الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الصيام
الصيّاَمُ: هُوَ فِى اللغَةِ الإمْسَاكُ وَمِنْهُ {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أيْ صَمْتًا (956)، وَفِي الشرع: إِمْسَاك مَخْصُوصُ مِنْ شَخْصٍ مَخصُوصٍ عَنْ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنِ مَخْصُوص.
يَجِب صَوم رَمَضَان، بالإجماع باكمَالِ شَعْبَان ثَلَاثينَ، أو رُؤيةِ الْهِلَالِ، لَيلَةَ الثلاثين لقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (957) والمراد بالشهادة هنا العلم، والعلم إما بالرؤية أو باستكمال شعبان، لقوله صلى الله عليه وسلم:[صُوموا لِرُؤيتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيتهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيكُم فَأكمِلُوا عِدةَ شَعبانَ ثَلاِثيْنَ] رواه البخارى (958)، والمرادُ رؤيته في الجملة بشرطه الآتى، وَثبوتُ رؤيتهِ بِعَدْلٍ، لأن ابن عمر رآه فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فصام وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داود وصححه ابن حبان (959)،
(956) مريم / 26.
(957)
البقرة / 185.
(958)
رواه البخارى في الصحيح: كتاب الصوم: باب إذا رأيتم الهلال فصوموا: الحديث (1909) عن محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ وفيه: [فَإن غُبِّيَ عَلَيكُم].
(959)
الحديث عن أبى بكر بن نافع؛ عن أبيه عن ابن عمر رضى الله عنهما؛ قال: (تَرَاءَى الناسُ الهِلَالَ، فَأخْبَرْتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أنى رَأيتُهُ؛ فَصَامَهُ وَأمَرَ الناسَ بِصِيَامِهِ). رواه أبو داود في السنن: كتاب الصوم: باب في شهادة الواحد على رؤية الهلال: الحديث (2342). وفي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب رؤية الهلال: الحديث (3438).
ولقصة الأعرابي أيضًا صححه ابن حبان والحاكم (960)، وَفِي قَوْلٍ: عَدْلَانِ، كهلال شوال وسائر الشهادات. وللأول بأنه يجيب بأن لا تهمة تلحق الشاهد في هلال رمضان بخلاف شوال، والقياس على الشهادات غير منتظم لأنها مختلفة، وإلى هذا القول رجع الشافعى آخرًا، كما نبَّه عليه الربيع في الأم فاستفده.
فَرْعٌ: إذا قبلنا قول الواحد في الصوم، فلا خلاف في أنه لا يقع الطلاق والعتق المعلق بدخول رمضان، ولا يحل الدينُ المؤجلُ به، قاله القاضي وغيره، قال الرافعى: ولو قال قائل هل لا يثبت ذلك ضمنًا كما سبق نطيره؛ لأحْوَجَ إلى الفرق، وعنى بنظيره ما سيأتي إذا صمنا بواحد ثلانين يومًا ولم نرَ الهلال نفطر في الأصح.
وَشَرطُ الوَاحِدِ صِفَةُ العُدُولِ فِي الأصح، لَا عَبدٍ وَامرَأَة، هذا ما نص عليه في الأم (961)، والثاني: لا يشترط ذلك؛ فيقْبَلُ منهما بناء على أنه رواية، والأصح في الصبي المَميزِ الثِّقَةِ القطعُ بعدم القبول أيضًا، قال الدارمي: وإذا قُبِلَ قوله فصام، قال ابن القطان: يجزيه، وقال ابنُ المُرزُبَانِ: محتملٌ، وصحح المصنف قبول قول المستور وفيه نظر، وِإذَا صُمنَا بعَدل وَلَم نَرَ الْهِلَالَ بَعدَ ثَلَاثينَ أفطَرنَا فِي الأصَح، وَإن كَانَتِ السماءُ مُصْحِيةَ، لأن العدد قد كمل فأشبه ما لو صُمنا بقول عدلين، والثاني: لا يُفْطَرُ؛ لأنه يؤدي إلى الفطر بقول واحد وهو ممتنع لو ابتدأ بالشهادة، فكذلك إذا اقتضته الشهادة السابقة، وأجاب الأول: بأن الشيء وقد يثبت ضمنًا ولا يثبت صريحًا، كما في شهادة النساء لا تُقْبَل في النسب ابتداء؛ وتقْبَلُ في الولادة ابتداء.
(960) عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: جَاءَ إلى النبِي أعرابِي؛ فَقَالَ: أبصَرْتُ الهلَالَ الليلَةَ؛ فقَالَ: [تَشهَدُ أنْ لا إِلَهَ إلا الله، وَأن مُحَمدًا عبدُهُ وَرَسُولُهُ] قَالَ: نَعَمْ. قالَ: [قمْ يا فُلَانُ فَنَادِ فِى الناسِ فَلْيَصُومُوا غَدا] وفي رواية: [قُمْ يَا بِلَالُ]. رواه ابن حبان في الإحسان: الحديث (3437). والحاكم في المستدرك: كتاب الصوم: الحديث (1544/ 13) وما بعده؛ وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(961)
قال الشافعى رحمه الله: (فإن لَم تَرَ العامة هلالَ شهرِ رمضانَ، ورآهُ رَجلٌ عَدلٌ؛ رأيت أن أقبلهُ للأثرِ والاحتياطِ) الأم: كتاب الصيام الصغير: ج 2 ص 94.
وِاذَا رُؤِيَ بِبَلَدٍ لَزِمَ حُكمُهُ البَلَدَ القَرِيبَ، أي قطعًا، دُون البَعِيدِ فِي الأصَح، لأن لكل أهل بلد رؤيتهم، والثاني: يجب؛ لأن الهلال واحد والخطاب شامل، ولأن الأرضَ مُسَطحَة (962)، فإذا رؤى الهلال في بلد رؤى في غيره، وَالْبَعِيدُ بِمَسَافَةِ الْقَصرِ، لأن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين، وقواعد الشرع تأبى ذلك فوجب اعتبار مسافة القصر التي علق الشارع بها كثيرًا من الأحكام.
وَقِيلَ: بِاخْتِلَافِ المَطَالِع، لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، هذا ما قطع به جمهور العراقيين والصيدلاني وغيرهم فلذلك قال المصنف اثره: قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَالله أَعلَمُ، فإن شك في اتفاقها فلا وجوب على من لم يرَ، لأن الأصل عدم الوجوب، لكنه وافق ما صححه الرافعي في شرح مسلم (963).
(962) ربما أفهم كلام المصنف رحمه الله أن الأرض مسطحة، بمعنى أنها غير بيضوية أو ما يذهب الذهن به إلى هذا المعنى في الشكل حسب مفاهيم العصر الراهن فيتوهم أن المصنف يقول بمفاهيم القرون الوسطى لأوربا. وليس كذلك؛ وإنما المراد مسطحة بالمعنى الذى جاء في القرآن الكريم؛ قوله تعالى:{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17 - 20]. قال الهروي في الغرييين: أي بُسِطَت وَدُحِيَتْ؛ وقال القرطبي في الجامع: بُسِطَت وَمُدتْ. فالمعنى أن الأرض مسطحة فهى مبسوطة كالفراش للناس، يتقلبون عليها في مسالكها كما يتقلب النائم على فراشه، وفي اللغة السطح؛ بمعنى من كل شيء أعلاهُ. وسَطَحَ الله الأرض بَسطَهَا، ولهذا يقال: سطح البيت؛ أي ظهرة؛ وأعلى كل شئ، قال الله تعالى:{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} [نوح: 19 - 20]. أي فراشًا ومهدًا؛ قاله الدمغاني في الأشباه والنظائر. أي أن الأرض تلفكم، فهى ميسرة لكم بنظام وجودكم عليها. قال الله تعالى:{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [لقمان: 20]، وقال تعالى:{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [لقمان: 29]. اقتضى التنويه.
(963)
أخذ النووى رحمه الله بظاهر حديث كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، ينظر: شرحه للحديث من صحيح مسلم: كتاب الصيام: باب أن لكل بلد رؤيتهم: الحديث (28/ 1087).
وَإذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَى البَلَدِ الآخَرِ فَسَافَرَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤيه، فَالأصَحُّ أَنهُ يوَافِقُهُمْ في الصومِ آخِرًا، لأنه بالانتقال إلى بلدهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم، والثانى: يفطر؛ لأنه التزم حكم البلد الأول فيستمر عليه، وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الآخَرِ إِلى بَلَدِ الرؤيةِ عَيدَ مَعَهُمْ وَقَضى يَوْمًا، بناءً على أن له حكم البلد المنتقل إليه، وَمَنْ اَصبَحَ مُعَيدًا فسَارَتْ سَفِينَتُهُ إِلَى بَلدَةٍ بَعِيدَةٍ؛ أَهْلُهَا صِيَام؛ فالأصَح: أَنهُ يُمْسِكُ بَقِيةَ اليوْمِ، بناء على أن لكل بَلْدَةٍ حُكْمُهَا. وأن للمنتقل حكم البلد المنتقل إليه، واستبعد الإمام ذلك من حيث أنه لم يَرِدْ فيه أثر، ويجزيه اليوم الواحد، وإيجاب إمساك بعضه بعيد، وتابعه الغزالي وهذا هو المقابل للأصح في كلام المصنف.
فَصلٌ: النِّيةُ شَرْط لِلصوْمِ، أما توقفه عليها فهو إجماع إلا من شذّ، وأما كونها شرطًا ففيه تجوز، ومحلها القلب، ولا يشترط النطق بها، ويشْتَرَطُ لِفَرْضِهِ التبْيِيتُ، لقوله صلى الله عليه وسلم:[مَنْ لَمْ يُجمِع الصيامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ] صححه الدارقطني والخطابى والبيهقى (964)، والأصح القطع بذلك في المنذور. والصَّبِي المميز كالبالغ كما قاله في شرح المهذب، وسبقه إليه الرويانى (•)، وتجب النية لكل يوم (•).
(964) الحديث عن حفصة أم المؤمنين رضى الله عنها؛ رواه الدارقطنى في السنن: كتاب الصيام: باب تبييت النيه من الليل وغيره: الحديث (3) منه: ج 2 ص 172 وصححه؛ ونقل تصحيحه الخطابى في معالم السنن: كتاب الصيام: باب النية في الصيام: الحديث (2344) ووافقه عليه في التعليق: ينظر شرح الحديث: ج 3 ص 332 - 333. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصيام: باب الدخول في الصوم بالنية: الحديث (7999 و 8000)، وقال: وهذا حديث قد اختلِفَ على الزهرى في إسنادهِ وَرَفَعَهُ وَهُوَ مِنَ الثقَاتِ الأثبَاتِ.
(•) في هامش نسخة (2): قال الرويانى: ليس لنا صوم نفل يشترط فيه التبييت إلا هذا؛ يعنى بصوم الصبي.
