِ وَلَدِهِ " أَيْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعْفَافُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعْفَافُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّمْسِ الرَّمْلِيِّ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ابْتِدَاءً، فَلَوْ مَلَكَ الْوَلَدُ زَوْجَةَ أَبِيهِ لَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ اغْتَفَرُوا فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ " وَاعْلَمْ إلَخْ " إشَارَةٌ إلَى شُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ زِيَادَةً عَلَى الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ أَنْ لَا تَكُونَ أَمَةَ فَرْعِهِ وَلَا أَمَةَ مُكَاتَبِهِ وَلَا مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وَلَا مُوصًى لَهُ بِخِدْمَتِهَا دَائِمًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَمَةِ مُكَاتَبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، فَالْمَمْلُوكُ لَهُ كَالْمَمْلُوكِ لِسَيِّدِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَالشَّخْصُ لَا يَنْكِحُ أَمَتَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَمَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَيْهِ) وَلَا مُوصًى لَهُ بِخِدْمَتِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ كَالْمَمْلُوكَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا كَمَا لَا يَنْكِحُ مَمْلُوكَتَهُ. وَانْظُرْ هَلْ عَدَمُ حِلِّهَا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا أَوْ ابْتِدَاءً فَقَطْ؟ اسْتَقْرَبَ ع ش الْأَوَّلَ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ " أَوْ مُوصًى لَهُ بِخِدْمَتِهَا " أَيْ عَلَى التَّأْبِيدِ لِجَرَيَانِ قَوْلِ إنَّهُ يَمْلِكُهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ غَايَتَهَا أَنَّهَا كَالْمُسْتَأْجَرَةِ لَهُ فَالْوَجْهُ حِلُّ تَزَوُّجِهِ بِهَا إذَا رَضِيَ الْوَارِثُ.
قَوْلُهُ: (وَنَظَرُ الرَّجُلِ) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا، فَشَمِلَ الْخُنْثَى كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (الْفَحْلِ) أَيْ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ فَإِنَّهُمَا نَحْوُ الْفَحْلِ لَا مِنْ الْفَحْلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَنْهَجِ؛ وَحِينَئِذٍ فَمَفْهُومُ الْفَحْلِ فِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ كَانَ غَيْرُ الْفَحْلِ مَمْسُوحًا فَيَجُوزُ نَظَرُهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ كَالْمَحْرَمِ، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا أَوْ خَصِيًّا حَرُمَ. وَقَالَ
الْفَحْلِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ (إلَى الْمَرْأَةِ) وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ (عَلَى سَبْعَةِ أَضْرُبٍ) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ، فَخَرَجَ بِقَيْدِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَسَيَأْتِي حُكْمُ نَظَرِهَا لِمِثْلِهَا لَكِنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ خُرُوجَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَهُ فِي النَّظَرِ حُكْمُ الرَّجُلِ، وَبِقَيْدِ الْفَحْلِ الْمَمْسُوحِ فَنَظَرُهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ جَائِزٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَنَظَرِ الْفَحْلِ إلَى مَحَارِمِهِ.
تَنْبِيهٌ شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: الرَّجُلَ الْفَحْلَ وَالْخَصِيَّ وَهُوَ مَنْ قُلِعَتْ أُنْثَيَاهُ وَبَقِيَ ذَكَرُهُ، وَالْمَجْبُوبَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ مَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ وَبَقِيَ أُنْثَيَاهُ، وَالْعِنِّينَ وَالشَّيْخَ الْهَرَمَ وَالْمُخَنَّثَ وَهُوَ بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى الْأَفْصَحِ الْمُتَشَبِّهِ بِالنِّسَاءِ. وَبِقَيْدِ الْبَالِغِ الصَّبِيُّ وَلَوْ مُمَيِّزًا لَكِنَّ الْمُرَاهِقَ هُنَا كَالْبَالِغِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِقَيْدِ الْعَاقِلِ الْمَجْنُونُ فَنَظَرُهُ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بَعْضُهُمْ: إنَّمَا قُيِّدَ بِالْفَحْلِ لِإِخْرَاجِ الْمَمْسُوحِ فَقَطْ دُونَ مَنْ عَدَاهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ صَنِيعِهِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (الْبَالِغِ) ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ الْبَالِغُ، أَوْ يُقَالُ ذَكَرَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الرَّجُلَ مُرَادٌ بِهِ مَا قَابَلَ الْأُنْثَى فَيَشْمَلُ الصَّغِيرَ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الصَّبِيَّ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْمَرْأَةِ) الْمُرَادُ بِهَا مَنْ بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ) لِكِبَرٍ لَا لِصِغَرٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْمَرْأَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَبْعَةِ أَضْرُبٍ) الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ هُوَ النَّظَرُ لِأَجْلِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا ذِكْرُ بَقِيَّةِ الْأَقْسَامِ فَلِلْمُنَاسَبَةِ وَتَكْمِيلِ الْفَائِدَةِ. وَوَجْهُ التَّقْسِيمِ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ مُطْلَقًا وَذَلِكَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ مُطْلَقًا وَذَلِكَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَذَلِكَ فِي الْمَحَارِمِ وَالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمُعْتَدَّةِ أَوْ نَحْوِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ لِأَجْلِ الْخِطْبَةِ وَذَلِكَ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ لِأَجْلِ الْمُدَاوَاةِ وَذَلِكَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَإِمَّا لِلْمُعَامَلَةِ وَالشَّهَادَةِ وَذَلِكَ لِلْوَجْهِ فَقَطْ؛ فَإِنْ كَانَ لِلشَّهَادَةِ عَلَى رَضَاعٍ أَوْ زِنًا فَبِالنَّظَرِ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِتَقْلِيبِ أَمَةٍ يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَذَلِكَ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى تَقْلِيبِهَا مِنْ الْبَدَنِ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (نَظَرِهَا لِمِثْلِهَا) وَهُوَ أَنَّ نَظَرَهَا لِمِثْلِهَا كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ) مَا لَمْ يُرِدْ الرَّجُلَ وَلَوْ احْتِمَالًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخُنْثَى مَعَ النِّسَاءِ كَالرَّجُلِ وَمَعَ الرِّجَالِ كَالْمَرْأَةِ وَكَذَلِكَ مَعَ الْخَنَاثَى بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ لِلِاحْتِيَاطِ، وَإِنَّمَا جَازَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاء تَغْسِيلُهُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ تَنْقَطِعُ مَعَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (وَبِقَيْدِ الْفَحْلِ الْمَمْسُوحِ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَحْلِ مَا عَدَا الْمَمْسُوحَ، وَقَوْلُهُ الْآتِي شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الرَّجُلَ الْفَحْلَ وَالْخَصِيَّ وَالْمَجْبُوبَ وَالْعِنِّينَ وَالشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالْمُخَنَّثَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَحْلِ مَا عَدَا الْخَمْسَةَ الَّتِي بَعْدَهُ؛؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ تَنَاقُضٌ. ثُمَّ رَأَيْت لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ " وَبِقَيْدِ الْفَحْلِ إلَخْ " يَقْتَضِي أَنَّ مُقَابِلَ الْفَحْلِ الْمَمْسُوحُ فَقَطْ وَأَنَّ الْمَجْبُوبَ وَالْخَصِيَّ مِنْ الْفَحْلِ، وَكَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْآتِي يَقْتَضِي أَنَّ الثَّلَاثَةَ تُقَابِلُ الْفَحْلَ، فَتَنَاقَضَ كَلَامُهُ وَمَا فِي التَّنْبِيهِ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلُّغَةِ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَبِقَيْدِ الْفَحْلِ غَيْرُهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ مَمْسُوحًا فَجَائِزٌ نَظَرُهُ وَإِنْ كَانَ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا فَكَالْفَحْلِ؛ وَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الشَّارِحِ فِي الْإِخْرَاجِ عَلَى الْمَمْسُوحِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْإِخْرَاجِ وَأَنَّ فِي مَفْهُومِ الْفَحْلِ تَفْصِيلًا فَلَا يُنَاقِضُ مَا ذُكِرَ فِي التَّنْبِيهِ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: (الْمَمْسُوحُ) هُوَ ذَاهِبُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَهْوَةٌ شَرْحُ الْمَنْهَجِ فَإِنْ بَقِيَتْ فَكَالْفَحْلِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ اهـ قِ ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ وَيُسَمَّى الْمَمْسُوحُ طَوَاشِيًا.
قَوْلُهُ: (فَنَظَرُهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ جَائِزٌ) أَيْ إنْ كَانَ عَدْلًا. وَعِبَارَةُ م ر: وَنَظَرُ مَمْسُوحِ ذَكَرِهِ كُلِّهِ وَأُنْثَيَاهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مَيْلٌ لِلنِّسَاءِ أَصْلًا، وَإِسْلَامِهِ فِي الْمُسْلِمَةِ وَعَدَالَتِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالْعَدَالَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ حَرَامٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَمَالَ إلَيْهِ السُّبْكِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَنَظَرِ الْفَحْلِ) أَيْ فَيَنْظُرُ الْمَمْسُوحُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا.
قَوْلُهُ: (قُلِعَتْ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْقَطْعِ وَلِفَقْدِهِمَا أَصَالَةً أَيْ خِلْقَةً.
قَوْلُهُ: (الْمُرَاهِقَ إلَخْ) بِكَسْرِ الْهَاءِ هُوَ مَا قَارَبَ الِاحْتِلَامَ، أَيْ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ سِنِّهِ وَهُوَ قُرْبُ خَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً فِيمَا يَظْهَرُ. وَخَرَجَ بِالْمُرَاهِقِ غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ حِكَايَةَ مَا يَرَاهُ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ فَكَالْمُحْرِمِ، أَوْ بِشَهْوَةٍ فَكَالْبَالِغِ، أَوْ لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ فَكَالْعَدِمِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ اهـ م ر؛ فَغَيْرُ
كَالْبَهِيمَةِ. (أَحَدُهَا نَظَرُهُ) أَيْ الرَّجُلِ (إلَى) بَدَنِ امْرَأَةٍ (أَجْنَبِيَّةٍ) غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ قَصْدًا (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) مِمَّا سَيَأْتِي (فَغَيْرُ جَائِزٍ) قَطْعًا وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ، وَأَمَّا نَظَرُهُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَحَرَامٌ عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ تَدْعُو إلَى الِاخْتِلَاءِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْبَالِغِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ.
قَوْلُهُ: (كَالْبَالِغِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ النَّظَرِ وَيَحْرُمَ عَلَيْهِنَّ الْكَشْفُ عِنْدَهُ هَكَذَا ظَهَرَ لِي.
