الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الروضة الخامسة والثلاثون في الأخلاق والعادات الحسنة والقبيحة والحلم والوقاحة والغضب والرفق والعنف والرقة والقسوة وخفّة الروح والثقل والتواضع والكبر والافتخار
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك، والملك يجرّه إلي الخير، والخير يجرّه إلى الجنة، وسوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه والزمام بيد الشيطان والشيطان يجرّه إلى السوء والسوء يجرّه إلى النار» . قيل: «إن الصبيان أخذوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في طريق المسجد وقالوا: كن لنا جملا كما تكون للحسن وأخيه، قال لبلال: اذهب إلى البيت وائت بما وجدته لأشتري نفسي منهم، فأتى بثمان جوزات فاشترى بها نفسه» .
وقال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله أخي يوسف باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وباعوني بثمان جوزات» . بعض السلف: الحسن الخلق ذو قرابة عند الأجانب، والسيّىء الخلق أجنبيّ عند الأقارب. سقراط: رأس الحكمة حسن الخلق. الأصمعيّ: قلت لابن المقفّع: من أدّبك؟ قال: نفسي: كنت إذا رأيت من غيري حسنا أتيته، وإذا رأيت قبيحا أبيته. إبراهيم الصوليّ:
أولى السجيّة طرّا أن تواسيه
…
عند السرور الذي واساك في الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا
…
من كان يألفهم في المنزل الخشن «1»
سقراط: من حسن خلقه طابت عيشته، ودامت سلامته، وتأكدت في النفوس محبته، ومن ساء خلقه تنكّدت معيشته، ودامت بغضته، ونفرت النفوس منه. أفلاطون: حسن الخلق من صبر على سيىء الخلق. أرسطو:
سيىء الخلق مخاطر بنفسه. وعنه: بلين الكلام تدوم المودّة في الصدور، وبخفض الجناح تتمّ الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيش ويكمل السرور.
بعض الفضلاء: من ساء خلقه ضاق رزقه. سقراط: حسن الخلق يغطّي غيره من القبائح، وسوء الخلق يقبّح غيره من المحاسن. قيل: من حسن خلقه كثر صديقه، ومن لانت كلمته وجبت محبته.
عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «أوّل ما يوضع في الميزان الحسن الخلق» «1» . وعنه عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة يعذرون بسوء الخلق: المريض والصائم والمسافر» .
يقال: ما تقلّد امرؤ قلادة أحسن من حلم. قيل: الحلم حجاب الآفات وملح الأخلاق. شتم الشعبيّ رجل فقال: إن كنت كاذبا فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي. تكلّم اليزيديّ مع الكسائيّ بين يدي الرشيد فظهر كلامه على الكسائيّ فرمى بقلنسوته الأرض فرحا بالغلبة، فقال الرشيد: لأدب الكسائيّ مع انقطاعه أحبّ إلينا من غلبتك مع سوء أدبك. في المثل: العصا لمن عصى.
يقال: من لم تقوّمه الكرامة قوّمته الإساءة. بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبّة.
البحتريّ:
أرى الحلم بؤسا في المعيشة للفتى
…
ولا عيش إلّا ما حباك به الجهل
وقيل:
أرى الحلم في بعض المواضع ذلّة
…
وفي بعضها عزّا يسوّد فاعله
قيل للإسكندر: فلان يحبّ بنتك فيجب أن يقتل، قال: إذا قتلنا المحبّ والعدوّ يلزم أن لا يبقى في الأرض أحد. كان معاوية رضي الله عنه معروفا بالحلم فلم يغضبه أحد، فادّعى واحد أن يغضبه فدخل عليه وقال: أطلب منك أن تزوّجني والدتك فإن لها دبرا كبيرا، فقال: ذلك سبب حبّ أبي لها، ثم قال للخازن: أعطه ألف دينار ليشتري بها جارية. مرّ عيسى عليه السلام على قوم من اليهود فأطالوا عليه اللسان، فأثنى عليهم، فسئل فقال: كلّ أحد ينفق ما عنده.
