المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الروضة الثامنة في الصناعات والمحترفين والكسب والتجارة والغنى والفقر وما ناسب ذلك - روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار

[الأماسي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة [المحقق]

- ‌1- ابن قاسم الأماسي (864- 940 ه

- ‌2- روض الأخيار:

- ‌[مقدمة الكتاب]

- ‌الروضة الأولى في الدين وما يتعلق به من العبادات

- ‌الروضة الثانية في العلم والحكمة والأدب والكتابة وما اتّصل بذلك

- ‌الروضة الثالثة في السلطنة والإمارة والوزارة والسياسة والعدل والعفو والطاعة للولاة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الرابعة في الجهاد والقتل والشهادة والحرب والصلح والأسلحة والغارة والهزيمة والشجاعة والجبن وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الخامسة في الظن والفراسة والعقل والفطنة والرأي والتدبير والتجارب والمشاورة

- ‌الروضة السادسة في القضاء والحكومة وذكر الشهود والديون والخصومات

- ‌الروضة السابعة في المتصوفة والقصّاص

- ‌الروضة الثامنة في الصناعات والمحترفين والكسب والتجارة والغنى والفقر وما ناسب ذلك

- ‌الروضة التاسعة في الرزق والحرمان وتبدّل الأحوال والتفاوت

- ‌الروضة العاشرة في ذكر الدنيا والآخرة والسنة والشهر واليوم والليلة والساعة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الحادية عشرة في السماء والسحاب والثلج والمطر والرّيح والحرّ والبرد

- ‌الروضة الثانية عشرة في النار والسّراج والماء والبحر والجنّة والرياحين والعقار

- ‌الروضة الثالثة عشرة في البلاد والديار والأبنية وما يتعلّق بها

- ‌الروضة الرابعة عشرة في الملك والجنّ والشياطين والحيوانات

- ‌الروضة الخامسة عشرة في ذكر الحبّ والبغض في الله والمجالسة والإخاء والجوار والصحبة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة السادسة عشرة في الجهل واللّحن والتحريف والخطأ وما ناسب ذلك

- ‌الروضة السابعة عشرة في الجنون والحمق والغفلة والمكر والاحتيال وترك الأناة والعجلة

- ‌الروضة الثامنة عشرة في الجوابات المسكتة ورشقات اللسان

- ‌الروضة التاسعة عشرة في الحياء والسكوت والعزلة والوحدة والاختلاط

- ‌الروضة العشرون في الصبر وضبط النفس والعفاف والورع والحلال والحرام

- ‌الروضة الحادية والعشرون في ذكر الله وحمده والتسبيح والدعاء والصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم والاستغفار

- ‌الروضة الثانية والعشرون في الصحة والأمراض والعلل والطب والدواء وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الثالثة والعشرون في المدح والثناء وطيب الذكر والذمّ والهجو والشتم والغيبة

- ‌الروضة الرابعة والعشرون في العزّة والشرف والرياسة والذلّ والهوان والخسّة وسقوط الهمّة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الخامسة والعشرون في الصدق والأمانة والوفاء والكذب والرياء والسعي والنميمة والغدر والخيانة والسرقة

- ‌الروضة السادسة والعشرون في الشفاعة والعناية وإصلاح ذات البين والصلاح والفساد وذكر الشرّ والفجور والعداوة والغيرة والحسد والبغضاء

- ‌الروضة السابعة والعشرون في الصحة والنعمة وشكرها وكفرانها والتوكل والقناعة

- ‌الروضة الثامنة والعشرون في الهديّة والرّشوة

- ‌الروضة التاسعة والعشرون في الطعام وألوانه والضيافة وذكر الأكل والشّبع والجوع واللذة والألم وما يتّصل بذلك

- ‌الروضة الثلاثون في ذكر النساء والتزوّج وأخلاق النساء والخطبة وذكر الغلمان واللواطة والإماء والجماع والذّكر والفرج وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الحادية والثلاثون في الأصوات والألحان والغناء والسماع واللهو واللعب واللذّات وذكر النبيذ والسّكر وما شاكل ذلك

- ‌الروضة الثانية والثلاثون في الملابس والخواتيم والألوان والخضاب والروائح والتصاوير

- ‌الروضة الثالثة والثلاثون في الأضاحيك والملح والمداعبات وما جاء من النهي عن المزاح والترخيص فيه والضحك والهزل والفرج بعد الشدّة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الرابعة والثلاثون في البكاء والحزن والمكاره والشدائد والبلايا والخوف والجزع والشكوى والعتاب