قَوْلُهُ: (فَنَظَرُهُ لَا يُوصَفُ إلَخْ) أَيْ وَكَذَا نَظَرُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لَا يُوصَفُ بِمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: (كَالْبَهِيمَةِ) لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَى الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ النَّظَرُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُهَا نَظَرُهُ إلَى بَدَنِ أَجْنَبِيَّةٍ إلَخْ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ رُؤْيَةُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا وَإِنْ أُبِينَ كَظُفْرٍ وَشَعْرِ عَانَةٍ وَإِبْطٍ وَدَمِ حَجْمٍ وَفَصْدٍ، لَا نَحْوِ بَوْلٍ كَلُعَابٍ وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُبَانِ بِوَقْتِ الْإِبَانَةِ، فَيَحْرُمُ مَا أُبِينَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ وَإِنْ نَكَحَهَا وَلَا يَحْرُمُ مَا أُبِينَ مِنْ زَوْجَةٍ وَإِنْ أَبَانَهَا. وَشَمِلَ النَّظَرُ مَا لَوْ كَانَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ أَوْ مُهَلْهَلِ النَّسْجِ، وَخَرَجَ بِهِ رُؤْيَةُ الصُّورَةِ فِي نَحْوِ الْمِرْآةِ وَمِنْهُ الْمَاءُ فَلَا يَحْرُمُ وَلَوْ مَعَ شَهْوَةٍ. وَيَحْرُمُ سَمَاعُ صَوْتِهَا وَلَوْ نَحْوَ الْقُرْآنِ إنْ خَافَ مِنْهُ فِتْنَةً أَوْ الْتَذَّ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَالْأَمْرَدُ فِيمَا ذُكِرَ كَالْمَرْأَةِ اهـ ق ل عَلَى الْجَلَالِ. وَفِي ع ش عَلَى م ر: أَنَّهُ إذَا انْفَصَلَ مِنْهَا شَعْرٌ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ، وَلَا نَظَرَ لِانْفِصَالِهِ فِي وَقْتٍ كَانَ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ النَّظَرُ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ الْتَذَّ بِهِ " أَيْ وَمَا وَقَعَ فِي ع ش عَلَى م ر مِنْ جَوَازِ السَّمَاعِ وَإِنْ الْتَذَّ بِهِ فَسَهْوٌ مِنْ الشَّيْخِ، فَفُهِمَ أَنْ يَقُولَ م ر: وَكَذَا سَمَاعُ الصَّوْتِ رَاجِعٌ لِلنَّفْيِ قَبْلَهُ، فَرُتِّبَ عَلَيْهِ الْجَوَازُ مَعَ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ، أَيْ وَكَذَا سَمَاعُ الصَّوْتِ فَلَا يَجُوزُ بِدَلِيلِ قَوْلِ م ر بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ، فَإِنَّ الَّذِي بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ إنَّمَا هُوَ الْحُرْمَةُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا. وَمِنْ الصَّوْتِ الزَّغَارِيتُ كَمَا فِي ع ش. وَفِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: هَلْ بَوْلُ الْمَرْأَةِ كَدَمِ فَصْدِهَا فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ أَوْ لَا؟ وَيُفَرَّقُ بِمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ جُزْءٌ مِمَّنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ، فَإِنَّ الْبَوْلَ لَا يُعَدُّ جُزْءًا بِخِلَافِ الدَّمِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. أَقُولُ: الْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ لِمَا عُلِّلَ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ: بَوْلُك طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: دَمُك اهـ. وَرُؤْيَةُ الدَّمِ لَا تَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَالْبَوْلِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) أَخْرَجَهُمَا لِأَجْلِ حِكَايَةِ الْخِلَافِ الْآتِي فِيهِمَا. وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ وُجُودِ الشَّهْوَةِ وَالْفِتْنَةِ وَعَدَمِهِمَا أَوْ وُجُودِ أَحَدِهِمَا وَعَدَمِ الْآخَرِ؛ وَلَكِنَّ الْمُنَاسِبَ لِقَوْلِهِ الْآتِي، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِذَلِكَ إسْقَاطُ قَوْلِهِ غَيْرَ إلَخْ. قَوْله:(وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ) غَايَةٌ فِي الْحُرْمَةِ. قَوْلُهُ: (قَصْدًا) خَرَجَ مَا لَوْ وَقَعَ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا سَيَأْتِي) أَيْ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ لِلشَّهَادَةِ وَالْمُعَامَلَةِ. قَوْلُهُ: (فَغَيْرُ جَائِزٍ قَطْعًا) أَيْ لِغَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَمَّا هُوَ فَقَدْ اُخْتُصَّ بِإِبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْخَلْوَةِ بِهِنَّ وَإِرْدَافِهِنَّ عَلَى الدَّابَّةِ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ لِعِصْمَتِهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ فِي دُخُولِهِ عَلَيْهَا وَنَوْمِهِ عِنْدهَا وَتَفْلِيَتِهَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا زَوْجِيَّةٌ، وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً مِنْ رَضَاعٍ فَرَدَّهُ الدِّمْيَاطِيُّ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ. وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَافِحُ النِّسَاءَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ وَذَلِكَ لِعِصْمَتِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ مُصَافَحَةُ الْأَجْنَبِيَّةِ لِعَدَمِ أَمْنِ الْفِتْنَةِ اهـ مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ؛ لَكِنْ رَأَيْت فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يُصَافِحُ النِّسَاءَ إنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ أَيْ يُبَايِعُهُنَّ، فَإِذَا أَحْرَزْنَ أَيْ حَفِظْنَ الْمُبَايَعَةَ قَالَ: اذْهَبْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ» اهـ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ) هِيَ مَيْلُ النَّفْسِ وَدُعَاؤُهَا إلَى الْجِمَاعِ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا نَظَرُهُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَحَرَامٌ) وَفِي وَجْهٍ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ بِالْوَجْهِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا فِي طَرِيقِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُنَّ، وَصَوْتُهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنْ يَحْرُمُ الْإِصْغَاءُ إلَيْهِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَإِذَا قَرَعَ بَابُ الْمَرْأَةِ أَحَدٌ فَلَا تُجِيبُهُ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ بَلْ تُغْلِظُ صَوْتَهَا بِأَنْ تَأْخُذَ طَرَفَ كَفَّيْهَا بِفِيهَا وَتُجِيبَ. وَفِي الْعُبَابِ: وَيُنْدَبُ إذَا خَافَتْ دَاعِيًا أَنْ تُغْلِظَ صَوْتَهَا بِوَضْعِ ظَهْرِ كَفِّهَا عَلَى فِيهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (فَحَرَامٌ) وَيُجِيبُ هَذَا الْقَائِلُ عَنْ الْآيَةِ الْآتِيَةِ بِأَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي الصَّلَاةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ) أَيْ بِأَنْ يُفْتَنَ عَقْلُهُ، وَهَذَا قَيْدٌ لِأَجْلِ قَوْلِهِ " بِالْإِجْمَاعِ ". وَقَوْلُهُ " تَدْعُو إلَى الِاخْتِلَاءِ " كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ ذَلِكَ وَيَقُولُ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ،
بِهَا لِجِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَوْ نَظَرَ إلَيْهِمَا بِشَهْوَةٍ وَهِيَ قَصْدُ التَّلَذُّذِ بِالنَّظَرِ الْمُجَرَّدِ وَأَمِنَ الْفِتْنَةَ حَرُمَ قَطْعًا، وَكَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا عِنْدَ الْأَمْنِ مِنْ الْفِتْنَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ. وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ، وَبِأَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَمُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] وَاللَّائِقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ سَدُّ الْبَابِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَنَسَبَهُ الْإِمَامُ لِلْجُمْهُورِ وَالشَّيْخَانِ لِلْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ الصَّوَابُ لِكَوْنِ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ اهـ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْقَصْدِ مَا إذَا حَصَلَ النَّظَرُ اتِّفَاقًا فَلَا إثْمَ فِيهِ
(وَ) الضَّرْبُ (الثَّانِي نَظَرُهُ) أَيْ الرَّجُلِ (إلَى) بَدَنِ (زَوْجَتِهِ وَ) إلَى بَدَنِ (أَمَتِهِ) الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا (فَيَجُوزُ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَدْعُو صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلْفِتْنَةِ؛ لِأَنَّهَا مَيْلُ النَّفْسِ إلَى الِاخْتِلَاءِ بِهَا بِجِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَظَرَ إلَيْهِمَا) أَيْ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الشَّهْوَةُ قَصْدُ التَّلَذُّذِ، أَيْ وَهِيَ التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ الْمَقْصُودِ لِيُوَافِقَ تَفْسِيرَ غَيْرِهِ لَهَا بِأَنَّهَا التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ، فَلَا مُخَالَفَةَ وَلَا إيرَادَ.
قَوْلُهُ: (الْمُجَرَّدِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ جِمَاعٍ وَلَا مُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَوَجَّهَهُ) أَيْ تَحْرِيمَ النَّظَرِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ) أَيْ كَاشِفَاتٍ لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَمُحَرِّكٌ) أَيْ مُثِيرٌ لَهَا.
قَوْلُهُ: (سَدُّ الْبَابِ) أَيْ بَابِ النَّظَرِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَمْ لَا. وَقَوْلُهُ " وَالْإِعْرَاضُ " عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ) أَيْ بَيْنَ الشَّهْوَةِ وَالْفِتْنَةِ وَعَدَمِهَا وَالْعَدَالَةِ وَعَدَمِهَا. قَوْلُهُ: (كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَصِّلُوا فِي ذَلِكَ بَلْ حَرَّمُوا الِاخْتِلَاءَ بِهَا مُطْلَقًا سَدًّا لِبَابِ الْفَسَادِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ) أَيْ النَّظَرُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
قَوْلُهُ: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] أَيْ مَوَاضِعَهَا، أَوْ أَنَّهُ أَطْلَقَ الزِّينَةَ عَلَى مَحَلِّهَا مَجَازًا.
وَقَوْلُهُ: {إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أَيْ إلَّا مَا غَلَبَ ظُهُورُهُ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ فِي الْآيَةِ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ؛؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا فَيُبْدِينَهُ أَيْ يُظْهِرْنَهُ مَعَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ هَذَا وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذِهِ وَارِدَةٌ فِي عَوْرَةِ الصَّلَاةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا عَامَّةٌ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ. قَوْلُهُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ) أَيْ الدَّلِيلِ وَالْمَأْخَذِ، أَيْ فَالْمُدْرَكُ وَهُوَ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ عَدَمِ الْحُرْمَةِ؛ وَلَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ لِلِاحْتِيَاطِ اهـ م د، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ الِاسْتِدْرَاكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّك إنْ نَظَرْت لِقَوْلِهِ:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا} [النور: 30] وَلِقَوْلِهِ سَدُّ الْبَابِ رَجَّحْت الْحُرْمَةَ، وَإِنْ نَظَرْت لِقَوْلِهِ:{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] رَجَّحْت جَوَازَ النَّظَرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ غَيْرُ خَاصَّةٍ بِالصَّلَاةِ. وَهَذَا بِالنَّظَرِ لِلدَّلِيلِ، أَمَّا الْفَتْوَى وَالْمَذْهَبُ فَعَلَى كَلَامِ الْمِنْهَاجِ مِنْ الْحُرْمَةِ مُطْلَقًا؛ ثُمَّ رَأَيْت فِي الزِّيَادِيِّ مَا نَصُّهُ: لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ: التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ، أَيْ أَنَّ الْمُدْرَكَ مَعَ مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَهُوَ سَدُّ بَابِ النَّظَرِ اهـ. وَالْمُدْرَكُ بِضَمِّ الْمِيمِ مَعَ فَتْحِ الرَّاءِ أَيْ مَحَلُّ الْإِدْرَاكِ وَهُوَ الدَّلِيلُ وَأَمَّا الْفَتْحُ فَهُوَ تَحْرِيفٌ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (شَامِلٌ لِذَلِكَ) أَيْ لِمَا فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ حُرْمَةِ النَّظَرِ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ. قَوْلُهُ: (اتِّفَاقًا) أَيْ وَلَوْ تَكَرَّرَ.
قَوْلُهُ: (نَظَرُهُ) وَكَذَا مَسُّهُ حَتَّى الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي الْمَسِّ، بِخِلَافِ نَظَرِ الْفَرْجِ فَيُكْرَهُ. قَوْلُهُ:(الَّتِي يَحِلُّ إلَخْ) قَيْدٌ فِي كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَمِثْلُهَا الْمُكَاتَبَةُ وَالْمُشْتَرَكَةُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي. وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الَّتِي يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِمَا لِيَرْجِعَ لِلزَّوْجَةِ أَيْضًا لِتَخْرُجَ الرَّجْعِيَّةُ وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ شُبْهَةٍ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ حَذْفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلَى زَوْجَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ إلَخْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
حِينَئِذٍ (أَنْ يَنْظُرَ إلَى) كُلِّ بَدَنِهِمَا حَالَ حَيَاتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اسْتِمْتَاعِهِ (مَا عَدَا الْفَرْجَ) الْمُبَاحَ مِنْهُمَا، فَلَا يَجُوزُ جَوَازًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَإِلَى بَاطِنِهِ أَشَدُّ كَرَاهَةٍ «قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا رَأَيْت مِنْهُ وَلَا رَأَى مِنِّي» أَيْ الْفَرْجَ. وَأَمَّا خَبَرُ:«النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ يُورِثُ الطَّمْسَ» أَيْ الْعَمَى كَمَا وَرَدَ كَذَلِكَ، فَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ فِي الضُّعَفَاءِ بَلْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِ النَّظَرِ، وَخَالَفَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَحَسُنَ إسْنَادُهُ وَقَالَ: أَخْطَأَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ الْحُرْمَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ يُورِثُ الْعَمَى فَقِيلَ فِي النَّاظِرِ وَقِيلَ فِي الْوَلَدِ وَقِيلَ فِي الْقَلْبِ، وَنَظَرُ الزَّوْجَةِ إلَى زَوْجِهَا كَنَظَرِهِ إلَيْهَا.
تَنْبِيهٌ شَمِلَ كَلَامُهُمْ الدُّبُرَ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ: وَالتَّلَذُّذُ بِالدُّبُرِ بِلَا إيلَاجٍ جَائِزٌ صَرِيحٌ فِيهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الدَّارِمِيُّ وَقَالَ بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ. وَيَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ وَطْءِ الْغَيْرِ بِشُبْهَةٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى عَوْرَةِ زَوْجِهَا إذَا مَنَعَهَا مِنْهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّمَتُّعَ بِهَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيَاةِ مَا بَعْدَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَنْظُرَ إلَخْ لَكِنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَيَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا حَذْفَ مِنْ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ حَلَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْظُرَ) خَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ، فَلَا خِلَافَ فِي حِلِّهِ وَلَوْ لِلْفَرْجِ اهـ.
قَوْلُهُ: (حَالَ حَيَاتِهِمَا) قُيِّدَ فِيهِمَا، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُحْتَرَزَهُ فِي الْأَمَةِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالْمُقَايَسَةِ وَخَرَجَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَحْرُمُ بِشَهْوَةٍ كَمَا قَالَهُ م ر.
قَوْلُهُ: (الْمُبَاحِ) أَخْرَجَ الْفَرْجَ الَّذِي لَا يُبَاحُ وَطْؤُهُ وَهُوَ الدُّبُرُ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (جَوَازًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ) أَيْ بَلْ يَجُوزُ مَعَ تَرْجِيحِ الْكَرَاهَةِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا. وَلَا كَرَاهَةَ فِي نَظَرِ الدُّبُرِ لَكِنْ فِي الَأُجْهُورِيُّ عَنْ م ر أَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَمِثْلُهُ فِي الزِّيَادِيِّ، فَمَا فِي الْحَاشِيَةِ مِنْ أَنَّ الدُّبُرَ لَا كَرَاهَةَ فِي النَّظَرِ إلَيْهِ سَهْوٌ وَلَعَلَّ تَقْيِيدَ الشَّارِحِ الْفَرْجَ بِالْمُبَاحِ لِإِخْرَاجِ الدُّبُرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ خِلَافًا هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْفَرْجِ سَوَاءٌ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ إلَخْ) هَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الْكَرَاهَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَفْيُهَا الرُّؤْيَةَ لِشِدَّةِ الْحَيَاءِ. قَوْلُهُ: (فِي الضُّعَفَاءِ) أَيْ فِي الْأَحَادِيثِ الضُّعَفَاءِ. قَوْلُهُ: (الْمُسَمَّى بِالنَّظَرِ) أَيْ بِالْبَصِيرَةِ وَقَوْلُهُ فِي أَحْكَامِ النَّظَرِ أَيْ بِالْبَصَرِ.
