الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كفر عنه غيره بإذنه، وهذا ظاهر الحديث؛ فإن الأعرابي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجد ما يطعمه، ثم بعد هذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفر بالعرق الذي جاءه، فعلم أن الكفارة لم تسقط عنه، وإنما كفر بإطعام ذلك العرق لنفسه وعياله.
*
فصل:
ويجب العتق إذا وجد الرقبة أو ثمنها فاضلاً عن حوائجه الأصلية
؛ كما يستوفى إن شاء الله تعالى في موضعه.
فإن كان عادمها وقت الوجوب، ثم وجدها قبل الصوم؛ فقال بعض أصحابنا: يلزمه العتق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي بالعتق، ولم يسأله عن حاله حين الجماع. . . .
*الفصل الرابع:
أن الكفارة تجب بالجماع في الفرج، سواء كان قبلاً أو دبراً، من ذكر أو أنثى، وسواء أنزل الماء أو لم ينزل؛ رواية واحدة.
وكذلك إذا ولج في فرج بهيمة في المشهور عن أصحابنا، وحكاه أبو بكر عن أحمد في رواية ابن منصور.
وخرَّج القاضي في الخلاف وأصحابه كالشريف وأبي الخطاب رواية أخرى: أنه لا كفارة عليه، من إحدى الروايتين في الحد بوطء البهيمة؛ تخريجاً للكفارة على الحد.
فإن قلنا: فيه الحد؛ ففيه الكفارة، وإن قلنا: فيه التعزيز؛ فلا كفارة فيه. ومنهم من أوجب الكفارة قولاً واحداً، وإن لم يوجب الحد، وهو قول
القاضي في «المجرد» ؛ لأن سبب وجوب الكفارة أوسع من سبب وجوب الحد؛ بدليل أنها تجب في الإِنزال عن الوطء دون الفرج، والحد ليس كذلك.
ويفطر بالجماع في هذه المواضع قولاً واحداً، سواء أنزل أو لم ينزل؛ لأنه جماع يوجب الغسل، فأفسد الصوم، وأوجب الكفارة؛ كجماع المرأة.
وسواء كان الوطء بعقد نكاح أو شبهه أو ملك يمين أو زنى. ذكره أصحابنا.
ويتوجه في الزنى. . . وجماع الميتة. . . .
أما المباشرة فيما دون الفرج بقبلة أو جسّ أو وطء دون الفرج أو غير ذلك بحيث يمس بدنه بدن امرأة لشهوة، إذا لم ينزل بها؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة.
وفي «زاد المسافر» رواية حنبل: إذا غشي دون الفرج؛ فعليه القضاء والكفارة.
وفي «التعليق» : فأنزل.
وإن انزل الماء الأعظم؛ فسد صومه. رواية واحدة.
وفي الكفارة فيه ثلاث روايات:
إحداهن: لا كفارة عليه كما ذكره الشيخ: إذا لامس امرأته، فأنزل وأنزلت، يقضي يوماً مكانه. هذا لم يجامع، إنما لمس فأنزل.
وحمله القاضي على الجماع دون الفرج أيضاً.
وظاهره أنه لم يجامع الجماع المعروف؛ لأن الوطء في الفرج يفارق غيره في ثبوت الإِحصان والإِحلال ووجوب الغسل بمجرده، والحد والمهر والعدة
والصهر اتفاقاً، وهو الاستمتاع التام، فلا يلزم من وجوب الكفارة فيه وجوبها فيما دونه.
والثانية: عليه الكفارة. نقلها حنبل وأحمد بن إبراهيم الكوفي.
وهي اختيار القاضي وأصحابه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى الأعرابي بوجوب الكفارة لما أخبره أنه أصاب امرأته، ولم يستفصله كما استفصل الذي أقر بما يوجب الحد، والاستمتاع أفسد الصوم فأوجب الكفارة كالوطء.
فعلى هذا إذا لمس صبياً. . . .
والثالثة: إن جامع دون الفرج، فانزل فعليه الكفارة.
