المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الروضة الثالثة في السلطنة والإمارة والوزارة والسياسة والعدل والعفو والطاعة للولاة وما ناسب ذلك - روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار

[الأماسي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة [المحقق]

- ‌1- ابن قاسم الأماسي (864- 940 ه

- ‌2- روض الأخيار:

- ‌[مقدمة الكتاب]

- ‌الروضة الأولى في الدين وما يتعلق به من العبادات

- ‌الروضة الثانية في العلم والحكمة والأدب والكتابة وما اتّصل بذلك

- ‌الروضة الثالثة في السلطنة والإمارة والوزارة والسياسة والعدل والعفو والطاعة للولاة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الرابعة في الجهاد والقتل والشهادة والحرب والصلح والأسلحة والغارة والهزيمة والشجاعة والجبن وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الخامسة في الظن والفراسة والعقل والفطنة والرأي والتدبير والتجارب والمشاورة

- ‌الروضة السادسة في القضاء والحكومة وذكر الشهود والديون والخصومات

- ‌الروضة السابعة في المتصوفة والقصّاص

- ‌الروضة الثامنة في الصناعات والمحترفين والكسب والتجارة والغنى والفقر وما ناسب ذلك

- ‌الروضة التاسعة في الرزق والحرمان وتبدّل الأحوال والتفاوت

- ‌الروضة العاشرة في ذكر الدنيا والآخرة والسنة والشهر واليوم والليلة والساعة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الحادية عشرة في السماء والسحاب والثلج والمطر والرّيح والحرّ والبرد

- ‌الروضة الثانية عشرة في النار والسّراج والماء والبحر والجنّة والرياحين والعقار

- ‌الروضة الثالثة عشرة في البلاد والديار والأبنية وما يتعلّق بها

- ‌الروضة الرابعة عشرة في الملك والجنّ والشياطين والحيوانات

- ‌الروضة الخامسة عشرة في ذكر الحبّ والبغض في الله والمجالسة والإخاء والجوار والصحبة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة السادسة عشرة في الجهل واللّحن والتحريف والخطأ وما ناسب ذلك

- ‌الروضة السابعة عشرة في الجنون والحمق والغفلة والمكر والاحتيال وترك الأناة والعجلة

- ‌الروضة الثامنة عشرة في الجوابات المسكتة ورشقات اللسان

- ‌الروضة التاسعة عشرة في الحياء والسكوت والعزلة والوحدة والاختلاط

- ‌الروضة العشرون في الصبر وضبط النفس والعفاف والورع والحلال والحرام

- ‌الروضة الحادية والعشرون في ذكر الله وحمده والتسبيح والدعاء والصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم والاستغفار

- ‌الروضة الثانية والعشرون في الصحة والأمراض والعلل والطب والدواء وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الثالثة والعشرون في المدح والثناء وطيب الذكر والذمّ والهجو والشتم والغيبة

- ‌الروضة الرابعة والعشرون في العزّة والشرف والرياسة والذلّ والهوان والخسّة وسقوط الهمّة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الخامسة والعشرون في الصدق والأمانة والوفاء والكذب والرياء والسعي والنميمة والغدر والخيانة والسرقة

- ‌الروضة السادسة والعشرون في الشفاعة والعناية وإصلاح ذات البين والصلاح والفساد وذكر الشرّ والفجور والعداوة والغيرة والحسد والبغضاء

- ‌الروضة السابعة والعشرون في الصحة والنعمة وشكرها وكفرانها والتوكل والقناعة

- ‌الروضة الثامنة والعشرون في الهديّة والرّشوة

- ‌الروضة التاسعة والعشرون في الطعام وألوانه والضيافة وذكر الأكل والشّبع والجوع واللذة والألم وما يتّصل بذلك

- ‌الروضة الثلاثون في ذكر النساء والتزوّج وأخلاق النساء والخطبة وذكر الغلمان واللواطة والإماء والجماع والذّكر والفرج وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الحادية والثلاثون في الأصوات والألحان والغناء والسماع واللهو واللعب واللذّات وذكر النبيذ والسّكر وما شاكل ذلك

- ‌الروضة الثانية والثلاثون في الملابس والخواتيم والألوان والخضاب والروائح والتصاوير

- ‌الروضة الثالثة والثلاثون في الأضاحيك والملح والمداعبات وما جاء من النهي عن المزاح والترخيص فيه والضحك والهزل والفرج بعد الشدّة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الرابعة والثلاثون في البكاء والحزن والمكاره والشدائد والبلايا والخوف والجزع والشكوى والعتاب

- ‌الروضة الخامسة والثلاثون في الأخلاق والعادات الحسنة والقبيحة والحلم والوقاحة والغضب والرفق والعنف والرقة والقسوة وخفّة الروح والثقل والتواضع والكبر والافتخار

- ‌الروضة السادسة والثلاثون في العمل والكدّ والتعب والسرعة والشغل والطلب والاستجداء ورفع الحوائج وقضائها

- ‌الروضة السابعة والثلاثون في الطمع والرجاء والأمل واليأس والحرص والتمنّي والوعد وإنجازه وإخلافه والمطل والتسويف

- ‌الروضة الثامنة والثلاثون في الحسن والقبح والسّمن والهزال والطّول والقصر والقوّة والضعف

- ‌الروضة التاسعة والثلاثون في العشق والمحبة والهوى

- ‌الروضة الأربعون في العجز والكسل والبلادة والتواني والنسيان

- ‌الروضة الحادية والأربعون في التعجب

- ‌الروضة الثانية والأربعون في الظلم والبغي والأذى

- ‌الروضة الثالثة والأربعون في الأسماء والكنى والألقاب

- ‌الروضة الرابعة والأربعون في السفر والغربة وما ناسب ذلك

- ‌الروضة الخامسة والأربعون في العبيد والجواري والخدم

- ‌الروضة السادسة والأربعون في السنّ وطول العمر وقصره والشيخ والشابّ

- ‌الروضة السابعة والأربعون في النوم والسهر والرّؤيا والفأل والطّيرة والكهانة والرّقى

- ‌الروضة الثامنة والأربعون في الشعر والفصاحة والبلاغة

- ‌الروضة التاسعة والأربعون في القرابات والأنساب وذكر حقوق الآباء والأمّهات وحبّ الأولاد وصلة الأرحام والشفقة والنصيحة والزّجر عن القبيح

- ‌الروضة الخمسون في الموت والوصيّة والمصيبة وما يتصل بذلك من ذكر القبر والنّعش والتّعزية

الفصل: ‌الروضة الثالثة في السلطنة والإمارة والوزارة والسياسة والعدل والعفو والطاعة للولاة وما ناسب ذلك

‌الروضة الثالثة في السلطنة والإمارة والوزارة والسياسة والعدل والعفو والطاعة للولاة وما ناسب ذلك

النبيّ صلى الله عليه وسلم: «زيّن الله السماء بثلاث: بالشمس والقمر والكواكب، وزين الله الأرض بثلاث: بالعلماء، والمطر، وسلطان عادل» . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أحبّ العباد إلى الله تعالى وأقربهم منه مجلسا يوم القيامة إمام عادل» . وعن عبد الله بن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: «عدل ساعة خير من عبادة سنة» . وعن ابن عباس أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنّ الإمام العادل ليرفع له في كل يوم مثل عمل رعيته، فصلاته تعدل تسعين ألف صلاة» . عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد أفضل عند الله من إمام إن قال صدق، وإن حكم عدل» .

قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن هذا السلطان الذي ذلّت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ قال:«ظلّ الله في الأرض، فإذا أحسن فله الأجر وعليكم الشكر، وإن أساء فعليه الإصر وعليكم الصبر» . قال مالك بن دينار «1» : وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: أنا مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، ولا تشغلوا ألسنتكم بسبّ الملوك ولكن توبوا إلى الله أعطّفهم عليكم.