(•) في هامش نسخة (2): لأن صَوْمَ كُل يَوْم عِبَادَة بِرَأسِهَا، وَإِذَا نَوَى صَوْمَ الشهر صَحَّ صَوْمُ اليومِ الأوَّلِ، وَعِنْدَ مَالِك تَكفِى نِيَّةُ صَوْمِ الشهرِ كُلهِ فِى أَولهِ، وَبِهِ قالَ أَحْمَدُ فِى رِوَايَةٍ.
فَرْع: لو تَسَحَّرَ للصومِ أو شرب لدفع العطش نهارًا أو امتنع من الماء خوف الفجر كان ذلك نية للصوم كما نقله الرافعي عن أبي العباس الروياني، قال: وهو الحق إن خَطَرَ ببالهِ الصوم بالصفات المعتبرة.
وَالصحِيحُ: أنهُ لَا يُشْتَرَطُ النِّصْفُ الآخِرُ مِنَ الليلِ، لأنا لو اشترطنا ذلك لشق على الناس وضاق، والثانى: نشترطه وتوجيهه في غاية البعد، وَأَنهُ لَا يَضُرُّ الأكْلُ وَالْجِماعُ بَعْدَهَا، أي وكذا غيرهما من المنافيات، لأن الله تعالى أحلَّ الأكل إلي طلوع الفجر، ولو كان يبطل النية لما جاز أن يأكل البتة؛ لأنه يبطل النية، وهذا هو المنصوص وبه قطع الجمهور، والثاني: أنه يضر ذلك لمنافاته، وهو غلط بالاتفاق، وَأنهُ لَا يَجِبُ التجدِيدُ إِذَا نَامَ ثُم تنبهَ، لما سبق، بل أَولى لعدم منافاة النوم الصوم، والثاني: يجب تقريبًا للنية من العبادة، بقدر الوسع، أما إذا استمر النوم إلى الفجر لم يضره، ويصح صومه قطعًا، قال الإمام: وفي كلام العراقيين تردد في أن الغفلة هل هى كالنوم؟ وكل ذلك مطرح.
ويصِح النفْلُ بِنِيةٍ؛ قَبْلَ الزوَالِ، لأنه صلى الله عليه وسلم دخلَ على عائشة ذاتَ يومٍ فقال:[هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْء] قَالَتْ: لَا، قالَ:[فَإِني إِذًا أَصُومُ]، قَالَتْ: وَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا آخَرَ، فَقَالَ:[أَعِنْدَكِ شَيْء] قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ:[إِذا أُفْطِرُ، وَإِنْ كُنْتُ فَرَضْتُ الصَّوْمَ] رواه الدارقطنى والبيهقى، فقالا: إسناده صحيح (965)، وفي رواية الدارقطني؛ وقال: إسنادها صحيح أيضًا: [هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاء] بدل [مِنْ شَيْءٍ](966) وهو موضع الدلالة فإن الغداء كما قال القاضي أبو الطيب وغيره: اسم لما يؤكل قبل
(965) رواه الدارقطني في السنن: كتاب الصيام: باب تبييت النية من الليل: الحديث (18) من الباب؛ وقال: هذا إسناد حسن صحيح. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصيام: باب المتطوع يدخل في الصوم: الحديث (8004)، وقال: رواه مسلم في الصحيح عن أبى كامل.
(966)
رواه الدارقطنى في السنن: الحديث (21) من باب تبييت النية من الليل؛ وقال: هذا إسناد صحيح.
الزوال، وما يؤكل بعده يسمى عشاءً، وَكَذَا بَعْدَهُ في قَوْلٍ، أي إذا لم يتصل آخر نيته بالغروب تسوية بين أخر النهار كالليل، أما إذا اتصلت نيته بالغروب؛ فلا يصح قطعًا قاله البندنيجي، والأصح: المنع لخلو معظم العبادة عن النية.
وَالصَّحِيحُ: اشْتِرَاطُ حُصُولِ شَرْطِ الصَّوْمِ مِنْ أوَّلِ النَّهَارِ، أي من أكلٍ وشربٍ وحِماعٍ وكُفرٍ وحيضٍ وجنونٍ، وإلا فيبطل مقصود الصوم، ويجوز أن يتقدم شرط الشيء عليه، ألا ترى أنَّه يشترط تقديم الخطبة على الجمعة، والثاني: لا يشترط ذلك؛ لأن الصوم إذا كان محسوبًا من وقت النية كان بمثابة جزءٍ من الليل، وهذا الخلاف محله إذا قلنا: إنه صائم من وقت النية، أما إذا قلنا بالأصح: إنه صائم من أول النهار فلا بد من اجتماع شرايط الصوم في أول النهار.
وَيَجِبُ التَّعْيِينُ في الْفَرْضِ، أي بأن ينوي كل ليلة أنَّه صائم غدًا من رمضان أو عن قضاء رمضان أو عن نذر أو كفارة؛ لأنه قربة مضافة إلى وقتها، فوجب التعيين في نيتها كالظهر والعصر، واحترز بالفرض عن النفل؛ فإنَّه يصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة، قال في شرح المهذب: كذا أطلقه الأصحاب، وينبغي أن يشترط التعيين في الصوم المرتب كصوم عرفة وعاشوراء وأيام البيض ونحوها، كما يشترط ذلك في رواتب الصلاة.
وَكَمَالُهُ في رَمَضَان؛ أَن يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ عَنَ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَان هَذِهِ السَّنَةِ لله تَعَالَى، تمييزًا له عن القضاءِ والنفلِ، وغير رمضان هذه السنة، ونية غد بخصوصه ليست بواجبة؛ بل يكفي دخوله في عموم الشهر المنوى على الأصح حتَّى لو نوى أول ليلة من رمضان صوم جمعة صح اليوم الأول منه فقط على الصحيح.
وَفِي الأدَاءِ وَالْفَرَضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الْخِلَافُ الْمَذكُورُ في الصَّلاةِ، أي وقد سبق بيانه هناك؛ كذا قاله الرافعي في كتبه وأقرّه عليه المصنف هنا، وفي الروضة؛ وقال في شرح المهذب: الأصح في نية الفرضية هناك عند الأكثرين الاشتراط، وهنا عدمه. والفرقُ أن صوم رمضان من البالغ لا يكون إلَّا فرضًا بخلاف الصلاة.
وَالصَّحِيحُ: أَنْهُ لا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّنَةِ؛ لأن التعرض لليوم المعين يغني عن ذلك، والثانى: يشترط؛ وزَيَّفَهُ الإمامُ.
وَلَوْ نَوَى لَيلَةَ الثَّلَاثينَ مِن شَعْبَان صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَان إِنْ كان مِنْهُ فَكَان مِنهُ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إِلَّا إِذَا اعتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَن يَثقُ بِهِ: مِنْ عبدٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صِبْيَانٍ رُشَدَاءَ، لأن غلبة الظن في مثل هذا له حكم اليقين كما في أوقات الصلاة، واحترز بالاعتقاد عن عدمه وبالرشداء عن غيرهم، ولو أخبره صبيٌّ عاقلٌ برؤيتهِ فغلب على ظنه صدقه، قال في البحر: قال أبو حامد: يجوز أنْ يعقد الصوم به، وقال سائر أصحابنا بخراسان: لا يجوز ذلك؛ لأنه لا حكم لقوله، وجزم الجرجانى والمحاملي باعتماد الصبي المراهق.
وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلاثِينَ مِن رَمَضَان صَوْمَ غَدٍ إِنْ كَان مِنْ رَمَضَان أَجْزَأَهُ إِنْ كَانَ منْهُ؛ لأن الأصل بقاؤه، وَلَوِ اشْتَبَهَ، أي شهر رمضان على أسير أو محبوس أو نحوهما، صَامَ شَهْرًا بِالاجْتِهَادِ، كما يجتهد للصلاة في القبلة والوقت، فَإِن وَافَقَ مَا بَعْدَ رَمَضَان أَجْزَأَهُ، أي وغايته أنَّه أوقع القضاء بنية الأداء، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الأصَحِّ، لوقوعه بعد الوقت، والثاني: أنَّه أداء لمكان العذر، والعذر قد يجعل غير الوقت وقتًا كما في الجمع بين الصلاتين، وفائدة الخلاف ما إذا كان رمضان تامًا والذي صامه ناقصًا فلهذا فرّعه المصنف على الراجح فقال: فَلَوْ نَقَصَ وَكَان رَمَضَانُ تَامًّا لَزِمَهُ يَوْمٌ آخَرُ، أي وعلى مقابله لا يلزمه شيء ولو كان الأمر بالعكس. فإن قلنا: إنه قضاء فله إفطار اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا إداء فلا، وَلَوْ غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ، أي على رمضان، وَأَدْرَكَ رَمَضَان لَزِمَهُ صَوْمُهُ، لتمكنه منه في وقته، وِإلَّا، أي وإن لم يدرك رمضان، فَالْجَدِيدُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، لأنه أتى بالعبادة قبل الوقت فلا تجزيه كما في الصلاة، وفي القديم المنع كالحجيج إذا أخطأوا أو وقفوا العاشر يجزيهم، وبناهما جاعة على ما إذا وافق ما بعده هل يكون قضاء أم أداء، إن قلنا قضاء لم يُحْزِهِ هنا؛ لأن القضاء لا يسبق الأداء وإذا قلنا أداء أجزأَهُ.
فَرعٌ: لو أدرك بعضَهُ لزمهُ صومهُ، وفي قضاء ما مضى الطريقان، وبقىَ من أقسام المسألة خمس صور فراجعها من الشرح.
وَلَوْ نَوَتِ الْحَائِضُ صَوْمَ غَدٍ قَبْلَ انْقِطَاع دَمِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ لَيْلًا صَح إِنْ تَمَّ لَهَا في اللَّيلِ أَكْثَرُ الْحَيْضِ، لأنها تقطع بأن نهارَها كُلُّهُ طُهْرٌ، وَكَذَا قَدْرُ الْعَادَةِ في الأصَحِّ، لأن الظاهر استمرار عادتها، فقد بنت نيتها على أصل، والثاني: لا يصح؛ لأنها قد تختلف، فإن لم يكن لها عادة، وكان لا يتم أكثر الحيض بالليل، أو كانت لها عادات مختلفة؛ لم يصح الصوم، لأنها لم تجزم ولا بَنَتْ على أَصْلٍ وَلَا أَمَارَةٍ (•).
فَصْلٌ: شَرْطُ الصَّوْمِ الإمْسَاكُ عَنِ الْجِمَاع، أي عَمْدًا بالإجماع؛ فإن كان ناسيًا فلا على الراجح كما سيأتي، ومراده بالشرط ما لا بد منه دون الشرط الاصطلاحي، وَالاِسْتِقَاءَةِ، بالإجماع كما نقله ابن المنذر، وَالصَّحِيحُ: أنَّهُ لَوْ تَيَقنَ أَنهُ لَم يَرْجِعْ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بَطَلَ، بناء على أن العلَّة في البطلان فيه نفس الاستقاءة، ووجه مقابله البناء على أن العلَّة فيه رجوع شيء مما خرج وإنْ قلَّ، وَإنْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ فَلَا بَأْسَ، لقوله صلى الله عليه وسلم:[مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ] صححه ابن حبان وغيره (967).
