الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
كن طبيب عصرك فإن لكل داء دواء:
الطبيب هو الذي يعالج من الأدواء، قد يهرع الناس إلى الطبيب زرافات ووحدانا عند الإحساس أو الشعور بأي ألم أو مرض، ولو أن أحدًا أصيب بمرض فلم يذهب للطبيب لامه الناس، وعتبوا عليه واتهموه بالإهمال والتقصير، أليس كذلك؟؟ ولو أن الناس سمعوا بانتشار مرض، أو نزول وباء لأسرعوا إلى مراكز التطعيم المضاد لهذا المرض أو هذا الوباء، وتزاحموا على مراكز التطعيم من كل حدب وصوب، كل هذا محافظة على سلامة الجسم وصحته، هذا شيء طيب ومطلوب ولا بأس أن يتداوى الإنسان، بل هو من الأمور المشروعة المباحة لكن الداعية يكون طبيبًا من نوع آخر، فالطبيب الذي يعمل في المستشفيات، والعيادات الخاصة والعامة طبيب أجسام، والداعية طبيب الروح، فالإنسان مكون من جسم وروح، ولا حياة للجسم بدون روح ولا بقاء للروح بدون جسم. إذًا لا بد من التوازن بين مطالب الروح ومطالب الجسم، إذ إن بينهما ارتباط وثيق فلا بد من التوازن بينهما، فمن الذي يضع التوازن ويهتم به غيرك أيها الداعية الكريم، فأنت طبيب الروح إن كان الطبيب المعروف يعالج الأجسام، فأنت تعالج الروح التي داخل الجسم فهي أدق وأصعب؛ لأنها داخلة وخفية وصعبة الانقياد للعلاج، فمن الأرواح من يقبل العلاج ويقبل عليه وينقاد له، ومنها من يرفضه جملة وتفصيلا ومن الأرواح من يحتاج إلى فترة طويلة تحت العلاج، فمن يقدم هذا العلاج للناس كل الناس إلا الداعية المخلص في دعوته الذي يتنقل من مكان إلى آخر، ويتجول في
أوساط الناس يغشاهم في بيوتهم وأماك تجمعاتهم، وأسواقهم وأنديتهم ليقدم لهم العلاج ويصرف لهم الدواء بدون جزاء ولا مقابل، الناس يأتون إلى طبيب الأجسام، ويبذلون الأموال الطائلة في سبيل الشفاء من المرض، والداعية هو الذي يتحمل المشاق، والتكاليف ويذهب إلى الناس ويعيش معهم في أوساطهم، وأماكن تجمعاتهم حتى يعرف المرض ويشخصه تماما، ومن ثم يقوم بالعلاد ويبدأ في صرف الدواء، فهو طبيب النفوس الحاذق الماهر الذي يعرف الداء ويصرف له الدواء النافع المفيد، فالداعية مسئول أمام الله إذا لم يقم بهذا الدور الفعل في المجتمع الذي يعيش فيه، وهو مكلف تكليفًا أكيدًا لا خيار له فيه، ولا تراجع بل لو تراجع أو ترك الدعوة إلى الله عاقبة الذي كلفه بها، وهو العليم الخبير عالم السر وأخفى لا يخفى عليه شيء من عملك، ولا حركاتك في الدعوة وفي غيرها، إذا مطلوب من الداعية أن يتحرك بين أوساط الناس، وأن يعمل جاهدًا لعلاج الروح، فهي تمرض وتسقم بقدر من الله، فمن هذه الأمراض ما يكون شديدا، ومنه ما يكون خفيفا وخاصة بدايته. مثلها مثل الجسم تمامًا فأول ما يبدأ خفيفا بسيطًا، ثم يبدأ العد التصاعدي في البعد عن منهج الله، فإن عولج هذا المرض في بدايته شفي صاحبه بإذن الله، وإن ترك المرض حتى انتشر في الجسم وتمكن منه صعب علاجه، إن الداعية كالطبيب فلا يقدم للمصاب بمرض السرطان علاج مرض السكر، ولا لمريض السكر علاج مرض الصدر، بل يقدم لكل مريض العلاج المناسب له، ويراعي كذلك عند تقديم العلاج القدر، والأسلوب الملائمين لطبيعة المريض كي لا يصير ضرر العلاج أكثر من نفعه"1.
1 عن كتاب مراعاة أحوال المخاطبين. د. فضل إلهي ظهير "ص159".
فالواجب على الداعية معرفة المرض أولًا من جميع الجوانب، فقد يكون مرض بدعة وقد يكون مرض شبهة، وقد يكون مرض شهوة إلى غير ذلك، فإذا عرفت المرض سهل العلاج، الحمد لله أن هذا العلاج لا يكلف مبالغ مالية ولا تكاليف بدنية؛ لأن العلاج يصرف "بالمجان" -إن صح التعبير- فدور الداعية أن يعطي العلاج بعد معرفة ما عند الفرد، أو الأفراد من مخالفات شرعية في العقيدة أو العبادات أو المعاملات، أو الأخلاق والسلوك إلى غير ذلك مما هو منتشر عند كثير من الناس، فكما أن طبيب الجسم لا يعطي علاجًا واحدًا لعدة أمراض، فكذلك الداعية تعرف على النفوس، وما تميل إليه وما يصلح لها ويصلحها، عندها يمكن للداعية أن يدخل إلى أعماق النفوس والقلوب، ويزيل ما علق بها من أمراض الشهوة والشبهة، والبدعة حتى تصبح بيضاء نقية خالصة لربها وخالقها، "فالمرشدون هم أطباء المجتمع، ومن شأن الطبيب أن يهتم بمعرفة الأدواء، ثم يعمل على علاجها بادئًا بالأهم فالمهم، وهذه طريقة أنصح الأطباء وأعلمهم بالله، وأقوامهم بحقه وحق عباده، سيد ولد آدم عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، فإنه صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله بدأ بالنهي عن أعظم أدواء المجتمع، وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى، فلم يزل من حين بعثته يحذر الأمة من الشرك، ويدعوهم إلى التوحيد إلى أن مضى عليه عشر سنين، ثم أمر بالصلاة ثم ببقية التشريع، وهكذا الدعاة بعده، عليهم أن يسلكوا سبيله، وأن يقتفوا أثره بادئين بالأهم فالمهم"1.
1 نقلًا عن كتاب: "نحو دعوة إسلامية رشيدة" لمؤلفه: د. محمد عبد القادر هنادي "ص195" من مقال لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في الدعوة "ص71، 72".
فإن هذا دورك وواجبك إن لم تقم به اختل التوازن عند الناس، وضاعت القيم وانتكست الموازين والمعايير والمقاييس، حتى يصبح الحق باطلًا والباطل حقًّا واعتلت النفوس، وهزلت وضعفت عن القيام بالواجبات الشرعية، والأمور الدينية فلا تعرف معروفا، ولا تنكر منكرًا حتى إن السنة تصبح بدعة والبدعة تصبح سنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيعيش هذا المريض محجوبًا عن نور هذا الدين المشع إلى العالم، فقد أحيا الله به قلوبًا غلفا وفتح به آذانًا صمًّا وأعينا عميا، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.