ص: 52

وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني. هوشنك «1» : أنا رحمة للمصلحين ونقمة على المفسدين. الشعبيّ لام الحجّاج على ظلمه، فأعطى له دينارا كامل العيار وقال: بعه. فذهب إلى الصرّافين، قالوا: ناقص العيار. فجاء وحكى ما وقع فقال: اذهب إلى فلان في محلّة كذا. فذهب إليه فقال ذلك الرجل: هذا كامل العيار. فقال الشعبيّ:

أظلمك الحجّاج؟ قال: لا بل أنا في راحة من دولته ولا يترك علينا أحدا يظلم. قال مالك بن دينار: إذا غضب الله على قوم سلّط عليهم صبيانهم.

فضيل «2» : لو كان لي دعوة مستجابة لما جعلتها إلّا في الإمام، لأنه إذا صلح الإمام أمنت العباد والبلاد. فقبّل ابن المبارك رأسه وقال: يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك؟

يقال: الملك والدين توءمان. قال عليّ رضي الله عنه: السلطان حياة الرعية وصلاح البرية. وعنه كرّم الله وجهه: قلوب الرعية خزائن راعيها، فما أودعه من عدل أو جور وجده. قال ابن السماك للرشيد: إنّ الله قد وهب لك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، ولم يجعل فوق قدرك قدرا فلا تجعل فوق شكرك شكرا. عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطعمهم الطيّب ويأكل الغليظ ويلبس الخشن ويعطيهم الحق ويزيدهم. وأعطى رجلا عطاء أربعة آلاف درهم وزاده ألفا فقيل له: ألا تزيد ابنك كما تزيد هذا؟ فقال: هذا ثبت أبوه يوم أحد ولم يثبت أبو هذا.

ص: 53

قال أبو بكر رضي الله عنه: إنّا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأخذ لهم درهما ولا دينارا، ولكن أكلنا من جريش «1» طعامهم، ولبسنا من خشن ثيابهم، وليس عندنا من فيئهم إلّا هذا الناضح، وهذا العبد الحبشيّ، وهذه القطيفة «2» فإذا قبضت فادفعوها إلى عمر. فلمّا قبض أرسلوها إليه، فبكى حتى سالت دموعه ثم قال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده. شأن الهمم العالية الإعراض عن الزخرف الحائل، والإقبال على ما هو باق غير زائل.

كان عمر بن عبد العزيز من أشدّ الناس تنعّما قبل الخلافة، ولما ولي زهد في الدنيا. وخطب في جمعة فقوّمت ثيابه فلم تبلغ قيمتها ثلاثة دراهم. ويقال: من شهد من سوّاه زهد فيمن سواه، ومن عرف الإله لم يألف إلّاه. قبل سعيد بن المسيّب مال السلطان من الخمس ولم يقبله الثّوري «3» ، وقال: أعلم أنه لي حلال، ولكن أكره أن يقع لهم في قلبي مودّة. الحسن: لا يردّ جوائز الأمراء إلّا مراء أو أحمق. ونهى الثوري عن القرب من المنبر، فقيل: أليس يقال: ادن واستمع؟ قال: ذاك لأبي بكر وعمر والخلفاء، وأمّا هؤلاء فتباعد عنهم ولا تستمع كلامهم ولا تر وجوههم. قال الفقيه: كنت أفتي بعدم أخذ الإجارة على تعليم القرآن وبحرمة دخول العلماء على السلاطين، وبمنع العالم من الخروج إلى الرستاق «4» ، فرجعت عن الكلّ، لضياع القرآن وحاجة الخلق ولجهل أهل الرستاق.

ص: 54

عمر رضي الله عنه: أشقى الولاة من شقيت به رعيّته. عليّ رضي الله عنه:

إن شرّ الناس إمام جائر ضلّ وضلّ به، وأمات سنّة مأخوذة وأحيا بدعة متروكة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«يؤتى يوم القيامة بالجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها» .

ابن عباس رضي الله عنهما ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ من أشراط الساعة إماتة الصلاة واتباع الشهوات والميل إلى الهوى وتكون أمراء خونة، ووزرة فسقة.

فوثب سلمان فقال: بأبي أنت وأمّي إنّ هذا لكائن؟ قال: نعم يا سلمان، عندها يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء، ولا يستطيع أن يغيّر.

قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم يا سلمان، إن أذلّ الناس يومئذ المؤمن، يمشي بين أظهرهم بالمخافة، إن تكلّم أكلوه، وإن سكت مات بغيظه.

ولزمت بعض أمراء بلخ كفّارة يمين، فسأل فقيها فقال: كفّر بالصيام.

فبكى، لأنّ في أمره بالصيام أنّ جميع ما يملكه حرام ولا شيء له. إيّاك والإمارة فإنها للدماء أمارة، وللبلاء إبارة «1» . علامة إدبار الإمارة كثرة الطاعون وقلّة العمارة. وقيل: علامة إدبار دولة الملك أن يصحب الأحداث ومن لا عبرة له بالعواقب، وأن يقصد أهل مودّته بالأذى، وأن ينقص خراجه عن قدر مؤنة ملكه، وأن يكون تقريبه وتبعيده للهوى لا للرأي، والاستهانة بناصح العلماء.

عن بعض الحكماء: الملك للحق بمنزلة الجبال للأرض، فلا بدّ أن يكون وقورا حليما صبورا، وأمينا، لا مستعجلا في عقوبة رجل إذا سمع في حقه شيئا. وإلّا لا يأمن منه أحد، وتفسد قلوب الرعية عليه، وإذا اضطر إلى

ص: 55

المحاربة لا يقوم بنفسه بل يقوم تحت رايته، وإذا قام مقامه ابنه يجب أن يجلّ أجلّاء أبيه، لأن الحب والبغض يتوارثان، فلا يكادون يخلّون بينه وبين مكروه، ولا يقدّم أحداث القوم عليهم فتفسد عليه قلوبهم، وإذا جلس مكان العدوّ بالقهر لا يتركهم أمراء، لأنّ التعصب لا يخرج من قلوبهم، ولا يستبدّ برأيه، ويستشير في الأمور المشكلة كثيرا من أركان الدولة تحرّزا عن الخطأ. وينبغي أن يكون مبسوط اليد فإنّ الخلق لا تتبعه إلا لغرض دنيويّ، ولا يكون إنعامه مخصوصا بطائفة فإنّ الإمارة موقوفة على العسكر والفقراء والعلماء والبلغاء والشعراء وأهل الحرف. ويفوّض كلّ أمر إلى أهله وإلا فسدت قلوب المستحقّين عليه. فإنّ ألف ألف من الفصحاء لملك واحد لقليل، وعدوّا واحدا لكثير. وينبغي أن يكون له في كلّ سوق وقطر من يثق به من الناس، ليقف على ما هي عليه، ثم يطلعه عليه، فإنه كثيرا ما يقع في قلوب العامّة ما وقع وسيقع.

وأتي عمر بن عبد العزيز برجل، فقال: لولا أني غضبان لعاقبتك. وكان إذا أراد عقاب رجل حبسه ثلاثة أيام مخافة التعجيل في أوّل الغضب. عن بعض الحكماء: إيّاك وغرّة الغضب، فإنها تصيّرك إلى ذلّة الاعتذار. عليّ كرّم الله وجهه: حدّة المرء تهلكه. وعنه: حلم المرء عونه. وعنه: سوء الخلق وحشة الإخلاص. يقال: خرج «1» المال يؤتى بالتعويض والإخلاف، وأمّا النفوس فليس لإتلافهنّ تلاف. أردشير بابك: لا أستعمل السيف لمن عصى حيثما تكفي العصا، وما أتصدّى للعدوّ «2» بالصّول والنصل إذا كان يؤثّر فيه القول الفصل.

