الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
فصل:
ولو أحاط العدو ببلد، وكان الصوم المفروض يضعفهم؛ فهل يجوز لهم الفطر
؟ على روايتين ذكرهما الخلال في كتاب السير.
مسألة:
الرابع: العجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه؛ فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكين
.
هذا القسم هو الذي يعجز عن الصوم في الحال، ولا يرجى قدرته عليه في المآل، مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذين لا يطيقان الصوم، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، مثل صاحب العطاش الذي لا يصبر عن شرب الماء شتاءً ولا صيفاً، أو من لا يصبر عن النكاح يخاف إن قطعه تشققت أنثياه.
قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد فيمن به شهوة غالبة للجماع: يجزيه أن يطعم ولا يصوم إذا كان لا يملك نفسه، وذلك أنه يؤمن عليه عند ذلك أن تنشق أنثياه.
قال القاضي: يجب أن تحمل المسألة على أنه حصل به ذلك كالمرض الدائم الذي لا يمكنه الصيام معه، فيكون حكمه حكم الشيخ إذا عجز عن الصايم، فيسقط الصيام، وينتقل إلى الإِطعام، ولا يكون عليه كفارة الجماع؛ لأن الصيام غير متعين عليه؛ فهو كالمسافر إذا وطئ، وكل من كان به هذا الشبق الذي يخاف من الصوم معه أن ينشق أنثياه يفطر، لكن إن أمكنه القضاء؛ قضى
ولم يكفر، وإن لم يكن القضاء؛ أطعم، والعبرة بإمكان القضاء أن يكون ممن يرجى برؤه أو لا يرجى برؤه.
قال ابن عقيل وغيره من أصحابنا: هذا الذي به الشبق يستخرج ماءه بما لا يفسد صوم غيره: إما استمناء بيده، أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة التي يخاف أن يحرك ذلك شهوتها، فإن كان له زوجة أو أمة صغيرة أو كافرة؛ استمنى بيدها، ويجوز أن يستخرجه بوطئها دون الفرج.
فرخصا له في المباشرة دون الفرج مطلقاً.
فأما وطؤها في الفرج مع إمكان إخراج الماء ودفع ضرورة الشبق بما دون الفرج؛ فقال ابن عقيل وغيره: لا يجوز؛ لأن الضرورة إذا دفعت؛ حرم ما وراءها؛ كما يمنع من الشبع من الميتة إذا سدَّ رمقه، فإن جامع؛ فعليه الكفارة، فأما إن لم يندفع إلا بوطئ غير صائمة؛ جاز له وطؤها.
وكلام أحمد والقاضي يقتضي أنه يباح له الجماع مطلقاً؛ فإنهما إنما ذكرا إباحة الجماع، ولم يتعرضا لغيره؛ لأن مَنْ أبيح له استخراج الماء بالمباشرة دون الفرج أبيح له الجماع في الفرج؛ كالمسافر، وذلك لأن الفطر يحصل بهما جميعاً، والكفارة أيضاً في إحدى الروايتين، ولأنه من أبيح له الفطر لعذر؛ صار في حكم المفطرين، وجاز له ما يجوز لهم مطلقاً؛ كالمريض والمسافر وغيرهما، ولأن من أبيح له الفطر لحاجته إلى الأكل، وهو الشيخ الكبير والمريض؛ جاز له أن يأكل ما شاء، ولم يختص ذلك بقدر الضرورة؛ فكذلك مَنْ أبيح له لحاجته إلى الجماع، وقياسه عليه أولى من قياسه على المضطر إلى الميتة إن سلم الحكم فيه؛ فإن المانع هناك في معنى الغذاء، وهو موجود في كل جزء منه، والمانع هنا الصوم الواجب، وهذا قد زال بإباحة الفطر.
ثم الفطر هنا له بدل، وهو القضاء أو الكفارة، بخلاف الأكل هناك،
وقياس المذهب يقتضي أنه يباح له الأكل إذا أبيح له الجماع، كما أنه يباح الجماع لمن يباح له الأكل؛ إلا أن يُخرَّج من منع المسافر من الجماع وجه.
وأما تفطيره غيره؛ فهذا لا يجوز إلا عند الضرورة بلا ريب؛ لأنه إفساد صوم صحيح لغير حاجة، وذلك لا يجوز.
فإن أراد وطئ زوجته أو أمته الصائمة؛ لم يحل له ولا لها تمكينه.