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . قيل:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا
…
وتستح مخلوقا فما شئت فاصنع
حكيم: الخرس خير من الكذب، والخصاء خير من الزنى، والمعيشة بالجهد والفاقة خير من المعيشة بالبذاء وقلّة الحياء. ذكر رجل وقحا فقال: لو دقّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بأستار الكعبة لسرقها. ابن سلّام: العاقل شجاع القلب والأحمق شجاع الوجه. الفاقة خير من الصفافة «1» . قيل في وقح:
الصخر أهشّ عند وجهه في الوقاحة. أنو شروان: أربع قبائح وهي في أربعة أقبح: البخل في الملوك، والكذب في القضاة، والحدّة في العلماء، والوقاحة في النساء. يقال: كل ذي وجه حييّ ذو لسان عييّ. بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
…
وفاز باللذّة المستهتر اللهج
سلم الخاسر:
من راقب الناس مات همّا
…
وفاز باللذّة الجسور
وكان يقال: اثنان لا يتفقان أبدا: القناعة والحسد، واثنان لا يفترقان أبدا:
الحرص والقحة. هجا أبو الهول الحميريّ الفضل بن يحيى ثم أتاه راغبا إليه فقال له: بأيّ وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى به ربي وذنوبي إليه أكثر.
فضحك ووصله. قيل في وقح:
لو أنّ لي من جلد وجهك رقعة
…
لجعلت منها حافرا للأشهب
لقمان: ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. جعفر رضي الله عنه: من لم يغضب عن الجفوة لم يشكر للنعمة.
يقال: من استغضب ولم يغضب فهو حمار. قيل:
ليست الأحلام في حال الرضا
…
إنما الأحلام في حال الغضب
عن المبرّد أنه كتبه على ظهر أخصّ كتبه ليكون نصب عينيه.
عليّ رضي الله عنه: دم على كظم الغيظ تحمد عواقبك. معاذ بن أنس الجهنيّ رضي الله عنه: عنه صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره في أيّ الحور شاء» .
وروي: «ملأه الله أمنا وإيمانا» . يقال: أسرع الناس غضبا الصبيان والنساء وأكثرهم ضجرا الشيوخ. فضل بن سهل: ما أسترضي الغضبان ولا أستعطف السلطان. بعض الحكماء:
إن كنت تطلب رتبة الأشراف
…
فعليك بالإحسان والإنصاف
وإذا اعتدى أحد عليك فخلّه
…
والدهر فهو له مكاف كاف
وقيل:
إذا أنت جازيت المسيء بفعله
…
ولم تك ذا فضل على كلّ مذنب
فأنت ومن يجني الجناية واحد
…
فقد سقط الإحسان من كلّ جانب
يقال: التحمّل من سوء الخلق من أخلاق الأبرار. كانت عائشة تبكي على جارية، فقيل لها في ذلك فقالت: أبكي حسرة على ما فاتني من تحمّل خلقها، فإنها كانت سيئة الخلق. كتب أرسطو إلى الإسكندر: الأرذال ينقادون بالخوف، والأخيار بالحياء، فاستعمل في الأولى البطش وفي الثانية الإحسان، وليكن غضبك لا شديدا ولا ضعيفا، فإن ذلك من أخلاق السباع وهذا من أخلاق الصبيان، وإذا أعطاك الله ما تحبّه من الظفر فافعل ما أحبّ الله من العفو.
سقراط: دواء الغضب الصمت. أفلاطون: الحلم لا ينسب إلا إلى من قدر على السطوة وعفا، والزهد لا ينسب إلا إلى من ترك بعد القدرة. أرسطو:
امتحن المرء في وقت غضبه لا في وقت رضاه وفي قدرته لا في ذلّته.
يقال: ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام. عائشة رضي الله عنها: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله إذا أراد بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب رفق» . وروت أيضا:
«من رفق بأمتي رفق الله به ومن شقّ على أمتي شقّ الله عليه» . قيل:
والرفق يظفر بالآمال صاحبه
…
ويعقب المرء في الحاجات إنجاحا
بزرجمهر: كن شديدا بعد رفق لا رفيقا بعد شدّة، لأنّ الشدّة بعد الرفق عزّ، والرفق بعد الشدّة ذلّ. الحكماء: الّلجاج أقلّ الأشياء منفعة في العاجل،
وأكثرها مضرّة في الآجل. وقيل: اللجاج والضجرة توءمان، والعناد والندامة أخوان. قيل: اللجاج يوغر القلوب، ويفتح الحروب. زبيدة للمأمون: ما أقعدني بهذا اليوم إلا يوم قيامي باللجاج مع أبيك. أراد الرشيد أن يجامع زبيدة فمنعت ولجّت، وجامع جارية سوداء فولد منها المأمون، فأشارت إلى القصة زبيدة. قيل: الظفر لمن احتجّ لا لمن لجّ. قيل: اللجوج يدخل فيما ليس منه خروج. الأحنف: نزل قوله تعالى: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
«1» في حق الثقلاء.