وَكَذَا لَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً وَلَفَظَهَا في الأصَحِّ، لأن الحاجة إليه مما يتكرر فليرخص فيه، والثاني: يفطر به إلحاقًا بالاستقاءة، ورجح في الروضة وشرح المهذب القطع بالأول، واحترز بقوله (وَلَفَظَهَا) عما إذا بقيت في محلها؛ فإنَّه لا يفطر جزمًا، ولو خرجت بغلبة السعال فلفظها فلا شيء عليه، فَلَوْ نَزَلَتْ مِن دِمَاغِهِ وَحَصَلَتْ في
(•) في هامش نسخة (3): بلغ مقابلة على نسخةٍ قريت على المصنف وعليها خطه.
(967)
رواه ابن حبان في صحيحه؛ ينظر: الإحسان بترتيبه: باب قضاء الصوم: ذكر القضاء على المستقئ عمدًا: الحديث (3509). ورواه أبو داود في السنن: كتاب الصوم: باب الصائم يستقيء عامدًا: الحديث (2380). والتِّرمذي في الجامع: كتاب الصوم: باب فيمن استقاء عمدًا: الحديث (720) وفيه: [وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقضِ]، وقال: حسن غريب.
حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ، أي بأن انصبت من الدماغ من الثقبة النافذة إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فَلْيَقْطَعْهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَلْيَمُجَّهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَوَصَلَتِ الْجَوْفَ أَفطَرَ فِي الأصَحِّ، لتقصيره، والثاني: لا؛ لأنه لم يفعل شيئًا، وإنما أمسك عن الفعل، قال ابن الصلاح: ولعله أقرب، أما إذا لم تحصل النخامة في حد الظاهر فلا مبالاة بها، وكذا إذا حصلت فيه ولم يقدر على صرفها، وإن ردَّها إلى أقصى الفم أو ارتدت إليه ثم ابتلعها أفطر، ووقع في ضبط الظاهر والباطن اضطراب أوضحته في الشرح فراجعه منه (•)، وَعَنْ وُصُولِ الْعَيْنِ إِلَى مَا يُسَمَّى جَوْفًا، لأن الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف، وفاعل هذا ما أمسك. واحترز بقوله (مَا يُسَمَّى جَوْفًا) عما لو داوى جرحه على لحم الساق والفخذ فأوصل الدواء إلى داخل اللحم أو غرز حديدة فيه؛ فإنَّه لا يفطر؛ لأنه ليس بجوف، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَن يَكُون فِيهِ، أي في الجوف، قُوَّة تُحِيلُ الغِذَاءَ أَوِ الدَّوَاءَ، هذا ما أورده الغزالي؛ والصحيح: أن المعتبر ما يقع عليه اسم الجوف، ويدل عليه أنَّهم جعلوا الحلق كالجوف في بطلان الصوم بوصول الواصل، فَعَلَى الْوَجْهَينِ بَاطِنُ الدّمَاغِ وَالْبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالْمَثَانَةِ، أي وهي مجمع البول، مُفْطِرٌ بِالاسْتِعَاطِ أَوِ الأكْلِ أَوِ الْحُقنةِ أَوِ الوُصُولِ مِنْ جَائِفَةٍ أَوْ مَأْمُومَةٍ وَنحْوِهِمَا، لأنه جوف محيل، قال الإمام والبغوي: ولا يشترط الوصول إلى باطن الأمعاء وخريطة الدماغ، وفي كلام المصنف لَفٌّ وَنَشْرٌ فتأمَّلهُ (968).
(•) في هامش نسخة (3): تَنْبِيهَان: أحدهما: فُهِمَ مِن كلامِ المصنف؛ أنهُ لا يَضُرُّ إذا لم يحصل في حَدِّ الظاهرِ مِن الفمِ أو حصلَ فيهِ ولم يقدر على مَجِّهَا. والثاني: الباطنُ مَخْرَجُ الْهَاءِ والهمزةِ، والظاهرُ مَخرَجُ الخاءِ المعجمة؛ فما بعده إلى صوب الشفتين. وأما مخرج المهملة، فقالَ الرافعي تبعًا للغزالي: إنها من الباطن. وقال المصنف: إنها من الظاهر. قال الشيخ: والأقربُ أنها من الباطن كما قال الرافعي.
(968)
قُلْتُ: الاِستِعَاطُ؛ أيُّ صَبُّ الدَّوَاءِ في الأنْفِ، وَكَأَنهُ يَصِلُ الدِّمَاغ؛ لأن السَّعُوطَ الدَّوَاءُ يُصبُّ في الأنْفِ. وَالْمَأْمُومَةُ مِنَ الأَمِّ بالْفَتحِ الفَصْدُ، يُقَالُ تَأَمَّمَهُ: إِذَا فَصَدَهُ. وَأمَّهُ: أيْ شَجَّهُ، وَآمَّهُ بِالْمَدِّ الشَّجَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ أُمَّ الدِّمَاغِ حَتى يَبْقَى بَيْنهَا وَبَيْنَ الدِّمَاغِ جِلْدٌ رَقِيقٌ.
وَالتقْطِيرُ في بَاطِنِ الأذُنِ وَالإِحْلِيلِ مُفْطِرٌ في الأصَحِّ، بناء على الوجه الأول وهو اعتبار كل ما يسمى جوفًا، والثاني: لا، بناء على مقابله، لأنه جوف وليس فيه قوة الإحالة، والإحليل: مخرجُ البول خاصة قاله الجوهري، وَشَرْطُ الْوَاصِلِ كَوْنُهُ مِنْ مَنفَذٍ مَفتوحٍ؛ فَلَا يَضرُّ وُصُولُ الدُّهْنِ بَتَشَرُّبِ الْمَسَامِّ، وَلَا الاكْتِحَالُ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ بحَلْقِهِ، كما لا يضر الاغتسال والانغماس في الماء وإن وجد له أثرًا في باطنه؛ ولا يكره الاكتحال (969) سواء تنخمه أم لا؛ والْمَنفَذُ بفتح الفاء كالْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ وكذا رأيته بخط مولفه مضبوطًا، وَكَوْنُهُ بِقَصْدٍ: فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ، أوْ بَعُوضَةٌ، أَؤ غُبَارُ الطَّرِيقِ، أَوْ غَربلَةُ الدَّقِيقِ، لَمْ يُفْطِرْ، أي وإن كان إطباق الفم واجتناب ذلك ممكنًا؛ لأن تكليف الصائم الاحتراز عن الأفعال المعتادة إلى يحتاج إليها؛ يَجُرُّ عُسرًا شديدًا، بل لو فتح فاه عمدًا فوصل الغبار إلى جوفه فالأصح العفر.
وَلَا يُفْطِرُ بِبَلْع رِيقِهِ مِن مَعِدَتِهِ، بالإجماع، فَلَوْ خَرَجَ عَنِ الْفَمِ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ؛ أوْ بَلَّ خَيطًا بِرِيقِهِ وَرَدَّهُ إِلَى فَمِهِ وَعَلَيهِ رُطُوبَةٌ تَنْفَصِلُ؛ أَوِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مَخْلُوطًا بِغَيْرِهِ أَوْ مُتَنَجِّسًا أَفْطَرَ، أما في الأُولى: فلأنه خرج عن معدته فصار كالأعيان المنفصلة، وأما في الثانية: فلأنه لا ضرورة إليه وقد ابتلعه بعد مفارقة، وأما في الثالثة: فلأنه أجنبيٌّ غيَّرَ الريقَ.
وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ؛ فَابْتَلَعَهُ لَمْ يُفْطِرْ في الأصَحِّ، لأنه مما يجوز ابتلاعه ولم يخرج عن معدته فأشبه ما لو ابتلعه متفرقًا، والثاني: يفطر، لأن الاحتراز عنه هيِّن، ولو اجتمع لم يفطر قطعًا، وَلَوْ سَبَقَ مَاءُ الْمَضمَضَةِ أَوِ الاسْتِنْشَاقِ إِلَى جَوْفِهِ، أي المعروف ودماغه، فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ بَالغَ أفْطَرَ، لارتكابه المنهي، وَإِلَّا فَلَا، لوصوله بغير اختياره، وقيل: لا يَفْطَرُ مطقًا، وقيل: عكسه، كذا حكاها في أصل الروضة،
(969) لحديث محمَّد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أَبيه عن جده: (أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَكْتَحِلُ بِالإِثْمدِ وَهُوَ صَائِمٌ). رواه البيهقي في السنن الكبرى: باب الصائم يكتحل: الحديث (8350)؛ فحكاه بعده. وقال: ليس بالقوي.
وقال الرافعي: أصح الطريقين حكايته قولين، والثانية: القطع بأنه لا يفطر، وفي محل الأولى طرق؛ أصحها: أن القولين فيما إذا بالغ؛ أما إذا لم يبالغ فلا يفطر قطعًا، وصحح في الْمُحَرَّرِ أنَّه إذا بالغ أفطر قطعًا، وإلا فالخلاف، قال الماوردي: والبطلان هو قول أكثر الفقهاء.
فَرْعٌ: المختار في الروضة الجزمُ في المرة الرابعةِ بالإفطار؛ لأنها منهي عنها (970).
فَرْعٌ: سبق الماء عند غسل الفم لنجاسته كسبق الماء في المضمضة، والمبالغة هنا للحاجة كالسبق بلا مبالغة؛ قاله الرافعي في الكبير بلفظ ينبغي؛ وجزم به في الصغير.
وَلَوْ بَقِيَ طَعَامٌ بَيْن أسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ، أي من غير قصد، لَم يُفْطِرْ إِن عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ، أي وإن لم يعجز أفطر لتقصيره، وَلَوْ أُوْجِرَ مُكرَهًا لَم يَفْطُرْ، لعدم القصد والفعل منه، وِإنْ أُكرِهَ حَتى أكَلَ، أي أو شرب، أَفْطَرَ في الأظْهَرِ، لأنه حصل بفعله مع علمه بالحال لدفع الضر عن نفسه فبطل كما لو فعله لدفع الجوع والمرض. قُلْتُ: الأظْهَرُ لا يُفْطِرُ، وَالله أعْلَمُ، لأن حكم اختياره ساقط؛ وأكله ليس منهيًا عنه فأشبه الناسي بل هو أَولى منه، وِإنْ أَكَلَ نَاسيًا لَم يُفْطِرْ، لقوله صلى الله عليه وسلم:[مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ] صححه الحاكم على شرط مسلم (971)، إِلَّا أَن يَكْثُرَ في الأصَحِّ، كما في كلام الناسي في الصلاة إذا أكثر؛ لأن النسيان في الكثير نادر. قُلْتُ: الأصَحُّ لا يَفْطُرُ، وَالله أعْلَمُ، لعموم ما سلف؛ ولأن الصلاة ينقطع نَظمُهَا بذلك بخلاف الصوم، ومنع بعض شارحي الوسيط هذا الفرق، وقال: الصوم أَيضًا ذو نِظام وهو الإمساك من أول اليوم إلى
(970) لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه؛ قال: قالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم[أسْبِغ الوُضُوءَ، وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا] تقدم في الرقم (75).