- ‌الروضة الخامسة والثلاثون في الأخلاق والعادات الحسنة والقبيحة والحلم والوقاحة والغضب والرفق والعنف والرقة والقسوة وخفّة الروح والثقل والتواضع والكبر والافتخار

- ‌الروضة السادسة والثلاثون في العمل والكدّ والتعب والسرعة والشغل والطلب والاستجداء ورفع الحوائج وقضائها

- ‌الروضة السابعة والثلاثون في الطمع والرجاء والأمل واليأس والحرص والتمنّي والوعد وإنجازه وإخلافه والمطل والتسويف

- ‌الروضة الثامنة والثلاثون في الحسن والقبح والسّمن والهزال والطّول والقصر والقوّة والضعف

- ‌الروضة التاسعة والثلاثون في العشق والمحبة والهوى

- ‌الروضة الأربعون في العجز والكسل والبلادة والتواني والنسيان

- ‌الروضة الحادية والأربعون في التعجب

- ‌الروضة الثانية والأربعون في الظلم والبغي والأذى

- ‌الروضة الثالثة والأربعون في الأسماء والكنى والألقاب

- ‌الروضة الرابعة والأربعون في السفر والغربة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الخامسة والأربعون في العبيد والجواري والخدم

- ‌الروضة السادسة والأربعون في السنّ وطول العمر وقصره والشيخ والشابّ

- ‌الروضة السابعة والأربعون في النوم والسهر والرّؤيا والفأل والطّيرة والكهانة والرّقى

- ‌الروضة الثامنة والأربعون في الشعر والفصاحة والبلاغة

- ‌الروضة التاسعة والأربعون في القرابات والأنساب وذكر حقوق الآباء والأمّهات وحبّ الأولاد وصلة الأرحام والشفقة والنصيحة والزّجر عن القبيح

- ‌الروضة الخمسون في الموت والوصيّة والمصيبة وما يتصل بذلك من ذكر القبر والنّعش والتّعزية

الفصل: ‌الروضة الثامنة في الصناعات والمحترفين والكسب والتجارة والغنى والفقر وما ناسب ذلك

‌الروضة الثامنة في الصناعات والمحترفين والكسب والتجارة والغنى والفقر وما ناسب ذلك

سهل بن سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عمل الأبرار من الرّجال:

الخياطة، وعمل الأبرار من النساء: الغزل» . «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيط ثوبه ويخصف نعله، وكان أكثر عمله في بيته الخياطة» . سعيد بن المسيّب: كان لقمان الحكيم خيّاطا. ابن شوذب: كان إدريس خيّاطا. أنس، عنه صلى الله عليه وسلم:«لا تلعنوا الحاكة «1» فإنّ أول من حاك أبي آدم عليه السلام» . مجاهد، في قوله تعالى: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ

«2» الحوّاكون. كعب: لا تستشيروا الحاكة، فإن الله تعالى سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم. مجاهد: مرّت مريم، في طلب عيسى عليه السلام، بحاكة، فسألت عن الطريق فأرشدوها إلى غير الطريق، فقالت: اللهم انزع البركة من كسبهم، وأمتهم فقراء، وحقّرهم في أعين الناس. فاستجيب دعاؤها. عن بعض الحكماء أنه رأى شخصا يفتخر بعلم الصياغة فقال:

إني لأكره علما لا يكون معي

إذا خلوت به في جوف حمّام

عمر رضي الله عنه: إني لأرى الرجل يعجبني فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا. سقط من عيني. مرّ داود عليه السلام بإسكاف، فقال له: يا

ص: 120

هذا، اعمل وكل، فإن الله يحبّ من يعمل ويأكل، ولا يحب من يأكل ولا يعمل. قيل: كسب الحلال والنفقة على العيال من أعمال الأبدال «1» . عليّ رضي الله عنه: من مات تعبا من كسب الحلال مات والله عنه راض. عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من رزق من شيء فليلزمه» . قيل لبعضهم: ما المروءة؟ فقال: العفة والحرفة. قيل: من لم يغل دماغه في الصيف لم يغل قدره في الشتاء. يزيد بن المهلب: ما يسرّني أني كفيت أمر الدنيا كله، لئلا أتعود على العجز.

من نصائح التجار: أعط المتاع للطالب الأوّل، وخير رأس المال الديانة.

سبحان من جعل غفلة التجّار وحرصهم لطيّ البلاد سببا لمصالح العباد. قال خيّاط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين، فهل يخاف عليّ أن أكون من أعوان الظّلمة؟ قال: لا، أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة وأمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم. كذب الدلّال: مثل. يقال: لكل أحد رأس مال، ورأس مال الدلّال الكذب. وروي: أوّل من دلّ: إبليس، حيث قال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى

«2» . شهد رجل حلقة الشعبيّ، فلمّا قام قال له:

إني أجد في قفاي حكّة، أفتراني أن أحتجم؟ فقال الشعبيّ: الحمد لله، نقلنا من الفقه إلى الحجامة «3» .

