الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
9-
الداعية صاحب همة:
والهمة تقتضي المبادرة في فعل الخيرات، والثبات عليها والاستمرار دون ملل أو سأم والدوام على ذلك، وهذا دأب رجال الدعوة إلى الله تعالى في كل زمان ومكان، عن علقمة قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئا؟ قالت لا: "كان عمله ديمة وأيكم يطيق ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيق"1. وضده التأخير والتسويف، صورة من صور الضعف البشري التي قد تعتري صاحب الهمة العالية فيفوته خير كثير، وهذا ما أحرق قلب كعب بن مالك، إذ فاته الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاش بعدها كعب فترة من العذاب النفسي خمسين يومًا من الهجران إلى أن نزلت توبته من فوق سبع سماوات، عاش على ذلك الضيق نتيجة تباطؤ وتسويف انزلق إليه، وكلما ضعف الإيمان ضعفت الهمة عن فعل الطاعات، فكن أخي الداعية صاحب همة عالية، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تكل ولا تمل، فأنت صاحب همة عالية وهدف نبيل، كما أنك صاحب رسالة سماوية تسير على هدى ونور من الله تعالى، فإياك إياك أن تخبو جذوة الإيمان في قلبك فتهلك وتهلِك، وصاحب الهمة العالية يستمر في المسير ولا يتوقف في تبليغ دعوة الله تعالى، ونبذ العزلة والانطواء، ثم متابعة المسيرة في إعزاز دين الله تعالى، ومن الأمثلة على ذلك. أبو بكر رضي الله عنه، صاحب الهمة العالية، والقلب الكبير فقد روت لنا كتب التأريخ
1 صحيح الإمام البخاري: "1987"، وعند مسلم:"هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت لا: كان عمله ديمة وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع""783".
والسير بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم صموده حيث قال قولته المشهورة: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". من كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة، بعد أن تولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة، فبعد بيعته رضي الله عنه، عظم الخطب واشتد الحال، ونجم النفاق، وارتد من ارتد من أحياء العرب، وظهر مدعو النبوة، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وأصبح المسلمون كما يقول عروة بن الزبير رضي الله عنه: "كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم، وقلة عددهم وكثرة عدوهم.
حتى وجد من المسلمين من قال لأبي بكر رضي الله عنه: "يا خليفة رسول الله أغلق بابك، والزم بيتك، واعبد ربك حتى تأتيك اليقين".
أي الموت، ولكن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الهمة العالية والقلب الكبير الثابت الذيث يستمد قوته من خالقه، ومعبوده قاهر الجبابرة وكاسر الأكاسرة، لم يصب بعجز ولم يستحوذ عليه قنوط ولا يأس، وإنما واجه هذه الأحداث الجسام كلها بإيمان راسخ وعزيمة ثابتة، وشجاعة نادرة، وتفاؤل عظيم.
"وهو الذي قال للدنيا في غمرة الفتن، والأحداث "لا ينقص الدين وأنا حي"، فهو صاحب همة عالية وعزيمة راسخة، وهو الذي قال لعمر رضي الله عنه حين جاءه يعارضه في قتال مانعي الزكاة: "مه يا عمر: رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك، أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟؟؟ ماذا عسيت أن أتألفهم بسحر مفتعل أم بشعر مفترى؟ هيهات هيهات؟؟ مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي، فوالله لأجاهدنهم ما استمسك السيف
في يدي، ولأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فوالله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه".
فقال عمر: "ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق فلم يزل صاحب الهمة أبو بكر رضي الله عنه يخطط ويعمل، ويجاهد ويجند الجيوش ويبعث البعوث، ويقضي على الفتن، حتى استطاع بتوفيق من الله أن يتغلب على الصعاب، وأن يخمد الثورات، ويمحق المرتدين، ويقاتل مدعي النبوة، ويحارب مانعي الزكاة.. وأن يعيد للمسلمين عزتهم، ولليائسين تفاؤلهم، وللإسلام دولته، وللخلافة هيبتها؟؟ "1.
وهكذا يصنع صاحب الهمة العالية صاحب الإيمان القوي الراسخ المعجزات، ويخمد الثورات بنصر من الله، حري بأصحاب الدعوة إلى الله أن يكونوا من هذا الصنف في المضي في الدعوة إلى الله تعالى مهما كانت الظروف، ومهما كانت العقبات، فالداعية بحكمته ولباقته يستطيع بإذن الله تعالى تذليل الصعاب، ومعالجة الخلافات التي قد تعترض طريق الدعاة، فطرق الدعوة كثيرة، ومجالاتها متعددة، فكلما أغلق باب من أبواب الدعوة، أوسد طريق من طرقها فتح الله لك غيره، بل قد يكون خيرًا منه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، والله هو المدبر والهادي إلى سواء السبيل.
1 من كتاب "عقبات في طريق الدعاة" تأليف عبد الله ناصح علوان أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة "1/ 241".