قال ابن عقيل لأن الوطء لا يستباح بالضرورة، وإنما يباح إخراج الماء، ولا ضرورة إلى ما وراءه؛ لأن الضرورة تندفع بما دون الفرج والاستمناء باليد، فلا يجوز التعدي إلى ما يضر بالغير.
وقال أبو محمد: إذا لم تندفع الضرورة إلا بإفساد صوم الغير؛ أبيح ذلك؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة، فأبيح الفطر، كفطر الحامل والمرضع للخوف على ولديهما.
فإن كان له امرأتان أحدهما صائمة، والأخرى حائض؛ فهل وطء الصائمة أولى أو يتخيَّر بينهما؟ على وجهين.
قال أصحابنا: لسنا نريد بالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة من بلغ حدّاً إن ترك الأكل هلك، وإنما نريد به من يلحقه مشقة شديدة في الصيام، وإنما يسقط عن هؤلاء الصيام؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد قال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
230 -
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم» .
231 -
وجبت الكفارة لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ ابن جبل؛ قال:«أنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. . .} إلى هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. قال: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً؛ أجزأ ذلك عنه. قال: ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. قال: فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام» . مختصر من حديث طويل رواه أبو داوود.
232 -
ورواه البخاري عن ابن ليلى؛ قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: «نزل رمضان، فشق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكيناً؛ ترك الصوم ممن يطيقه، ورُخِّص لهم في ذلك، فنسختها: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ، فأمروا بالصوم» .
233 -
وعن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ، قال ابن عباس:«ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً» . رواه البخاري.
234 -
وفي رواية أخرى صحيحة رواها ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عنه؛ في قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ؛ قال: «يتكلفونه ولا يستطيعونه {طَعَامُ مِسْكِينٍ} ، {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} فأطعم مسكيناً آخر، {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} ، وليست بمنسوخة» . قال ابن عباس: «ولم يرخص في هذه الآية إلا للشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام والمريض الذي علم أنه لا يشفى» ، وقد تقدم عنه مثل هذا.
235 -
وعن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس؛ قال في هذه الآية:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : «نسختها الآية الأخرى، {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}» .
236 -
قال أيوب: وسمعت عكرمة يقول ابن عباس: «ليست منسوخة، هي في الشيخ الذي يكلف الصيام ولا يطيقه، فيفطر ويطعم» . رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ» .
فالرواية الأولى أراد أن قراءة العامة المنسوخة في الجملة، والرواية الثانية أراد بها أنها ليست منسوخة على الحرف المشدّد.
237 -
وعن أنس بن مالك: «أنه ضعف عن الصوم قبل موته بعام أو عامين، فأفطر وأطعمهم» . قال: «[فـ] كان يجمعهم ويطعمهم» . رواه سعيد.
238 -
وذكر الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد؛ في الشيخ إذا كبر
ولم يطق الصيام: «افتدى بطعام مسكين كل يوم مُدّاً مِنْ حنطة» . قال ذلك أبو بكر بن حزم عن أشياخ الأنصار.
239 -
وعن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} . قال: «هو الكبير الذي كان يصوم فيعجز، والمرأة الحبلى التي يعسر عليها الصيام؛ فعليها طعام مسكين كل يوم حتى ينقضي شهر رمضان» . رواه سعيد.
240 -
وعن إبراهيم؛ قال: «كان الرجل يفتدي بطعام يوم، ثم يظل مفطراً، حتى نزلت: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. قال: فنسخت وكانت الرخصة للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم» .
241 -
وعن الزهري: أنه سئل عن قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} . قال: «إنها منسوخة، وقد بلغنا أن هذه الآية للمريض الذي تدارك عليه الأشهر، يطعم مكان كل يوم أفطر مدّاً م~نْ حنطة» . رواهما أحمد.
242 -
وعن قتادة في هذه الآية: «كانت فيها رخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، وهما لا يطيقان الصيام: أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً ويفطرا، ثم نَسَخَ تلك الآية التي بعدها، فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ. . .} إلى قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، فنسختها هذه الآية، فكان أهل العلم يرون ويرجون أن الرخصة قد ثبتت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا لم يطيقا الصيام أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً، وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها، والمرضع إذا خشيت على ولدها» . رواه محمد بن كثير عن همام عنه.
فهذا قول ثلاثة من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف.