فأما المعانقة والقبلة المباشرة؛ فلا كفارة فيه. نقلها الأثرم.
وقال في رواية حرب: الجماع في الفرج وغير الفرج سواء، إذا أنزل فعليه الكفارة. وهي اختيار قدماء الأصحاب كالخرقي وأبي بكر وابن موسى.
والجماع دون الفرج أن يباشرها بفرجه في موضع من بدنها على أي وجهٍ كان فيما ذكره ابن عقيل، سواء أولج بين فخذيها ونحوها من بدنها أو لم يولج.
وفرق أحمد بين المجامعة دون الفرج وبين المعانقة، وقال: هو جماع؛ لأن استمتاعه فيما دون الفرج جماع، فأشبه الإِيلاج في الفرج.
[فأما إذا مس امرأته، فأنزل وأنزلت؛ يقضي يوماً مكانه. هذا لم يجامع، إنما لمس فأنزل، وحمله القاضي على الجماع دون الفرج أيضاً، وظاهره أنه لم يجامع الجماع المعروف].
وإن استمنى بيده؛ فعليه القضاء دون الكفارة فيما ذكره أصحابنا، وفرَّق القاضي بينه وبين الإِنزال عن مباشرة أو نظر.
وأما ابن عقيل؛ فخرجها على روايتين، وجعل النص على رواية التي تقول: لا يفطر بالإِنزال عن مباشرة، لا سيما إذا قلنا: الإِنزال عن دوام النظر يوجب الكفارة؛ فالاستمتاع أبلغ في إنزال الماء وتسكين الشهوة.
والمنصوص عن أحمد في رواية أبي طالب في صائم وجد شهوة، فخشي أن يمذي، فجعل ينثر ذكره لكي يقطع المذي، فأدفق الماء الأعظم؛ فعليه القضاء دون الكفارة.
وأخذ القاضي من هذا أن الاستمناء لا كفارة فيه.
ويتوجه الفرق بين هذا وبين الاستمناء؛ فإن هذا لم يقصد إلا تكسير الذكر لئلا يخرج المذي؛ فأين هو ممن يستخرج المني؟
وكذلك لو حكَّ ذكره بشيء ناعم حتى أنزل؛ لأنه أنزل الماء الأعظم باختياره، ولأنه لم يستمتع.
وإن أمذى بالمباشرة؛ فعليه القضاء دون الكفارة. نص عليه في رواية حنبل والأثرم.
وربما ذكر بعض أصحابنا رواية حنبل: أن عليه القضاء والكفارة؛ لأنه جزء من المني يجري في مجاريه، ويخرج بأسبابه، وهو دونه؛ لأنه لم يكمل، ولا يحصل معه كمال لذة، فجعل فوق البول ودون المني؛ كما وجب به غسل الذكر والأنثيين، فأفسد الصوم ولم يوجب الكفارة.
وكذلك إن أمذى بالعبث بذكره؛ فهو كما لو أمذى بالمباشرة. ذكره ابن أبي موسى.
وإن تساحقت امرأتان فأنزلتا؛ وجب القضاء. وفي الكفارة إذا كان عبثاً وجهان؛ كالروايتين فيمن باشر بالفرج فيما دونه. هذا قول ابن عقيل وغيره.
وقال أبو محمد: يخرَّج الوجهان على أن جماع المرأة هل يوجب الكفارة؟ قال: وأصح الوجهين أنه لا كفارة عليهما؛ فإن أنزلت إحداهما؛ فحكمها كذلك.
والمحبوب إذا ساحق النساء أو فاخذ الرجال فأنزل؛ فسد صومه. وفي الكفارة روايتان.
فأما الخصي؛ فإنه بمجرد إيلاجه يفسد صومه وتجب الكفارة كما يجب عليه الحد.
وأما النظر؛ فإن نظر الفجأة معفو عنها، فإن خرج منه الماء في عقبها؛ فلا شيء عليه.