قَوْلُهُ: (وَخَالَفَ ابْنُ الصَّلَاحِ) أَيْ خَالَفَ ابْنَ حِبَّانَ فِي عَدِّهِ فِي الضُّعَفَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَحَسَّنَ إسْنَادَهُ) أَيْ نَقَلَ تَحْسِينَهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يُمْكِنُ التَّحْسِينُ فِي زَمَانِنَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ) أَيْ حُمِلَ النَّهْيُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: (يُوهِمُ الْحُرْمَةَ) أَيْ حَيْثُ قَالَ: مَا عَدَا الْفَرْجَ، فَيُوهِمُ إخْرَاجَهُ مِنْ طَرَفِ الْجَوَازِ. قَوْلُهُ:(كَنَظَرِهِ إلَيْهَا) أَيْ جَائِزٌ، وَلَيْسَ التَّشْبِيهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يُكْرَهُ نَظَرُهَا لِفَرْجِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ خِلَافًا لِلدَّارِمِيِّ فِي الدُّبُرِ بِلَا مَانِعٍ لَهُ أَيْ لِلنَّظَرِ لِكُلٍّ.
قَوْلُهُ: (شَمِلَ كَلَامُهُمْ) أَيْ الْأَئِمَّةِ، وَأَمَّا كَلَامُهُ فَلَا يَشْمَلُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْفَرْجَ بِالْمُبَاحِ فَأَخْرَجَ الدُّبُرَ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ الْإِمَامِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. قَوْلُهُ " صَرِيحٌ ".
قَوْلُهُ: (وَالتَّلَذُّذُ بِالدُّبُرِ بِلَا إيلَاجٍ جَائِزٌ) شَامِلٌ لِمَسِّهِ بِذَكَرِهِ بِلَا إيلَاجٍ سم. وَقَوْلُهُ " صَرِيحٌ فِيهِ " أَيْ فِي الشُّمُولِ. قَوْلُهُ: (بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ) أَيْ الدُّبُرِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدُّبُرَ فِيهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: قِيلَ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَثْنِي) أَيْ عَلَى كَلَامِ الْمَتْنِ، وَأَمَّا عَلَى تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَلَا اسْتِثْنَاءَ وَكَانَ الْأَوْلَى، وَخَرَجَ بِحِلِّ التَّمَتُّعِ إلَخْ أَوْ يَقُولُ أَمَّا الَّتِي يَحِلُّ إلَخْ؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا بِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الْمَتْنِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ) أَيْ مَا سِوَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْعَكْسِ) أَيْ إذَا مَنَعَتْهُ مِنْ النَّظَرِ. وَقَوْلُهُ " فَلَهَا النَّظَرُ " مَا لَمْ يَمْنَعْهَا فَإِنْ مَنَعَهَا حَرُمَ النَّظَرُ لِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، هَذَا مَا تَحَرَّرَ بَعْدَ التَّوَقُّفِ ز ي. وَفِي ع ش عَلَى م ر: قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا، أَيْ فَإِنْ مَنَعَهَا حَرُمَ عَلَيْهَا النَّظَرُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ لِغَيْرِ الْعَوْرَةِ، وَكُتِبَ أَيْضًا: قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا اعْتَمَدَ ابْنُ حَجَرٍ
الْمَوْتِ فَيَصِيرُ الزَّوْجُ فِي النَّظَرِ حِينَئِذٍ كَالْمَحْرَمِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ. وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ بِالْمَحْرَمِ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِشَهْوَةٍ فِي غَيْرِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَإِلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ، وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْجَوَازَ وَلَوْ مَنَعَهَا، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم فَرْعُ الْخِلَافِ الَّذِي فِي النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ لَا يَجْرِي فِي مَسِّهِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ؛ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ بِتَحْرِيمِ مَسِّ الْفَرْجِ لَهُ وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ اهـ سُبْكِيٌّ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ بِلَا ضَرَرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اهـ قَالَ أج: وَلَوْ مَنَعَ وَالِدَتَهُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا نَظَرُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ نَظَرَ الْوَالِدَةِ إلَى وَلَدِهَا جَائِزٌ بِنَصِّ الشَّرْعِ وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجَةُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيَاةِ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْحَيَاةِ ق ل، لَكِنْ بِلَا شَهْوَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ حَتَّى الْفَرْجِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ. قَوْلُهُ: (وَإِلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ) مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ الرَّمْلِيِّ عَدَمُ الْحُرْمَةِ، وَيَحِلُّ بِلَا شَهْوَةٍ نَظَرٌ لِصَغِيرَةٍ لَا تُشْتَهَى خَلَا فَرْجٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ، أَمَّا الْفَرْجُ فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَكَرٍ أَمْ مِنْ أُنْثَى؛ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْأُمَّ زَمَنَ الرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ اهـ مَرْحُومِيٌّ. وَقَوْلُهُ " لَا تُشْتَهَى " أَيْ عِنْدَ أَهْلِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ تُشْتَهَ لَهُمْ لِتَشَوُّهٍ بِهَا قُدِّرَ فِيمَا يَظْهَرُ زَوَالُ تَشَوُّهِهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ مُشْتَهَاةً لَهُمْ حِينَئِذٍ حَرُمَ نَظَرُهَا وَإِلَّا فَلَا. وَفَارَقَتْ الْعَجُوزُ بِسَبْقِ اشْتِهَائِهَا وَلَوْ تَقْدِيرًا، فَاسْتُصْحِبَ، وَلَا كَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَظِنَّةٍ أَيْ فِي زَمَنِ مَظِنَّةٍ إلَخْ، أَوْ " فِي " زَائِدَةٌ.
وَقَوْلُهُ " أَمَّا الْفَرْجُ " أَيْ الْقُبُلُ أَوْ الدُّبُرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ فِي الْقُبُلِ بِالنَّاقِضِ بَلْ حَتَّى مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ غَالِبًا. وَقَوْلُهُ " الْأُمَّ " أَيْ وَنَحْوَهَا كَمُرْضِعٍ لَهَا أَوْ مُرَبٍّ لَهَا فَيَجُوزُ لَهَا نَظَرُهُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَسَّهُ لِلْحَاجَةِ كَغُسْلِهِ وَمَسْحَهُ لِلْحَاجَةِ كَذَلِكَ. وَالتَّعْبِيرُ بِالْإِرْضَاعِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْمَدَارُ عَلَى مَنْ يَتَعَهَّدُ الصَّبِيَّ بِالْإِصْلَاحِ وَلَوْ ذَكَرًا، كَإِزَالَةِ مَا عَلَى فَرْجِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ مَثَلًا كَدَهْنِ الْفَرْجِ بِمَا يُزِيلُ ضَرَرَهُ، ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَتَعَاطَى صَلَاحَهُ بَيْنَ كَوْنِ الْأُمِّ قَادِرَةً عَلَى كَفَالَتِهِ وَاسْتِغْنَائِهَا عَنْ مُبَاشَرَةِ غَيْرِهَا وَعَدَمِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْفَرْجِ مَحَلُّهُ إذَا خُلِقَ بِلَا فَرْجٍ أَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ إعْطَاءً لَهُ حُكْمُ الْفَرْجِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر؛ قَالَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ: جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى فَرْجِ الصَّغِيرَةِ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْعِدَّةِ الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِجَوَازِ النَّظَرِ إلَى فَرْجِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى وَالصَّغِيرِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: فِيهِ وَجْهَانِ؛ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِتَسَامُحِ النَّاسِ بِذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَتَبْقَى الْإِبَاحَةُ إلَى بُلُوغِهِ بِسِنِّ التَّمْيِيزِ. وَأَمَّا الْعَجُوزُ فَقَدْ أَلْحَقَهَا الْغَزَالِيُّ بِالشَّابَّةِ، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ لَا تَنْضَبِطُ وَهِيَ مَحَلٌّ لِلْوَطْءِ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا يُؤْمَنُ الِافْتِتَانُ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا جَازَ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ إلَخْ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَإِلَى أَمَتِهِ إلَخْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ " وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ " أَيْ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ فِي حَقِّ أَمَتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْمَحْرَمِ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِي الْمَوْتِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيَاةِ. وَقَوْلُهُ " الَّتِي يَحِلُّ إلَخْ " لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَقَوْلُهُ " أَمَّا الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ فِيهَا ذَلِكَ " مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَإِلَى بَدَنِ أَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَلَيْسَ مَفْهُومٌ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّك عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ؛ هَكَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَشْمَاوِيُّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ سَرَتْ لِلشَّارِحِ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ غَافِلًا عَمَّا سُبِقَ لَهُ، فَإِنَّهُ قَيْدٌ فِيهَا بِالزَّوْجِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا سَبَقَ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيَاةِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَصِيرُ الزَّوْجُ إلَخْ، فَقُيِّدَ بِالزَّوْجِ وَحَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ الْحَيَاةِ يُصَيِّرُهُ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ. وَقَوْلُهُ " أَمَّا الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ فِيهَا ذَلِكَ " يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَفْهُومُ مَا يَلِيهِ مِنْ قَوْلِهِ:" الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا " فَيَكُونُ رَاجِعًا لِحَالَةِ الْمَوْتِ، لَكِنْ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْمَفْهُومِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كَالْمَحْرَمِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَا الَّتِي لَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَلَا فَرْقَ بَعْدَ
بِهَا، أَمَّا الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ فِيهَا ذَلِكَ بِكِتَابَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ كُفْرٍ كَتَوَثُّنٍ وَرِدَّةٍ وَعِدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ وَنَسَبٍ وَرَضَاعٍ وَمُصَاهَرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهُ مِنْهَا إلَى مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ دُونَ مَا زَادَ أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ قَرِيبِ الزَّوَالِ كَحَيْضٍ وَرَهْنٍ فَلَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهَا.
(وَ) الضَّرْبُ الثَّالِثُ (نَظَرُهُ إلَى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (أَوْ) إلَى (أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ) وَمِثْلِهَا الَّتِي يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ، فَيَجُوزُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فِيمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ مَعْنًى يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُنَاكَحَةِ، فَكَانَا كَالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالْمَانِعُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَمَةِ صَيْرُهَا كَالْمَحْرَمِ، أَمَّا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ فِي الْمَحْرَمِ إجْمَاعًا، وَمِثْلُ الْمَحْرَمِ الْأَمَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِنَظَرِ الْمَحْرَمِ وَالسَّيِّدِ فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْمُقْرِي تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ عَدَمِ الشَّهْوَةِ النَّظَرُ بِهَا، فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا فِي كُلِّ مَا لَا يُبَاحُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَوْتِ بَيْنَ الَّتِي يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَبَيْنَ الَّتِي لَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَحِينَئِذٍ فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومُ قَوْلِ الشَّارِحِ سَابِقًا الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَيَكُونُ رَاجِعًا لِحَالَةِ الْحَيَاةِ إذْ هِيَ الَّتِي يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ مَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَمَا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (بِكِتَابَةٍ) أَيْ صَحِيحَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَرِكَةٍ) وَإِنَّمَا حَلَّ نَظَرُهُ لِأَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَيْ وَلَمْ يَحِلَّ لِلْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى سَيِّدَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَقْوَى مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ، فَأُبِيحَ لِلْمَالِكِ مَا لَا يُبَاحُ لِلْمَمْلُوكِ اهـ م ر. وَعِبَارَةُ الشَّعْرَانِيِّ فِي الْمِيزَانِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ عَبْدَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا فَيَجُوزُ نَظَرُهُ إلَيْهَا وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالنَّوَوِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِسَيِّدَتِهِ، وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِهِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَحْرَمٌ لَهَا لَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَالْآيَةُ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْإِمَاءِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَقَامَ السِّيَادَةِ كَمَقَامِ الْأُمُومَةِ فِي نَفْرَةِ الطَّبْعِ مِنْ التَّلَذُّذِ بِالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَمْ يُشَاهِدْهُ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدَتِهِ مِنْ الْهَيْبَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ السِّيَادَةَ تَنْقُصُ عَنْ مَقَامِ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَنَسَبٍ) أَيْ مَحْرَمِيَّةٍ. قَوْلُهُ: (وَمُصَاهَرَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ أُمَّ زَوْجَتِهِ أَوْ زَوْجَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ بِنْتَ زَوْجَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ كُلِّ مَانِعٍ لَا يَزُولُ أَوْ بَعِيدِ الزَّوَالِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " وَنَحْوِ ذَلِكَ " لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ أُخْتُ مَوْطُوءَتِهِ أَوْ عَمَّتِهَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذَا إذَا كَانَ الْمَانِعُ غَيْرَ زَائِلٍ أَوْ بَعِيدَ الزَّوَالِ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ إلَخْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ إلَخْ " مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ " بِكِتَابَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ إلَخْ " لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا رَاجِعًا لِلْأَمَةِ فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ فِيهَا وَفِي الزَّوْجَةِ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِكِتَابَةٍ إلَخْ خَاصٌّ بِالْأَمَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ رَاجِعٍ لِكُلِّ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ فَقَوْلُهُ كَحَيْضٍ رَاجِعٌ لَهُمَا وَقَوْلُهُ وَرَهْنٍ رَاجِعٌ لِلْأَمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهَا) أَيْ لِكُلِّ بَدَنِهَا وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، وَأَمَّا مَسُّ الْحَائِضِ فَيَجُوزُ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ دُونَ مَا بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الْمَرْهُونَةُ فَيَجُوزُ كُلٌّ مِنْ النَّظَرِ وَالْمَسِّ لِكُلِّ بَدَنِهَا.