قال حائك للأعمش: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء. قال: وما تقول في شهادته؟ قال: مقبولة مع شهادة عدلين.

ص: 121

عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا خير فيمن لا يحبّ المال ليصل به رحمه، ويؤدّي به أمانة، ويستغني به عن خلق ربّه» . الإمام الشافعي رضي الله عنه:

لقد طفت في شرق البلاد وغربها

وجرّبت هذا الدهر باليسر والعسر

فلم أر بعد الدّين خيرا من الغنى

ولم أر بعد الكفر شرّا من الفقر «1»

بعضهم:

لا بدّ للمرء من مال يعيش به

وداخل القبر محتاج إلى الكفن

الثوري: المال في هذا الزمان عزّ للمؤمن. وقال: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان. وقال: لأن أخلّف عشرة آلاف يحاسبني الله عليها أحبّ إليّ من أن أحتاج إلى الناس. وكانت له بضاعة يقلّبها ويقول: لولا هذه لتمندل بي «2» بنو العباس. قيل: هي ألف دينار. قيل: للمال مدخل عسير ومخرج يسير.

مولانا سعد الدين «3» رحمة الله عليه:

فرّق فرق الدروس واجمع مالا

فالعمر مضى ولم تنل آمالا

لا ينفعك القياس والعكس ولا

افعنلل يفعنلل افعنلالا «4»

وله رحمة الله عليه:

طويت بإحراز الفنون وكسبها

رداء شبابي، والجنون فنون

ص: 122

وحين تعاطيت الفنون ونلتها

تبيّن لي أنّ الفنون جنون «1»

الحكماء: جمع المال كإعلاء الحجر العظيم إلى ذروة الجبل الشامخ، وخرجه كإلقائه منها. قيل: اكتساب المال من الوجه الذي ينبغي صعب، وتفريقه سهل كما قيل:

له مصعد صعب ومنحدر سهل

ذكر في صحيفة سليمان، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، أنّ الحكمة مع الغنى يقظانة، ومع الفقر نائمة. بعضهم: التوجه إلى المصالح الضرورية يمنع الرجل من الفضائل الكثيرة. قيل:

حياة بلا مال حياة ذميمة

وعلم بلا مال كلام مضيّع

المتنبي:

فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله

ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده «2»

عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما يخشى المؤمن الفقر مخافة الآفات على دينه» .

بعضهم: قلّة المال، وكثرة العيال، نعوذ بالله من ذلك الحال. أبقراط: قلّة العيال أحد اليسارين «3» . ترك ابن المبارك دنانير وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلّا لأصون بها حسبي وديني. قيل لأفلاطون: لم تجمع العلم والمال؟

قال: لعزّ الكمال. وقيل له: لم صار الرجل يقتني مالا وهو شيخ؟ فقال: لأن يموت الإنسان فيخلف مالا لأعدائه خير من أن يحتاج في حياته إلى أصدقائه.

ص: 123

وقال: اطلب في حياتك العلم والمال والعمل الصالح، فإنّ الخاصة تفضلك بما تحسن من العلم، والعامّة بما تملك من المال، والجميع بما تعمل من العمل الصالح.

قيل لآخر: لم تحبّ هذه الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ قال: وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها. ابن عيينة «1» من كان له مال فليصلحه، فإنكم في زمان من احتاج فيه إلى الناس كان أوّل ما يبذله دينه. قال عليّ رضي الله عنه لابن الحنفيّة «2» : يا بنيّ إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدّين، مدهشة للعقل، داعية للمقت. وعنه كرّم الله وجهه: الفقر الموت الأكبر. وعنه أيضا رضي الله عنه: إنّ المال حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:«أشقى الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة» . قيل:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا

وأقبح الجهل والإفلاس بالرّجل «3»

لقمان، إذا مرّ بالأغنياء كان يقول: يا أهل النعيم الأصغر، لا تنسوا النعيم الأكبر. وإذا مرّ بالفقراء يقول: إيّاكم أن تغبنوا مرّتين. نظر أعرابيّ إلى دينار فقال: ما أصغر قامتك وأكبر همتك. يقال: الدينار مفتاح الأوطار، والدرهم مزيل الهمّ. وقيل: الدراهم مراهم. قيل: النقود تحلّ العقود. عن النبي صلى الله عليه وسلم:

«الدراهم والدنانير خاتمان من خواتيم الله تعالى، فمن ذهب بخاتم من خواتيم

ص: 124

الله قضيت حاجته» . أبو الفتح البستيّ:

أشفق على الدرهم والعين

تسلم من العينة والدّين «1»

فقوّة العين بإنسانها

وقوّة الإنسان بالعين «2»

ابن فارس اللّغويّ:

إذا كنت في حاجة مرسلا

وأنت بها كلف مغرم

فأرسل حكيما ولا توصه

وذاك الحكيم هو الدرهم «3»

البستي:

الناس أعوان من والته دولته

وهم عليه، إذا عادته أعوان

سحبان من غير مال باقل حصر

وباقل في ثراء المال سحبان «4»

وقيل:

إنّ الدراهم في المواطن كلّها

تكسو الرجال مهابة وجمالا

فهي اللسان لمن أراد فصاحة

وهي السلاح لمن أراد قتالا «5»

وقيل:

لم ير ذو الحاجة في حاجة

أقضى من الدرهم في كفّه

ص: 125

وقيل:

على الحاجات أقفال ثقال

مفاتحها الهدايا في الظلام

قيل: الدرهم حاكم صامت، وعدل ساكت، وخاتم من الله نافذ، ولهذا المعنى سمي الدينار دينارا، ولهذا عظم وعيد من احتبسه وكنزه، فإنه كمن احتبس حاكما للناس تمشي به أمور معاشهم. ولذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«إن الذي يشرب في آنية فضة إنما يجرجر في جوفه «1» نار جهنم» لأنّه يؤدّي إلى منع الناس عن تصريفها في معاملاتهم. ولعظم منافعه قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً

«2» .

عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «نعمّا المال الصالح للرجل الصالح» . بعضهم: أمور الدنيا تدور على ثلاث مدوّرات: الدينار والدرهم والرغيف. وقيل:

ما مرسل أسرع في النجاح

من أبيض مدوّر الصّفاح

وقيل:

نعم المعين على المروءة للفتى

مال يصون عن التبذّل نفسه

لا شيء أنفع للفتى من ماله

يقضي حوائجه ويجلب أنسه

وإذا رمته يد الزمان بسهمه

غدت الدّراهم دون ذلك ترسه

أبو ذرّ، رفعه:«صاحب الدّرهمين أشدّ حسابا يوم القيامة من صاحب الدرهم» . الحسن: ما أعزّ أحد درهما إلّا أذله الله. عليّ رضي الله عنه: من

ص: 126

أتى غنيا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه. أرسطاطاليس: محبّة المال وتد الشرّ كله لأنّ الشرّ كله متعلق به. الحسن: أوّل دينار ضرب وضعه إبليس على عينيه وقال: من أحبك فهو عبدي:

النار آخر دينار نطقت به

والهمّ آخر هذا الدرهم الجاري

والمرء بينهما إن لم يكن ورعا

لا شكّ يجمع بين الهمّ والنار

فضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة، وإنما أهلكت القرون الأولى لأنهم أكلوا الربا، وعطّلوا الحدود، ونقصوا الكيل والميزان. عن النبي صلى الله عليه وسلم:

«التجّار هم الفجّار. فقيل: أليس الله أحلّ البيع؟ فقال: بلى، ولكنهم يحدّثون فيكذبون، ويحلفون فيحنثون» . عيسى عليه السلام: المال فيه داء كثير. فقيل: يا روح الله، ما داؤه؟ قال: يمنع صاحبه حقّ الله. فقيل: فإن أدّى حقّ الله؟ قال: لا ينجو من الكبر والخيلاء. فقيل: فإن نجا؟ قال:

يشغله إصلاحه عن ذكر الله. قال رجل لإبراهيم بن أدهم: اقبل منّي هذه الجبّة.

فقال: إن كنت غنيا قبلتها منك. فقال: أنا غنيّ. فقال: كم مالك؟ فقال:

ألفان. فقال: أيسرّك أن يكون أربعة آلاف؟ قال: نعم. قال: أنت فقير، لا أقبلها منك.

عليّ رضي الله عنه: يابن آدم، ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك. عامر: أحبّ الناس إلى الله الفقراء، فكان أحبّ خلقه إليه الأنبياء عليهم السلام، فابتلاهم بالفقر. أنس رضي الله عنه، رفعه: «يقول الله تعالى لملائكته؟ ادنوا من أحبّائي، فتقول الملائكة: سبحانك من أحبّاؤك؟ فيقول:

ادنوا من فقراء المسلمين» . محمد بن عبد الوهاب: ما رأيت أذلّ من الأغنياء في

ص: 127

مجلس سفيان الثوريّ، وما رأيت أعزّ من الفقراء في مجلسه. وكان يقال:

الفقراء في مجلس سفيان أمراء. فضيل: من أراد عزّ الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين.