قيل: الفكر المعقول أمضى من الباتر المصقول. قيل:

ص: 56

غضب الكريم وإن تأجّج ناره

كدخان عود ليس فيه سواد

وينبغي للسلطان أن يؤخر العقوبة إلى انكسار غضبه، ويعجّل مكافأة المحسنين ويستعمل الأناة فيما يحدث، ففي تأخير العقوبة إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأة مسارعة الأولياء إلى الطاعة. وينبغي أن يكون وزيره مصلحا، فإن الوزير إذا صلح صلح الملك، وإذا فسد فسد الملك:

وإصابة الخلفاء فيما حاولوا

مقرونة بكفاية الوزراء

في أمثالهم: لا تسأل عن السلطان من هو؟ وانظر إلى الوزير من هو؟ لن يفلح وزير عند أمير ما طلع ابنا جمير، وسمر ابنا سمير «1» ، اتل على كلّ من وزر: كَلَّا لا وَزَرَ

«2» ، ألا أخبركم بالنفس الوزّارة، نفس بلاها الله تعالى بالوزارة. كلّ وزير موسى إلّا وزير موسى «3» . يقال: أحسن الوزراء حالا من أعدّ لكل أمر يجوز وقوعه عدّة، وأسوؤهم حالا من ترك الإعداد للنوازل ثقة بنفسه، واعتمادا بفطنته.

ويقال: من ظنّ من الملوك أنّ لعلمه فضيلة عن علم وزيره فقد غلط، وإن خالف بعد حجّة ظاهرة لم يفلح. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا أراد الله بأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يعنه» . ويقال: إذا أحبك الوزير فلا تخش الأمير، ولا تثقنّ بالأمير إذا أبغضك الوزير. قال الإسكندر لوزير وزر له مدّة طويلة، ولم ينبّهه على عيب: لا حاجة لي في خدمتك فإني إنسان،

ص: 57

والإنسان لا يخلو من الخطأ والنسيان، فإن لم تقف مني على خطأ فأنت جاهل، وإن وقفت وسترت فأنت خائن. سولون: من صحب السلطان فليصبر على قسوته كصبر الغوّاص على ملوحة بحره.

الإسكندر: لا تتلبّس بالسلطان في وقت اضطراب الأمور عليه، فإنّ البحر لا يكاد يسلم راكبه في وقت سكونه، فكيف لا يهلك مع اختلاف رياحه واضطراب أمواجه؟. ومن هذا أخذ المتنبي قوله في سيف الدولة:

هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا

على الدّرّ واحذره إذا كان مزبدا «1»

أبو علي الصّغاني: إيّاك والملوك، فإنّ من والاهم أخذوا ماله ومن عاداهم أخذوا رأسه. عن بعض السلف: يا بنيّ اتّق السلطان فإنه يغضب غضب الصبيّ ويصول صيال الأسد. وخرج أسد وذئب وثعلب فاصطادوا حمار وحش وغزالا وأرنبا. فقال الأسد للذئب: اقسم، فقال: الحمار للملك، والغزال لي، والأرنب للثعلب: فضرب رأس الذئب فقطع، ثم قال للثّعلب: اقسم، فقال:

الحمار يتغدّى به الملك، والغزال يتعشّى به، والأرنب يأكله بين ذلك. قال:

من علّمك هذا؟ قال: رأس الذئب.

حكي أن أسدا كان يلازمه ذئب وثعلب، فمرض الأسد، وتأخر الثعلب فسأل عنه الذئب، فقال: علم علّتك واشتغل بكسبه. فلمّا دخل عليه قال: ما أخّرك مع علمك بحالي؟ قال: جزت البلاد «2» إلى أن ظفرت بدوائك. قال: ما

ص: 58

هو؟ قال: خصية الذئب. فلمّا دخل الذئب عليه وثب فقطع خصيته وخرج الذئب والدم يسيل. قال الثعلب: يا صاحب السراويل الحمر إذا جالست الملوك فانظر كيف تذكر حاشيتهم عندهم. عن بعض الفضلاء: إن قرّبك السلطان فكن منه على حدّ السنان، وإن استرسل إليك فلا تأمننّ انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبي، وكلّمه بما يشتهي ما لم يضيع في ذلك حقا من حقوق الله تعالى، ولا يحملنّك ما ترى من الاستماع على أن تدخل بينه وبين أهله وولده وحشمه إلا بخير، فإنّ سقطة الداخل بين الملك وأهله سريعة، وإذا وعدت فحقّق، وإذا قلت فاصدق، ولا تجهر بكلامك كمكالم الأصمّ، ولا تخافت كمخاطب الأخرس، وإذا تحدثت بسماع فأسنده إلى أهله، وإيّاك والأحاديث الغريبة المنكرة.

قال المنصور: الملوك تحتمل كلّ شيء من أصحابها إلّا ثلاثا: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك. وقيل: إياك والملوك فإنهم يستصغرون ضرب الرقاب، ويستعظمون ردّ الجواب. عن الإسكندر: السعيد من لا يعرفنا ولا نعرفه، فإن عرفنا أطلنا يومه وأطرنا نومه. عن بعض الحكماء: أربعة من استقبلها بالرّدع في أربعة أحوال هلك: الملك في غضبه، والسيل في هجومه، والفيل في غلمته، والرعية في هيجها. عن بزرجمهر: لا يجوز الاعتراض على كلام الأمراء. قيل: من صحب الملوك بما لا يوافقهم كان هدف نبل الهلكة.

يقال: ليس من شأن ذوي الحزم مكاشفة الملوك بالنصائح في المحافل. وقيل:

من صحب الملوك بما يكرهون فلا يكرمونه. ويقال: ثلاثة إذا لم تنزل منزلتها يتحوّل عنها: الملك، والعالم، والنعمة. ويقال: العطب كل العطب من عناد

ص: 59

المقتدرين عند الغضب، والسيول الداهمة عند الصّبب «1» ، والدولة المقبلة في عنوان افتتاحها، وعصوف رياحها. قال هرمز بن سابور: نحن كالنار، من قاربها كثر عليه ضررها، ومن باعدها انتفع بها. وقيل: إن جالست الملوك فالزم الصمت، واستعمل الوقار، واحفظ الأسرار. أبو الفتح البستي قال:

إذا خدمت الملوك فالبس

من التقوّي أشدّ ملبس

فادخل إذا ما دخلت أعمى

واخرج إذا ما خرجت أخرس «2»

قيل: حرمة مجلس الملك إذا غاب كحرمته إذا حضر. الأصمعيّ: قال لي الرشيد أوّل يوم دخلت عليه: يا عبد الملك لا تعلّمنا في ملا، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلا، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلّغت الجواب فلا تزد، وإيّاك والبدار إلى تصديقنا، وإياك وإطالة الحديث، إلّا أن نستدعي ذلك، وإذا رأيتنا صارفين عن الحق فأرجعنا إليه برفق، بلا إضجار ولا تخطئة، وعلّمنا من العلم ما نحتاج إليه على المنابر وفاضل المخاطبات، ولا تكلمنا بغوامض الكلم وغرائب اللغة. وقيل: من استبدّ بتدبيره زلّ، ومن استخف بأميره ذلّ.

عن لقمان: إذا زادك الرئيس تقديما فزده إجلالا. عن أرسطو: من طلب خدمة السلطان بغير أدب خرج من السلامة إلى العطب. وكلام الملوك ملوك الكلام. عن بعض الأكابر: أرباب الدول ملهمون. عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ولي على عشرة كان له عقل أربعين، ومن ولي على أربعين كان له عقل أربعمائة» .