صَاحِبَاتِ فَإِضَافَتُهَا بَيَانِيَّةٌ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ، أَوْ الْمُرَادُ بِالذَّوَاتِ الْأَبْدَانُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحَارِمِ الْأَقَارِبُ؛ وَكَأَنَّهُ قَالَ: إلَى ذَوَاتِ أَقَارِبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُعْتَدَّةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ) أَيْ النَّظَرُ دُونَ الْمَسِّ. قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ شَهْوَةٍ) أَيْ وَلَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تُحَرِّمُ الْمُنَاكَحَةَ فَكَانَا كَالرَّجُلَيْنِ. نَعَمْ لَوْ كَانَ الْكَافِرُ مِنْ قَوْمٍ يَعْتَقِدُونَ حِلَّ الْمَحَارِمِ كَالْمَجُوسِ امْتَنَعَ نَظَرُهُ وَخَلْوَتُهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (مَعْنًى) أَيْ وَصْفٌ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ. قَوْلُهُ: (أَمَّا بَيْنَ إلَخْ) كَذَا بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ رحمه الله وَالْمُنَاسِبُ: أَمَّا مَا بَيْنَ إلَخْ تَأَمَّلْ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) عِبَارَةُ ح ل: وَأَمَّا السُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ فَلَا يَحْرُمَانِ عِنْدَ شَيْخِنَا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ مَا يُفِيدُ حُرْمَةَ نَظَرِهِمَا اهـ نَعَمْ يَحْرُمُ نَظَرُ الْجُزْءِ الْمُلَاصِقِ لِلْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ اهـ قِ ل.
قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ) أَيْ عِبَارَةُ الْمَتْنِ، وَقَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْمُقْرِي حَيْثُ قَالَ: فَيَجُوزُ النَّظَرُ فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ إلَخْ. قَوْلُهُ: (بِمَا فَوْقَ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ
بِهِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ فِي الْخِطْبَةِ يَجُوزُ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ كَمَا سَيَأْتِي
فِي قَوْلِهِ. (وَ) الضَّرْبُ (الرَّابِعُ النَّظَرُ) الْمَسْنُونُ (لِأَجْلِ النِّكَاحِ) فَيَجُوزُ بَلْ يُسَنُّ إذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا وَرَجَا رَجَاءً ظَاهِرًا أَنَّهُ يُجَابُ إلَى خِطْبَتِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ «لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَقَدْ خَطَبَ امْرَأَةً: اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ» وَمَعْنَى يُؤْدَمُ يَدُومُ قُدِّمَتْ الْوَاوُ عَلَى الدَّالِ وَقِيلَ مِنْ الْإِدَامِ مَأْخُوذٌ مِنْ إدَامِ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ يَطِيبُ بِهِ حَكَى الْأَوَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالثَّانِيَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَوَقْتُ النَّظَرِ قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَبَعْدَ الْعَزْمِ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْعَزْمِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَبَعْدَ الْخِطْبَةِ قَدْ يُفْضِي الْحَالُ إلَى التَّرْكِ فَيَشُقُّ عَلَيْهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ النَّظَرُ عَلَى إذْنِهَا وَلَا إذْنِ وَلِيِّهَا اكْتِفَاءً بِإِذْنِ الشَّارِعِ، وَلِئَلَّا تَتَزَيَّنَ فَيَفُوتُ غَرَضُهُ. وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ هَيْئَتَهَا فَلَا يَنْدَمُ بَعْدَ النِّكَاحِ. وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ الْحَاجَةُ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَسَوَاءٌ أَكَانَ بِشَهْوَةٍ أَمْ بِغَيْرِهَا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالرُّويَانِيُّ وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي نَظَرِهِ بِشَهْوَةٍ نَظَرٌ وَيَنْظُرُ فِي الْحُرَّةِ (إلَى) جَمِيعِ (الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ظَهْرًا وَبَطْنًا؛ لِأَنَّهُمَا مَوَاضِعُ مَا يَظْهَرُ مِنْ الزِّينَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى:{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْحِكْمَةُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِعِبَارَةِ، وَضَمَّنَ الْعِبَارَةَ مَعْنَى التَّعْبِيرِ فَعَدَّاهَا بِالْبَاءِ، وَإِلَّا فَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: وَهِيَ مَا فَوْقَ إلَخْ. قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ مَا لَا يُبَاحُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ) آدَمِيًّا أَوْ جَمَادًا.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّ النَّظَرَ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ " مُطْلَقًا " فَإِنَّهُ شَامِلٌ حَتَّى لِلنَّظَرِ لِلنِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (الْمَسْنُونُ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِأَجْلِ الْإِضْرَابِ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَا رَجَاءً ظَاهِرًا أَنَّهُ يُجَابُ إلَى خِطْبَتِهِ) وَإِنْ اسْتَوَتْ الْإِجَابَةُ وَعَدَمُهَا فَفِيهِ احْتِمَالَانِ، وَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ سم. وَيُشْتَرَطُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنْ تَكُونَ خَلِيَّةً عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ.
تَنْبِيهٌ لَوْ رَأَى امْرَأَتَيْنِ مَعًا مِمَّنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُمَا فِي النِّكَاحِ لِيُعْجِبَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا يَتَزَوَّجُهَا جَازَ؛ وَلَا وَجْهَ لِمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ مِنْ الْحُرْمَةِ. وَيُؤَيِّدُ مَا نُقِلَ مَا لَوْ خَطَبَ خَمْسًا مَعًا حَيْثُ تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ حَتَّى يَخْتَارَ شَيْئًا اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ خَطَبَ) أَيْ عَزَمَ وَأَرَادَ خِطْبَتَهَا. وَعِبَارَةُ حَجّ الْهَيْثَمِيِّ فِي كِتَابِهِ الْإِفْصَاحِ فِي أَحَادِيثِ النِّكَاحِ نَصُّهَا عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ» أَيْ أَرَادَ خِطْبَتَهَا، بِدَلِيلِ رِوَايَةٍ أُخْرَى:«فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ.
وَرَوَى أَبُو يَعْلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَلْيَسْأَلْ عَنْ شَعْرِهَا فَإِنَّهُ أَحَدُ الْجَمَالَيْنِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ النَّجَّارِ وَغَيْرُهُ «عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ خَطَبْت جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي: رَأَيْتهَا؟ فَقُلْت: لَا فَقَالَ: فَانْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» أَيْ تَدُومَ الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ. «فَأَتَيْتهمْ فَذَكَرْت ذَلِكَ إلَى وَالِدَيْهَا فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ فَقُمْت فَخَرَجْت، فَقَالَتْ الْجَارِيَةُ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ فَوَقَفْت نَاحِيَةَ خِدْرِهَا فَقَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَك أَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ فَانْظُرْ وَإِلَّا فَأَنَا أُحَرِّجُ عَلَيْك أَنْ تَنْظُرَ، فَنَظَرْت إلَيْهَا فَتَزَوَّجْتهَا فَمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً قَطُّ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْهَا وَلَا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْهَا، وَقَدْ تَزَوَّجْت سَبْعِينَ امْرَأَةً» .
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ النَّظَرَ أَحْرَى أَيْ أَحَقُّ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَى يُؤْدَمَ) يَدُومَ قُدِّمَتْ الْوَاوُ عَلَى الدَّالِ وَفُتِحَتْ الدَّالُ فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْوَاوِ وَعَلَى الثَّانِي بِالْهَمْزَةِ
قَوْلُهُ وَقِيلَ مِنْ الْإِدَامِ عِبَارَةُ م ر وَقِيلَ مِنْ الْأُدْمِ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ الطَّعَامَ قَوْلُهُ: (وَوَقْتُ النَّظَرِ إلَخْ) قَالَ م ر وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بَقَاءُ نَدْبِ النَّظَرِ وَإِنْ خَطَبَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ أَيْ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ بَعْدَ الْخِطْبَةِ أَيْضًا وَفِي حَاشِيَةِ ح ل فَهُوَ بَعْدَ الْخِطْبَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ بَلْ هُوَ جَائِزٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ وَلَا يَتَقَيَّدُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَنَّهُ إذَا اكْتَفَى بِمَرَّةٍ حَرُمَ مَا زَادَ اهـ م د وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّظَرَ بَعْدَ الْخِطْبَةِ قِيلَ إنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَقِيلَ مُبَاحٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ قَوْلُهُ: (اكْتِفَاءً بِإِذْنِ الشَّارِع) عِبَارَةُ
فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ أَنَّ فِي الْوَجْهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْجَمَالِ وَفِي الْيَدَيْنِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى خِصْبِ الْبَدَنِ، أَمَّا الْأَمَةُ وَلَوْ مُبَعَّضَةً فَيُنْظَرُ مِنْهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَقَالَ إنَّهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ نَظَرُهُ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ بَعَثَ امْرَأَةً أَوْ نَحْوَهَا تَتَأَمَّلُهَا وَتَصِفُهَا لَهُ، وَيَجُوزُ لِلْمَبْعُوثِ أَنْ يَصِفَ لِلْبَاعِثِ زَائِدًا عَلَى مَا يَنْظُرُ فَيَسْتَفِيدُ بِالْبَعْثِ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ بِنَظَرِهِ، وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا أَنْ تَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ غَيْرَ عَوْرَتِهِ إذَا أَرَادَتْ تَزْوِيجَهُ فَإِنَّهَا يُعْجِبُهَا مِنْهُ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا وَتَسْتَوْصِفُ كَمَا مَرَّ فِي الرَّجُلِ.
