الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الروضة الثالثة والثلاثون في الأضاحيك والملح والمداعبات وما جاء من النهي عن المزاح والترخيص فيه والضحك والهزل والفرج بعد الشدّة وما ناسب ذلك
لقي يحيى عيسى عليهما السلام فتبسّم عيسى في وجه يحيى، فقال يحيى مالي أراك لاهيا كأنك آمن؟ فقال عيسى: مالي أراك عابسا، كأنك آيس؟ فقال:
لا نبرح حتى ينزل الوحي، فأوحى الله عز وجل: أحبّكما إليّ أحسنكما ظنّا بي، وروي: أحبّكما إليّ الطّلق البسّام. قيل لسفيان الثوريّ: المزاح هجنة فقال: بل سنّة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأمزح ولا أقول إلّا الحقّ» . عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لا مرأة من الأنصار: «الحقي زوجك ففي عينيه بياض. فسعت المرأة نحو زوجها مرعوبة، فلما وافته قال لها: ما دهاك؟ فقالت: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لي:
إن في عينيك بياضا، فقال الرجل: إنّ في عينيّ بياضا، لا لسوء» . «أتت عجوز أنصاريّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة، فقال لها:
أما علمت أن الجنّة لا تدخلها عجوز، فصرخت، فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
أما قرأت قول الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36) عُرُباً أَتْراباً
«1» .
ورأى نعيمان عكّة عسل في يد أعرابيّ فاشتراها منه وجاء بها بيت عائشة رضي الله عنها في يومها وقال: خذوها، فتوهّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أهداها له، ومرّ
نعيمان وترك الأعرابيّ على الباب، فلما طال قعوده قال: يا هؤلاء ردّوها عليّ إن لم تحضر قيمتها، فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصّة فوزن له الثمن، وقال لنعيمان: ما حملك على هذا؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ العسل ورأيت الأعرابيّ معه العكّة. فضحك عليه الصلاة والسلام، ولم يظهر له نكيرا. أبو هريرة رضي الله عنه: كان مزّاحا، وكان مروان ربما استخلفه على المدينة فيركب حمارا وقد شدّ عليه برذعة وفي رأسه شيء من الليف فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير. سئل النخعيّ: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال الرواسي. الشافعيّ رضي الله عنه:
إن كنت منبسطا سمّوك مسخرة
…
أو كنت منقبضا قالوا به ثقل
وإن أصاحبهم قالوا به طمع
…
وإن أجانبهم قالوا به ملل
أردشير: إن للآذان مجّة «1» ، وللقلوب ملّة، ففرّقوا بين الحكمتين بلهو.
بعض العرب: روّحوا الأذهان كما تروّحون الأبدان. كان ابن عباس يقول عند ملله من دراسة العلم: حمّضوا «2» فيخوضون في الأخبار والأشعار.
الشعبيّ: كان مزّاحا، قيل له: ما لنا نراك نحيفا؟ وكان ضئيلا، قال: إني زوحمت في الرحم، لأنه كان أحد التّوءمين. وقال لخيّاط مرّ به: عندنا حبّ «3» مكسور تخيطه؟ قال الخياط: إن وجد خيط من الريح. ودخل عليه يوما رجل ومعه امرأة في البيت فقال: أيّكما الشعبيّ؟ فقال الشعبيّ: هذه. الأصمعيّ:
شهرت بالأدب ونلت بالملح. أبو العيناء: سمعت الأصمعيّ يقول: النوادر
تشحذ الأذهان وتفتح الآذان. الحكماء: الهزل في الكلام كالملح في الطعام.
البستيّ «1» :
أفد طبعك المكدود بالهمّ راحة
…
تجمّ وعلّله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن
…
بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
دخل أبو العيناء بلدة والصبيان يلعبون ويترامون بالحجارة، فوقع حجر على رأسه فانكسر، وكان لم يجد صديقا فلم يأكل تلك الليلة طعاما، ثم بعد الصبح ذهب إلى أمير البلدة، فقال له الأمير: في أيّ يوم دخلت؟ قال: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
»
، قال: في أيّ ساعة؟ قال: فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
«3» ، قال:
وأين نزلت؟ قال: بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
«4» ، فضحك ووصله.
عبد الملك بن مروان سأل سويدا عن عشرة أعضاء في الإنسان أولها كاف، فقال: الكفّ والكتف والكوع «5» والكرسوع «6» والكاهل «7» والكبد والكرش والكلية والكفل «8» والكعب. فقال عبد الملك: أخطأت في الكرش فإنها للحيوان بمنزلة المعدة للإنسان، فقال سويد: أمهلني ساعة، قال: إلى متى تريد؟
فذهب سويد إلى الخلاء لحاجته فنظر إلى آلته فذكر الكمرة «9» ، فأسرع
مكشوف الإزار فرحا وقال: يا أمير المؤمنين الكمرة الكمرة وهي تمام العشرة، فضحك كثيرا وأمر له بإنعام كثير. عطاء بن السائب: كان سعيد بن جبير لا يقصّ علينا إلا أبكانا من وعظه، ولا يقوم من مجلسه حتى يضحكنا بمزحه.
أفلتت من معاوية ريح على المنبر فقال: أيها الناس إن الله خلق أبدانا وجعل فيها أرواحا فمتى يتمالك الناس أن لا تخرج منهم؟ فقام صعصعة بن صوحان فقال: أمّا بعد فإن خروج الأرواح في المتوضآت سنّة وعلى المنابر بدعة، وأستغفر الله لي ولكم.