وأيضاً؛ فإن الصحابة والتابعين أخبروا أن الله رخص في هذه الآية للعاجز عن الصوم أن يفطر ويطعم، وأن حكم الآية باقٍ في حقه، وهم أعلم بالتنزيل والتأويل.
وأيضاً؛ فإن ذلك تبين من وجهين:
243 -
أحدهما: أن ابن عباس وأصحابه قرؤوا (يُطَوَّقونه)
و {يُطِيقُونَهُ} ، وهي قراءة صحيحة عنه، والقراءة إذا صحت عن الصحابة؛ كان أدنى أحوالها أن تجري مجرى خبر الواحد في اتباعها والعمل بها؛ لأن قارئها يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك، فإما أن يكون حرفاً من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها، ويكون بعد النسخ يقرأ الآية على حرفين:(يُطَوَّقونه) و {يُطِيقُونَهُ} ، أو يكون سمعها على جهة التفسير وبيان الحكم، فاعتقد أنها من التلاوة، وعلى التقديرين؛ فيجب العمل بها، وإن لم يقطع بأنها قرآن، ولهذا موضع يستوفى فيه غير هذا الموضع.
ومعنى (يطوقونه)؛ أي: يكلفونه فلا يستطيعونه؛ فكل من كلف الصوم فلم يطقه؛ فعليه فدية طعام مسكين، وإن صام مع الجهد والمشقة؛ فهو خير له، وهذا معنى كلام ابن عباس في رواية عطاء عنه.
الثاني: أن العامة تقرأ: {يُطِيقُونَهُ} ، فكان في صدر الإِسلام لما فرض الله الصوم خير الرجل بين أن يصوم وبين أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً؛ فإن صام ولم يطعم؛ كان خيراً له، ثم نسخ الله هذا التخيير في حق القادر بقوله:
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، فأوجب الصوم ومنع من الفطر والإِطعام، وبقي الفطر والإِطعام للعاجز عن الصوم؛ لأنه لما أوجب على المطيق للصوم أحد هذين الأمرين، وهو الصيام والإِطعام، لقدرته على كل منهما؛ كان القادر على أحدهما مأموراً بما قدر عليه؛ فمن كان إذْ ذاك يقدر على الصيام دون الإِطعام؛ لزمه، ومن يقدر على الإِطعام دون الصيام؛ لزمه، ومن قدر عليهما؛ خُيِّر بينهما؛ فإن هذا شأن جميع ما خُير الناس بينه؛ مثل خصال كفارة اليمين، وخصالة فدية الأذى، وغير ذلك، ثم نسخ الله جواز الفطر عن القادر عليه، فبقي الفطر والفدية المستفاد من معنى الآية للعاجز.
ويُبيِّن ذلك أن الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم؛ فإنهما كانا يكونان مخيران بين الصيام والإِطعام، فإذا عجز بعد ذلك عن الصوم؛ تعين عليهما الإِطعام، ثم نسخ ذلك التخيير، وبقي هذا المعين، وهذا ما تقدم عن معاذ وابن عباس من رواية سعيد بن جبير وغيره من التابعين.
ومنهم من يوجهه بوجه آخر، وهو أن قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} : عام فيمن يطيقه بجهد ومشقة، وفين يطيقه بغير جهد ومشقة، فنسخ في حق مَنْ لا مشقة عليه، وبقي في حق مَنْ لا يطيقه إلا بجهد ومشقة.
244 -
فإن قيل: فقد رُوي عن جماعة من السلف أنها منسوخة، منهم ابن عباس كما تقدم.
245 -
وعن سلمة بن الأكوع؛ قال: «لما نزلت هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}؛ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها» . وفي رواية: «حتى نزلت هذه الآية: {فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}». رواه صاحبا الصحيح وأصحاب السنن الأربعة.
246 -
وعن ابن عمر: أنه قرأ: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِساكِينَ)؛ قال: «هي منسوخة» . رواه البخاري.
247 -
وعن عَبيدة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ؛ قال: «نسختها التي بعدها والتي تليها» .
248 -
وعن علقمة: أنه كان يقرؤها {يُطِيقُونَهُ} ؛ قال: «كانوا إذا أراد أحدهم أن يفطر؛ أطعم مسكيناً وأفطر، فكانت تلك كفارته، حتى نسختها: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}» .
249 -
وعن الشعبي؛ قال: «لما نزلت هذه الآية، فكان الأغنياء