قيل: مشاورة الملوك للاستظهار على الآراء، لا لتقليد الوزراء. يقال: الملك

ص: 60

أعقل وإن كان الوزير أعلم. قال الرشيد للأصمعي: أنت أعلم منا ونحن أعقل منك. قيل: لولا فضل عقل الملك على عقول العلماء لما تواضعوا للعالم تعظيما لعلمه، وكم من عالم أبعده السلطان لحمقه الذي دلّ عليه قبيح فعله لا لجهله. وأصدق شاهد على كرم النفس اختصاص الفضلاء بالصحبة، واختيار العقلاء للمنّة.

ويقال: احذر الدنو من ذوي الدناءة لئلا تعديك طباعهم اللئيمة، وأخلاقهم الذميمة. أفلاطون: لا تصحب الشرّير فإن طبعك يسرق من طبعه شرّا وأنت لا تدري. عن لقمان: ثلاث فرق يجب على الناس مداراتهم: الملك المسلّط والمرأة والمريض. قال أبو الحسن طلحة رحمه الله:

احذر مباسطة الملوك ولا تكن

ما عشت بالتقريب منهم واثقا

فالغيث عيشك إن ظمئت وربما

ترمي بوارقه إليك صواعقا

قيل: لا يغرنك تقرّب الأمراء، وتملّق النساء، وضحك الأعداء، وحرّ الشتاء. ابن الدهان «1» :

لا تجعل الهزل دأبا فهو منقصة

والجدّ تعلو به بين الورى القيم

ولا يغرّنك من ملك تبسّمه

ما تصعق السحب إلّا حين تبتسم

الحجاج: جور السلطان خير من ضعفه، لأن ذاك يخصّ وهذا يعمّ. ابن المعتز: من شارك السلطان في عزّ الدنيا شاركه في ذلّ الآخرة. ابن السّماك:

الذّباب على العذرة «2» أحسن من القارىء على أبواب الملوك.

ص: 61

عجبت لأهل العلم كيف تغافلوا

عن الدين واستغشوا ثياب المهالك

يطوفون حول الظالمين كأنما

يطوفون حول البيت وقت المناسك

قدم ابن المبارك «1» بغداد، فأتاه الرشيد للزيارة فقعد على الباب، فلم يفتح له الباب، وقال: أنا عنه في غنى. فقام الرشيد وانصرف. وبعث يحيى للاستئذان لزيارته، فقال ليحيى: أما تستحيي؟ مثلك يكون رسول مثله، ولم يؤذن له.

قيل في ابن المبارك:

إذا سرت عبد الله من مرو ليلة

فقد سار عنها نورها وجمالها

إذا ذكر الأخيار في كلّ بلدة

فهم أنجم فيها وأنت هلالها

وكان الثوري يقول: أشتهي أن أكون مثل ابن المبارك سنة، والله ما أقدر ولا ثلاثة أيام. سهل بن عبد الله التستري «2» رحمه الله تعالى: اجتنب صحبة ثلاثة من أصناف الناس: الجبابرة الغافلين، والقرّاء المداهنين، والمتصوّفة الجاهلين. محمد بن واسع «3» : والله لسفّ التراب «4» ولقم القصب خير من الدنوّ من أبواب السلاطين. سعد بن حميد: عمل السلطان كالحمّام، من فيه يريد الخروج منه، ومن هو خارج يريد الدخول. الفاخريّ: أعطانا الملوك الآخرة طائعين، وأعطيناهم الدنيا كارهين.

ص: 62

قال كسرى لشيرين: ما أحسن هذا الملك لو دام، فقالت: لو دام ما انتقل إلينا. عزل عمار بن ياسر عن الكوفة فقال: وجدتها حلوة الرّضاع مرّة الفطام.

فيلسوف: الملك الأعظم أن يملك الإنسان شهوته. قال الأوّلون: ليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة العوامّ. قدّم حمزة العدويّ السارق إلى معاوية، فأمر بقطع يده، فقال:

يدي يا أمير المؤمنين أعيذها

بعفوك من عار عليها يشينها

ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها

إذا ما شمال فارقتها يمينها

فأبطل عنه الحدّ، فهو أوّل حدّ أبطل في الإسلام. كان عمر رضي الله عنه إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب. أردشير: إذا رغب الملك عن العدل رغب الرعية عن الطاعة. وعنه: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلّا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة. قيل: الرياسة لا تتمّ إلّا بحسن السياسة. قيل: السياسة أساس الرّياسة. قيل: من حسنت سياسته دامت رياسته. يقال: خير الملوك من أحسن في فعله ونيته، وعدل في جنده ورعيّته. ابن المبارك:

لولا الخلافة ما قامت لنا سبل

وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

قيل: السيف والسنان يفعلان ما لا يفعل بالبرهان. عمر رضي الله عنه: ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن. إدريس عليه السلام: من سكن موضعا ليس فيه سلطان قاهر، وقاض عادل، وطبيب عالم، وسوق قائمة، ونهر جار، فقد ضيّع نفسه وأهله وماله وولده.

ولم يكن بعد أردشير أعدل من أنوشروان، وهو الذي ولد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

ص: 63

لسبع سنين خلت من ملكه، وقال:«ولدت في زمن الملك العادل» . وسائر الأكاسرة كانوا ظلمة يستعبدون الأحرار. قيل: لما مات أنوشروان كان يطاف بتابوته في جميع مملكته وينادي مناد: من له علينا حقّ فليأت. فلم يوجد أحد له عليه درهم في ولايته. عن النبي صلى الله عليه وسلم: «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة» .

وعنه صلى الله عليه وسلم: «العدل عزّ الدين، وقوة السلطان، وفيه صلاح الخاصّة والعامّة» .

لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرا

فالظّلم آخره يأتيك بالنّدم

تنام عيناك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم «1»

الحكماء: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان. قيل: لا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان. وقيل: العدل تعمّ عوائده، والندى تخصّ فوائده. بعض الحكماء: لا سائس مثل العقل، ولا سيف مثل الحق، ولا عون مثل الصدق.

الماجشون «2» : عرج بروحي، فصعد بي الملك حتى أتى إلى السماء الدنيا فاستفتح ففتح له حتى انتهى إلى السابعة، فقيل له: من معك؟ قال:

الماجشون. فقيل: لم يأن له بعد، بقي من عمره كذا. ثم هبط بي فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك: إنه لقريب المقعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنه عمل بالحقّ في زمن الجور، وإنّهما عملا بالحقّ في زمن الحقّ. قيل: من طالت غفلته زالت دولته. وقيل: زوال الدّول باصطناع السّفّل «3» . قيل: ترك المعاتبة للسّفلة على صغائر الجرائم مدعاة لهم إلى الكبائر العظائم.

ص: 64

لمّا حصر عثمان رضي الله عنه، قال لبعض جلسائه: وددت أن رجلا صدقا «1» أخبرني عني وعنهم. فقام فتى من الأنصار وقال: يا أمير المؤمنين إنك تطأطأت لهم فركبوك، وتغافلت فسلبوك، وما جرّأهم على ظلمك إلّا إفراط حلمك، قال: صدقت، اجلس. ثم قال: ما يشبّ نيران الفتن؟ قال: سألت عن ذلك شيخا من تنوخ كان باقعة البقّاع «2» ، فقال: يشبّها أمران: أحدهما أثرة تضغن الخاصة والثاني حلم يجرّىء العامّة. قال: فما يخمدها؟ قال: يقول الشيخ: يخمد الفتن في ابتدائها استقالة العثرة، وتعميم الخاصّة بالأثرة، فإذا استحكمت أخمدها الأزم «3» . قال عثمان: فهو ذاك حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.

سأل يزدجرد حكيما: ما صلاح الملك؟ قال: الرفق بالرعية، وأخذ الحق منها بغير عنف، والتودّد إليها بالعدل، وأمن السّبل، وإنصاف المظلوم. قال:

ما يثير الفتنة؟ قال: ضغائن تحقدها جراءة عامّة ويولّدها استخفاف خاصّة، ويؤكّدها انبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسر وأمن معسر وعطلة ملتذّ ويقظة محروم. قال: فما يسكنها؟ قال: أخذ العدّة لما يخاف وإيثار الجدّ حين يلتذّ الهزل، والعمل بالحزم، والادّراع للصبر، والرضا بالقضاء.