(971)
رواه الحاكم في المستدرك: كتاب الصوم: الحديث (1569/ 38)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرحاه بهذا السياق. ووافقه الذهبي بقوله: على شرط مسلم.
آخره فيحرم الأكل والشرب، قال في المطَّلب في الصلاة: ويقوي هذا تسوية الفورانى بين الوجهين في الصوم والصلاة ولم يَبْنِ الصوم على الصلاة كما فعل غيره، وما جزم به المصنف من طريقه الوجهين؛ وتعبيره بالأصح كذا فعل في الروضة وخالف في شرح المهذب وضعفها وصحح طريقة القطع بأنه لا يفطر.
وَالْجِمَاعُ كَالأَكْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي في أنَّه لا يفطر بالنسيان للرواية المذكورة ولغيره من المفطرات، والطريق الثَّانية حكايته قولين كما في جماع المحرم ناسيًا، لكن الفرق أن المحرم له هيئة يتذكر بها حالة فإذا نسي كان مقصرًا بخلاف الصائم، وَعَنِ الاِسْتِمْنَاءِ، أي وهو استخراج المنِّي، فَيُفْطِرُ بِهِ، لأنَّ الإِيْلَاجَ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ مُبْطِلٌ، فالإنزال بنوع شهوةٍ أَولى، ولو حكَّ ذكره لا لعارض؛ فالأصح في شرح المهذب: أنَّه لا يفطر؛ لأنه متولد من مباشرة مباحة، وأما إذا احتلم فإنَّه لا يفطر بالإجماع؛ لأنه مغلوب، وَكَذَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ وَمُضَاجَعَةٍ؛ لأنه إنزال بشهوة مباشرة، نعم: الخنثى إذا باشرت بشهوة وأمنى بفرجيه أفطر وإلا فلا، لا فِكْرٍ؛ وَنَظَرٍ بِشَهْوَةٍ، لأنه إنزال بغير مباشرة فأشبه الاحتلام.
وَتُكْرَهُ الْقبْلَةُ لِمَن حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ، أي بحيث يخاف الإنزال خوفًا منه فإنَّه يفطر، وَالأوْلَى لِغَيرِهِ تَرْكُهَا، أي ولا يَحْرُمُ لآمِنِهِ. فُلْتُ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ في الأصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه يعرض الصوم لإفساده، وهذا ما نصَّ عليه في الأم أَيضًا (972)، والثاني: أنها كراهة تنزيه؛ وحكى العجلي عن الشَّافعيّ رضي الله عنه حكايته تدل
(972) نص عبارة الإمام الشَّافعيّ رضي الله عنه؛ قال: (وَمَنْ حَرَّكَتِ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ، كَرِهْتُهَا لَهُ، وَإِنْ فَعَلَهَا لَمْ يُنْقَضْ صَوْمُهُ، وَمَنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ فَلَا بَأْسَ لَهُ بِالْقُبْلَةِ، وَمِلْكُ النَّفْسِ عَنْهَا في الْحَالَيْنِ عَنهَا أَفْضَلُ؛ لأنَّهُ مَنَعَ شَهْوَةً يُرْجَى مِنَ اللهِ ثَوَابُهَا) وقال: (وَإِنَّمَا قُلنا لا يَنْقَضُ صَوْمُهُ، لأنَّ الْقُبْلَةَ لَوْ كَانَتْ تَنْقُضُ صَوْمَهُ، لَمْ يُقَبِّلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يُرَخِّصِ ابْن عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فَيْهَا، كَمَا لا يُرَخِّضونَ فِيْمَا يُفْطِرُ، وَلَا يَنظُرونَ في ذَلِكَ إِلَى شَهْوَةٍ فَعَلَهَا الصَّائِمُ لَهَا وَلَا غَيْرَ شَهْوَةٍ). قال الشَّافعيّ رحمه الله: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشامٍ بن عُروةَ عَنْ أبِيْهِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيُقَبِّل بَعْضَ =
عليه، ولا يبعد بالنسبة إلى التطوع؛ لأن له الخروج منه (973).
فَرْعٌ: المباشرة باليد والمعانقة لها حكم القُبْلَةِ.
وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، أي بل تركهما أَولى لأنهما يضعفانه؛ وصحَّ [أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ] لكنه منسوخٌ أو مُأَوَّلٌ (974).
أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ)؛ ثُمَّ تَضحَكُ. قالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ؛ أنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ؛ قَالَت: (وَأَيَّكُمْ أمْلَكُ لإِربهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم). الأُم: باب ما يفطر الصائم: ج 2 ص 98.
(973)
قلت: للتطوع والفرض أَيضًا؛ هذا ما جاء في نَصِّ عبارةِ الإمام الشَّافعيّ رضي الله عنه؛ أما أنَّه يحذر منها فتكرهُ للشاب مع أنَّه يملك إِرْبَهُ ويأْمنُ على نفسهِ، حذرًا من أن لا يقوى على ذلك، أما مَن لا يملك إربهُ، فإنَّه سيقعُ في الحرامِ لا محالة، فإن لم يستطعْ تقريرَ ذلك فتكرهُ له كراهة تنزيهيةً، أي ورعًا وحذرًا مما به بأس. والله أعلم. لحديث عائشة رضي الله عنها؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ في الْقُبْلَةِ لِلشَّيْخ وَهُوَ صَائِمٌ، وَنَهَى عَنْهَا الشَّابَّ، وَقَالَ:[الشّيْخُ يَمْلِكُ إِرْبَهُ وَالشَّابُّ يُفسِدُ صَوْمَهُ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: باب كراهية القبلة: الحديث (8175)؛ قال الشَّافعيّ رحمه الله: (أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم، فرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب، ثم قال: وهذا عندي والله أعلم على ما وصفت؛ ليس اختلافًا منهم، ولكن على الاحتياط لئلا يشتهى فيجامع، وبقدر ما يرى من السائل أو يظن به). إهـ. الأُم: ج 2 ص 98.
(974)
• الحديث عن ثوبان وشداد بن أوس رضي الله عنهما، ورافع بن خديج رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: الحديث. رواه أبو داود في السنن: كتاب الصوم: الحديث (2367 و 2368). والتِّرمذيّ في الجامع: كتاب الصوم: باب كراهية الحجامة للصَّائمِ: الحديث (774)، وقال: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح.
• قال التِّرْمِذِيّ: وَقَد كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ، الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ. حَتى أنَّ بَعْضَ أصْحَابِ النبِيِّ احْتَجَمَ بِاللَّيْلِ، مِنهُمْ أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ. وَابْنُ عُمَرَ. وَبِهَذَا يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ. إهـ. في الجامع الصحيح: كتاب الصوم: باب كراهية الحجامة للصَّائم: ج 3 ص 145.
• لم يَتَرَجَّحْ رأي عند الإمام الشافعى حين كان في بغداد، فقال: (وَلَوْ تَوَقَّى رَجُلٌ =
وَالاحْتِيَاطُ أن لا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إِلَّا بِيَقِينٍ، لأن الأصل بقاؤه؛ ويجب إمساك جزء من الليل ليتحقق استكمال النهار، وقد ورد التغليظ على من أفطر قبل الغروب من حديث أبي أمَامَةَ البَاهِلِيِّ [أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَأهُمْ في نَوْمِهِ وَهُمْ يُعَلَّقُونَ بِعَرَاقِيْبِهِمْ وَأَشْدَاقُهُمْ مُشَققَةٌ تَسِيْلُ دَمًا] رواه البيهقي في كتابه فضائل الأوقات (975).
وَيحِلُّ بِالاجْتِهَادِ، أي بالأوراد ونحوها، في الأصَحِّ، كأَوقات الصلاة، والثاني: لا؛ لقدرته على درك اليقين بالصبر، وَيجُوزُ، الأكل، إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ، أي بالاحتهاد لأن الأصل بقاؤه. قُلْتُ: وَكَذَا لَو شَكَّ، وَالله أَعْلَمُ، لذلك أَيضًا، وَلَوْ
الْحِجَامَةَ وَهُوَ صَائِمٌ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ. وَلَوِ احْتَجَمَ الصَّائِمُ لَم أرَ ذَلِكَ أنْ يُفْطِرَهُ). قال التِّرْمِذِيّ: هَكَذَا كَانَ قَوْلُ الشَّافِعِي بِبَغْدَادَ. وأمُّا بمِصْرَ، فَمَالَ إِلَى الرُّخْصَةِ، وَلَمْ يَرَ في الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ في حَجَّةِ الْوَدَاع وَهُوَ مُحْرِمٌ. إهـ. من الجامع الصحيح: ج 3 ص 146.
• عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ (أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ).
• وعنه رضي الله عنه؛ قال: (احْتَجَمَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صَائِمٌ). رواهما البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الصوم: باب الحجامة والقئ للصائم: الحديث (1938 و 1939). وجمع بينهما الترمذي بإسناده عن ابن عباس قال: (احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ): الحديث (775). وفي لفظ: (أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ فِيْمَا بَيْنَ مَكةَ وَالْمَدِيْنَةِ؛ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ) من الجامع الصحيح: الحديث (777)، وقال: حديث حسن صحيح.
(975)
عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [بَينَا أنَاْ نَائِمٌ إِذ أَتَانِي رَجُلَانِ، فَأَخَذَا بَضَبْعَيَّ، فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا؛ فَقَالَا لِي: اصْعَدْ، فَقُلْتُ: إِنِّى لَا أُطِيّقُهُ، فَقَالَا: إِنا سَنُسَهِّلُهُ لَكَ؛ فَصَعَدْتُ حَتَّى كُنتُ في سَوَاءِ الْحَبَل، إِذ أنَاْ بِأَصْوَاتٍ شَدِيْدَةٍ؛ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ؟ قَالُوا: هَذَا عُوَاءُ أهْلِ النَّارِ؛ ثُمَّ انْطُلِقَ بِي، فَإِذَا أنَاْ بِقَوْمٍ مُعَلَّقِيْنَ بعَرَاقِيبِهمْ مُشَقَّقَةٌ أشْدَاقُهُمْ تَسِيْلُ أشْدَاقُهُمْ دَمًا؛ قَال: قُلْتُ: منْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِيّنَ يُفطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصيام: باب التغليظ على من أفطر قبل غروب الشَّمس: الحديث (8099).
أَكَلَ بِاجْتِهَادِ أوَّلًا أَوْ آخِرًا، وَبَان الْغَلَطُ بَطَلَ صَوْمَهُ، لأنه تحقق خلاف ما ظنه، أَوْ بِلَا ظَنٍّ وَلَمْ يَبِنِ الْحَالُ صَحَّ إِنْ وَقَعَ في أوَّلهِ وَبَطَلَ في آخِرِهِ، عملًا بالأصل فيهما، أعني بقاء الليل في الأولى والنهار في الثَّانية، وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ، أي الصادق وهو الشرعي، وَفى فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ صَحَّ صَوْمُهُ، لأنه لو وضعهُ في فيهِ نهارًا ولم يصل إلى حلْقِه لم يفطر فأولى إذا كان الوضع ليلًا ولو سبقه إلى جوفه؛ فالأصح من زوائد الروضة عدم فطره.