وإن تعمد النظر لشهوة؛ لم يحل له، وإن أنزل بذلك:
فقال أبو بكر والقاضي وأصحابه مثل الشريف وأبي الخطاب وغيرهما: يفسد صومه ولا كفارة عليه، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل في رجل نظر إلى امرأته في شهر رمضان لشهوة، فأمنى من غير أن يكون أحدث حدثاً غير ذلك؛ فعليه القضاء ولا كفارة؛ إلا أن يكون قبل أو لمس أو عمل عملاً يدعو إلى أنْ جاء الماء الدافق، فتجب عليه الكفارة.
وقال الخرقي وابن أبي موسى وأبو محمد: إذا كرر النزر فأنزل؛ فعليه القضاء بلا كفارة. وكذلك ذكر القاضي في «المجرد» أنه لا يفسد صومه إلا إذا كرر النظر، فأما إن نظر ثم صرف بصره في الحال؛ فصومه صحيح، ويتخرَّج
على الحج. قال: لأنه أنزل بسبب لا يأثم فيه.
فإن كرر النظر فأمنى؛ لزمه القضاء رواية واحدة؛ لأنه أنزل باستمتاع محرم، فأشبه الإِنزال بالمباشرة، وذلك لأن استدامة النظر تحت قدرته.
283 -
قال جرير عن عبد الله البجلي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة؟ فقال: «اصرف بصرك» .
284 -
وعن علي بن أبي طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية» .
وفي وجوب الكفارة روايتان منصوصتان:
إحداهما: تجب عليه. وهو اختيار ابن عقيل؛ لأنه أنزل باستمتاع محرم، فأشبه الإِنزال عن الملامسة.
والثانية: لا تجب عليه الكفارة، وهي اختيار أكثر أصحابنا.
وإن أمذى بنظر؛ فقال أبو بكر وأبو حفص البرمكي: يفطر ولا كفارة عليه. وقال بعض أصحابنا: ظاهر كلامه أنه لا يفطر بذلك.
وعلى الأول: هل يفطر بمطلق النظر المتعمد أم بالمستدام المتكرر؟ على وجهين.
وأما إن تفكر في شيء حتى أنزل؛ فقال أحمد في رواية أبي طالب في
محرم نظر فأمنى؟ قال: عليه دم. قيل له: فإن ذكر شيئاً فأمنى؟ قال: لا ينبغي أن يذكر شيئاً. قيل: فوقع في قلبه شيء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء.
فعلى هذا: إن غلبه الفكر لم يفطر؛ لأنه يصير كالإِنزال بالاحتلام، وهو لا يفطر إجماعاً؛ فإنه لا يدخل تحت قدرته.
وأما إن استدعاه أو قدر على دفعه عن قلبه فلم يفعل؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا يفطر، وهو قول ابن أبي موسى، وذكر أن أحمد أومأ إليه والقاضي وأكثر أصحابه؛ بناءً على أنه من جنس ما لا يملك صرفه عن نفسه.
والثاني: يفطر، وهو قول أبي حفص البرمكي وابن عقيل.
حتى قال أبو حفص: من تفكر في شهوة، فأمذى، ليس عن أبي عبد الله فطور، ولكن يجيء والله أعلم أن يفسد صومه.
وذكر ابن عقيل أن كلام أحمد يقتضيه؛ لأنه نهاه عن أن يذكر ذلك؛ لأن هذا إفطار بسبب من جهته، داخل تحت قدرته؛ فهو كالإِنزال بإدامة النظر؛ فإن التفكر يؤمر به تارة وينهى عنه أخرى؛ كما في الحديث.
285 -
قال ابن عقيل: فإن الصائم لو سألنا: هل يجوز أن أخلو بنفسي مستحضراً للصور الشهية وللفعل فيها والمباشرة؟ لأفتيناه بتحريم ذلك والمنع منه.
وقال بعض أصحابنا: لا يحرم إذا وقع بأجنبية، ولا يكره إذا وقع بالزوجة؛ بخلاف المباشرة، وإن فكر فأمذى من غير أن يمس ذكره فهو كما لو أمنى.
قال ابن أبي موسى والقاضي وغيرهما: لا يبطل صومه.