يقال: قد تعامل الرعية المتشمّرة للفساد بالرفق فتترك أحقادها وتذلّ مقادها، وقد تعامل بالخوف فتكاشف بما غيّبت، وتقدم على ما تهيبت حتى يعود وفاقها

ص: 65

شقاقا، وقطرها سيلا بعّاقا «1» ، ثم إن غلبت فهو الدّمار، وإن غلبت لا يحصل بغلبتها افتخار، ولم يدرك بقهرها ثار. قيل: العدل معمار الأرض. المهديّ:

كان كثير العزل والولاية خشية من استيلاء الولاة على الرعية. دخل عليه رجل ومعه نعل فقال: هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقبّلها ووضعها على عينيه وأمر له بعشرة آلاف درهم، فلمّا انصرف قال: والله لم ير هذه النعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لو رددته يقول للناس: أعطيته نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّها، فيصدّقه أكثر الناس، لأنّ العامة شأنهم نصر الضعيف على القويّ. وكان إذا جلس للمظالم يقول: أدخلوا عليّ العلماء والقضاة لأردّ المظالم حياء منهم.

هاجت ريح شديدة في زمانه فدخل بيتا وألزق خدّه بالتراب وقال: اللهم إن كنت أنا المطلوب فها أنا بين يديك، اللهم لا تشمت بي الأعداء من أهل الأديان. ولم يزل حتى انجلت. كان يصلي بالناس الصلوات الخمس في جامع البصرة، فأقيمت الصلاة يوما، فقال أعرابيّ: يا أمير المؤمنين لست على طهر، وقد رغبت في الصلاة خلفك. فوقف في المحراب قائما حتى توضأ الأعرابيّ وجاء فكبّر وصلّى، وعجب الناس من خلقه. قيل: العدل حصن وثيق، في رأس جبل أنيق، لا يحطمه سيل، ولا يهدمه منجنيق. قيل: الملك العادل مكنوف بعون الله، ومحروس بعين الله.

سهل بن عبد الله «2» : من أنكر إمامة السلطان فهو زنديق، ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتدع، ومن أتاه من غير دعوة فهو جاهل. وعنه: هذه الأمّة ثلاث وسبعون فرقة اثنتان وسبعون هالكة، كلهم يبغضون السلطان، والناجية هذه

ص: 66

الواحدة التي مع السلطان. وسئل: أيّ الناس خير؟ فقال: السلطان. فقالوا:

نراه شرّ الناس. فقال: إنّ لله تعالى في كلّ يوم نظرتين: نظرة إلى سلامة أموال المسلمين، ونظرة إلى سلامة أبكارهم، فيطّلع في صحيفته فيغفر له جميع ذنوبه. وقال: الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال وإذا كان صالحا فهو القطب «1» الذي تدور عليه الدنيا.

يقال: إمام غشوم خير من فتنة تدوم. قال بليغ: رأيت صورة قمريّة في سيرة عمريّة. آخر: رأيت بفلان نور القمرين، وعدل العمرين. وأوّل خطبة خطبها عمر رضي الله عنه: أيها الناس، إنه والله ما منكم أحد هو أقوى عندي من الضعيف، حتى آخذ الحقّ له، ولا أصغر عندي من القويّ حتى آخذ الحق منه. ثم نزل.

قال رجل لسليمان بن عبد الملك، وهو جالس للمظالم: ألم تسمع قول الله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

«2» قال: فما خطبك؟ قال:

وكيلك اغتصب ضيعتي وضمّها إلى ضيعتك الفلانية. قال: فضيعتي ملك لك، وضيعتك مردودة إليك. وكتب إلى الوكيل بذلك وبصرفه عن عمله. عتب المنصور أمراءه «3» ، قال: كان لآل مروان غلام اسمه الحجاج، قد أتمّ أمر العراق، وفي دولتي أمراء لا يقدرون على طرف واحد. فقيل له: إنّ عبد الملك سلّم الأمر إلى ذلك الغلام، يفعل ما يريده، ولا يقدر أحد من أمرائك أن يأخذ

ص: 67

درهما خوفا منك. قال: صدقت، وأنا لا أقدر أن أبيع ديني بدنياي. خرج الرشيد إلى بعض الرّساتيق «1» فتظلّمت إليه امرأة من جنده، فقال: ألا تقرئين كتاب الله: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها

«2» فقالت: يا أمير المؤمنين أما قرأت: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا

«3» . قال: صدقت. وأمر بإخراج العسكر من تلك الناحية.

قيل: كان توقيع المأمون هذه الكلمات: المظلوم موقوف على النّصرة وإن عقمت محنته، والظالم على مدرجة العقوبة وإن طالت مدّته، ولكلّ مدّة غاية، ولكلّ محنة نهاية، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ

»

. وجد في جيب يحيى بن خالد بعد موته في الحبس رقعة فيها: قد تقدّم المدّعي، والخصم في الأثر، والحاكم لا يحتاج إلى بيّنة. فلما وقف عليها الرشيد بكى وقال: والله صدق. تظلّم أهل الكوفة إلى المأمون من واليهم فقال: ما علمت في عمّالي أعدل منه وأقوم بأمر الرعية. فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين، فعلى أمير المؤمنين أن يولّيه بلدا بلدا حتى يلحق كلّ بلد من عدله مثل الذي لحقنا، وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين. فضحك وعزله.

قال ابن المبارك: هلك أبو جعفر وما عدل، وقد أعدّ بيتا للأموال التي أخذها من العمّال مصادرة وجعلها فيه، وكتب عليها أسامي أصحابها. فلما عزم على الحج قال لابنه المهديّ: إذا متّ فاردد على العمال أموالهم. ففعل، فأحبّه الناس. وفي رواية، قال: يا محمد قد هيّأت لك أمرا ترضى به الناس،

ص: 68

وتحسن بها سيرتك ولا تغرم من مالك شيئا. أعطى المنصور، مع اشتهاره بالبخل، في يوم واحد عشرة آلاف ألف درهم. قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: بم النجاة من هذا الأمر؟ قال: بشيء هيّن. قال: وما هو؟ قال: لا تأخذ شيئا إلا من حقه ولا تضعه إلا في حقه. قال: ومن يطيق هذا؟ قال: من طلب الجنة وهرب من النار.

عبد الله بن طاهر سأل بعض الزهاد: كم تبقى هذه الدولة فينا؟ قال: ما دام بساط العدل في هذا الإيوان إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ

«1» .

سئل عمر بن عبد العزيز عن سبب توبته، فقال: ضربت غلاما لي، فقال: اذكر تلك الليلة التي صبيحتها يوم القيامة. فعمل ذلك الكلام في قلبي. وقف سليمان ابن عبد الملك بعرفات إذ حجّ ومعه عمر بن عبد العزيز فرعدت رعدة شديدة من رعد تهامة، فغشي على سليمان، فقال عمر: يا أمير المؤمنين هذا صوت الرحمة، فكيف بك عند صوت العذاب؟ فوجم سليمان، ثم قال: يا عمر ألا ترى إلى كثرة الناس؟ فقال: إنهم بعض خصمائك. فاشتدّ بكاء سليمان. وقال له يوما وقد أعجبه ملكه: كيف ترى ما نحن فيه؟ فقال: سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، وملك لولا أنه هلك، وفرح لو لم يعقبه ترح، ولذّات لو لم تقترن بآفات، وكرامة لو صحبتها سلامة. فبكى سليمان حتى اخضلّت لحيته بدموعه.