قيل للأعمش: ما الذي أعمش عينيك؟ فقال: النظر إلى الثقلاء. قيل:
إذا حلّ الثقيل بدار قوم
…
فما للساكنين سوى الرحيل
يقال: أثقل من واش على عاشق. سأل رجل صديقا أن يمشّيه إلى رجل فقال: اعفني فإنه ثقيل بغيض، فقال: يا سيدي احسبه الكنيف الذي تأتيه في كلّ يوم مرتين، فمضى معه. ابن عمر رضي الله عنهما: اتقوا من تبغضه قلوبكم. قيل: مجالسة الثقيل حمّى الروح. قيل: أضيق السجون معاشرة الأضداد. قيل لأنوشروان: ما بال الرجل يحتمل الحمل الثقيل ولا يحتمل مجالسة الرجل الثقيل؟ فقال: يحمل الحمل الثقيل بجميع أعضائه، والثقيل تنفرد بحمله الروح. شرب رجل بغيض عند آخر فلما أمسى لم يأته بسراج، فقال: أين السراج؟ فقال: إنّ الله تعالى يقول: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
«2» .
عاد الشعبيّ ثقيل فأطال الجلوس فقال: ما أشدّ ما مرّ عليك في مرضك؟ فقال:
قعودك عندي.
سقط رجل من سطح فانكسرت رجلاه وصار الناس يعودونه ويسألونه، فلما أكثروا ضجر، وكتب قصّته في رقعة فإذا دخل عائد عليه وسأله عن حاله دفع
الرقعة إليه. كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا رأى ثقيلا يقول: اللهم اغفر لنا وله وأرحنا منه. عليّ كرّم الله وجهه: صحبة الأحمق عذاب الروح. وعنه كرّم الله وجهه: كثرة الإلحاح توجب المنع. وعنه رضي الله عنه: قلّة الكلام تستر العيوب وتقلّل الذنوب. قيل: من حق الداخل على الكرام قلّة الكلام وسرعة القيام.
قال ثقيل لمريض: ما تشتهي؟ قال: أن لا أراك. قال رجل لأعمى: إن الله لم يأخذ من عبد كريمتيه إلّا عوّضه منهما شيئا، فما عوّضك؟ قال: أن لا أراك.
كان لابن سيرين خاتم نقشه: أبرمت فقم. فإذا استثقل إنسانا دفعه إليه ليقرأه.
قيل: قلّة الزيارة أمان من الملالة، وكثرة التعاهد سبب التباعد. وقيل:
إدمان اللقاء، سبب الجفاء. عمررضي الله عنه: تزاوروا، ولا تجاوروا.
«كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يكره الزيارة المملّة والقعدة المنسئة «1» . وقال صلى الله عليه وسلم: «زر غبا تزدد حبّا» . قيل: الزيارة تغرس المودّة. منهاج الشريعة:
عليك بإقلال الزيارة إنها
…
تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أنّ القطر يسأم دائبا
…
ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
من علامة الأحمق الجلوس فوق القدر، والمجيء في غير الوقت. في كتب الهند: ثلاثة تزيد في الأنس: الزيارة والمؤاكلة والمحادثة. اعتذر بعض الأدباء إلى صاحب له في تأخيره فكتب له:
إذا صحّ الضمير فكلّ هجر
…
وإعراض يكون إلى اتّصال
زار أعرابيّ عبد الله بن طاهر فحجبه فكتب إليه:
إذا كان الجواد له حجاب
…
فما فضل الجواد على البخيل
فأجاب:
إذا كان الكريم عديم مال
…
ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وقيل:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه
…
إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
بعض الفضلاء: من أغلق على أخيه بابه، ذمّ الناس خلقه وآدابه.
