الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
14-
ثمرة مرة:
إياك ثم إياك والجدل وكثرة المحاجة، فإن كان ولا بد فجادلهم بالتي هي أحسن، وإذا رأيت أن المجادلة أصبحت معاندة، وصاحبها لا يقتنع بالدليل ولا يرضى ويسلم بالأمر الواقع، فأعرض عن مثل هذا الصنف وقل: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين، وقد قال الله تعالى لنبيه:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} 1، فالجدل والخلاف "ثمرة مرة".
في هذا الموضوع؛ يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عيثمين -رحمه الله تعالى- وهو يتحدث عن خصائص الفرقة الناجية: "إن اتفاق الكلمة وائتلاف الهدف، والقلب من أبرز خصائص الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، فهم لو حصل بينهم خلاف في بعض الأمور، لا يحمل بعضهم على بعض حقدًا ولا عداوة ولا بغضاء، بل يعتقدون أنهم إخوة، حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف، فقد وقع شيء من ذلك كما ثبت في السنة، من أجل أن تتفق الكلمة وتتآلف القلوب". انتهى كلامه رحمه الله.
"حبذا لو راجع الدعاة إلى الله أنفسهم من وقت لآخر؛ لأن وظيفتهم التي شرفهم الله بها تعتمد في أصلها على الحار والمراجعة، وقد فطن لذلك عبد الله بن مسعود بقوله: "والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان". ولنتذكر أن هوى النفس لا يأتي عريانًا بل مزخرفًا بألفاظ النية
1 سورة الأعراف: الآية 199.
الخالصة، إحقاق الحق انتصارًا للأمة.. إلخ. ثم يندس هواه بعد ذلك من حيث يعلم أو لا يعلم"1.
ومن أجل أن تتفق الكلمة، وتتآلف القلوب نبين الآداب الشرعية الواجب مراعاتها في المحاورات، والمناظرات والمناقشات، فعندما يتحاور الدعاة والعلماء يجب أن تكون نيتهم طيبة، وهدفهم الوصول إلى الحق، والمسلم دائمًا يسعى أن يجعل أعماله كلها خالصة لوجه الله تعالى ليؤجر عليها، والعمدة في ذلك الحديث المشهور: "إنما الأعمال بالنيات
…
" 2 الحديث، ومن مسببات الخلاف والتنازع، والجدل اتباع الهوى في بيان حكم مسألة من المسائل. فليحذر الدعاة من اتباع الهوى في مناقشاتهم، والعجب والغرور، والاعتزاز بالرأي والتعصب له أثناء المناقشة قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 3، {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} 4 فعليك أثناء المجادلة أن تبين المسألة بالدليل قبله من قبله ورده من رده ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء.
ولأجل أن تتفق الكلمة وتتآلف القلوب بين دعاة الأمة الإسلامية وعلمائها، الكف عن الجدال الذي لا فائدة فيه، وإذا كان ولا بد من جدال فله آداب شرعية الواجب مراعاتها في المحاورات، والمناظرات والمناقشات إذا حدث ذلك فيما بين الدعاة، أو الجماعات أو الأفراد
1 من كتاب كيف تحاور. د. طارق بن علي الحبيب، ص12.
2 سبق تخريجه: ص18.
3 سورة النحل: الآية 125.
4 سورة طه: الآية 44.
في مسألة شرعية، أو اجتماعية أو مالية أو سياسية أو غير ذلك.
أولًا: تنقية وتجريد النية من الشوائب، والانتصار للنفس والتشفي بذلك، فكثيرا ما يظهر الخلاف بين بعض أفراد، وجماعات الدعوة ظاهرها أنه خلاف على مسائل علمية، وباطنها حب الذات واتباع الهوى، والمسلم الداعية يسعى أن تكون أعماله خالصة لوجه الله تعالى والدار الآخرة.
ومن الشوائب التي قد تدخل المناقشات الهوى وحب الانتصار للنفس، فكثيرًا ما ترى المحاورات والمناقشات يتنازعها الهوى، فيجب على الداعية والعالم أن يجرد مناقشاته، ومحاوراته عن الهوى، ويفرح بالحق وظهور الحق على يديه أو على يدي خصمه، وإذا دخل الهوى فإن له مضارا كثيرا منها:
أ- أنه يصد عن الحق.
ب- أنه يفسد العقل والتفكير، ولا يدع لهما مجالا للتفكير والتأمل.
ج- أنه يخالف بين قلوب الدعاة
ومن الشوائب التي قد تدخل المناقشات العجب والغرور1 ومن أسبابه الإطراء والمديح، فإنه يورث العجب والغرور، وقد ينتج العجب والغرور من تبوء الصدارة للعمل قبل النضج وكمال التربية، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:"تفقهوا قبل أن تسودوا" وفي رواية: "قبل أن تسَوَّدُاوا"2.
1 قد أفرد بابا كاملا للعجب والغرور، انظر ص35.
2 صحيح البخاري، كتاب الأدب:"250".
ومن شوائب المحاورات: التعصب للرأي أو المذهب، أو الجماعة أو الأشخاص فهو مفسد للحوار مذهب للفائدة موغر للصدر مفرق للجماعة ومن الشوائب في الحوار: سوء الظن في الخصم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا"1.
ثانيًا: تنقية اللسان من الشوائب، ومن شوائبه اتهام الآخرين بالكفر بغير دليل ولا حجة واضحة، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه" 2.
ومن شوائب اللسان أثناء المحاورات أن يلعن المسلم أخاه أو يسبه.
ومن شوائب اللسان: الجدال والمراء.
ثالثًا: الجرأة في قول: لا أدري وهي من الآداب التي يجب على طلبه العلم والدعاة أن يتحلوا بها عند المحاورة، والمناظرة والمناصحة.
فإن خرجت المحاورة عن آدابها الشرعية إلى التعصب للرأي، والمذاهب بلا دليل كانت نتائجها مرة وثمرتها ضعف، وتشتت وهلاك.
1 رواه مسلم: "2563"، ومثله عند البخاري: برقم "5144".
2 صحيح البخاري، فتح الباري "10/ 514".