وَكَذَا لَوْ كَان مُجَامِعًا فَنَزَعَ في الْحَالِ، لأنه ترك، كما لو حلف لا يلبس فنزع؛ وسواء أنزل أو لم ينزل، فَإِن مَكَثَ، أي بعد علمه بطلوعه، بَطَلَ، لتحقق الجماع منه قصدًا؛ وتلزمه الكفَّارة والحالة هذه على المذهب، قال الرويانى: والأولى عندي في هذه الحالة: أن صومه ما انعقد أصلًا، وقيل: انعقد وفسد، وظاهر إيراد المصنف يُشعر به.
فَصْل: شَرْطُ الصَّوْمِ، أي شرط صحته: الإِسْلَامُ، بالإجماع، وَالْعَقْلُ، أي فلا يصح صوم غير المميز؛ والمجنون؛ لالتحاقهما بالبهائم، وَالنَّقَاَءُ عَنِ الْحَيضِ وَالنِّفَاسِ، بالإجماع، جَميعِ النَّهَارِ، أي فلو طرأ رِدَّةٌ أو حيضٌ أو نفاسٌ بطل صومه وكذا الجنون على الأرجح كما لو جُنَّ في خلال صلاته، وَلَا يَضُرُّ النوْمُ المُسْتَغْرِقُ، للنهار، عَلَى الصَّحِيح، لبقاء أهلية الخَطاب، والثاني: يضر كالاِغْمَاءِ وقد عرفت الفَرْق، فإن استيقظ لحظة صحَّ إجماعًا، وَالأظهَرُ: أَن الإِغْمَاءَ لا يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ، أيْ أيَّ لحظةٍ كانت اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء، وأغرب صاحب المهذب فقال: لا أعرف له وجهًا، والثاني: يضر مطلقًا كالحيض، والثالث: لا مطلقًا كالنوم، والرابع: لا يضر إذا أفاق في أوله وصححه الغزالي والفارقي ومال إليه ابن الصلاح، والخامس: لا يضر إذا أفاق في طرفيه.
وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدَيْنِ، أضحى وفطر بالإجماع (976)، وَكَذَا التَّشْرِيقُ في
(976) لحديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: (إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَومَ الْفِطْرِ =
الْجَدِيدِ، أي وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر لنهيه صلى الله عليه وسلم عن صيامها كما رواه أبو داود (977)، والقديم أن يجوز للمتمتع العادم للهَدْي صومها عن الثلاثة الواجبة في الحج لقول ابن عمر وعائشة [لَمْ يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيْقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ] رواه البُخَارِيّ وصححه جماعة (978).
وَلَا يَحِلُّ التَّطَوُّعُ يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا سبَبٍ، لصحة النهي عنه (979)، فَلَوْ صَامَهُ لَمْ يَصِح فِي الأصَحِّ، كيوم العيد، والثاني: يصح؛ لأنه قابل للصوم في الجملة، ونظير ذلك الصلاة في الأوقات المكروهة، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، أي من غير كراهة؛ وقيل: نعم، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَة تَطَوُّعُهُ، للنص الصحيح فيه (980)، وَهُوَ،
= وَيَوْمَ الأضْحَى). رواه البخاري في الصحيح: كتاب الصوم: باب صوم يوم النحر: الحديث (1993). ومسلم في الصحيح: كتاب الصيام: باب النهي عن صوم يوم الفطر: الحديث (139/ 1138) واللفظ له. وفي الباب عن عمر بن الخَطَّاب وأبي سعيد الخُدرِيّ رضي الله عنهما.
(977)
عن عقبة بن نافع رضي الله عنه؛ قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [يَومُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التشْرِيْقِ عِيْدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب الصوم: باب صيام أيام التشريق: الحديث (2419).
(978)
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الصوم: باب صيام أيام التشريق: الحديث (1997 و 1998).
(979)
لحديث صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ: كُنْا عِنْدَ عَمَّارٍ في الْيَوْمِ الذِي يُشَكُّ فِيْهِ، فَأَتِيَ بشَاةٍ، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ؛ فَقَالَ عَمَّارٌ:(مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم). رواه أبو داود في السنن: باب كراهية صوم يوم الشك: الحديث (2324). والترمذي في الجامع: باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك: الحديث (686). والنسائي في السنن: كتاب الصوم: ج 4 ص 153. ورواه البخاري تعليقًا في الصحيح: كتاب الصوم: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم[إِذَا رَأيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا] وإسناده صحيح وله شواهد.
(980)
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ]. رواه البخاري في الصحيح: باب لا يُتَقَدَّمُ رمضان بصوم يوم: الحديث (1914). ومسلم في الصحيح: =
يعني يوم الشك، يَوْمَ الثَّلَاثينَ مِنْ شَعْبَان إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤيتهِ، أي ولم يعلم من هو الذي رآه، أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ، أي وإن ظنَّ صدقهم كما صرح به الرافعي في شرحه؛ وقد تقدم: أنَّه إذا اعتقد كون غد من رمضان بقول من يثق به من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء ونوى صومه عن رمضان إن كان منه فكان منه وقع عنه، وَلَيْسَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ، لأنه صلى الله عليه وسلم تعبدنا فيه بإكمال العدة كما تقدم أول الباب، ولا أثر لطلبنا الرؤية لولا الغيم.
وُيُسَنُّ تَعْجِيلُ الفِطْرِ عَلَى تمْرٍ وَإِلَّا فَمَاءٍ، للنص الصحيح فيه (981)، وإذا كان بمكة استحب أن يفطر على ماء زمزم لما فيه من البركة، ولو سمع بينه وبين التمر فحسن (982).
وَتَأْخيِرُ السُّحُورِ، لأنه من سُنن المرسلين وأرفق وأقوى على العبادة، مَا لَمْ يَقَعْ في شَكّ، أي بأن يخشى طلوع الفجر، لأنه إذا أكل ربما أفطر فندب الإمساك، وَاعْلَمْ: أن المصنف لم يصرح بأصل استحباب السحور، وهو إجماع، ويحصل بكثير المأكول وقليله وبالماء أَيضًا ويدخل وقته بنصف الليل (983).
كتاب الصيام: الحديث (21/ 1082).
(981)
أحدث سهل بن سعد رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطرَ] رواه البُخَارِيّ في الصحيح: باب تعحيل الإفطار: الحديث (1957). ومسلم في الصحيح: الحديث (48/ 1098).
(982)
لحديث سلمان بن عامر رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلْيُفْطِر عَلَى التَّمْرِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمرَ؛ فَعَلَى المَاءِ فَإِنهُ طَهُورٌ]. رواه أبو داود في السنن: الحديث (2355). والترمذي في الجامع: باب ما يستحب عليه الإفطار: الحديث (695)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(983)
• لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةٍ مِن مَاءٍ]. رواه ابن حبان في صحيحه (الإحسان): الحديث (3467).
• ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [نِعْمَ سُحُورُ المُؤْمِنِ التَّمْرُ]. رواه ابن حبان في الإحسان: الحديث (3467).=
ولْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ، أي يلزمه ذلك ويتأكد في حقّه أكثر من غيره، وليَصُنْ لسانه عن الشتم أَيضًا للنص الصحيح في ذلك كله (984)، وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، أي وإن كانت مباحة استحبابًا مخالفة للهوى لتقوى النفس على التقوى، فإنَّه حكمة الصوم وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:[الصَّوْمُ جُنَّةٌ](985).
• ولحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهْلِ الْكِتَابِ أكْلَةُ السُّحُورِ]. رواه ابن حبان في الإحسان: الحديث (3468). ومسلم في الصحيح: كتاب الصيام: باب فضل السحور: الحديث (46/ 1096).
• ولحديث أبي ذر رضي الله عنه؛ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: [لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا أَخُرُواْ السُّحُورَ وَعَجَّلُواْ الْفِطْرَ]. رواه الإمام أَحْمد في المسند: ج 5 ص 147 و 172. والحديث ضعيف.
(984)
• لحديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: [مَنْ لَم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلِ بِهِ؛ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ]. رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الصوم: الحديث (1903).
• وعنه أَيضًا؛ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: [رُبَّ صَائِمٍ لَيْس لَهُ مِنْ صيَامِهِ إلَّا الْجُوعَ؛ وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرَ]. رواه النَّسائيّ في السنن الكبرى: باب ما يؤمر به الصائم من ترك الجهل: الحديث (1/ 3252). والحاكم في المستدرك: كتاب الصوم: الحديث (40/ 1571)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البُخَارِيّ ولم يخرجاه؛ ووافقه الذهبي؛ قال: على شرط البُخَارِيّ.
• وعنه أَيضًا؛ قال: قال رسول الله: [لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ إِنَّمَا الصيامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ. فَإِنْ سَابَّكَ أحدٌ وَجَهلَ عَلَيكَ؛ فَقُلْ: إِنِّى صَائِمٌ]. رواه الحاكم في المستدرك: الحديث (1570/ 39)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي؛ قال: على شرط مسلم.
(985)
الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [الصيَامُ جُنَّةٌ]، وفي رواية:[قَالَ الله: كُلُّ عَمَلِ ابْن آدَمَ لَهُ؛ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنهُ لِي وَأنَا أَجْزِي بهِ؛ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفَثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّى امْرؤٌ صَائِمٌ]. رواهما البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الصوم: الحديث (1894) و (1904).
ويُسْتَحَبَ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنِ الْجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ليؤدي العبادة على الطهارة وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه، ثم استدل بحديث منسوخ، ولو طَهُرَتِ الحائض ليلًا ونَوَتْ الصوم واغتسلت في النهار صحَّ صومها (986).
فَرْعٌ: يكره له دخول الحمام؛ قاله الجرجانى في تحريره.
وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْحِجَامَةِ، لأجل ما سلف فيها، وَالْقُبْلَةِ، خوف ما تقدم فيها، وَذَوْقِ الطَّعَامِ، خوف الوصول إلى حَلْقِهِ، وَالعَلْكِ، لأنه يجمع الريق وقد سبق الخلاف في إفطاره بذلك ويدعو إلى القيء ويُعطّش أَيضًا، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ:[اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ]، للإتباع كما أخرجه أبو داود مرسلًا والدارقطى متصلًا لكن يضعفه (987)، وَأَنْ يُكثِرَ في الصَّدقَةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ في
(986) • لحديث عائشة رضي الله عنها وأمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها؛ قَالَتَا: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ جُنُبًا في رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ). رواه البُخَارِيّ في الصحيح: الحديث (1930 و 1931 و 1932).