عديّ بن زيد:
إذا أنت لم تنفع بودّك أهله
…
ولم تنك «1» بالبؤسى عدوّك فابعد
غيره:
تزدحم الناس على بابه
…
والمنهل العذب كثير الزحام
وقيل:
من عوّد الناس إحسانا ومكرمة
…
لا يعتبنّ على من جاء في الطلب
دخل أبو حنيفة على الأعمش فأطال الجلوس ثم قال له: لعلّي ثقلت عليك، فقال: إني لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت في منزلي؟. مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على صبيان في المكتب فسلّم عليهم.
دخل عالم على إسماعيل السامانيّ الأمير فأكرمه وقعد في حضرته بالأدب وشيّعه عند الخروج بسبع خطوات، فلامه بعض الحاضرين فقال: إكرام العلماء واجب علينا. ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة يقول: يا إسماعيل قد أعطاك الله بسبع خطواتك سبعا من أبنائك ملوكا. دخل يوما على الرشيد محمد بن الحسن الشيبانيّ «2» فزاد في تعظيمه، فقال بعض خواصّه: من تواضع بهذا التواضع لا يهاب منه. فقال الرشيد: الهيبة التي تزول بالتواضع للعلماء جديرة أن تزول. إدريس عليه السلام: عوّدوا أنفسكم إكرام الأخيار والأشرار، أمّا الأخيار
فلأجل خيرهم، وأمّا الأشرار فلاستكفاف شرّهم. ابن مخلد: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر:
اجلس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحبّ أن يمثل له الرجال قياما فليتبوّأ مقعده من النار» . أبو أمامة: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلينا متوكّئا على عصاه، فقمنا إليه فقال:«لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا» . قيل:
لا معنى للقيام، إذا لم يكن بين الأقوام. عليّ بن الحسين: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في وصيته لعليّ رضي الله عنه: «يا عليّ لا فقر أشدّ من الجهل ولا وحشة أشدّ من العجب» . رأى رجل رجلا يختال في مشيته فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني الله مثلك في نفسي. قيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقّا؟ قال: مدح الرجل نفسه. نظر رجل إلى ولد أبي موسى يختال فقال: يمشي كأنّ أباه خدع عمرا «1» . سمع الفرزدق أبا بردة يقول: كيف لا أتبختر وأنا ابن أحد الحكمين؟ فقال له: أحدهما مائق «2» والآخر فاسق، فكن ابن أيّهما شئت. نظر عمر بن عبد العزيز إلى علويّ يمشي مشية منكرة فقال له:
يا هذا إن الذي شرفت به لم تكن هذه مشيته. الحسن: لو كان الرجل كلّما قال أصاب أو كلّما عمل أحسن أو شك أن يجنّ من العجب»
. نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي دجانة يتبختر بين الصفّين فقال: «إنّ هذه مشية يبغضها الله إلّا في هذا المكان» .
قيل: الكبر في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكنّ القلّة والذلّة مانعتان من ظهور
كبرهم. وصل ابن الأفلح إلى باب بعض الرؤوساء فمنعه البوّاب من الدخول فكتب إليه:
حمدت بوّابك إذ ردّني
…
وذمّه غيري في ردّه
لأنه قلّدني نعمة
…
تستوجب الإغراق في حمده
أراحني من قبح ملقاك لي
…
وكبرك الزائد في حدّه
أبو مسلم: ما تاه إلا وضيع ولا فاخر إلا لقيط. يقال: اجلس حيث يؤخذ بيدك، ولا تجلس حيث يؤخذ برجلك. قيل لبزرجمهر: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها صاحبها؟ قال: نعم، التواضع. قيل: فهل تعرف بلاء لا يرحم صاحبه؟ فقال: نعم، العجب. عليّ رضي الله عنه: الإعجاب يمنع الازدياد.