أبو بكر رضي الله عنه: لا تحقرنّ أحدا من المسلمين، فإنّ صغيرهم عند الله كبير. كان مولانا جلال الدين قدّس الله سرّه يسأل خادمه عن المأكولات، فإن قال: لا شيء في البيت، كان يفرح ويحمد الله تعالى، وإن قال: ما لا بدّ منه حاضر، كان ينفعل ويقول: تجيء رائحة فرعون من داري. ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«يا معشر الفقراء ألا أبشّركم بأنّ فقراء المسلمين يدخلون الجنّة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة عام» . قال عون:

صحبت الأغنياء فلم يكن أحد أكثر غمّا مني، لأني كنت أرى ثيابا خيرا من ثيابي، ودابّة خيرا من دابّتي. ثم صحبت المساكين فاسترحت. ابن أدهم:

طلب أبناء الدنيا الراحة في الغنى فأخطؤوا، ولو علموا أنّ الملك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيف. قيل:

غنى النفس ما يكفيك عن سدّ حاجة

فإن زاد شيئا زاد ذاك الغنى فقرا «1»

أرسطو: أعظم الناس محنة من قلّ ماله وعظم مجده. عبد الملك لرجل:

مالي أراك واجما؟ قال: أشكو ثقل الشّرف. فقال: أعينوه على حمله. أبو إسماعيل «2» :

أريد بسطة مال أستعين بها

على أداء حقوق للعلا قبلي

ص: 128

ابن أدهم: طلبنا الفقر استقبلنا الغنى، وطلب الناس الغنى استقبلهم الفقر.

قال الحكماء: الشهرة آفة وكل الناس يتولّاها، والخمول راحة وكلّ يتوقّاها.

عمر رضي الله عنه: الفقر والغنى مطيّتان لست أبالي أيتهما ركبت. الشيخ أحمد الغزالي قدّس الله سرّه قال: من ميخ طويله در كل زدم نه در دل «1» . الإمام اليافعي رحمه الله تعالى: لو سقط من السماء قلنسوة ما وقعت إلا على رأس من لا يريدها. يقال: الدنيا تطلب الهارب وتهرب من الطالب. قيل: ما منع مال من حق إلا ذهب في باطل أضعافه. عليّ رضي الله عنه: إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع غنيّ والله سائلهم عن ذلك.

نزل جبريل عليه السلام على لقمان وخيّره بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة، فمسح بجناحه على صدره فنطق بها. فلمّا ودّعه قال: أوصيك بوصيّة فاحفظها: يا لقمان لأن تدخل يدك إلى مرفقك في فم تنين «2» خير لك من أن تسأل فقيرا قد استغنى. وقرىء عند المنصور قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا

«3» . فقال: حدّ الله النفقة: نهى عن الإسراف والتقتير، وأمر بالقصد والتقدير. حكيم: حسن التدبير مع الكفاف أكفى من المال الكثير مع الإسراف. قيل: الإسراف في العشرة يورث الإشراف على العسرة. النبيّ صلى الله عليه وسلم:

«الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق من الدين» . الحسن رضي الله عنه:

المؤمن قد أخذ عن الله أدبا حسنا فإذا وسّع الله عليه وسّع على عياله، وإذا قتر عليه قتر عليهم.

ص: 129

دخل لص على بعض الفقراء ففتّش في البيت فلم يجد شيئا، فلمّا أراد أن يخرج قال صاحب البيت: إذا خرجت فأغلق الباب. فقال اللصّ: من كثرة ما أخذت من بيتك تستخدمني؟. كان سائل يمشي ومعه ابنه الصغير، فسمع امرأة خلف جنازة وهي تقول: أين يذهبون بك يا سيدي؟ إلى بيت ليس فيه غطاء ولا وطاء»

ولا غداء ولا عشاء. فقال ابن السائل لأبيه: هذا إلى بيتنا يذهبون به.

خرج يوما الأعمش لتلامذته ضاحكا، فسئل عن سبب الضحك فقال: لي بنت صغيرة فأردت أن أخرج إليكم فأخذت بذيلي وسألت درهما فقلت: ليس لي درهم، فتوجّهت إلى أمها وقالت: ألم تجدي أحدا حتى قبلت هذا الفقيه الفقير؟. تناهد قوم «2» ، فقال أحدهم: عليّ كذا، وقال ذاك: عليّ كذا، وفيهم مفلس، فقيل: وما عليك؟ فقال: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

******

ص: 130