• أمَّا حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه؛ [مَن أصْبَحَ جُنُبًا فَلَا يَصُوم] فَمَنْسُوخٌ لِحَدِيّثِ الْحَارِثِ بن هِشام أنَّ أبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أخْبَرَ مَرْوَانَ أَنَّ عَائِشَةَ وَأم سَلَمَةَ أخْبَرَتَاهُ: (أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغتسِلُ وَيَصُومُ) وَقالَ مَروانُ لِعَبدِ الرَّحْمَنِ بن الْحَارِثِ؛ أُقْسِمُ بِاللهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أبَا هُرَيْرَةَ؛ وَمَروَانُ يَوْمَئِذ عَلَى الْمَدِيّنَةِ، فَقالَ أبو بَكر: فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ - وَكَانَتْ لأبي هُرَيرةَ هُنَالِكَ أرْضٌ- فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لأبِي هُرَيْرَة: (إنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أمْرًا، وَلَوْلَا مَروَان أقْسَمَ عَلَيَّ لَمْ أذكُرْهُ لَكَ) فَذَكَر قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الفَضلُ بن عَبَّاسٍ! وَهُنَّ أعْلَمُ. رواه البُخَارِيّ في الصحيح: الحديث (1925 و 1926).
• قال ابن حجر: قال ابن المنذر: (وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ في هَذَا الْحَدِيْثِ أنَّهُ مَنْسُوخٌ): تلخيص الحبير: ج 2 ص 214.
(987)
رواه أبو داود في السنن: الحديث (2358). والدارقطني في السنن: باب القُبلة للصائم: =
رَمَضَان؛ وَأَنْ يَعْتَكِفَ لا سِيّمَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ، للإتباع أَيضًا (988).
فَصْلٌ: شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَان: الْعَقْلُ، أي فلا وجوب على من زال عقله لرفع القلم عنه، نعم: يجب على السكران ولا يصح منه. وَالْبُلُوغ، أي فلا وجوب على الصبي لما قلناه أَيضًا. وَإِطَاقَتُهُ، أي فالعاجز بمرض أو كبر لا يلزمه بالإجماع.
ويؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إِذَا أَطاقَ، ويضرب على تركه لعشر ليتمرَّن عليه كالصلاة، والصبِيَّة كالصبي، وفي إلحاق الصوم بالصلاة نظر ظاهر، ولم يذكر المصنف الإِسلام من شرائط الوجوب لأنه مخاطب به على الصحيح.
ويبَاحُ تَرْكُهُ لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا، بالإجماع، والمعتبر في الضرر ما تقدم في التيمم، وخرج بالشديد اليسير، وَللْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا، بالإجماع وخرج بالطويل القصير وبالمباح المعصية.
وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرِضَ أَفْطَرَ، لوجود المعنى المحوج للإفطار إلى الأفطار من غير اختياره؛ لكن لا يجوز له الفطر حتَّى ينوي الخروج من الصوم، جزمَ به المحبُّ الطبري رحمه الله قال: وفائدة اقترانها بالفطر تمييز الفطر المباح من غيره، وَإِنْ
الحديث (26) من الباب، موصولًا عن ابن عباس، وضعفه.
(988)
• عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيرِ؛ وَكَانَ أجوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِيّرِيْلَ عليه السلام كَانَ يَلْقَاهُ في كُل سَنَة في رَمَضَانَ حَتَّى يَنسَلِخَ فَيَعْرِضُ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْقُرآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيّلُ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ بِالْخَيرِ مِنَ الرِّيْحِ الْمُرسَلَةِ). رواه البُخَارِيّ في الصحيح: في بدء الوحي: الحديث (6)، وفي كتاب الصوم: باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان: الحديث (1902).
• أمَّا الاعتكافُ فلحديث عائشة رضي الله عنها (أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى توَفْاهُ الله عز وجل؛ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ). رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الاعتكاف: باب الاعتكاف في العشر الأواخر: الحديث (2027).
سَافَرَ فَلَا، تغليبًا لحكم الحصر كالصلاة إذا شرع فيها ثم سافر.
وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالمَرِيضُ صَائِمَينِ ثمَّ أَرَادَا الفِطرَ جَازَ، لأن العذر قائم، بل لا كراهة في الفطر حينئذ على الأصح كما ذكره في شرح المهذب، فَلَوْ أَقَامَ، أي المسافر، وَشُفِيَ، أي المريض، حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيح، لانتفاء المبيح به، والثاني: لا، كما لو دام السفر والمرض أو زالا بعد الفطر، وهذا إذا قلنا: إنه يفطر في المسألة التي قبلها كما جزم به المصنف، أما إذا قلنا: لا يفطر، فهنا أولى قاله صاحب المعين.
وَإِذَا أَفطَرَ المُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ قَضَيَا، لقوله تعالى:{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (989) أي فأفطر فعدة، وَكَذَا الحَائِضُ، بالإجماع، وَالْمُفطِرُ بِلَا عُذْرٍ، لأنه إذا وجب على المعذور فغيره أولى، وَتَارِكُ النِّيَّةِ، أي الواجبة عمدًا أو سهوًا، لأنه لم يصم إذ صحته متوقفة عليها.
وَيجِبُ قَضاءُ مَا فَاتَ بِالإِغْمَاءِ؛ لأنه نوع مرض، وَالرِّدَّةِ، لأنه اعتقد الوجوب وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث، دُون الكُفْرِ الأصْلِيِّ؛ لأن فيه تنفيرًا عن الإِسلام، وَالصِّبَا، بالإجماع، وَالْجُنُونِ، لرفع القلم عنه كما سلف، ولو ارتدَّ ثم جنَّ أو سكر ثم جنَّ فالأصح في شرح المهذب في الأول قضاء الجميع، وفي الثاني: أيام السكر، لأن حكم الردة مستمر بخلاف السكر.
وَإذَا بَلَغَ بِالنَّهَارِ صَائِمًا وَجَبَ إِتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ، لأنه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة فلزمه الإتمام كما لو دخل في صوم التطوع ثم نذر إتمامه.
وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا أَؤ أَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ فَلَا قَضَاءَ في الأصَحِّ، لعدم التمكن في زمن يسع الأداء، ولا يمكن فعل الباقي بعده لأنه ليل وهو ليس قابلًا للصوم فأشبه من أدرك قدر ركعة من أول وقت الصلاة ثم جنَّ، والثاني: يجب القضاء، لأنهم أدركوا جزءًا من وقت الفرض ولا يمكن فعله إلَّا بيوم فيكمل كما يصوم في الجزاء
(989) البقرة / 184 و 185.
عن بعض مدٍّ يومًا، ومن الأصحاب من قَطع بالمنع في حق المجنون، وبالإيجاب في حق الكافر، قال ابن الصلاح: وهو متجه لأن الثاني متعدٍّ بخلاف الأول.
وَلَا يَلْزَمُهُمْ، يعني هؤلاء الثلاثة، إِمْسَاكُ بَقِيّةِ النَّهَارِ في الأصَحِّ، لأنهم لم يدركوا وقتًا يسع الصوم ولا أُمروا به، والإمساك تبع للصوم، ولأنهم أفطروا بعذر فأشبهوا المسافر والمريض، والثاني: يلزمهم؛ لأنهم أدركوا وقت الإمساك؛ وإن لم يدركوا وقت الصوم.
وَيلْزَمُ، يعني الإمساك، مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، عقوبة له ومعارضة لقصده، أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، أي من الليل وكان نسيانه يشعر بترك الإهتمام بأمر العبادة فهو نوع تقصير، لا مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا زَالَ عُذرُهُمَا بَعْدَ الفِطْرِ، لأن زوال العذر بعد الترَخصِ لا يؤثر كما لو قصر المسافر ثم أقام والوقت باقٍ، نعم يستحب لحرمة الوقت، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أن يَأْكلَا وَلَمْ يَنوِيا لَيلًا فَكَذَا في المَذْهَبِ؛ لأن من أصبح تاركًا للنية فقد أصبح مفطرًا فكان كما لو أكل، والطريق الثاني فيه وجهان؛ أحدهما: يلزمه حرمة لليوم؛ وأصحهما لا لما سلف.
وَالأظهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ، أي الإمساك، مَن أَكلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِن رَمَضَان، لأن الصوم واجب عليه، إلَّا أنَّه كان لا يعرفه فإذا بَانَ لزمه الإمساك، قال في شرح المهذب: وهذا ما قطع به كثيرون أو الأكثرون من الطريقين، والثاني: لا، لأنه أفطر بعذر فأشبه المسافر إذا قدم بعد الإفطار والفرق ظاهر، أمَّا إذا ثبت كونه منه قبل الأكل ولم يكن نوى فجزم القاضي وجماعة باللزوم وقد فرض المتولي الخلاف في هذه الحالة ورتب عليه الحالة الأُولى.
وَإِمْسَاكُ بَقِيّةِ الْيَوْمِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَان، بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ، لانتفاء شرف الوقت، كما لا كفارة فيهما كذا جزم به المصنف تبعًا للرافعي، ونقل في شرح المهذب اتفاق الأصحاب عليه؛ لكي رأيتُ في البويطي إلحاقهما به فاستفدهُ.
فصل: مَنَ فَاتَهُ شَّيءٌ مِنْ رَمَضَان، أي بعذر، فَمَاتَ قَبْلَ إمْكَانِ انقَضَاءِ، أيْ
بأن استمر السفر أو المرض من استهلال شوال إلى الموت، فَلَا تَدَارُكَ لَهُ وَلَا إِثْمَ، لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حُكْمُهُ كَالْحَجِّ، أما إذا فاته شيء منه بغير عذر ففيه الخلاف الآتي: فيما إذا مات بعد التمكن، قال القفال في فتاويه: وخالف ما إذا نَذَرَ صوم شهر ثم مات قبل إمكانه فإنَّه يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ الطَّعَام، لأن نفس النذر يستقر عليه، قال: وكذا إذا نَذَرَ الحجَّ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكنِ لَم يَصُم عَنْهُ وَليِّهُ في الْجَدِيدِ، لأن الصوم عبادة بدنيةٌ؛ لا تدخلها النيابة في الحياة؛ فكذلك بعد الموت كالصلاة، بَل يُخْرِجُ مِن تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّ طَعَامٍ، لحديث فيه في التِّرْمِذِيّ؛ والأصح وقفه، ورواه البيهقي من فَتوَى ابن عباس وعائشة (990)، والقديم الجواز لقوله صلى الله عليه وسلم:[مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنهُ وَلِيُّهُ] متفق عليه (991)، وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكفَّارَةُ، أي فحكمها حكم رمضان فيجري الخلاف، وقيَّد الحاوي الصغير الكفارة بكفَّارة القتل ولا تختص به. قُلْتُ: القَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، أي من جهة الدليل للحديث السالف وغيره من الأحاديث الصحيحة، وحكى البندنيحي أن الشَّافعيّ رضي الله عنه قال في أماليه: إنْ صَحَّ الحديثُ قُلْتُ بِهِ، ووقع في
(990) • عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامُ شَهر فَلْيُطعِمْ عَنهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مسْكِينًا]. رواه التِّرْمِذِيّ في الجامع: باب ما جاء في الكفارة: الحديث (718)، وقال: حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من هذا الوجه. والصحيح عن ابن عمر موقوفٌ قولُهُ.