وعنه: عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله. وعنه: من رضي بنفسه كثر الساخط عليه. وعنه: إياك والإعجاب بنفسك فإنّ ذلك من أعظم فرص الشيطان في نفسه، ليمحو به ما يكون من إحسان المحسن. قام داود عليه السلام ليلة فكأنه أعجب بها، فأوحى الله إلى الضفدع أن كلّميه، فقالت: يا داود كأنك أعجبت بليلتك، فهذا مقامي منذ عشرين ليلة، ما دخل جوفي قطرة ماء ولا خضرة شكرا لله حين سلّم بيضتي. بعض ملوك يونان: من رفع نفسه فوق قدره استجلب مقت الناس. فقال وزيره: من رفع نفسه فوق قدره ردّه الناس إلى قدره.
الأصمعيّ: عن رجل: ما رأيت ذا كبر قطّ إلّا تحوّل داؤه إليّ. يريد أني أتكبّر عليه. كان يقال: للعادة سلطان على كلّ شيء. ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا حصّنت النعمة بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر.
أرسطو: من افتخر ارتطم. وعنه: من عرف نفسه لم يضع بين الناس. وعنه:
من تكبّر على الناس أحبّ الناس ذلّته. وعنه: بإصابة المنطق يعظم القدر،
وبالتواضع تكثر المحبة، وبالحلم تكثر الأنصار، وبالرفق تستخدم القلوب، وبالوفاء يدوم الإخاء، وبالصدق يتمّ الفضل. مطرّف: لأن أبيت نائما وأصبح نادما، أحبّ إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. هشام بن حسان: سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك. قال رجل لعائشة رضي الله عنها: متى أكون محسنا؟ قالت: إذا علمت أنك مسيء. قال: فمتى أكون مسيئا؟ قالت: إذا ظننت أنك محسن. الأحنف: عجبت لمن جرى مجرى البول مرّتين كيف يتكبّر!. مالك بن دينار: مبدأ المرء نطفة مذرة «1» وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة «2» فكيف يتكبّر؟!. وقيل:
كيف يزهو من رجيعه
…
أبد الدهر ضجيعه
الباخرزيّ:
أرى أبناء آدم أبطرتهم
…
حظوظهم من الدنيا الدنيّه
فلم بطروا وأوّلهم منيّ
…
إذا نسبوا وآخرهم منيّه
قيل لابن المبارك: ما التواضع؟ قال: التكبّر على الأغنياء. وأخذ هذا المعنى شاعر فنظمه:
لم ألق مستكبرا إلا تحوّل لي
…
عند اللقاء له الكبر الذي فيه
ولا حلالي من الدنيا ولذّتها
…
إلا مقابلتي للتّيه بالتّيه
قيل في استكبار إبليس:
عجبت من إبليس في خبثه
…
وقبح ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدة
…
وصار قوّادا لذرّيّته
رشيد الدين:
كم محسن غرّه الطاعات تنصره
…
يوم النشور وبطش الله يخزيه
وكم مسيء بسوء الفعل معترف
…
تراه والله بالغفران يجزيه
قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت قريبا أجلي، بعيدا أملي، سيّئا عملي. قيل للحسن: كيف حالك؟ قال: ما ظنّك بأناس ركبوا في سفينة حتى إذا توسّطوا البحر انكسرت وتعلّق كلّ إنسان بخشبة فعلى أيّ حال هم؟ قيل: شديدة. قال: حالي أشدّ من حالهم. إسماعيل بن أبي خالد:
كنت أمشي مع الشعبيّ وأبي سلمة، فسأل الشعبيّ أبا سلمة: من أعلم أهل المدينة؟ فقال: الذي يمشي بينكما. يعني نفسه. الجاحظ: لو لم يصف الطبيب مصالح دوائه للمتعالجين لما كان له طالب ولا فيه راغب. وكان كعب بن زهير إذا أنشد قصيدة قال لنفسه: أحسنت والله وجاوزت الإحسان، فيقال له:
أتحلف على شعرك؟ فيقول: نعم لأني أبصر به منكم. يوسف عليه الصلاة والسلام: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«1» . قيل لسعيد بن جبير: يا أبا محمد كنت بأصبهان لا تحدّث وبالكوفة تحدّث، فقال: انشر بزّك «2» حيث تعرف. سلمان الفارسيّ رضي الله عنه:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
…
إذا افتخروا بقيس أو تميم
قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة؟ قال: أخشى أن لا يحمل الجسر شرفي.