عليّ رضي الله عنه: العفو زكاة الظفر. أمر زياد بضرب عنق رجل، فقال:

أيّها الأمير، إن لي بك خدمة. قال: وما هي؟ قال: إن أبي جارك بالبصرة.

ص: 69

قال: ومن أبوك؟ قال: نسيت اسمي فكيف اسم أبي؟ فردّ زياد كمّه إلى فيه وعفا عنه. عاتب محمد بن زبيدة «1» أبا نواس فقال: يا أمير المؤمنين تمام العفو أن لا يذكر الذنب. النعمان بن المنذر:

تعفو الملوك عن العظي

م من الذنوب لفضلهم

ولقد تعاقب في اليس

ير وليس ذلك لجهلهم

بل ليخاف شدّة نكالهم. إبراهيم بن المهديّ كان مختفيا فأتي به إلى ابن أخيه المأمون، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين ذنبي أكبر من أن يحيط به عذر، وعفوك أعظم من أن يتعاظمه ذنب. غلام أبي تمّام يخاطب مولاه:

إذا عاتبتني في كلّ ذنب

فما فضل الكريم على اللئيم؟

آخر:

تبسّطنا على الآثام لمّا

رأينا العفو من أثر الذنوب

آخر:

أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع

ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو

أبو جعفر البستي:

اقبل معاذير من يأتيك معتذرا

إن برّ عندك فيما قال أو فجرا

فقد أطاعك من يرضيك ظاهره

وقد أجلّك من يعصيك مستترا «2»

محمد بن سيرين «3» : إذا بلغك عن أخيك ما يسوء فاطلب له عذرا، فإن لم

ص: 70

تجد فقل: لعل له عذرا. قيل لرجل: ما ظنّك بأخيك؟ قال: ظنّي بنفسي.

ومن يك ذا فم مرّ مريض

يجد مرّا به الماء الزّلالا «1»

آخر:

ولا تتركنّ العفو عن كلّ زلّة

فما العفو مذموم وإن عظم الجرم

غيره:

تحمّل زلّة الإخوان عنهم

إذا زلّوا وأنت بهم رفيق

ومن يبغي الصديق بغير عيب

سيبقى الدهر ليس له صديق «2»

صبّ على الحسن بن عليّ رضي الله عنهما بعض غلمانه الماء، فأصاب ثيابه شيء منه، فخاف الغلام وقال: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ

قال: كظمت. فقال الغلام: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ

قال: عفوت. فقال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

«3» . قال: أعتقتك ووهبت لك أربعمائة دينار. المأمون كان غاية في العفو، ولذلك قال: لو علم الناس حبّي للعفو لتقرّبوا إليّ بالجرائم. وقال:

والله إني قد استلذذت العفو استلذاذا أظنّ أن الله لا يأجرني عليه. قيل: الحليم من يغفر الذنب العظيم. قيل: شفيع المذنب إقراره، وتوبته اعترافه. يقال:

تعامي المذنب عن ذنبه ذنب آخر.

ص: 71

أذنب رجل من قوّاد المهديّ، وكان قد عتب عليه غير مرّة، فقال له: إلى متى تذنب؟ قال: ما أبقاك الله لنا، منّا الذنب ومنك العفو. فاستحيا منه ورضي عنه. عليّ رضي الله عنه: إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه. وقال رضي الله عنه: أعظم الذنوب ما استخفّ به صاحبه. جحود الذنب ذنبان. بعض الأكابر: عرفت ما اعترفت من تقصيرك، فوجدت الاعتراف أوكد معاذيرك. اعتذر رجل إلى يحيى بن خالد فأساء «1» ، فقال يحيى: ذنبك يستغيث من عذرك. اعتذر رجل إلى ابن أبي خالد فأساء، فقال لأبي عبّاد: ما تقول فيه؟ قال: يوهب له جرمه، ويضرب لعذره أربعمائة «2» . مسّ عبد ساق مولاه حين صعوده على المرقاة فقال: ما تفعل يا غلام؟ فقال: يا مولاي اعذرني فإني زعمتك سيّدتي. قيل لبعض الحكماء: ما المروءة؟ قال: باب مفتوح، وطعام مبذول، وإزار مشدود.

الحسن البصري: من مروءة الرجل صدق لسانه، واحتمال عثرات إخوانه، وبذل المعروف لأهل زمانه، وكفّ الأذى عن أباعده وجيرانه. قيل: الكريم حمول، واللئيم محمول. عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنا أعلم متى تهلك العرب. فقيل: متى تهلك؟ قال: إذا ساسهم من ليس له تقى الإسلام ولا كرم الجاهلية قال الراوي: صدق عمر فما دام سائسهم من له تقى الإسلام، مثل الخلفاء الأربعة، أو من له كرم الجاهلية مثل معاوية لم يهلكوا. فلمّا ساسهم يزيد الذي ليس له تقى الإسلام ولا كرم الجاهلية هلكوا. يقال: ثلاثة «3» تجرّ

ص: 72

الهلك إلى الملك: أن يتأمّر على عقل الملك الشهوات واللذات، وتحاسد الوزراء المقتضي لتخالف الآراء، ونكول الجنود عن الجلاد، وترك المناصحة في الجهاد.

وهم صنفان: صنف وسّع عليهم الملك فأبطرهم الإتراف، وضنّوا بنفوسهم عن التعرّض للإتلاف، وصنف قدّر عليهم الأرزاق، فكتموا الأحقاد ولزموا النفاق.

قيل: خير الملوك من تمكّن في قلوب رعيّته محبّته، كما تقرّر هيبته بخمسة: إكرام شريفها، ورحمة ضعيفها، وإغاثة لهيفها «1» ، وكفّ عدوان عاديها، وتأمين سبل رائحها وغاديها، فمن عدم شيئا منها فقد أحقد الرعية بقدر فقدها. يقال: العاقل لا يكون تحت سلطنة ملك اجتمع فيه خصلتان: الانهماك في اللذات، وإضاعة الفرص. يقال: تميّز الملوك عن الرعية بتميّز اللذات، لا بفضيلة الآلات، وهي خمسة: رحمة تشمل الرعية، ويقظة تحفظهم، وصولة تذبّ عنهم «2» ولبابة يكيد بها الأعداء، وحزامة «3» ينتهز بها الفرص. يقال:

الحزم التزام مؤاخاة العدوّ، ما دامت له ريح هابّة ودولة مقبلة، والعجز إضاعة الفرصة فيه، إذا ركدت ريحه وأدبرت دولته.

يقال: الملك كالسّوق، يجلب إليها ما يروج فيها، فإذا خلا بأهل الجدّ نبّهوه بالنصائح على اعتماد المصالح، والإعداد للخطوب في المهل الفسائح «4» فأتعبوه، وإذا خلا بأهل الهزل اعتمدوه بالفكاهات وحسّنوا له انتهاز فرص الشهوات فأطربوه، فحمله ذلك على أن يجهم «5» أهل الجدّ فاجتنبوه،

ص: 73

ويهشّ إلى أهل الهزل فجلبوه. في المثل السائر: أمر مبكياتك، لا أمر مضحكاتك «1» . يقال: قبيح على اللبيب أن يعجبه مدح المادحين، أو يضغنه قدح القادحين، قبل أن يتفقد أعماله، فيعلم ما عليه وماله، وكان من الذين خسروا خسرانا مبينا، وفضّل عليه الناقصات عقلا ودينا. يقال: النصيحة بشعة المبادي، وحلوة العواقب، فهي كالأدوية يسوء استعمالها، ويسرّ مآلها، ويذمّ عبّها، ويحمد غبّها. يقال: يسعد النّصحاء بالملك إذا كان مؤيدا بفضيلة العقل، متنزّها عن رذيلة الهزل، فإن لم يكن كذلك يشقى به النّصحاء، ويسعد به المداهنون.