تَنْبِيهٌ قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَنْظُرُ مِنْ الْآخَرِ مَا عَدَا عَوْرَةَ الصَّلَاةِ وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ فَلَا يَجُوزُ إذْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
م ر وَلَمْ يُنْظَرْ لِاشْتِرَاطِ إذْنِ مَالِكِ أَمْرِهَا كَأَنَّهُ لِمُخَالَفَةِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعِبَارَةُ النَّسَّابَةِ ثُمَّ الْمَنْظُورُ مِنْهَا الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَلَا يُنْظَرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقِيلَ يُنْظَرُ إلَى الْمَفْصِلِ وَقِيلَ يُنْظَرُ إلَيْهِمَا نَظَرَ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ اهـ قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْحِكْمَةُ تُوجَدُ فِي الْأَمَةِ فَمُقْتَضَاهَا أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ مِنْ الْأَمَةِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ كَالْحُرَّةِ لِلْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهَا قَالَ أَهْلُ الْفِرَاسَةِ وَالْخِبْرَةِ بِالنِّسَاءِ إذَا كَانَ فَمُ الْمَرْأَةِ وَاسِعًا كَانَ فَرْجُهَا وَاسِعًا وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا كَانَ فَرْجُهَا صَغِيرًا ضَيِّقًا وَإِنْ كَانَ شَفَتَاهَا غَلِيظَتَيْنِ كَانَ إسْكَتَاهَا غَلِيظَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ شَفَتَاهَا رَقِيقَتَيْنِ كَانَ إسْكَتَاهَا رَقِيقَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ السُّفْلَى رَقِيقَةً كَانَ فَرْجُهَا صَغِيرًا وَإِنْ كَانَ لِسَانُهَا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ كَانَ فَرْجُهَا جَافًّا مِنْ الرُّطُوبَةِ وَإِنْ كَانَ لِسَانُهَا مَقْطُوعَ الرَّأْسِ كَانَ فَرْجُهَا كَثِيرَ الرُّطُوبَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَدْبَاءَ الْأَنْفِ فَهِيَ قَلِيلَةُ الْغَرَضِ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ مَا وَرَاءَ أُذُنِهَا مَخْسُوفًا فَإِنَّهَا شَدِيدَةُ الرَّغْبَةِ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَةَ الذَّقَنِ فَإِنَّ فَاتِحَةَ الْفَرْجِ قَلِيلَةُ الشَّعْرِ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةَ الذَّقَنِ فَإِنَّهَا غَامِضَةُ الْفَرْجِ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةَ الْوَجْهِ غَلِيظَةَ الْعُنُقِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِغَرِ الْعَجُزِ وَكِبَرِ الْفَرْجِ وَضِيقِهِ وَإِذَا كَثُرَ ظَاهِرُ شَحْمِ قَدَمِهَا وَبَدَنِهَا عَظُمَ فَرْجُهَا وَحَظِيَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ نَتِيئَةَ السَّاقَيْنِ فِي صَلَابَةٍ فَإِنَّهَا شَدِيدَةُ الشَّهْوَةِ لَا صَبْرَ لَهَا عَنْ الْجِمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ كَحِيلَةً كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْغُلْمَةِ وَضِيقِ الرَّحِمِ وَصِغَرُ الْعَجُزِ مَعَ عِظَمِ الْأَكْتَافِ يَدُلَّانِ عَلَى عِظَمِ الْفَرْجِ اهـ
قَوْلُهُ أَمَّا الْأَمَةُ إلَخْ فَإِنْ قُلْت لِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ هُنَا مَعَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي نَظَرِ الْفَحْلِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ عَلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ قُلْت لِأَنَّ النَّظَرَ هُنَا مَأْمُورٌ بِهِ وَإِنْ خِيفَ الْفِتْنَةُ فَأُنِيطَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ وَهُنَاكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً بِدَلِيلِ حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْحُرَّةِ وَبَدَنِهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ مَعَ التَّسْوِيَةِ فِي نَظَرِ الْفَحْلِ حَيْثُ يَحْرُمُ نَظَرُهُ لِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا وَلَوْ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً وَقَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ بِخِلَافِ الرَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِجَوَازِ نَظَرِ الْفَحْلِ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّةِ وَرُكْبَةِ الْأَمَةِ إنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ وَقَالَ أَيْضًا بِجَوَازِ نَظَرِهِ إلَى وَجْهِ الْحُرَّةِ وَكَفَّيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ فَسَوَّى بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا
قَوْلُهُ (وَقَالَ إنَّهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِمْ) أَيْ تَعْلِيلِهِمْ عَدَمَ حِلِّ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ قَوْلُهُ (بَعَثَ امْرَأَةً أَوْ نَحْوَهَا) كَالْمَمْسُوحِ وَالْمَحْرَمِ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ امْرَأَةً تَخْطُبُ لَهُ امْرَأَةً فَقَالَ اُنْظُرِي إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَعَرَاقِيبِهَا وَشُمِّي عَوَارِضَهَا» اهـ
قَوْلُهُ (زَائِدًا عَلَى مَا يَنْظُرُهُ) أَيْ الْبَاعِثُ كَالصَّدْرِ وَالْبَطْنِ وَالْعَضُدَيْنِ قَوْلُهُ (إذَا أَرَادَتْ تَزْوِيجَهُ) أَيْ تَزَوُّجَهُ قَوْلُهُ (وَتَسْتَوْصِفُ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ إذَا أَرْسَلَتْ وَاحِدًا تَسْأَلُ مِنْهُ عَنْ صِفَاتِهِ قَوْلُهُ (أَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ) أَيْ مِنْ الْخَاطِبِ وَالْمَخْطُوبَةِ وَسَمَّاهُمَا زَوْجَيْنِ نَظَرًا لِلْمَآلِ ق ل قَوْلُهُ (وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ) وَلَوْ لِأَعْمَى فَلَا يَجُوزُ لَهُ فَيُوَكِّلُ مَنْ نَظَرَ لَهُ وَخَرَجَ بِهَا أُخْتُهَا فَلَا يَجُوزُ نَظَرُهُ لَهَا مُطْلَقًا وَأَمَّا أَخُوهَا الْأَمْرَدُ أَوْ وَلَدُهَا إذَا كَانَ يُشْبِهُهَا فَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِشَهْوَةٍ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ
لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
(وَ) الضَّرْبُ (الْخَامِسُ النَّظَرُ لِلْمُدَاوَاةِ) كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاجٍ وَلَوْ فِي فَرْجٍ (فَيَجُوزُ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ فِي التَّحْرِيمِ حِينَئِذٍ حَرَجًا فَلِلرَّجُلِ مُدَاوَاةُ الْمَرْأَةِ وَعَكْسُهُ، وَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ إنْ جَوَّزْنَا خَلْوَةَ أَجْنَبِيٍّ بِامْرَأَتَيْنِ وَهُوَ الرَّاجِحُ. وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ امْرَأَةٍ يُمْكِنُهَا تَعَاطِي ذَلِكَ مِنْ امْرَأَةٍ وَعَكْسُهُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
كَالْخَطِيبِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر فِي مَبْحَثِ نَظَرِ الْأَمْرَدِ وَشَرْطُ الْحُرْمَةِ أَنْ لَا تَدْعُوَ إلَى نَظَرِهِ حَاجَةٌ فَإِنْ دَعَتْ كَمَا لَوْ كَانَ لِلْمَخْطُوبَةِ نَحْوُ وَلَدٍ أَمْرَدَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهَا وَسَمَاعُ وَصْفِهَا جَازَ لَهُ نَظَرُهُ إنْ بَلَغَهُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُسْنِ وَإِلَّا فَلَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ اهـ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ نَظَرُ أُخْتِهَا لَكِنْ إنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً فَيَنْبَغِي امْتِنَاعُ نَظَرِهَا بِغَيْرِ رِضَا زَوْجِهَا أَوْ ظَنِّ رِضَاهُ وَكَذَا بِغَيْرِ رِضَاهَا إنْ كَانَتْ عَزْبَاءَ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهَا وَمَصْلَحَةَ زَوْجِهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ هَذَا الْخَاطِبِ سم عَلَى حَجّ قَالَ ع ش وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَمْنِ الْفِتْنَةِ وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي الْمَخْطُوبَةِ نَفْسِهَا اهـ وَقَوْلُهُ (نَحْوُ وَلَدٍ) لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِهِ لِأَنَّ الْمُشَابَهَةَ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا تَقَعُ بَيْنَ نَحْوِ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا وَإِلَّا فَلَوْ بَلَغَهُ اسْتِوَاءُ الْمَرْأَةِ وَشَخْصٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهَا وَتَعَذَّرَتْ رُؤْيَتُهَا فَيَنْبَغِي جَوَازُ النَّظَرِ إلَيْهِ
قَوْلُهُ (وَسَمَاعُ وَصْفِهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ إرْسَالُ امْرَأَةٍ تَنْظُرُهَا لَهُ وَتَصِفُهَا لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ فَإِنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ كَالْمُعَايَنَةِ فَقَدْ يُدْرِكُ النَّاظِرُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ مَا تَقْصُرُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ (جَازَ لَهُ نَظَرُهُ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ رُؤْيَةِ الْأَمْرَدِ رِضَاهُ وَلَا رِضَا وَلِيِّهِ وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَرِ أُخْتِ الزَّوْجَةِ بِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ فِي نَظَرِ الْأَمْرَدِ مَا لَا يُتَسَامَحُ بِهِ فِي نَظَرِ الْمَرْأَةِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُعْتَمَدُ جَوَازَ نَظَرِ الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْفِتْنَةِ اهـ ع ش عَلَى م ر
قَوْلُهُ: (وَالْخَامِسُ النَّظَرُ لِلْمُدَاوَاةِ إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ شُرُوطِ النَّظَرِ لِأَجْلِ الْمُدَاوَاةِ سِتَّةٌ: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَظَرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَاتِّحَادُ الْجِنْسِ أَوْ فَقْدُهُ مَعَ حُضُورِ نَحْوِ مَحْرَمٍ وَفَقْدُ مُسْلِمٍ فِي حَقِّ مُسْلِمٍ وَالْمُعَالِجُ كَافِرٌ وَأَنْ يَكُونَ الطَّبِيبُ أَمِينًا وَأَنْ يَأْمَنَ الِافْتِتَانَ وَوُجُودُ مُطْلَقِ الْحَاجَةِ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَتَأَكُّدُهَا فِيمَا عَدَا السَّوْأَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَمَزِيدُ تَأَكُّدِهَا فِي السَّوْأَتَيْنِ؛ وَزِيدَ سَابِعٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَكْشِفَ إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ وَلَا يُحْتَاجَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُغْنِي عَنْهُ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيُعْتَبَرُ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفِّ أَدْنَى حَاجَةٍ وَفِيمَا عَدَاهُمَا مُبِيحُ تَيَمُّمٍ إلَّا الْفَرْجَ وَقُرْبَهُ، فَيُعْتَبَرُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ اشْتِدَادُ الضَّرُورَةِ حَتَّى لَا يُعَدَّ الْكَشْفُ لِذَلِكَ هَتْكًا لِلْمُرُوءَةِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ " وَيُعْتَبَرُ فِي الْوَجْهِ " أَيْ مِنْ الْمَرْأَةِ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا) وَأَمَّا الْمَسُّ فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: (بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ) أَيْ لِلْمُعَالَجِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَحْرَمُ أُنْثَى إنْ كَانَ الْمُعَالَجُ أُنْثَى كَأَمَةٍ مَثَلًا لَا ذَكَرًا كَأَبِيهِ حَذَرًا مِنْ الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَأَمَّا مَحْرَمُ الْمُعَالَجَةِ فَيَكُونُ ذَكَرًا كَأَبِيهَا أَيْ إذَا كَانَ الْمُعَالَجُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى كَأُمِّهَا. قَوْلُهُ:(إنْ جَوَّزْنَا خَلْوَةَ أَجْنَبِيٍّ بِامْرَأَتَيْنِ) أَمَّا الْخَلْوَةُ بِأَمْرِ دِينٍ فَلَا تَجُوزُ أَصْلًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِيُ مِنْ الْأُخْرَى فَلَا تُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهَا بِحَضْرَتِهَا، بِخِلَافِ الْأَمْرَدِ فَإِنَّهُ قَدْ يُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهِ بِحَضْرَةِ آخَرَ. وَعِبَارَةُ حَجّ: وَحَلَّ خَلْوَةُ رَجُلٍ بِامْرَأَتَيْنِ ثِقَتَيْنِ وَلَيْسَ الْأَمْرَدَانِ كَالْمَرْأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا عَلَّلُوا بِهِ مِنْ اسْتِحْيَاءِ كُلٍّ بِحَضْرَةِ الْأُخْرَى لَا يَأْتِي فِي الْأَمْرَدَيْنِ اهـ. قَالَ سم: قَدْ يُقَالُ بَلْ يَأْتِي؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ قَدْ لَا يَسْتَحْيِ بِحَضْرَةِ مِثْلِهِ إذَا كَانَ فَاعِلًا وَيَسْتَحْيِ إذَا كَانَ مَفْعُولًا.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ امْرَأَةٍ يُمْكِنُهَا تَعَاطِي ذَلِكَ) رَتَّبَ الْبُلْقِينِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ: فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَصَبِيٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ مُرَاهِقٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَصَبِيٌّ غَيْرُ مُرَاهِقٍ كَافِرٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَامْرَأَةٌ كَافِرَةٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَمَحْرَمُهَا الْمُسْلِمُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَمَحْرَمُهَا الْكَافِرُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَأَجْنَبِيٌّ مُسْلِمٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَأَجْنَبِيٌّ كَافِرٌ اهـ. وَالْمُتَّجَهُ تَأْخِيرُ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ عَنْ الْمَحْرَمِ بِقِسْمَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ. وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
وَمَرْأَةٌ تَقَدَّمَتْ عَلَى الصَّبِيِّ
…
غَيْرِ مُرَاهِقٍ بِإِسْلَامٍ حَيِّ
زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ ذِمِّيًّا مَعَ وُجُودِ مُسْلِمٍ وَقِيَاسُهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ لَا تَكُونَ كَافِرَةً أَجْنَبِيَّةً مَعَ وُجُودِ مُسْلِمَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ لِعِلَاجِ الْمَرْأَةِ إلَّا كَفَّارَةً وَمُسْلِمًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تُقَدَّمُ؛ لِأَنَّ نَظَرَهَا وَمَسَّهَا أَخَفُّ مِنْ الرَّجُلِ، بَلْ الْأَشْبَهُ عَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهَا تَنْظُرُ مِنْهَا مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ. وَقُيِّدَ فِي الْكَافِي الطَّبِيبُ بِالْأَمِينِ فَلَا يُعْدَلُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ وُجُودِهِ. وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنْ يَأْمَنَ الِافْتِتَانَ وَلَا يَكْشِفَ إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَفِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ نَظَرُ الْخَاتِنِ إلَى فَرْجِ مَنْ يَخْتِنُهُ 53 وَنَظَرُ الْقَابِلَةِ إلَى فَرْجِ الَّتِي تُوَلِّدُهَا، وَيُعْتَبَرُ فِي النَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مُطْلَقُ الْحَاجَةِ وَفِي غَيْرِهِمَا مَا عَدَا السَّوْأَتَيْنِ تَأَكُّدُهَا بِأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ كَشِدَّةِ الضَّنَا، وَفِي السَّوْأَتَيْنِ مَزِيدُ تَأَكُّدِهَا بِأَنْ لَا يُعَدَّ الْكَشْفُ بِسَبَبِهَا هَتْكًا لِلْمُرُوءَةِ.
(وَ) الضَّرْبُ (السَّادِسُ النَّظَرُ لِلشَّهَادَةِ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً أَوْ لِلْمُعَامَلَةِ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ (فَيَجُوزُ) حَتَّى يَجُوزَ فِي الشَّهَادَةِ النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَالْوِلَادَةِ، وَإِلَى الثَّدْيِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَإِذَا نَظَر إلَيْهَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا كُلِّفَتْ الْكَشْفَ عَنْ وَجْهِهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ إنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فِي نِقَابِهَا، فَإِنْ عَرَفَهَا لَمْ يُفْتَقَرْ إلَى الْكَشْفِ بَلْ يَحْرُمْ النَّظَرُ حِينَئِذٍ. وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى عَانَةِ وَلَدِ الْكَافِرِ لِيَنْظُرَ هَلْ نَبَتَتْ أَوْ لَا، وَيَجُوزُ لِلنِّسْوَةِ أَنْ يَنْظُرْنَ إلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَبَالَتَهُ وَامْتَنَعَتْ عَنْ التَّمْكِينِ.