• عن محمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثوبان؛ قال: سُئِلِ ابْنُ عَبَّاس عَنْ رجُلٍ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ صِيَامِ شَهْرٍ آخرَ، قَالَ:(يُطْعِمُ سِتيْنَ مِسْكينًا). رواه البيهقي في السنن الكبرى: الأثر (8312 و 8313).
• ووجدت الفتاوى لابن عمر، كَانَ إذَا سُئِلَ عَنِ الرّجُلِ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَان أوْ نَذْرٌ؛ يَقُولُ:(لا يَصُومُ أحدٌ عَنْ أحَدٍ، وَلَكِنْ تَصَدَّقُوا عَنْه مِنْ مَالِهِ لِلصَّوْمِ، لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا). رواه البيهقي في السنن الكبرى: الأثر (8308).
(991)
الحديث عن عائشة رضي الله عنها؛ رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الصوم: باب من مات وعليه صوم: الحديث (1952). ومسلم في الصحيح: كتاب الصيام: الحديث (153/ 1147).
تعليق القاضي أبي الطيب في حكايته القديم أنَّه يجب أن يُصام عنه، وفي شرح مسلم للمصنف أنَّه يُستحب (992)، وفي الماوردي أنَّه يصومُ عنه وليُّهُ إن شاء أو يستأجر من يصوم عنه.
وَالْوَليُّ كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى الْمُختَارِ؛ لأن الولي مشتق من الولْي بإسكان اللام وهو القُربُ فيحمل عليه ما لم يدل دليل على خلافه وصححه في شرح المهذب، وقيل: المراد به الوارث وهو الأشبه عند الرافعي، وقيل: العاصب.
وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ، أَي على حد قول المختار، بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَح، أي بأجرة ودونها كالحج، لا مُسْتَقِلًا في الأَصَحِّ، لأنه ليس في معنى ما ورد به النص، والثاني: يصح أَيضًا كالحج عن الميت ويجوز من الأجنبى على وجه.
فَرْعٌ: لو أوصَى إلى أجنبيٍّ ليصومَ، كان بمثابة الوليِّ؛ قاله الرافعي في كتاب الوصيّة.
فَرْعٌ: لو صام عنه ثلاثون نفسًا في يوم واحد عن صوم جميع رمضان فالظاهر الإجزاء.
وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكافٌ لَمْ يُفْعَل عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الاعْتِكَافِ قَوْلٌ، وَالله أَعْلَمُ، أي في البويطي: أنَّه يعتكف عنه وليُّهُ، وفي رواية: يطعم عنه وليُّهُ، قال البَغَوِيّ: ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مُدًّا، واقتصر على هذا ولم يقل إنه يُصَلَّى عنه، ورأيتُ في فتاويه: عن كل صلاةٍ مُدَّان، ورأيتُ في فتاوي القفال: قال بعض أصحابنا: كلَّ يومٍ مُدّ؛ ولم يذكر غيره، وما ذكره الرافعي في الوصايا وأحال على ما هنا فليس مطابقًا فتأمله، وإذا قلنا بالإطعام في الاعتكاف فالقدر المقابل بالمدّ اعتكاف يوم بليلته كما حكاه الإمام عن والده ثم استشكله.
(992) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الححاج: شرح الحديث السابق: ج (7 - 8) ص 273.
وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِلْكِبَرِ، أي بأن كان شيخًا هرمًا لا يطيقه، روي عن جمع من الصَّحَابَة ولا مخالف لهم فيجب عن كل يوم مُدّ إذا كان موسرًا حينئذ، والثاني: المنع؛ لأنه أفطر لأجل نفسه بعذر فأشبه المسافر والمريض إذا ماتا قبل انقضاء السفر والمرض، وفرق الأول بأنهما يتوقعان القضاء بخلافه، والخلاف جارٍ في المريض الذي لا يرجى بَرَؤُهُ.
وَأَمَّا الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ، فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى نَفسِهِمَا، أي ضررًا بَيِّننًا من الصوم مثل الضرر الناشئ للمريض منه كما قاله البندنيجي، وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ، كالمريض، وسواء تضرر الولد معهما أم لا، أَوْ عَلَى الْوَلَدِ لَزِمَتْهُمَا الْفِدْيَةُ في الأظْهَرِ، لقوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} (993) قال ابن عباس: إنها منسوخة إلَّا في حق الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا، رواه البيهقي (994)، والثانى: لا يلزمهما كالمسافر والمريض؛ لأن فطرهما بعذر؛ قال ابن المنذر: وبه أقول، والثالث: يجب على المرضع دونها، وَاعْلَمْ: أنَّه يقع في بعض النسخ بدل ما ذكرته (أوْ عَلَى الْوَلَدِ لَزِمَهُمَا الْقَضَاءُ وَكَذَا الْفِديةُ في الأظْهَرِ) وهو صحيح لكن ما أثبته هنا رأيته بخط مؤلفه في الأصل.
فَرعٌ: الأصح من زوائد الروضة أن للمستأجرة الفطر أَيضًا، قال: ولعل الأصح من الوجهين أن الفدية على المرضع.
فَرْعٌ: قال القاضي: المتبرعة عند وجود مراضع يجوز لها الفطرْ أَيضًا.
(993) البقرة / 184.
(994)
عن ابن عباس قال: (كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيْرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيْرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا، وَالْحُبْلَى؛ وَالْمُرْضِعُ؛ إِذَا خَافَتَا). رواه أبو داود في السنن: كتاب الصوم: الحديث (2318)، قال أبو داود: يعني على أولادهما (أَفْطَرَتَا وَأطْعَمَنَا)، والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصيام: باب الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا: الأثر (8168).
فَرْعٌ: الأصح من زوائد الروضة: أنَّه لا فدية على المتحيرة إذا أفطرت للإرضاع إذا أوجبناها على غيرها؛ ذكره في باب الحيض.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ مَنْ أَفْطَرَ لإِنْقَاذِ مُشْرِفٍ عَلَى هَلَاكٍ، أي بغرق وغيره بجامع الإفطار بسبب الغير؛ لأنه فطر ارتفق به شخصان، ومن هذا التعليل يؤخذ أنَّه إذا أفطر لإنقاذ ماله أنَّه لا فدية عليه، وبه صرح القفال في فتاويه فارقًا بذلك، والثاني: لا، لأنَّ إيجاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس، والتعويل في حق المرضع والحامل على التوقيف.
فَائِدَةٌ: الفطر في هذه الحالة واجب؛ قاله الأصحاب.
لا الْمُتَعدِّيَ بِفِطْرِ رَمَضَان بِغَيرِ جِمَاعٍ، أي لا يلحق بالمرضع في لزوم الفدية في الأصح؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، وحيث وجبت الفدية إنما وجبت جابرة لما وقع من الخلل، وحرمته أعظم من أن تجبرها الفدية، وصحح في شرح المهذب القطع به، والثاني: يلزمه الفدية، لأنها واجبة على الحامل والمرضع مع العذر فهو أولى منهما، وقرّب الإمام الخلاف من الخلاف في تعمد ترك الابعاض هل يقتضي سجود السهو لكن الصحيح هناك أنَّه يسجد.
وَمَن أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَان مَعَ إِمْكَانِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانٌ آخَرُ لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، قال الماوردي: هو إجماع ستة من الصَّحَابَة لا يعرف لهم مخالف، والمراد بالإمكان عدم العذر، وَالأصَحُّ تَكَرُّوُهُ بِتَكرُّرِ السِّنِينَ، لأن الحقوق المالية لا تتداخل، والثاني: لا؛ بل تتداخل كالحدود.
وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ إِمْكَانِهِ فَمَاتَ أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ: مُدٌّ لِلْفَوَاتِ، لأنه لم يَصُم، وَمُدٌّ للتَّأْخِيرِ، والثاني: يكفي مُدٌّ واحدٌ؛ لأن الفوات يضمن بمُدٍّ واحد كالشيخ الهَرِمِ، ومحل الخلاف إذا قلنا: الولي يطعم عنه، فإن قلنا: يصوم عنه؛ فيفدى مُدًا واحدًا للتأخير.
وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ الْفُقَرَاءُ وَالمَسَاكِينُ، أي لا إلى الأصناف الثمانية لورود
المسكين في الخبر والأثر، والفقير أسوأُ حالًا منه وهما مصرف الصدقات غالبًا، وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، أي بخلاف الْمُدِّ الواحد؛ فإنَّه لا يجوزُ صَرْفُهُ إِلَى شَخْصَيْنِ، لأنَّ كُلَّ مُدٍّ بِمَثَابَةِ كَفارَةٍ تَامَّةٍ، ويفارق زكاة الفطر فإنَّه يجوز صرف صاع إلى مائة مسكين مثلًا، وجزاء الصيد فيه احتمالان للقفال في فتاويه؛ أحدهما: إلحاقه بالفدية فلا ينقص كل مسكين عن مُدٍّ، والثاني: أنَّه يجوز النقصُ؛ لأنَّ الغرامةَ قد تكون أقلَّ منه، وَجِنسُهَا جِنْسُ الْفِطْرَةِ، أي فيعتبر على الأصح غالب قوت البلد كما سبق في بابها.
فَرْعٌ: يعتبر في المُدّ الذي توجبه هنا وفي الكفارات أن يكون فاضلًا عن قوته ومسكنه كزكاة الفطر قاله القفال في فتاويه.
فَصْلٌ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بإِفسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِن رَمَضَان بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، لحديث المجامع أهله في رمضان وهو مخرَّج في الصحيحين بطوله (995) وقد ذكرت في التحفة دلائل هذا الكتاب من الحديث الصحيح فراجعه منها وهو إجماع إلَّا مَنْ شَذَّ، والقيود المذكورة سيشرحها المصنف بعده وأهمل قيد التمام تبعًا لِلْمُحَرَّرِ وذكره في الروضة فقال: بجماع تام واحترز به عن الجماع فيما دون
(995) الحديث لأبي هريرة رضي الله عنه؛ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ؛ قَالَ: [مَا لَكَ؟ ] قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [هَلْ تَجِدُ رقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ ] قَالَ: لا! قَالَ: [فَهَل تَسْتَطِيّعُ أن تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ؟ ] قَالَ: لا! قَالَ: [فَهَل تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّيْنَ مِسْكِينًا؟ ] قَالَ: لا. قَالَ: فَمَكَثَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَينَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَق فِيّهَا تَمْرٌ- وَالْعَرَقُ: المِكْتَلُ قَالَ: [أيْنَ السَّائِلُ؟ ] فَقَالَ: أنَا! . قَالَ: [خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ] فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِني يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَواللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيهَا - يَعْنِي الْحَرَّتَينِ- أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدتْ أَنْيَابُهُ، ثُم قالَ:[أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ]. رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الصوم: باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه: الحديث (1936). ومسلم في الصحيح: باب تغليظ تحريم الجماع: الحديث (81/ 1111).