خرج الرشيد إلى البساتين وجعفر البرمكيّ معه فإذا شيخ راكب على حمار رطب العينين، فغمز الرشيد جعفرا عليه فقال: أين تريد يا شيخ؟ فقال: في شغل لا يهمّك، فقال: أدلّك على شيء تداوي به عينيك؟ فقال: مالي حاجة إلى دوائك، فقال: بل لك حاجة، خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكمء فصيّره في قشر جوز اليأس واكتحل به فتذهب هذه الرطوبة، فاتّكأ الشيخ على ظهر حماره فضرط ضرطة طويلة وقال: هذه أجرة صنعتك فإن نفعنا زدناك.
فضحك الرشيد وكاد أن يسقط من على فرسه.
حضر على مائدة يزيد بن مزيد أعرابيّ فقال لأصحابه: افرجوا لأخيكم، فقال: لا حاجة لي إنّ أطنابي «1» طوال، يريد سواعده، فلمّا مدّ يده حبق «2» ، فقال يزيد: ما أحسب إلّا طنبا من أطنابك قد انقطع. حبق كاتب عمر بن عبد
العزيز بين يديه، فرمى قلمه وقام خجلا، فقال له: لا بأس عليك خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرّخ روعك «1» ، فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعت من نفسي.
نظر الحسن إلى ذي زيّ حسن فسأل عنه فقيل: ضارط يكتسب بذلك المال، فقال: ما طلب أحد الدنيا بما تستحقّه إلا هو.
قال رجل لمخنّث: لأضربنّك إلى الخراء، فضربه سوطا فلطّخ البساط، فقيل: ما هذا؟ فقال: ألست تريد الخراء فخذه وخلّصني.
ضرط أبو الأسود عند معاوية فقال: اكتمها عليّ يا أمير المؤمنين، فقال: ذاك لك، فاجتمع عنده ناس فقال: أعلمتم أن أبا الأسود ضرط آنفا، فقال أبو الأسود: إنّ من لا يؤتمن على ضرطة لحريّ أن لا يؤتمن على إمرته. سئل أبو حفص الورّاق في بعض مداعباته: ما بال الفسو لا يبقى والطيب يعلق ويبقى؟ فقال: إن للباطل صولة ثم تضمحلّ، وللحقّ دولة لا تنخفض ولا تذلّ. سأل رجل بعض الأطباء عن القرقرة فقال: ضراط لم ينضج. سمع عبادة بن يزيد من جوف أحمد بن حمدون قرقرة فقال له: ولدت في شباط؟ يعني أنك كثير الرياح.
كان ابن سيرين ينشد:
نبّئت أن فتاة كنت أخطبها
…
عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
ويضحك حتى يسيل لعابه. اتّكأ جحا على جارية أبيه وهي نائمة، فقالت: من هذا؟ فقال: اسكتي أنا أبي. وكان إسحاق بن أبي فروة مزاحا فقال لأعرابيّ يوما وهو يمازح: أتشهد بما لم تره عيناك؟ قال:
نعم أشهد أنّ أباك فعل بأمّك ولم أر ذلك، فأفحم فجعل على نفسه أن لا يمازح أبدا. عبد الله بن سالم: كان يقول: ترك الضحك من العجب أعجب من الضحك بغير عجب. الحسن: يا بن آدم تضحك ولعلّ كفنك خرج من عند القصّار. يقال: العجب ممن هو في سواء الجحيم وهو يضحك، وممن هو في بحبوحة الجنّة وهو يبكي، كما روي «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبكي حتى يبلّ الأرض» . الأحنف: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئا عرف به. عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:
«المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى» . عليّ رضي الله عنه:
ما مزح امرؤ مزحة إلا مجّ من عقله مجّة. وعنه رضي الله عنه: إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك. مزح رجل عند الحسن فقال له: إنما هو عمرك فاقطعه بما شئت. حكيم: تجنّب شؤم الهزل ونكد المزاح فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلّا بعد عسر. الحسن:
ضحك المؤمن غفلة من قلبه. إبراهيم: رآني فضيل أضحك فقال:
يا إبراهيم ألّا أحدّثك حديثا حسنا؟ قلت: بلى رضي الله عنك. قال:
لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين. يزيد بن معاوية على منبره: ثلاث يخلقن العقل: سرعة الجواب، وطول الصمت، والاستغراب في الضحك. قال
عبد الملك لبنيه: إياكم والمزح فإنه يذهب البهاء، وإياكم والقهقهة فإنها تذهب الهيبة. بعضهم: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، والدنيء فيجرؤ عليك.
يقال: المزح يجلب صغيرة الشرّ وكبيرة الحرب. قيل: المزح أوّله فرح وآخره ترح.
ابن مسعود رضي الله عنه: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ثم قرأ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
«1» » . بعض الحكماء: إن بقيت لم يبق الهمّ. بعض الفصحاء: طلع سعده بعد الأفول وبعد صيته بعد الخمول، فكان كمن أحيي وهو رميم وأنبت وهو هشيم. عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:
«النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وإنّ مع العسر يسرا» . عليّ رضي الله عنه:
عسر المرء مقدّمة اليسر.
إذا تضايق أمر فانتظر فرجا
…
فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج
وقيل:
عسى وعسى يثني الزمان عنانه
…
بتصريف حال والزمان عثور
فتدرك آمال وتحوى رغائب
…
وتحدث من بعد الأمور أمور
وكان أبو سعيد السيرافي ينشد كثيرا:
اسكن إلى سكن تسرّبه
…
ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحامله
…
في الحيّ لا يدرون ما تلد
عليّ رضي الله عنه: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أفضل أعمال أمتي انتظارها فرج الله
تعالى» . اللهمّ يا فارج الهمّ ويا كاشف الغمّ افرج همّنا واكشف غمّنا برحمتك يا أرحم الراحمين.