تَنْبِيهٌ هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، فَإِنْ خَافَهَا لَمْ يَنْظُرْ إلَّا إنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيَنْظُرُ وَيَضْبِطُ نَفْسَهُ، وَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَةِ فَيَنْظُرُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَكَافِرٌ كَذَا فَإِنْ تَعَذَّرَا
…
فَمَحْرَمٌ إسْلَامُهُ تَقَرَّرَا
فَكَافِرٌ عَلَى الْأَصَحِّ مَحْرَمُ
…
فَمَرْأَةٌ بِالْكُفْرِ بَعْدُ تُعْلَمُ
فَأَجْنَبِيٌّ مُسْلِمٌ وَبَعْدَهُ
…
فَتًى مِنْ الْكُفْرِ يَا ذَا عُدَّهُ
وَإِنْ كَانَتْ فِي أَمْرَدَ يُقَدَّمُ مَنْ يَحِلُّ نَظَرُهُ إلَيْهِ فَغَيْرُ مُرَاهِقٍ فَمُرَاهِقٌ فَمُسْلِمٌ بَالِغٌ فَكَافِرٌ مَحْرَمٌ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْجِنْسُ عَلَى غَيْرِهِ وَيُقَدَّمُ الْمَحْرَمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ مَنْ نَظَرُهُ أَكْثَرُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ عِنْدَ اتِّحَادِ النَّظَرِ الْجِنْسُ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ الْمَحْرَمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمُوَافِقُ فِي الدِّينِ عَلَى غَيْرِهِ وَهَكَذَا. فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَالَجَ الْأَجْنَبِيَّ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ مِنْ حُضُورِ نَحْوِ مَحْرَمٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ امْرَأَةٍ)" مِنْ " بِمَعْنَى " فِي " وَقَوْلُهُ: " وَعَكْسُهُ " بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " عَدَمُ " أَيْ وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ رَجُلٍ يُمْكِنُهُ تَعَاطِي ذَلِكَ فِي رَجُلٍ، أَيْ إذَا كَانَ الْمُدَاوَى رَجُلًا وَالْمُدَاوِي امْرَأَةً يُشْتَرَطُ عَدَمُ رَجُلٍ يُدَاوِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَكُونَ ذِمِّيًّا إلَخْ) وَلَوْ كَانَ الذِّمِّيُّ حَاذِقًا.
قَوْلُهُ: (إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ) مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَغُضَّ الْبَصَرَ، أَمَّا إذَا غَضَّ الْبَصَرَ فَيَنْبَغِي جَوَازُ كَشْفِ بَقِيَّةِ الْعُضْوِ الزَّائِدِ عَلَى الْحَاجَةِ سم مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ النَّظَرِ لِلْمُدَاوَاةِ. وَقَوْلُهُ: " نَظَرُ الْخَاتِنِ إلَخْ " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدَاوَاةٌ
قَوْلُهُ: (النَّظَرُ لِلشَّهَادَةِ) وَيَنْبَغِي جَوَازُ تَكْرِيرِ النَّظَرِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي الضَّبْطِ اهـ سم قَوْلُهُ: (تَحَمُّلًا) بِأَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ اقْتَرَضَتْ مِنْ فُلَانٍ كَذَا مَثَلًا وَأَدَاءً بِأَنْ يُؤَدِّيَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَيَجُوزُ النَّظَرُ لَا الْمَسُّ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ. قَوْلُهُ:(لِلْمُعَامَلَةِ) مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ فَإِذَا بَاعَ لِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَعْرِفْهَا نَظَرَ لِوَجْهِهَا خَاصَّةً لِيَرُدَّ عَلَيْهَا الثَّمَنَ بِالْعَيْبِ، وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ لِوَجْهِهِ لِتَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَى الثَّدْيِ) أَيْ وَإِنْ تَيَسَّرَ وُجُودُ نِسَاءٍ أَوْ مَحَارِمَ يَشْهَدُونَ فِيمَا يَظْهَرُ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي الْمُعَالَجَةِ بِأَنَّ النِّسَاءَ نَاقِصَاتٌ وَقَدْ لَا يَقْبَلْنَ وَالْمَحَارِمَ قَدْ لَا يَشْهَدُونَ، وَأَيْضًا فَقَدْ وَسَّعُوا هُنَا اعْتِنَاءً بِالشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فِي نِقَابِهَا) كَالْبُرْقُعِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (هَذَا كُلُّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ فِي الشَّهَادَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ رُجُوعُهُ لِلْمُعَامَلَةِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَبَالَتَهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْعَبَالَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً) أَوْ شَهْوَةً.
قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ تَعَيَّنَ) كَذَا فِي نُسَخٍ، وَفِي بَعْضِهَا: إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ أَيْ
إلَى الْوَجْهِ فَقَطْ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
(وَ) الضَّرْبُ (السَّابِعُ النَّظَرُ إلَى) بَدَنِ (الْأَمَةِ عِنْدَ ابْتِيَاعِهَا) أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا رَجُلٌ أَوْ إلَى بَدَنِ عَبْدٍ إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَهُ امْرَأَةٌ (فَيَجُوزُ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى تَقْلِيبِهَا) فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ اشْتَرَتْ امْرَأَةٌ عَبْدًا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا يُزَادُ عَلَى النَّظْرَةِ الْوَاحِدَةِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى ثَانِيَةٍ لِلتَّحَقُّقِ فَيَجُوزُ.
تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ النَّظَرِ إلَى أَشْيَاءَ اخْتِصَارًا: مِنْهَا النَّظَرُ إلَى التَّعْلِيمِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ، وَاخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَقَالَ السُّبْكِيُّ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ كَالْفَاتِحَةِ، وَمَا يَتَعَيَّنُ تَعْلِيمُهُ مِنْ الصَّنَائِعِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا بِشَرْطِ التَّعَذُّرِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي الْمَنْعَ وَمِنْهُمْ النَّوَوِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي الصَّدَاقِ: وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ فَطَلَّقَ قَبْلَهُ، فَالْأَصَحُّ تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ. وَقَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: وَهُوَ أَيْ التَّعْلِيمُ لِلْأَمْرَدِ خَاصَّةً لِمَا سَيَأْتِي، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ لِلْأَمْرَدِ وَغَيْرِهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الشَّاهِدُ أَيْ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. قَالَ م ر: قَالَ السُّبْكِيُّ وَمَعَ ذَلِكَ يَأْثَمُ بِالشَّهْوَةِ وَإِنْ أُثِيبَ عَلَى التَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ ذُو وَجْهَيْنِ، لَكِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ فَبَحَثَ الْحِلَّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا يَنْفَكُّ عَنْ النَّظَرِ، فَلَا يُكَلَّفُ الشَّاهِدُ بِإِزَالَتِهَا وَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا كَمَا لَا يُؤَاخَذُ الزَّوْجُ بِمَيْلِهِ لِبَعْضِ نِسْوَتِهِ وَالْحَاكِمُ بِمَيْلِهِ لِبَعْضِ الْخُصُومِ؛ وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بِاخْتِيَارِهِ. وَالثَّانِي عَلَى خِلَافِهِ. وَقَوْلُهُ:" يَأْثَمُ إلَخْ " أَيْ وَهُوَ صَغِيرَةٌ فَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا فَقَطْ، وَقَوْلُهُ:" فِعْلٌ ذُو وَجْهَيْنِ " أَيْ يُثَابُ مِنْ جِهَةِ التَّحَمُّلِ وَيُعَاقَبُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ:" إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ " رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً فِي غَيْرِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَيُّنُ فِي التَّحَمُّلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلشَّاهِدِ التَّسَتُّرُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «إنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ السِّتِّيرِينَ» وَعِنْدَ الْأَدَاءِ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ تَحَمُّلٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَةِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَةِ. قَوْلُهُ: (فَيَنْظُرُ إلَى الْوَجْهِ فَقَطْ) أَيْ جَمِيعِهِ مَا لَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَتُهَا بِبَعْضِهِ ح ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ إلَى بَدَنِ عَبْدٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا دَخِيلٌ هُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ لَا عَكْسِهِ، وَقَدْ يُقَالُ ذَكَرَهُ لِلْمُنَاسَبَةِ. قَوْلُهُ:(فَيَجُوزُ إلَى الْمَوَاضِعِ إلَخْ) أَيْ بِلَا شَهْوَةٍ وَلَا خَوْفِ فِتْنَةٍ وَلَا خَلْوَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ سم، وَأَمَّا الْمَسُّ فَلَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اشْتَرَتْ امْرَأَةٌ إلَخْ) لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ أَيْ وَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إذَا اشْتَرَتْ عَبْدًا إلَخْ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا دَخِيلٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ:(إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى ثَانِيَةٍ) أَيْ أَوْ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ) أَيْ شُرَّاحُ الْمِنْهَاجِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، أَيْ فِي مَعْنَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ هُنَا حَيْثُ ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ مَعَ ذِكْرِهِ فِي بَابِ الصَّدَاقِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ النَّظَرِ لِلتَّعْلِيمِ، حَيْثُ قَالَ وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ إلَخْ. فَتَنَاقَضَ كَلَامُهُ. فَأَجَابَ السُّبْكِيُّ عَنْهُ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى تَعْلِيمِ مَا يَجِبُ وَمَا فِي الصَّدَاقِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَجَابَ الْمَحَلِّيُّ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى تَعْلِيمِ الْأَمْرَدِ خَاصَّةً وَمَا فِي بَابِ الصَّدَاقِ عَلَى تَعْلِيمِ الْمَرْأَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ إلَخْ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ: " وَالْمُعْتَمَدُ إلَخْ " إشَارَةً إلَى جَوَابٍ آخَرَ حَاصِلُهُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ وَالْمَحَلِيُّ، بِحَيْثُ يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمَرْأَةَ وَالْأَمْرَدَ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الصَّدَاقِ مِنْ مَنْعِ تَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَنْعَ لِمَعْنًى فِيهَا لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِهَا، فَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِهَا فَلَا تَنَافِيَ. اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا يَجِبُ) أَيْ وَفِيمَا يُبَاحُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَتَعَيَّنُ) أَيْ يَجِبُ وُجُوبًا كِفَائِيًّا؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ الصَّنَائِعِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا فَرْضُ عَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ التَّعَذُّرِ) أَيْ وَبِشَرْطِ الْعَدَالَةِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ. وَفِي شَرْحِ م ر: وَيُتَّجَهُ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ فِي الْأَمْرَدِ وَمُعَلِّمِهِ كَالْمَمْلُوكِ بَلْ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَطَلَّقَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ التَّعْلِيمِ ثُمَّ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَنِصْفُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّعْلِيمَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهَا أَمَّا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَعَذُّرَ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَيْ التَّعْلِيمُ) أَيْ تَعْلِيمُ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، أَيْ جَوَازُ النَّظَرِ إلَيْهِ. . قَوْلُهُ (وَيُشِيرُ بِذَلِكَ) أَيْ بِقَوْلِهِ لِمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (إلَى
مَنْدُوبًا. وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ تَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ تَعَلَّقَتْ آمَالُهُ بِالْآخَرِ فَصَارَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا طَمَعَةٌ فِي الْآخَرِ فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى مَحَارِمِهَا وَحُكْمُهُ كَعَكْسِهِ، فَتَنْظُرُ مِنْهُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ. وَمِنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَنَظَرِهِ إلَيْهَا وَمِنْهَا نَظَرُ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ، فَيَحِلُّ بِلَا شَهْوَةٍ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ فَيَحْرُمُ، وَمِنْهَا نَظَرُ الْأَمْرَدِ وَهُوَ الشَّابُّ الَّذِي لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ أَسَنَّ وَلَا شَعْرَ بِوَجْهِهِ أَمْرُدُ بَلْ يُقَالُ لَهُ ثَطٌّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ أَنَّهُ لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ فَالْأَصَحُّ تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهَا، أَيْ تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ لَهَا شَرْعًا. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرًا فِيهِ كُلْفَةٌ، فَلَوْ أَصْدَقَهَا سُورَةً قَصِيرَةً أَوْ آيَاتٍ يَسِيرَةً يُمْكِنُ تَعَلُّمُهَا فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ لَمْ يَتَعَذَّرْ التَّعْلِيمُ. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ تُشْتَهَى، فَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى لَمْ يَتَعَذَّرْ التَّعْلِيمُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ لِلْأَمْرَدِ وَغَيْرِهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " تَحْرِيرِ الْمَقَالِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مُؤَدِّبُ الْأَطْفَالِ ": وَيَتَأَكَّدُ عَلَى الْمُعَلِّمِ صَوْنُ نَظَرِهِ عَنْ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ مَا أَمْكَنَ وَإِنْ جَازَ لَهُ بِأَنْ كَانَ لِمَحْضِ التَّعْلِيمِ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا خَوْفِ فِتْنَةٍ؛؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّاهُ إلَى رِيبَةٍ أَوْ فِتْنَةٍ فَيَتَعَيَّنُ فَطْمُ النَّفْسِ عَنْهُ مَا أَمْكَنَ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّتِنَا قَالُوا لَا يَجُوزُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ إلَّا إنْ كَانَ فَرْضًا عَيْنِيًّا كَالْفَاتِحَةِ بِخِلَافِ غَيْرِ تَعْلِيمِ الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَتَبِعْتهمْ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَقَالَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ: كَشَفْت كُتُبَ الْمَذْهَبِ فَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا جَوَازُ التَّعْلِيمِ إلَّا لِلْوَاجِبِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (طَمَعَةٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ اسْمٌ لِلْمَرَّةِ مِنْ الطَّمَعِ وَفِي الْقَامُوسِ طَمِعَ فِيهِ وَبِهِ كَفَرِحَ طَمَعًا وَطَمَاعًا وَطَمَاعِيَةً حَرَصَ عَلَيْهِ فَهُوَ طَامِعٌ وَطَمِعٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى مَحَارِمِهَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا نَظَرُ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ) أَيْ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ بِلَا شَهْوَةٍ اتِّفَاقًا. وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ مِنْ ذَلِكَ فَخِذُ الرَّجُلِ بِشَرْطِ حَائِلٍ وَأَمْنِ فِتْنَةٍ. وَأُخِذَ مِنْهُ حِلُّ مُصَافَحَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ ذَيْنِك أَيْ مَعَ الْحَائِلِ وَأَمْنِ الْفِتْنَةِ، وَأَفْهَمَ تَخْصِيصُهُ الْحِلَّ مَعَهُمَا بِالْمُصَافَحَةِ حُرْمَةَ مَسِّ غَيْرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَلَوْ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِأَحَدِهِمَا كَالنَّظَرِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْحَقُ بِهَا الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُهُمْ حُرْمَةَ مُعَانَقَتِهِ الشَّامِلَةِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ اهـ م ر. وَارْتَضَاهُ النُّورُ الزِّيَادِيُّ، لَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى حَائِلٍ رَقِيقٍ أَمَّا لَوْ كَانَ حَائِلًا كَثِيفًا فَلَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا نَظَرُ الْأَمْرَدِ) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا بِشَهْوَةٍ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَنَظَرُ الْأَمْرَدِ أَشَدُّ إثْمًا مِنْ نَظَرِ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ مِنْ أَكَابِرِ السَّلَفِ: لَا تُجَالِسُوا أَوْلَادَ الْأَغْنِيَاءِ فَإِنَّ لَهُمْ صُوَرًا كَصُوَرِ الْعَذَارَى وَهُمْ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ النِّسَاءِ، قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: مَا أَنَا بِأَخْوَفَ عَلَى الشَّابِّ النَّاسِكِ مِنْ سَبُعٍ ضَارٍ مِنْ الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ يَقْعُدُ إلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ مَعَ أَمْرَدَ فِي مَكَان وَاحِدٍ. وَحَرَّمَ الْعُلَمَاءُ الْخَلْوَةَ مَعَ الْأَمْرَدِ فِي بَيْتٍ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ حَمَّامٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» وَفِي الْمُرْدِ مَنْ يَفُوقُ النِّسَاءَ لِحُسْنِهِ وَالْفِتْنَةُ بِهِ أَعْظَمُ؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعَهُ مِنْ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ وَالْقَبَائِحِ مَا لَا يُمْكِنُ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَسْهُلُ فِي حَقِّهِ مِنْ طُرُقِ الرِّيبَةِ مَا لَا يَسْهُلُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَكَانَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى وَأَلْيَقَ وَبِالزَّجْرِ عَنْ مُخَالَطَتِهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ أَحَقَّ.