دخل أبو عمرو على بعض الأمراء فسأله عن شيء فصدقه، فلم يستحسن ذلك الأمير، فغضب أبو عمرو وخرج وهو يقول:

أنفت من الذّلّ عند الملوك

وإن أكرموني وإن قرّبوا

إذا ما صدقتهم خفتهم

ويرضون منّي بأن يكذبوا

يقال: أولى النّصحاء بالقبول من سعادتك سعادة له، فسعيه لك سعي له.

يقال: الأمين من الوزراء من يصحب الملوك بالصدق في المناصحة، والخائن من يصحبهم بالمداراة والمداهنة. عليّ رضي الله عنه: إنما أمهل فرعون في دعواه لسهولة إذنه «2» وبذل طعامه. عن سعيد بن المسيّب: نعم الرجل عمر بن عبد العزيز لولا حجابه. قيل: إنّ داود عليه السلام ابتلي بالخطيئة لحجابه. قال بعض الشعراء:

ص: 74

ليس الحجاب بآلة الأشراف

إنّ الحجاب مجانب الإنصاف

ولقلّ من يأتي فيحجب مرّة

فيعود ثانية بقلب صافي

أبو العتاهية:

متى ينجح الغادي إليك بحاجة

ونصفك محجوب ونصفك نائم «1» ؟

أبو تمام:

ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا

إنّ السماء ترجّى حين تحتجب «2»

ابن نباتة السعدي مدحا:

ولو كان الحجاب بغير نفع

لما احتاج الفؤاد إلى الحجاب «3»

أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: لا تقتل السامريّ «4» فإنه سخيّ.

جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: ما أنعم الله على عبد نعمة فلم يحتمل مؤنة الناس إلّا عرّض تلك النعمة للزوال. يقال: من احتفل في غلوّه استفل «5» من علوّه. بهرام بن هرمز: المروءة اسم جامع للمحاسن كلّها. يقال: جمع المروءة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ

«6» الآية.

ص: 75

الشافعي رحمه الله تعالى قال لابنه: والله لو علمت أنّ الماء البارد يثلم في مروءتي ما شربت إلّا حارّا حتى أفارق الدنيا. قيل: الفتوّة إظهار النعمة، وإخفاء المحنة. وقيل: كفّ الأذى وبذل النّدى، وترك الشّكوى. قيل لأنوشروان: ما الجود الذي يسع الناس كلّهم؟ قال: إرادة الخير لجميعهم، وبسط الوجه لهم.

يحيى البرمكيّ: أعط من الدنيا وهي مقبلة، فإنّ ذلك لا ينقص شيئا منها، وأعط منها وهي مدبرة فإنّ منعك لا يبقي عليك منها شيئا. قال أنس رضي الله عنه: كنت عند الحسن بن عليّ رضي الله عنهما فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان، فحيّته بها فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى. فقلت له: حيّتك جارية بطاقة ريحان لا قيمة لها فأعتقتها. قال: كذا أدّبنا الله تعالى فقال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها

«1» وكان أحسن منها إعتاقها.

أمر المأمون الحسن بن عيسى كاتب وزيره عمرو بن مسعدة أن يكتب كتابا، فالتفت الحسن إلى الوزير ينتظر الإذن منه، ففهمه عنه المأمون فقال: يعطى الحسن مائة ألف لانتظاره أمر صاحبه. عليّ رضي الله عنه: كن سمحا ولا تكن مبذّرا، وكن مقدّرا ولا تكن مقتّرا. سقراط: أفضل السّيرة طيب الكسب وتقدير الإنفاق. عليّ رضي الله عنه: لا تستحي من العطاء القليل فإن الحرمان أقلّ منه. قيل للأحنف: ما الإنسانية؟ قال: التواضع عند رفعة، والعفو عند قدرة، والعطاء بغير منّة. بعض السّلف: الأيدي ثلاث: يد بيضاء وهي المبتدئة بالمعروف، ويد خضراء وهي المكافئة، ويد سوداء وهي المانّة. عليّ رضي الله عنه: السخاء ما كان ابتداء، فأمّا ما كان عن مسألة فحياء. قال ابن

ص: 76

عباس رضي الله عنهما لابن أخيه: أفضل العطيّة ما أعطيت الرجل قبل المسألة، فإذا سألك فإنما تعطيه ثمن وجهه حين بذله لك. وأنشد في هذا المعنى:

ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله

عوضا وإن نال الغنى بسؤال

فإذا السؤال مع النوال وزنته

رجح السؤال وخفّ كلّ نوال

وقال آخر:

ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلت

من ماء وجهي إذا أفنيته عوضا

وقال آخر:

بئس المطاعم حين الذلّ يكسبها

القدر منتصب والقدر مخفوض

يقال: أجلّ النوال ما وصل قبل السؤال. قيل: أولى الناس بالنوال أزهدهم في السؤال. قال المبرّد «1» : كان في خلق حسن بن رجاء «2» شراسة، وفي كفّه ضيق. فكتب إليه [بعض] الناس: أعزّ الله الأمير، رجلان حرّ وعبد، فثمن الحرّ الإكرام، وثمن العبد الإنعام. فأصلحه هذا القول أياما ثم رجع إلى طبعه.

قيل: أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:

سأمنح مالي كلّ من جاء طالبا

وأجعله وقفا على القرض والفرض

فإمّا كريم صنت بالمال عرضه

وإمّا لئيم صنت عن لؤمه عرضي «3»

ص: 77

أبو الطيب:

لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها

سرور محبّ أو إساءة مجرم «1»

قيل: من ليس له إحسان ليس له إخوان. عليّ رضي الله عنه قال: يسود المرء قومه بالإحسان إليهم. بعض الحكماء: من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك العباد. أبو نواس في الخصيب:

فتى يشتري حسن الثناء بماله

ويعلم أنّ الدائرات تدور

فما جازه جود ولا حلّ دونه

ولكن يسير الجود حيث يسير «2»

قيل: خير المال ما وقي به العرض. سئل الإسكندر عن أفضل ما سرّه من ملكه، فقال: اقتداري على أن أكثر الإحسان إلى من سبقت منه حسنة إليّ.

وقيل له: لم لا تكنز الأموال كما كانت تفعل الملوك؟ فقال: كنوزي هم أصحابي، أكنز الأموال فيهم لا في البيوت. قيل: من حفظ ماله ضيّع رجاله.

عليّ كرّم الله وجهه: أحسن الكنوز محبة القلوب. أفلاطون: من لم يواس الإخوان عند دولته، خذلوه عند فاقته. يقال: المواساة أفضل الأعمال، والمداراة أجمل الخصال. قيل: من بسط يده بالإنعام صارت نعمته على الدوام. يقال: من جاور الكرام أمن من الإعدام «3» . قيل: من قرب برّه بعد ذكره. البستيّ:

إذا ملك لم يكن ذاهبه

فدعه فدولته ذاهبه»

ص: 78

آخر:

حسن الفعال من الصلصال مقصود «1»

والمرء بالفعل مذموم ومحمود

فإنّما يرفع الإنسان أربعة:

العلم والحلم والإحسان والجود

يقال: من هان عليه المال توجّهت إليه الآمال. من رقي في درجات الهمم عظم في عيون الأمم. من كبرت همّته كثرت قيمته. قيل: من تمام الكرم إتمام النعم. في الحكمة: ثواب الجود خلف ومحبّة ومكافأة، وجزاء البخل حرمان وإتلاف ومذلّة. عمر بن عبد العزيز: لو تحالفت الأمم وجئنا بالحجّاج لغلبناهم، ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفى العمارة، فأخسّ بها «2» حتى صيّر خراجها أربعين ألف ألف، وقد أدّى عاملي ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت خراج عمر بن الخطاب رضي الله عنه مائة ألف ألف.