الفرج، ويستثنى من طرد الضابط المذكور وعكسه ما ذكرته فراجعه في الشرح.
فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ، بناءً على أنَّه لا يفسد صومه بذلك؛ كما سلف في الباب، وهذا ما احترز عنه بقوله (بِإِفْسَادٍ)، ولأنه لم يأثم أَيضًا، وَلَا مُفْسِدٍ غَيْرَ رَمَضَانَ، أي كالتطوع والنذر والقضاء والكفارة، لأنَّ النَّصَّ وَرَدَ في رمضانَ وهو مخصوص بفضائل لا يشركه غيره فيها، وهذا ما احترز عنه بقوله (مِنْ رَمَضَانَ)، أَوْ بِغَيْرِ الْجِمَاع، أي كالأكل وغيره؛ لأنَّ النَّصَّ وَرَدَ في الجِمَاع وغيرهُ ليس في معناه، وهذا ما احترز عنه بقيد الجماع، وَلَا مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، لوحود القصد مع الإباحة، وَكَذَا بِغَيْرِهَا في الأَصَحِّ، لأن الإفطار مباح له فيصير شبهة في درء الكفارة، والثاني: يلزمه؛ لأن الرخصة لا تحصل بدون قصدها.
فَرْعٌ: المريضُ الذي يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ كَالْمُسَافِرِ.
وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ اللَّيْلَ فَبَان نَهَارًا، لانتفاء الإثم عنه، وَلَا عَلَى مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الأكْلِ نَاسِيًا وَظَن أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ، لأنه وطئ وهو يعتقد أنَّه غير صائم، وَإِن كَان الأَصَحُّ بُطَلَانَ صَوْمِهِ، بهذا الجماع كما لو جامع على ظن أن الصبح لم يطلع فبان خلافه، والثاني: لا يبطل كما لو سلم عن ركعتين من الظهر ناسيًا وتكلم عامدًا لا تبطل صلاته، أما إذا علم أنَّه لا يفطر به ثم جامع في يومه فيفطر وتجب الكفارة قطعًا، وَلَا مَنْ زَنَى نَاسِيًا، أي للصوم وكان مقيمًا، وقلنا: إن الصومَ يَفْسَدُ بالجماع ناسيًا له، لأنه لم يأثم بسبب الصوم فإنَّه كان ناسيًا، وَلَا مَسَافِرٍ أفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِصًا، لأنَّهُ وَإِنْ أَثِمَ بِهَذَا الْجِمَاع لكنه لم يأثم به بسبب الصوم فإن الإفطار جائز له وهذا ما احترز عنه بقوله بسبب الصوم، وقوله أثم به يخرج المسألة السالفة وهي ما إذا ظن الليل فبان نهارًا وغيرها، وَالكَفَارَةِ عَلىَ الزَّوْج عَنْهُ، أي دونها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها زوجة المجامع أهله مع مشاركتها له في السبب؛ لأنه جاء في رواية [هَلَكْتُ وَأَهْلَكتُ](996) ولو وجبت عليها لِبَيِّنَةٍ كما في الرَّجل، وَفي قَوْلٍ:
(996) • عن أبي هريرة قال: جاء رجل فقال: (يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ وَأهْلَكْتُ). رواه =
عَنْهُ وَعَنْهَا، أي لزمها كفارة وتحملها الزوج، فاتحدت مع كفارته، لأنَّ الْمُجَامِعَ لَمَّا ذَكَرَ قِصَّتَهُ ومشاركتها له في السبب أمره صلى الله عليه وسلم بالكفارة فدل على وجوبها بسبب المجموع، وعلى هذا قيل: يجب على كل منهما النصف ثم يتحمل ما وجب عليها، وقيل: يجب على كل منهما كفارة تامة ثم يتحمل عنها ثم يتداخلان، حكاهما في البحر وضَعَّفَ الثاني. وَفِي قَوْلٍ: عَليْهَا كفارَةٌ أخْرَى، بالقياس على الرجل لتساويهما في السبب؛ ولأنها عقوبة فاشتركا فيها كحد الزنا، وحكى الماوردي وغيره: أنَّه يجب على الزوج في ماله كفارتان، كفارة عنه وكفارة عنها وهو مصادم للحديث لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره إلّا بكفارة واحدة، ويستثنى من القول الثالث ما إذا جومعت في دبرها فلا كفَّارة عليها، نقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطِّيب والبندنيحي، وكذا إذا كانت مفطرة بحيض أو غيره أو صائمة ولم يبطل صومها لكونها نائمة مثلًا، ومن فوائد هذا الخلاف ما لو أفطرت بزنا أو بوطء شبهة، فإن قلنا: الكفارة التي يخرجها عنه خاصة فلا شيء عليها، وإن قلنا: بالتحمل فعليها
الدارقطني في السنن: باب طلوع الشَّمس بعد الإفطار: الحديث (23) من الباب: ج 2 ص 210. وقال: تفرد به أبو ثور عن مُعَلَّى بن منصور عن ابن عيينة؛ بقوله: أهلكت. وكلهم ثقات. وفي المنتقى من أحاديث الأحكام: كتاب الصوم: باب كفارة من أفسد صوم رمضان: الحديث (2157)، قال ابن تيمية:(وظاهر هذا أنها كانت مكرهة).
• رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصيام: باب رواية من روى في هذا الحديث لفظة لا يرضاها أهل الحديث: الحديث (8154)، وقال: ضَعَّفَ شيخنا أبو عبد الله الحافظ رحمه الله هذه اللفظة: وأهلكت وَحَمَلَهَا عَلَى أَنَّهَا أُدْخِلَتْ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ في حَدِيثِهِ، وقال: ورواه كافة أصحاب الأَوْزَاعِيّ عن الأَوْزَاعِيّ دُونَهَا، ولم يذكرها أحدٌ مِن أصحابِ الزُّهْرِيّ عن الزُّهْرِيّ إلَّا ما رُوي عن أبي ثور مُعَلّى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزُّهْرِيّ، وكان شيخنا يستدلُّ على كونها في تلك الرواية أَيضًا خطأ؛ بأنه نظرَ في كتاب الصوم تصنيف الْمُعَلَّى بن منصور بخط مشهور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة. وأن كافة أصحاب سفيان رووه دونها والله أعلم. إهـ.
الكفارة؛ لأن التحمل بالزوجية، وقيل: يلزمها قطعًا.
فَرْعٌ: المتحيرةُ لا تلزمها الكفارة على الصحيح، إذا قلنا تجب على المرأة، ذكره في الروضة من زوائده في باب الحيض.
وَتَلْزَمُ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَجَامَعَ في يَوْمِهِ، لأنه هتك حرمة يوم من رمضان بإفساد صومه بالجماع فأشبه سائر الأيام، وَمَنْ جَامَعَ في يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ، لأن كل يوم عبادة منفردة فلا تتداخل كفارتهما كحجتين إذا جامع فيهما بخلاف الحدود المبنية على الإسقاط، فإن تكرر الجماع في يوم واحد فلا تعدد.
وَحُدُوثُ السفَرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ لا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ، لأن السفر المنشأ في أثناء النهار لا يبيح الفطر فعروضه لا يؤثر فيما وجب من الكفارة، وَكَذَا الْمَرَضُ عَلَى المَذْهَبِ، لأنه هتك حرمة اليوم بما فعل، والثاني: يسقط لأن المرض الطارئ يبيح الفطر فتبين به أن الصوم لم يقع مستحقًا، هذه هي الطريقة الصحيحة، والطريقة الثَّانية القطع بالأول كالسفر.
فَرْعٌ: لو طرأ بعد الجماع جنون أو موت أو حيض فالأظهر السقوط.
وَيجِبُ مَعَهَا، أي مع الكفارة، قَضَاءُ يَوْمِ الإِفْسَادِ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر الأعرابي كما رواه أبو داود (997)، والثاني: لا يجب، لأن الخلل الحاصل قد انجبر بالكفارة، والثالث: إن كُفّرَ بالصوم دخل فيه القضاء وإلّا فلا؛ لاختلاف الجنس، قال الروياني: والصحيح القطع بالأول، قال الإمام: ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمَّل الزوج، فإن الكفارة إذا كانت صومًا لم يتحمل فما ظنك بالقضاء.
(997) عن أبي هريرة قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَفْطَرَ في رَمَضَانَ؛ بهذا الحديث؛ قال: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيّهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا؛ وقال فيه: [كُلْهُ أَنْتَ وَأهْلُ بَيْتِكَ؛ وَصُمْ يَوْمًا؛ وَاسْتَغْفِرِ الله]. رواه أبو داود في السنن: باب كفارة من أتى أهله: الحديث (2393). والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (8152).
وَهِيَ، يعني كفارة الوقاع في رمضان، عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، للحديث السالف المشار إليه أول الفصل، وهي مرتبة ككفارة الظهار، وفي أبي داود [أَنَّه صلى الله عليه وسلم أُتِىَ بِعَرَقٍ فِيْهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا] رواه أبو داود (891) وقال البيهقي: وهي أصح من رواية من روى [فَأُتِىَ بِعَرَقٍ فِيْهِ عشرونَ صَاعًا](998).
فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْجَمِيع اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ في الأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ مِنْهَا فَعَلَهَا، كجزاء الصيد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أمر المجامع بأن يُكَفِّرَ بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه فدل على ثبوتها في الذمة مع العجز، والثاني: لا؛ بل تسقط كزكاة الفطر، ولأنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر ذلك للأعرابي مع جهله بالحكم؛ وللأول أن يجيب بأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز.
فَرْعٌ: لو قدر على البعض؛ قال الدَّارميّ في استذكاره: فإن قلنا لم يقدر على الكل فهو في ذمته فهنا أَولى، وإن قلنا تَسْقُط فوجهان؛ أحدهما: تَسْقُط ولا يخرج شيئًا، والثاني: لا تَسْقُط، فعلى هذا وجهان؛ أحدهما: يخرج ما معه ولا شيء عليه، والثاني: يكون في ذمته الباقي.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ العُدُولُ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ، لأنه صلى الله عليه وسلم قال للمجامع [صُمْ شَهْرَيْنِ] قال: وَهَلْ أَتَيْتُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الصَّوْمِ، فَقَالَ:[أَطْعِمْ سِتيْنَ مِسْكِيْنًا]، والثاني: لا، لإمكان القدرة على الصوم، وَالْغُلْمَةُ بضم الغين وإسكان اللام مصدر غلم إذا اشتدت حاجته إلى النكاح.
وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إِلَى عِيَالِهِ، كالزكوات وسائر الكفارات، والثاني: يجوز؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال للمجامع: [أَطْعِمْهُ أهْلَكَ] ، وَالأوَّلُ أَوَّلَهُ.
(998) رواه البيهقي في السنن الكبرى: باب كفارة من أتى أهله: الحديث (8137)، وقال: قد رُوي في حديث أبي هريرة خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا؛ وَهُوَ أَصَحُّ. والله أَعْلَمُ.