وَأَقَاوِيلُ السَّلَفِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ. وَمِنْ الْوُقُوعِ فِي فِتْنَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَكَانُوا - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يُسَمُّونَ الْمُرْدَ الْأَنْتَانَ وَالْجِيَفَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ وَالدِّينَ الْوَاضِحَ الْمُنِيفَ اسْتَقْذَرَ النَّظَرَ إلَيْهِمْ وَمَنَعَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَالْخَلْوَةِ بِهِمْ لِأَدَائِهَا إلَى الْقَبِيحِ الَّذِي لَا قُبْحَ فَوْقَهُ وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ نَظَرُ الصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُعَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَلَا تَرَى إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَيَكْفِيك بِهِ مِنْ إمَامٍ وَعَالِمٍ وَصَالِحٍ بَلْ انْتَهَتْ إلَيْهِ فِي زَمَنِهِ رِيَاسَةُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَمَعَ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي الْحَمَّامِ أَمْرَدُ حَسَنُ الْوَجْهِ فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ عَنِّي فَإِنِّي أَرَى مَعَ كُلِّ امْرَأَةٍ شَيْطَانًا وَمَعَ كُلِّ أَمْرَدَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَيْطَانًا اهـ ابْنُ حَجَرٍ. وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَعَهُ صَبِيٌّ فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا مِنْك؟ فَقَالَ: ابْنُ أَخِي، فَقَالَ: لَا تَجِئْ بِهِ إلَيْنَا مَرَّةً أُخْرَى وَلَا تَمْشِ مَعَهُ بِطَرِيقٍ لِئَلَّا يَظُنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُك وَلَا تَعْرِفُهُ سُوءًا. وَرُوِيَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -
بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَمْرَدِ كَمَا مَرَّ بَلْ النَّظَرُ إلَى الْمُلْتَحِي وَإِلَى النِّسَاءِ الْمَحَارِمِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ قَطْعًا. وَضَابِطُ الشَّهْوَةِ فِيهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَأَثَّرَ بِجَمَالِ صُورَةِ الْأَمْرَدِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ مِنْ نَفْسِهِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُلْتَحِي، فَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ وَلَوْ انْتَفَتْ الشَّهْوَةُ وَخِيفَ الْفِتْنَةُ حَرُمَ النَّظَرُ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَيْسَ الْمَعْنَى بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِوُقُوعِهَا، بَلْ يَكْفِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ نَادِرًا، وَأَمَّا نَظَرُهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا خَوْفِ فِتْنَةٍ فَيَحْرُمُ عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَيْضًا وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ. وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى الْأَمَةِ وَهِيَ كَالْحُرَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَكَانَ فِيهِمْ أَمْرَدُ وَهُوَ حَسَنٌ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَلْفَ ظَهْرِهِ وَقَالَ: إنَّمَا كَانَتْ فِتْنَةُ دَاوُد مِنْ النَّظَرِ» وَكَانَ يَقُولُ: «النَّظَرُ بَرِيدُ الزِّنَا» وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ: «إنَّهُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَحْرُمُ صُحْبَةُ الْمُرْدِ وَالْأَحْدَاثِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْآفَاتِ، وَمَنْ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ صَحِبَهُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَحِفْظِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ فِي مُعَاشَرَتِهِمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَى الرِّيَاضَةِ وَالتَّأْدِيبِ وَمُجَانَبَةِ الِانْبِسَاطِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَغْبَةُ الصِّغَارِ فِي صُحْبَةِ الْكِبَارِ تَوْفِيقٌ مِنْ اللَّهِ عز وجل وَفِطْنَةٌ وَسَعَادَةٌ، وَرَغْبَةُ الْكِبَارِ فِي صُحْبَةِ الصِّغَارِ حُمْقٌ وَخِذْلَانٌ وَخَسَارَةٌ وَحِرْمَانٌ وَفِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ؛ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْقَبِيلِ:
تَاللَّهِ مَا الْمُرْدُ مُرَادِي مَذْهَبًا
…
وَإِنَّنِي عَنْ حُبِّهِمْ بِمَعْزِلِ
وَمَذْهَبِي حُبُّ النِّسَاءِ وَإِنَّهُ
…
لَمَذْهَبٌ مُهَذَّبٌ قَوْلٌ جَلِيّ
وَلِقَائِلٍ:
لَا تَصْحَبَنَّ أَمْرَدًا يَا ذَا النُّهَى
…
وَاتْرُكْ هَوَاهُ وَارْتَجِعْ عَنْ صُحْبَتِهْ
فَهُوَ مَحَلُّ النَّقْصِ دَوْمًا وَالْبَلَا
…
كُلُّ الْبَلَاءِ أَصْلُهُ مِنْ فِتْنَتِهْ
وَقَالَ آخَرُ:
لَا تَرْتَجِي أَمْرَدًا يَوْمًا عَلَى ثِقَةٍ
…
مِنْ حُسْنِهِ طَامِعًا فِي الْخَصْرِ وَالْكَفَلِ
فَذَاكَ دَاءٌ عُضَالٌ لَا دَوَاءَ لَهُ
…
يَسْتَجْلِبُ الْهَمَّ بِالْأَسْقَامِ وَالْعِلَلِ
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الشَّابُّ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الضَّابِطُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَغِيرَةً لَاشْتُهِيَتْ. وَعِبَارَةُ ح ل: وَحَرُمَ نَظَرُ أَمْرَدَ أَيْ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْرَدَ مِثْلِهِ وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرَدِ مَنْ لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ وَلَمْ يَصِلْ إلَى أَوَانِ إنْبَاتِهَا غَالِبًا وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ صَغِيرَةً اُشْتُهِيَتْ. وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ وَلَوْ بِحَائِلٍ حَتَّى عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ، وَالْخَلْوَةُ فَتَحْرُمُ وَإِنْ حَلَّ النَّظَرُ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ شَعْرَ الْأَمْرَدِ كَبَاقِي بَدَنِهِ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى شَعْرِهِ الْمُنْفَصِلِ كَالْمُتَّصِلِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (الَّذِي لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ) بِأَنْ لَمْ تَصِلْ إلَى أَوَانِ إنْبَاتِهَا غَالِبًا أَيْ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ لِلنَّاسِ لَا نَفْسِهِ اهـ ز ي.
قَوْلُهُ: (أَسَنَّ) أَيْ كَبِرَ.
قَوْلُهُ: (وَضَابِطُ الشَّهْوَةِ فِيهِ إلَخْ) وَضَبْطُهَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِأَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ فَيُلْتَذَّ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ يَرْجِعُ إلَيْهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْفَرْقِ يَحْرُمُ النَّظَرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي الْهَرَمِ الَّذِي لَا لِحْيَةَ لَهُ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِ يَحْرُمُ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْفَرْقَ مَعَ تَأَثُّرِ ذِهْنِهِ وَقَلْبِهِ بِجَمَالِ صُورَتِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ م ر شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَيَحْرُمُ عِنْدَ النَّوَوِيِّ) أَيْ حَيْثُ لَا مَحْرَمِيَّةَ وَلَا مِلْكَ وَالْخَلْوَةُ كَالنَّظَرِ، فَإِذَا حَلَّ حَلَّتْ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِنَحْوِ تَعْلِيمٍ حَيْثُ يُشْتَرَطُ حُضُورُ مَحْرَمٍ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ اهـ. وَانْظُرْ مَا لَوْ كَانَ الْمُعَلِّمُ مَعْصُومًا كَالسَّيِّدِ عِيسَى عليه السلام هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَهُ وُجُودُ امْرَأَةٍ أُخْرَى إذَا كَانَ يُعَلِّمُ امْرَأَةً أَوْ لَا نَظَرًا لِكَوْنِهِ مَعْصُومًا؟ حَرِّرْهُ؛ الظَّاهِرُ لَا، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ فِي الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِطَبْعِ النَّاظِرِ فِيمَا يَظْهَرُ إذًا لَا يَكُونُ مَظِنَّةَ الْفِتْنَةِ إلَّا حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا جَمَالَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَمِيلُ إلَيْهَا فَنِيطَ بِالْأُنُوثَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَّا بِشَهْوَةٍ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ وَالْكَلَامُ فِي الْجَمِيلِ؛ هَكَذَا ذَكَرَهُ ز ي عَلَى الْمَنْهَجِ. وَقَوْلُهُ:
الْمُحَقِّقِينَ.
وَمِنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى مِثْلِهَا وَهُوَ كَنَظَرِ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ، وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَيُعَامَلُ بِالْأَشَدِّ فَيُجْعَلُ مَعَ النِّسَاءِ رَجُلًا وَمَعَ الرِّجَالِ امْرَأَةً إذَا كَانَ فِي سِنٍّ يَحْرُمُ فِيهِ نَظَرُ الْوَاضِحِ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ مِنْ الْمَجْمُوعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ وَلَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةٍ فَهُوَ مَعَهَا كَعَبْدِهَا وَمِنْهَا نَظَرُ الْكَافِرَةِ إلَى الْمُسْلِمَةِ فَهُوَ حَرَامٌ، فَتَحْتَجِبُ الْمُسْلِمَةُ عَنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور: 31] فَلَوْ جَازَ لَهَا النَّظَرُ لَمْ يَبْقَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه مَنْعُ الْكِتَابِيَّاتِ دُخُولَ الْحَمَّامِ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ هَذَا مَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ، وَالْأَشْبَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَرَى مِنْهَا مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي كَافِرَةٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ لِلْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لَهَا، أَمَّا هُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ إلَيْهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الْمَمْلُوكَةِ وَبَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي الْمُحْرِمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
تَتِمَّةٌ مَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي اللَّذَّةِ وَإِثَارَةِ الشَّهْوَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَسَّ فَأَنْزَلَ أَفْطَرَ، وَلَوْ نَظَرَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِالنِّسْبَةِ لِطَبْعِ النَّاظِرِ " أَيْ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ، وَقَالَ م ر: الْجَمَالُ الْوَصْفُ الْمُسْتَحْسَنُ عُرْفًا لِذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى الْأَمَةِ) فِيهِ أَنَّ الْأَمَةَ دَاخِلَةٌ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَقَوْلُ الْمَتْنِ أَحَدُهَا نَظَرُهُ إلَى أَجْنَبِيَّةٍ، فَغَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ شَامِلَةٌ لِلْأَمَةِ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهَا هُنَا؛ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ ذَكَرَهَا هُنَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهَا بِقَوْلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى مِثْلِهَا) أَيْ نَظَرُ امْرَأَةٍ، قَالَ الَأُجْهُورِيُّ: وَرَأَيْت فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ تَمِيلُ لِلنِّسَاءِ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ النِّسَاءِ وَأَيْدِيهِنَّ وَأَنْ تُضَاجِعَهُنَّ بِلَا حَائِلٍ كَمَا فِي الرِّجَالِ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَيَجْعَلُ مَعَ النِّسَاءِ رَجُلًا) فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهِنَّ وَنَظَرُهُنَّ إلَيْهِ وَمَعَ الرِّجَالِ امْرَأَةً فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ لَهُمْ وَمَعَ مُشْكِلٍ مِثْلِهِ الْحُرْمَةُ مِنْ كُلٍّ لِلْآخَرِ بِتَقْدِيرِهِ مُخَالِفًا لَهُ احْتِيَاطًا، وَإِنَّمَا غَسَّلَاهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِانْقِطَاعِ الشَّهْوَةِ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاحْتِيَاطِ مَعْنًى ح ل. وَقَوْلُهُ:" وَإِنَّمَا غَسَّلَاهُ " أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ وُجُودِ مَحْرَمٍ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ مَعَهَا كَعَبْدِهَا) أَيْ الْبَالِغِ إذَا كَانَا عَفِيفَيْنِ وَلَا كِتَابَةَ وَلَا شَرِكَةَ وَلَا تَبْعِيضَ أَيْ كَوْنُهُ مُبَعَّضًا، وَإِلَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إلَيْهِ. وَيُوَجَّهُ حِلُّ نَظَرِهِ لِمُكَاتَبَتِهِ دُونَهَا أَيْ دُونَ نَظَرِهَا بِأَنَّ نَظَرَ الرَّجُلِ لِأَمَتِهِ أَقْوَى مِنْ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى عَبْدِهَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ لِكُلِّ بَدَنِ أَمَتِهِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إنَّمَا تَنْظُرُ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ عَبْدِهَا، فَأَثَّرَتْ الْكِتَابَةُ فِي الثَّانِي لِضَعْفِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَمِثْلُ الْمُكَاتَبِ الْمُبَعَّضُ وَالْمُشْتَرَكُ ز ي. وَقَوْلُهُ:" إذَا كَانَا عَفِيفَيْنِ " عَنْ الزِّنَا؛ لَكِنْ اعْتَمَدَ م ر كَابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ لَا تَتَقَيَّدُ الْعِفَّةُ بِالزِّنَا بَلْ عَنْ مِثْلِ الْغِيبَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْعِفَّةِ الْعَدَالَةُ. وَعِبَارَةُ الَأُجْهُورِيُّ: وَهُمَا عَفِيفَانِ بِالْعَدَالَةِ فَلَا يَكْفِي الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) أَيْ الْمُؤْمِنَاتِ. وَقَوْلُهُ: " عِنْدَ الْمِهْنَةِ " أَيْ الْحَاجَةِ وَقَوْلُهُ: " وَهُوَ الظَّاهِرُ " مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (مَتَى حَرُمَ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَحَيْثُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ وَمَتَى حَرُمَ نَظَرٌ حَرُمَ مَسٌّ اهـ؛ أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْمِيمُ الْأَمْكِنَةِ. وَعِبَارَةُ م ر: وَعَبَّرَ أَصْلُهُ وَغَيْرُهُ بِحَيْثُ بَدَلَ مَتَى وَاسْتَحْسَنَهُ السُّبْكِيُّ؛ لِأَنَّ حَيْثُ اسْمُ مَكَان، وَالْقَصْدُ أَنَّ كُلَّ مَكَان حَرُمَ نَظَرُهُ حَرُمَ مَسُّهُ، وَمَتَى اسْمُ زَمَانٍ وَلَيْسَ مَقْصُودًا هُنَا. وَرُدَّ بِمَنْعِ عَدَمِ قَصْدِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا إذْ الْأَجْنَبِيَّةُ يَحْرُمُ مَسُّهَا وَيَحِلُّ بَعْدَ نِكَاحِهَا وَيَحْرُمُ بَعْدَ طَلَاقِهَا وَقِيلَ زَمَنُ نَحْوِ مُعَامَلَةٍ يَحْرُمُ وَمَعَهُ يَحِلُّ، أَيْ فَحَرُمَ أَيْضًا فِي زَمَنٍ وَحَلَّ فِي زَمَنٍ، فَيَكُونُ الزَّمَنُ أَيْضًا مُرَادًا. وَاقْتَصَرَ ع ش عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّمَنَ غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ وَآخِرُ عِبَارَةِ م ر تُخَالِفُهُ كَمَا عَلِمْت، وَقَدْ يُقَالُ لَا مُخَالَفَةَ. وَيُجَابُ عَنْ ع ش بِأَنَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَالزَّمَانُ وَإِنْ كَانَ حَاصِلًا أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ اهـ. وَقَالَ م ر: فَيَحْرُمُ مَسُّ الْأَمْرَدِ كَمَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ وَدَلْكُ الرَّجُلِ فَخِذَ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَيَجُوزُ بِهِ، أَيْ بِالْحَائِلِ، إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَلَمْ يَكُنْ بِشَهْوَةٍ. وَقَدْ يَحْرُمُ النَّظَرُ دُونَ الْمَسِّ كَأَنْ أَمْكَنَ الطَّبِيبُ
فَأَنْزَلَ لَمْ يُفْطِرْ وَكُلُّ مَا حَرُمَ نَظَرُهُ مُتَّصِلًا حَرُمَ نَظَرُهُ مُنْفَصِلًا كَشَعْرِ عَانَةٍ وَلَوْ مِنْ رَجُلٍ وَقُلَامَةِ ظُفْرِ حُرَّةٍ وَلَوْ مِنْ يَدَيْهَا، وَيَحْرُمُ اضْطِجَاعُ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ عَارِيَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي جَانِبٍ مِنْ الْفِرَاشِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ:«لَا يُفْضِ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ» .
وَتُسَنُّ مُصَافَحَةُ الرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ لِخَبَرِ «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ يَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» وَتُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ وَالتَّقْبِيلُ فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَعْرِفَةَ الْعِلَّةِ بِالْمَسِّ وَكَعُضْوِ أَجْنَبِيَّةٍ مُبَانٍ، فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ فَقَطْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْخَادِمِ؛ وَالْأَصَحُّ حُرْمَةُ مَسِّهِ أَيْضًا. أَمَّا دُبُرُ الْحَلِيلَةِ فَيَحِلُّ نَظَرُهُ وَمَسُّهُ خِلَافًا لِلدَّارِمِيِّ وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ حَلَّ النَّظَرُ حَلَّ الْمَسُّ أَغْلَبِيٌّ أَيْضًا، فَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مَسُّ وَجْهِ أَجْنَبِيَّةٍ وَإِنْ حَلَّ نَظَرُهُ لِنَحْوِ خِطْبَةٍ أَوْ شَهَادَةٍ أَوْ لِتَعْلِيمٍ، وَلَا لِسَيِّدَةٍ مَسُّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ عَبْدِهَا وَعَكْسُهُ وَإِنْ حَلَّ النَّظَرُ، وَكَذَا مَمْسُوحٌ. وَقَدْ يَحْرُمُ مَسُّ مَا حَلَّ نَظَرُهُ مِنْ الْمَحْرَمِ كَبَطْنِهَا أَيْ مِنْ فَوْقِ السُّرَّةِ وَرِجْلِهَا وَتَقْبِيلُهَا بِلَا حَائِلٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا شَفَقَةٍ بَلْ وَكَيْدُهَا عَلَى مُقْتَضَى عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَقَوْلُهُ:" دَلْكُ الرَّجُلِ فَخِذَ رَجُلٍ " أَيْ وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ الْعَوْرَةِ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْأَمْرَدِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّهُ وَلَوْ بِحَائِلٍ. وَقَوْلُهُ: لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنْ الْحَاجَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ حَكِّ رِجْلِ الْمَحْرَمِ وَنَحْوُ الْحَكِّ كَغَسْلِهِمَا وَتَكْبِيسِ ظَهْرِهِ مَثَلًا كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَبْلَغُ) عِلَّةٌ لِتَرَتُّبِ حُرْمَةِ الْمَسِّ عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ أَوْ لِمُقَدَّرٍ، أَيْ حَرُمَ مَسٌّ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إلَخْ. قَالَ ع ش عَلَى م ر: هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ يُلْتَذُّ بِنَظَرِ الشَّعْرِ كَمَسِّهِ غَايَتُهُ أَنَّ الْمَسَّ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ عَلَّلُوا عَدَمَ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَالسِّنِّ بِأَنَّهُ لَا لَذَّةَ فِيهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ ثَمَّ اللَّذَّةُ الْقَوِيَّةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا تَحْرِيكُ الشَّهْوَةِ وَالْمُثْبَتُ هُنَا مُطْلَقُ اللَّذَّةِ وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي التَّحْرِيمِ احْتِيَاطًا اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَا حَرُمَ إلَخْ) أَيْ كُلُّ جُزْءٍ حَرُمَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَشَعْرِ) وَظُفْرٍ أَيْ لَا بَوْلٍ وَلَبَنٍ وَمَنِيٍّ وَلُعَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَقُلَامَةِ ظُفْرِ حُرَّةٍ) وَكَذَا الْأَمَةُ فَالْحُرَّةُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ، وَمِثْلُ قُلَامَةِ الظُّفْرِ دَمُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ دُونَ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ بَوْلُك طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ دَمُك، وَيَجِبُ مُوَارَاةُ ذَلِكَ الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ كَمَا يَجِبُ مُوَارَاةُ شَعْرِ عَانَةِ الرَّجُلِ ح ل وَع ش. وَفِي الشَّوْبَرِيِّ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ نَحْوَ الرِّيقِ وَالدَّمِ لَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَظِنَّةً لِلْفِتْنَةِ بِرُؤْيَتِهِ عِنْدَ أَحَدٍ اهـ. وَعِبَارَةُ الْأَنْوَارِ: يَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَقَ عَانَتَهُ مُوَارَاةُ شَعْرِهَا لِئَلَّا يُنْظَرَ إلَيْهِ، اعْتَمَدَ ابْنُ حَجَرٍ وُجُوبَ مُوَارَاةِ الظُّفْرِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالشَّعْرِ اهـ. وَقِيَاسُهُ عَكْسُهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ اهـ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ يَدَيْهَا) جَعَلَهُمَا غَايَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَدَيْنِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَالشَّهْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ اضْطِجَاعُ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ) فِي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الشَّهْوَةِ وَهُوَ مُجَاوَزَةُ تِسْعِ سِنِينَ أَيْ بِبُلُوغِ أَوَّلِ الْعَشْرِ، قَالَهُ م ر، خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ حَيْثُ اكْتَفَى بِمُضِيِّ تِسْعِ سِنِينَ. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَلِذَا قَالَ م ر: وَلَوْ أَبًا وَابْنَهُ وَأُمًّا وَبِنْتَهَا وَأَخًا وَأَخَاهُ وَأُخْتًا وَأُخْتَهَا فَإِذَا كَانَ مَعَ الِاتِّحَادِ حَرَامًا فَمَعَ عَدَمِ الِاتِّحَادِ أَوْلَى، وَهَلْ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي نُزُولِ رَجُلَيْنِ فِي مَغْطِسِ الْحَمَّامِ أَوْ يُفَرَّقُ؟ أَفْتَى الرَّمْلِيُّ بِجَوَازِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَسٌّ لِعَوْرَةٍ وَلَا رُؤْيَاهَا، أَيْ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاضْطِجَاعِ، فَفِي الِاضْطِجَاعِ يَحْرُمُ وَلَوْ بِلَا مَسٍّ وَهُنَا يَجُوزُ. وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَكَالْمُضَاجَعَةِ مَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي مِصْرِنَا مِنْ دُخُولِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مَغْطِسَ الْحَمَّامِ، فَيَحْرُمُ إنْ خِيفَ النَّظَرُ أَوْ لَمْسٌ مِنْ أَحَدِهِمَا لِعَوْرَةِ الْآخَرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَا عَارِيَّيْنِ) خَرَجَ بِهِ مَا إذَا لَمْ يَتَجَرَّدَا، فَيَجُوزُ نَوْمُهُمَا فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ وَلَوْ مُتَلَاصِقَيْنِ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ انْتَفَى التَّجَرُّدُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ: «لَا يُفْضِ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ» الدَّلِيلُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى إذْ لَا يَشْمَلُ الْغَايَةَ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ الْجَسُّ بِالْيَدِ أَوْ مُطْلَقًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَفْعَلُ مَا يَئُولُ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى الْإِفْضَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَتُسَنُّ مُصَافَحَةُ) أَيْ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ فَإِنْ كَانَتْ مَحْرَمِيَّةً أَوْ زَوْجِيَّةً أَوْ مَعَ صَغِيرٍ لَا يُشْتَهَى أَوْ مَعَ كَبِيرٍ بِحَائِلٍ جَازَتْ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا فِتْنَةٍ؛ نَعَمْ يُسْتَثْنَى الْأَمْرَدُ الْجَمِيلُ فَتَحْرُمُ مُصَافَحَتُهُ كَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ اهـ مَرْحُومِيٌّ. قَوْلُهُ:(يَتَصَافَحَانِ)