قيل: من بذل فلسه صان نفسه. دخل رجل عليه ثياب رثة يوما على الإسكندر، فتكلّم بفصاحة فقال الإسكندر: ليكن حسن ثيابك كحسن كلامك، فقال: أنا قادر على الكلام وأمّا الثياب فأنت تقدر عليها. فخلع عليه وأكرمه.

عن بعض الأسخياء أنّ محتاجا سأله فقال: من أنت؟ فقال: الذي أحسنت إليّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسّل بنا علينا. قيل: أحقّ الناس بحلّتك أصدقهم في خلّتك «3» . كان لملك وزير كاف لأمور السياسة، فهرب منه، فكتب الملك إليه بخطّه، ووعده من الملك والملك. فأجاب: أمّا بعد فإني

ص: 79

كنت حرّ الأصل فاستعبدني برّك، وردّني إلى الحرّية جفاؤك، فلست بعائد إلى الرّقّ، والسلام.

قيل: الإنسان عبد الإحسان. يقال: إذا كانت القلوب مجبولة على مقة المحسن «1» ، وكانت المحبة رقّا، والأحرار يكرهون الاسترقاق، فالحرّ في الحقيقة من فدى قلبه من رقّ محبّة المحسنين، بمكافأتهم على إحسانهم جهده.

وما مال من أعطى الكرام بناقص

ولكنه عند الكرام ودائع

بعض الحكماء: العجب ممن يشتري العبيد بماله، كيف لا يشتري الأحرار بفعاله. الشافعي رحمه الله تعالى:

وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم

وخير تجارات الكرام اكتسابها «2»

البستيّ رحمه الله تعالى:

من جاد بالمال مال الناس قاطبة

إليه، والمال للإنسان فتّان

من كان للخير منّاعا فليس له

على الحقيقة إخوان وخلّان «3»

المتنبي:

ما كنت أعتقد المكارم والعلا

والعلم والإفضال والإحسانا

قد حازهنّ من البريّة واحد

حتى رأيت بعيني البرهانا «4»

قيل: من زرع خيرا حصد أجرا. إسكندر: استقلل كثير ما تعطي، واستكثر

ص: 80

قليل ما تأخذ، فإنّ قرّة عين الكريم فيما يعطي، ومسرّة قلب اللئيم فيما يأخذ.

بعض الكرام:

لا يألف الدّرهم المضروب صرّتنا

لكن يمرّ عليها وهو منطلق

إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا

ظلّت إلى طرق المعروف تستبق «1»

بعضهم:

ملأت يدي من الدنيا مرارا

فما طمع العواذل في اقتصادي «2»

ولا وجبت عليّ زكاة مال

وهل تجب الزكاة على جواد

قيل:

كفى حزنا أنّ الجواد مقتّر

عليه، ولا معروف عند بخيل

يقال: الجود والشجاعة ينبوعان من عين واحدة، وهي قوّة النفس وبعد الهمّة. وكانوا يقولون: لا يكون الشجاع إلّا جوادا حتى نقض ذلك عبد الله بن الزبير فإنه كان شجاعا وكان يبخل.

أبو تمام:

أيقنت أنّ من السماح شجاعة

وعلمت أنّ من الشجاعة جودا «3»

كعب بن زهير: لما بلغ في مدحه صلى الله عليه وسلم إلى قوله:

ص: 81

نبّئت أنّ رسول الله أوعدني

والعفو عند رسول الله مأمول «1»

ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بردته عليه. قيل لبزرجمهر: أيّ شيء نلته وأنت به أشدّ سرورا؟ فقال: ما يأتي على مكافأة من أحسن إليّ. عليّ رضي الله عنه: عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شرّه بالإنعام عليه. وعنه رضي الله عنه: ازجر المسيء بثواب المحسن. قيل: الحرّ لا تذهله إساءة من كان أحسن إليه عن شكر إحسانه السالف عنده. عليّ رضي الله عنه: ليس شيء بشرّ من الشرّ إلّا عقابه، وليس شيء بخير من الخير إلّا ثوابه. النبي صلى الله عليه وسلم:«تواضع للمحسن إليك وإن كان عبدا حبشيا، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرّا قرشيا» .

الجاحظ: من قابل الإساءة بالإحسان فقد خالف الله في تدبيره. ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا تجب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك.

عليّ رضي الله عنه: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا وأمّر عليهم رجلا وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. فأجّج نارا وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها وقالوا: إنما فررنا من النار. وأراد قوم أن يدخلوها فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» . وقال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . عليّ كرّم الله وجهه: جعل الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة «2» . وعنه رضي الله عنه:

إياكم والفرقة فإن الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب، ألا من عاد إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي. يريد شعار الخوارج.

الحجّاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله تعالى، لأن الله تعالى يقول:

ص: 82

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ

«1» فجعل فيها استثناء، وقال في حقّنا: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا

«2» فلم يجعل فيها استثناء. فلو قلت لرجل: ادخل من هذا الباب، فلم يدخل حلّ لي دمه. وقيل له: أنت حسود. قال: أحسد مني من قال:

رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي

«3» . قال عبد الملك له: كيف طاعتك؟ قال: كطاعة الحمار الحمول العمول، إن حمل عليه اثنان قال: هو ذاك، وإن حمل عليه ثلاثة قال: هو ذاك، وإن أقضم رضي، وإن لم يقضم عمل العمل.

أمر رجل رجلا، فقال: أنا أطوع لك من الرداء، وأذلّ لك من الحذاء.

ولو أنه قال مت حسرة

لسارعت طوعا إلى أمره

يقال: المهذّب مطواع. بعض الخلفاء «4» : دلّوني على رجل إذا كان في قوم وهو منهم فكأنّه أميرهم، وإذا كان أمير القوم فكأنه رجل منهم. قالوا: هو ربيع ابن زياد «5» . قال: صدقتم. أبرويز «6» : أطع من فوقك يطعك من دونك. وكان يقول: إذا أردت أن تفتضح فمر من لا يمتثل بأمرك. إسفنديار «7» : إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع. وعنه: إنّ المولى إذا كلّف عبده ما لا يطيقه فقد أقام عذره في مخالفته. سئل أنو شروان: من أسوأ الناس حالا؟ فقال: عالم يجري

ص: 83

عليه حكم الجاهل. قيل: إذا ساد اللئام باد الكرام. وقيل: إذا ارتفع الوضيع اتّضع الرفيع. دولة الأشرار محنة الأخيار. إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل. إذا ساد السّفل خاب الأمل. من أجلّ الغنائم دولة الأكارم.

أمرّ من طعم كلّ مرّ

خضوع حرّ لغير حرّ

آخر:

لا بدّ للمرء من سجود

في زمن السّوء للقرود

ابن نباتة رحمه الله تعالى:

سجدنا للقرود رجاء دنيا

حوتها دوننا أيدي القرود

فما بلّت أناملنا بشيء

وما نلنا سوى ذلّ السجود «1»

صاحب كليلة «2» : لا يردّ بأس العدوّ القويّ بمثل الخضوع، كما أن الحشيش يسلم من العاصف «3» بلينه لها وانثنائه معها. قال عمر بن عبد العزيز لمؤدّبه:

كيف كانت طاعتي لك؟ قال: أحسن طاعة. قال: فأطعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى يبدو عقباك. فضيل: من أطاع المخلوق فقد آثره عليه تعالى، ما أبالي فعلت ذلك أو صلّيت لغير القبلة.

إبراهيم بن أدهم: لأن أدخل النار وقد أطعت الله أحبّ إليّ من أن أدخل الجنة وقد عصيت الله. عليّ رضي الله عنه: من أراد الغنى بلا مال، والعزّ بلا عشيرة، والطاعة بلا سلطان، فليخرج من ذل معصية الله تعالى إلى عزّ طاعته، فإنه واجد ذلك كلّه. والله تعالى أعلم.

ص: 84